بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
أَنزَلَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ القُرءَانَ الكَرِيمَ هُدًى وَرَحمَةً وَمَوعِظَةً لِلمُؤمِنِينَ، وَأَودَعَهُ مِن فُنُونِ العُلُومِ وَالحِكَمِ العَجَبَ العُجَابِ، وَجَعَلَهُ أَجَلَّ الكُتُبِ قَدرًا، وَأَغزَرَهَا عِلمًا، وَأَعذَبَهَا نَظمًا، وَأَبلَغَهَا فِي الخِطَابِ، لَيسَ فِيهِ عِوَجٍ وَلَا شُبهَةٌ وَلَا ارتِيَابٌ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبدِهِ الكِتَابَ وَلَم يَجعَل لَهُ عِوَجَاً * قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأسًا شَدِيدًا مِن لَدُنهُ وَيُبَشِّرَ المُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُم أَجرًا حَسَنًا﴾ [سورة الكهف:1-2].
وَلَمَّا كَانَ لِلقُرءَانِ هَذَا الفَضلُ وَالقَدرُ العَظِيمُ اهتَمَّ العُلَمَاءُ مِن أَهلِ السُّنَّةِ بِهِ اهتِمَامًا بَالِغًا، تَعَلُّمًا وَتَعلِيمًا وَقِرَاءَةً وَتَفسِيرًا، إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الدِّرَاسَةِ، وَمِن هَذِهِ الوُجُوهُ: التَّفسِيرُ، وَهَذَا مَوضُوعُ مَقَالَتِنَا هَذِهِ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
معنى التفسير
التَّفسِيرُ تَفعِيلٌ مِنَ الفَسرِ، وَهُوَ البَيَانُ وَالكَشفُ، وَقَالَ بَعضُهُم: التَّفسِيرُ بَيَانُ لَفظٍ لَا يَحتَمِلُ إِلَّا وَجهًا وَاحِدًا بِمَا ظَهَرَ مِنَ الأَدِلَّةِ، وَالفَرقُ بَينَهُ وَبَينَ التَّأوِيلِ هُوَ أَنَّ التَّأوِيلَ تَوجِيهُ لَفظٍ مُتَوَجِّهٍ إِلَى مَعَانٍ مُختَلِفَةٍ إِلَى وَاحِدٍ مِنهَا بِمَا ظَهَرَ مِنَ الأَدِلَّةِ.
وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: «التَّفسِيرُ عِلمٌ يُبحَثُ فِيهِ عَن كَيفِيَّةِ النُّطقِ بِأَلفَاظِ القُرآنِ -وَهُوَ عِلمُ القِرَاءَةِ-، وَمَدلُولَاتِهَا -مِن حَيثُ اللُّغَةُ الَّتِي يَحتَاجُ إِلَيهَا لِفَهمِهَا-، وَأَحكَامِهَا الإِفرَادِيَّةِ وَالتَّركِيبِيَّةِ -هَذَا يَشمَلُ عِلمَ التَّصرِيفِ وَالبَيَانِ وَالبَدِيعِ-، وَمَعَانِيهَا الَّتِي تُحمَلُ عَلَيهَا حَالَةَ التَّركِيبِ -مِن حَيثُ الحَقِيقَةُ وَالمَجَازُ-، وَتِتِمَّاتٍ لِذَلِكَ -مِثلُ مَعرِفَةِ النَّسخِ وَسَبَبِ النُّزُولِ وَقِصَّةٍ تُوَضِّحُ بَعضَ مَا أُبهِمَ فِي القُرآنِ وَنَحوَ ذَلِكَ-».
حكم الاشتغال بعلم التفسير
عِلمُ التَّفسِيرَ مِن فُرُوضِ الكِفَايَةِ الَّتِي إِذَا قَامَ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ المُسلِمِينَ وَحَصَلَت بِهِمُ الكِفَايَةُ فِي ذَلِكَ سَقَطَ عَنِ البَقِيَّةِ، وَهُوَ أَيِ التَّفسِيرُ أَجَلُّ العُلُومِ الثَّلَاثَةِ الشَّرعِيَّةِ بِالإِجمَاعِ، بَلِ القُرآنُ أُصلُ العُلُومِ، وَفَضُلُهُ وَفَضلُ حَامِلِهِ مَشهُورٌ مَعلُومٌ، فَإِيضَاحُهُ وَبَيَانُهُ أَجَلُّ العُلُومِ وَأَشرَفُهَا وَأَعلَاهَا، بَل بِهِ عِصمَتُنَا، وَسَعَادَتُنَا فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، لِتَعَلُّقِهِ بِكَلَامِ اللهِ تَعَالَى.
وجه الحاجة إلى التفسير
كُلُّ مَن وَضَعَ مِنَ البَشَرِ كِتَابًا فَإِنَّمَا وَضَعَهُ لِيُفهَمَ بِذَاتِهِ مِن غَيرِ شَرحٍ، وَإِنَّمَا احتِيجَ إِلَى الشُّرُوحِ لِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ:
أَحَدُهَا: كَمَالُ فَضِيلَةِ المُصَنِّفِ، فَإِنَّهُ لِقُوَّتِهِ العِلمِيَّةِ يَجمَعُ المَعَانِيَ الدَّقِيقَةَ فِي اللَّفظِ الوَجِيزِ، فَرُبَّمَا عُسِرَ فَهمُ مُرَادِهِ، فَقَصَدَ بِالشَّرحِ ظُهُورَ تِلكَ المَعَانِي الخَفِيَّةِ، وَمِن هُنَا كَانَ شَرحُ بَعضِ الأَئِمَّةِ تَصنِيفَهُ أَدَلَّ عَلَى المُرَادِ مِن شَرحِ غَيرِهِ لَهُ.
وَثَانِيهَا: إِغفَالُهُ بَعضَ تِتِمَّاتِ المَسأَلَةِ أَو شُرُوطٍ لَهَا اعتِمَادًا عَلَى وُضُوحِهَا، أَو لِأَنَّهَا مِن عِلمٍ آخرَ فَيَحتَاجُ الشَّارِحُ لِبَيَانِ المَحذُوفِ وَمَرَاتِبِهِ.
وَثَالِثُهَا: احتِمَالُ اللَّفظِ لِمَعَانٍ كَمَا فِي المَجَازِ (كَلَفظِ الدَّابَّةِ، يُطلَقُ عَلى ذَوَاتِ الأَربَعِ كَالفَرَسِ وَهُوَ فِي أَصلِ اللُّغَةِ يُطلَقُ عَلَى كُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الأَرضِ)، وَالِاشتِرَاكِ (كَالبَيضَةِ، تُطلَقُ عَلَى بَيضَةِ الدَّجَاجَةِ وَالنَّعَامَةِ وَتُطلَقُ عَلى الخُوذَةِ)، وَدَلَالَةِ الِالتِزَامِ، فَيَحتَاجُ الشَّارِحُ إِلَى بَيَانِ غَرَضِ المُصَنِّفِ وَتَرجِيحِهِ.
وَقَد يَقَعُ فِي التَّصَانِيفِ مَا لَا يَخلُو عَنهُ بَشَرٌ مِنَ السَّهوِ وَالغَلَطِ أَو تَكرَارِ الشَّيءِ أَو حَذفِ المُبهَمِ وَغَيرِ ذَلِكَ، فَيَحتَاجُ الشَّارِحُ لِلتَّنبِيهِ عَلَى ذَلِكَ.
إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَنَقُولُ: مِنَ المَعلُومِ أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا خَاطَبَ خَلقَهُ بِمَا يَفهَمُونَهُ، وَلِذَلِكَ أَرسَلَ كُلَّ رَسُولٍ بِلِسَانِ قَومِهِ، وَأَنزَلَ كِتَابَهُ عَلَى لُغَتِهِم، وَقَد نَزَلَ القُرآنُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ فِي زَمَنِ أَفصَحِ العَرَبِ، وَكَانُوا يَعلَمُونَ ظَوَاهِرَهُ وَأَحكَامَهُ، أَمَّا دَقَائِقُ بَاطِنِهِ فَإِنَّمَا كَانَ يَظهَرُ لَهُم بَعدَ البَحثِ وَالنَّظَرِ مَعَ سُؤَالِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الأَكثَرِ.
وَنَحنُ مُحتَاجُونَ إِلَى مَا كَانُوا يَحتَاجُونَ إِلَيهِ وَزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا لَم يَحتَاجُوا إِلَيهِ مِن أَحكَامِ الظَّوَاهِرِ، لِقُصُورِنَا عَن مَدَارِكِ أَحكَامِ اللُّغَةِ بِغَيرِ تَعَلُّمٍ، فَنَحنُ أَشَدُّ النَّاسِ احتِيَاجًا إِلَى التَّفسِيرِ، وَمَعلُومٌ أَنَّ تَفسِيرَ بَعضِهِ يَكُونُ مِن قِبَلِ بَسطِ الأَلفَاظِ الوَجِيزَةِ وَكَشفِ مَعَانِيهَا وَبَعضِهِ الآخَرِ مِن قِبَلِ تَرجِيحِ بَعضِ الِاحتِمَالَاتِ عَلَى بَعضٍ.
شرف علم التفسير
قَالَ الأَصبَهَانِيُّ: «أَشرَفُ صِنَاعَةٍ يَتَعَاطَاهَا الإِنسَانُ تَفسِيرُ القُرآنِ، بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ شَرَفَ الصِّنَاعَةِ: إِمَّا بِشَرَفِ مَوضُوعِهَا: مِثلَ الصِّيَاغَةِ -وَهِيَ حِرفَةُ صِنَاعَةِ الحُلِيِّ وَنَحوِهِ- فَإِنَّهَا أَشرَفُ مِنَ الدِّبَاغَةِ -وَهِيَ حِرفَةُ صِنَاعَةِ القُمَاشِ مِن جُلُودِ المَيتَةِ-، لِأَنَّ مَوضُوعَ الصِّيَاغَةِ الذَّهَبُ وَالفِضَّةُ وَهُمَا أَشرَفُ مِن مَوضُوعِ الدِّبَاغَةِ الَّذِي هُوَ جِلدُ المَيتَةِ.
وَإِمَّا بِشَرَفِ غَرَضِهَا: مِثلَ صِنَاعَةِ الطِّبِّ فَإِنَّهَا أَشرَفُ مِن صِنَاعَةِ الكُنَاسَةِ، لِأَنَّ غَرَضَ الطِّبِّ إِفَادَةُ الصِّحَّةِ وَغَرَضَ الكُنَاسَةِ تَنظِيفُ المُستَرَاحِ.
وَإِمَّا لِشِدَّةِ الحَاجَةِ إِلَيهَا: كَالفِقهِ فَإِنَّ الحَاجَةَ إِلَيهِ أَشَدُّ مِنَ الحَاجَةِ إِلَى الطِّبِّ، إِذ مَا مِن وَاقِعَةٍ مِنَ الكَونِ فِي أَحَدٍ مِنَ الخَلقِ إِلَّا وَهِيَ مُفتَقِرَةٌ إِلَى الفِقهِ، لِأَنَّ بِهِ انتِظَامَ صَلَاحِ أَحوَالِ الدُّنيَا وَالدِّينِ، بِخِلَافِ الطِّبِّ فَإِنَّهُ يَحتَاجُ إِلَيهِ بَعضُ النَّاسِ فِي بَعضِ الأَوقَاتِ.
إِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَصِنَاعَةُ التَّفسِيرِ قَد حَازَتِ الشَّرَفَ مِنَ الجِهَاتِ الثَّلَاثِ:
أَمَّا مِن جِهَةِ المَوضُوعِ فَلِأَنَّ مَوضُوعَهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ يُنبُوعُ كُلِّ حِكمَةٍ وَمَعدِنُ كُلِّ فَضِيلَةٍ، فِيهِ نَبَأُ مَا قَبلَكُم وَخَبَرُ مَا بَعدَكُم وَحُكمُ مَا بَينَكُم، لَا يَخلَقُ -لَا يَبلَى وَلَا يَقدُمُ- عَلَى كَثرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنقَضِي عَجَائِبُهُ.
وَأَمَّا مِن جِهَةِ الغَرَضِ فَلِأَنَّ الغَرَضَ مِنهُ هُوَ الِاعتِصَامُ بِالعُروَةِ الوُثقَى وَالوُصُولُ إِلَى السَّعَادَةِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي لَا تَفنَى.
وَأَمَّا مِن جِهَةِ شِدَّةِ الحَاجَةِ فَلِأَنَّ كُلَّ كَمَالٍ دِينِيٍّ أَو دُنيَوِيٍّ عَاجِلِيٍّ أَو آجِلِيٍّ مُفتَقِرٌ إِلَى العُلُومِ الشَّرعِيَّةِ وَالمَعَارِفِ الدِّينِيَّةِ، وَهِيَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى العِلمِ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى».
وَلَا يَخفَى شَرَفُ التَّفسِيرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُؤتِي الحِكمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤتَ الحِكمَةَ فَقَد أُوتِيَ خَيراً كَثِيرًا﴾، [سورة البقرة:269]، أَخرَجَ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيرُهُ مِن طَرِيقِ ابنِ أَبِي طَلحَةَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ فِي قَولِهِ: ﴿يُؤتِي الحِكمَةَ﴾ قَالَ: المَعرِفَةَ بِالقُرآنِ؛ نَاسِخِهِ وَمَنسُوخِهِ وَمُحكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ وَمُقَدَّمِهِ وَمُؤَخَّرِهِ وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ وَأَمثَالِهِ، وَأَخرَجَ ابنُ مَردَوَيهِ مِن طَرِيقِ جُوَيبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ مَرفُوعًا: ﴿يُؤتِي الحِكمَةَ﴾ قَالَ: القُرآنَ، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: يَعنِي تَفسِيرَهُ، فَإِنَّهُ قَد قَرَأَهُ البَرُّ وَالفَاجِرُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَتِلكَ الأَمثَالُ نَضرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ﴾، [سورة العنكبوت:43]، أَخرَجَ أَبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ فِي فَضَائِلِ القُرآنِ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الَّذِي يَقرَأُ القُرآنَ وَلَا يُحسِنُ تَفسِيرَهُ كَالأَعرَابِيِّ يَهُذُّ الشِّعرَ هَذًّا.
شروط المفسر
يُشتَرَطُ فِي المُفَسِّرِ شُرُوطٌ مِنهَا:
1- صِحَّةُ الِاعتِقَادِ.
2- وَلُزُومُ سُنَّةِ الدِّينِ: فَإِنَّ مَن كَانَ مُتَّهَمًا فِي دِينِهِ لَا يُؤتَمَنُ عَلَى الإِخبَارِ عَن عَالِمٍ، فَكَيفَ يُؤتَمَنُ فِي الإِخبَارِ عَن أَسرَارِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤمَنُ إِن كَانَ مُتَّهَمًا بِالإِلحَادِ أَن يَبغِيَ الفِتنَةَ وَيَغُرَّ النَّاسَ بكذبه وَخِدَاعِهِ، كَدَأبِ البَاطِنِيَّةِ وَغُلَاةِ الرَّافِضَةِ، وَإِن كَانَ مُتَّهَمًا بِهَوًى لَم يُؤمَن أَن يَحمِلَهُ هَوَاهُ عَلَى مَا يُوَافِقُ بِدعَتُهُ، كَدَأبِ القَدَرِيَّةِ.
3- وَأَن يَكُونَ اعتِمَادُهُ عَلَى النَّقلِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَن أَصحَابِهِ وَمَن عَاصَرَهُم، وَيَتَجَنَّبُ المُحدَثَاتِ.
4- وَصِحَّةُ المَقصِدِ فِيمَا يَقُولُ: لِيَلقَى التَّسدِيدَ، فَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنَا﴾، [سورة العنكبوت:69]، وَإِنَّمَا يَخلُصُ لَهُ القَصدُ إِذَا زَهِدَ فِي الدُّنيَا، لِأَنَّهُ إِذَا رَغِبَ فِيهَا لَم يُؤمَن أَن يَقصِدَ بِهِ إِلى غَرَضٍ يَصُدُّهُ عَن صَوَابِ قَصدِهِ، وَيُفسِدُ عَلَيهِ صِحَّةَ عَمَلِهِ.
5- وَأَن يَكُونَ مُمتَلِئًا مِن عُدَّةِ الإِعرَابِ، لَا يَلتَبِسُ عَلَيهِ اختِلَافُ وُجُوهِ الكَلَامِ.
6- وَأَن يَكُونَ جَامِعًا لِلعُلُومِ الَّتِي يَحتَاجُ المُفَسِّرُ إِلَيهَا، وَهِيَ خَمسَةَ عَشَرَ عِلمًا:
– أَحَدُهَا: اللُّغَةُ: لِأَنَّ بِهَا يُعرَفُ شَرحُ مُفرَدَاتِ الأَلفَاظِ وَمَدلُولَاتِهَا بِحَسَبِ الوَضعِ، وَلَا يَكفِي فِي حَقِّهِ مَعرِفَةُ اليَسِيرِ مِنهَا فَقَد يَكُونُ اللَّفظُ مُشتَرَكًا وَهُوَ يَعلَمُ أَحَدَ المَعنَيَينِ وَالمُرَادُ الآخَرُ.
– الثَّانِي: النَّحوُ: لِأَنَّ المَعنَى يَتَغَيَّرُ وَيَختَلِفُ بِاختِلَافِ الإِعرَابِ، فَلَا بُدَّ مِنَ اعتِبَارِهِ.
– الثَّالِثُ: التَّصرِيفُ: لِأَنَّ بِهِ تُعرَفُ الأَبنِيَةُ وَالصِّيَغُ، قَالَ ابنُ فَارِسٍ وَمَن فَاتَهُ عِلمُهُ فَاتَهُ المُعظَمُ.
– الرَّابِعُ: الِاشتِقَاقُ: لِأَنَّ الاسمَ إِذَا كَانَ اشتِقَاقُهُ مِن مَادَّتَينِ مُختَلِفَتَينِ اختَلَفَ المَعنَى بِاختِلَافِهِمَا، كَالمَسِيحِ هَل هُوَ مِنَ السِّيَاحَةِ أَوِ المَسحِ.
– الخَامِسُ وَالسَّادِسُ وَالسَّابِعُ: المَعَانِي وَالبَيَانُ وَالبَدِيعُ، لِأَنَّهُ يَعرِفُ بِالأَوَّلِ خَوَاصَّ تَرَاكِيبِ الكَلَامِ، مِن جِهَةِ إِفَادَتِهَا المَعنَى، وَبِالثَّانِي خَوَاصَّهَا مِن حَيثُ اختِلَافِهَا بِحَسَبِ وُضُوحِ الدَّلَالَةِ وَخَفَائِهَا، وَبِالثَّالِثِ وُجُوهَ تَحسِينِ الكَلَامِ، وَهَذِهِ العُلُومُ الثَّلَاثَةُ هِيَ عُلُومُ البَلَاغَةِ وَهِيَ مِن أَعظَمِ أَركَانِ المُفَسِّرِ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِن مُرَاعَاةِ مَا يَقتَضِيهِ الإِعجَازُ وَإِنَّمَا يُدرِكُ بِهَذِهِ العُلُومِ.
– الثَّامِنُ: عِلمُ القِرَاءَاتِ: لِأَنَّ بِهِ يُعرَفُ كَيفِيَّةُ النُّطقِ بِالقُرآنِ، وَبِالقِرَاءَاتِ يَتَرَجَّحُ بَعضُ الوُجُوهِ المُحتَمَلَةِ عَلَى بَعضٍ.
– التَّاسِعُ: أُصُولُ الدِّينِ: بِمَا فِي القُرآنِ مِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ بِظَاهِرِهَا عَلَى مَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَالأُصُولِيُّ يُؤَوِّلُ ذَلِكَ وَيَستَدِلُّ عَلَى مَا يَستَحِيلُ وَمَا يَجِبُ وَمَا يَجُوزُ.
– العَاشِرُ: أُصُولُ الفِقهِ: إِذ بِهِ يُعرَفُ وَجهُ الِاستِدلَالِ عَلَى الأَحكَامِ وَالِاستِنبَاطِ.
– الحَادِي عَشَرَ: أَسبَابُ النُّزُولِ وَالقَصَصِ: إِذ بِسَبَبِ النُّزُولِ يُعرَفُ مَعنَى الآيَةِ المُنَزَّلَةِ فِيهِ بِحَسَبِ مَا أُنزِلَت فِيهِ.
– الثَّانِي عَشَرَ: النَّاسِخُ وَالمَنسُوخُ: لِيُعلَمَ المُحكَمُ مِن غَيرِهِ.
– الثَّالِثَ عَشَرَ: الفِقهُ.
– الرَّابِعَ عَشَرَ: الأَحَادِيثُ المُبَيِّنَةُ لِتَفسِيرِ المُجمَلِ وَالمُبهَمِ.
– الخَامِسَ عَشَرَ: عِلمُ المَوهِبَةِ: وَهُوَ عِلمٌ يُوَرِّثُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَن عَمِلَ بِمَا عَلِمَ، وَإِلَيهِ الإِشَارَةُ بِحَدِيثِ: «مَن عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلمَ مَا لَم يَعلَم»، رَوَاهُ أَبُو نُعَيمٍ فِي حِليَةِ الأَولِيَاءِ، يَقُولَ السُّيُوطِيُّ: «وَلَعَلَّكَ تَستَشكِلُ عِلمَ المَوهِبَةِ وَتَقُولُ هَذَا شَيءٌ لَيسَ فِي قُدرَةِ الإِنسَانِ، وَلَيسَ كَمَا ظَنَنتَ مِنَ الإِشكَالِ، وَالطَّرِيقُ فِي تَحصِيلِهِ ارتِكَابُ الأَسبَابِ المُوجِبَةِ لَهُ مِنَ العَمَلِ وَالزُّهدِ».
قَالَ ابنُ أَبِي الدُّنيَا: “وَعُلُومُ القُرآنِ وَمَا يُستَنبَطُ مِنهُ بَحرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ قَالَ: فَهَذِهِ العُلُومُ- الَّتِي هِيَ كالآلة لِلمُفَسِّرِ- لَا يَكُونُ مُفَسِّرًا إِلَّا بِتَحصِيلِهَا، فَمَن فَسَّرَ بِدُونِهَا كَانَ مُفَسِّرًا بِالرَّأيِ المَنهِيِّ عَنهُ، وَإِذَا فَسَّرَ مَعَ حُصُولِهَا لَم يَكُن مُفَسِّرًا بِالرَّأيِ المَنهِيِّ عَنهُ”. وَقَالَ: “وَالصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ كَانَ عِندَهُم عُلُومُ العَرَبِيَّةِ بِالطَّبعِ لَا بِالِاكتِسَابِ، وَاستَفَادُوا العُلُومَ الأُخرَى مِنَ النَّبِيِّ ﷺ”.
وَقَالَ فِي البُّرهَانِ: “اعلَم أَنَّهُ لَا يَحصُلُ لِلنَّاظِرِ فَهمُ مَعَانِي الوَحيِ وَلَا يَظهَرُ لَهُ أَسرَارُهُ وَفِي قَلبِهِ بِدعَةٌ أَو كِبرٌ أَو هَوًى، أَو حُبُّ الدُّنيَا، أَو وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى ذَنبٍ، أَو غَيرُ مُتَحَقِّقٍ بِالإِيمَانِ، أَو ضَعِيفُ التَّحقِيقِ، أَو يَعتَمِدُ عَلَى قَولِ مُفَسِّرٍ لَيسَ عِندَهُ عِلمٌ، أَو رَاجَعٌ إِلَى مَعقُولِهِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا حُجُبٌ وَمَوَانِعُ بَعضُهَا آكَدُ مِن بَعضٍ”، قَالَ السُّيُوطِيُّ: “وَفِي هَذَا المَعنَى قَولُهُ تَعَالَى: ﴿سَأَصرِفُ عَن آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرضِ بِغَيرِ الحَقِّ﴾، [سورة الأعراف:146]، قَالَ سُفيَانُ بنُ عُيَينَةَ: “يَقُولُ أَنزِعُ عَنهُم فَهمَ القُرآنِ”، أَخرَجَهُ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ”.
من أين يبدأ المفسر في التفسير
قَالَ العُلَمَاءُ: مَن أَرَادَ تَفسِيرَ الكِتَابِ العَزِيزِ طَلَبَهُ مِن أَشيَاءَ:
– مِنَ القُرآنِ: فَمَا أُجمِلَ مِنهُ فِي مَكَانٍ فَقَد فُسِّرَ فِي مَوضِعٍ آخَرَ وَمَا اختُصِرَ فِي مَكَانٍ فَقَد بُسِطَ فِي مَوضِعٍ آخَرَ مِنهُ.
– مِنَ السُّنَّةِ: فَإِنَّهَا شَارِحَةٌ لِلقُرآنِ وَمُوَضَّحَةٌ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنزَلنَا إِلَيكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحكُمَ بَينَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، [سورة النساء:105]، وَقَالَ ﷺ: «أَلَّا إِنِّي أُوتِيتُ القُرآنَ وَمِثلَهُ مَعَهُ»، يَعنِي السُّنَّةَ.
– مِن أَقوَالِ الصَّحَابَةِ: فَإِنَّهُم أَدرَى بِذَلِكَ، لِمَا شَاهَدُوهُ مِنَ القَرَائِنِ وَالأَحوَالِ عِندَ نُزُولِهِ، وَلِمَا اختَصُّوا بِهِ مِنَ الفَهمِ التَّامِّ وَالعِلمِ الصَّحِيحِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ.
– مِن مُطلَقِ اللُّغَةِ: فَإِنَّ القُرآنَ نَزَلَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ، رَوَى البَيهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَن مَالِكٍ قَالَ: “لَا أُوتَى بِرَجُلٍ غَيرِ عَالِمٍ بِلُغَةِ العَرَبِ يُفَسِّرُ كِتَابَ اللَّهِ إِلَّا جَعَلتُهُ نَكَالًا”.
– مِنَ التَّفسِيرِ بِالمُقتَضَى مِن مَعنَى الكَلَامِ وَالمُقتَضَبِ مِن قُوَّةِ الشَّرعِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَعَا بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِابنِ عَبَّاسٍ، حَيثُ قَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّههُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمهُ التَّأوِيلَ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَالَّذِي عَنَاهُ عَلِيٌّ بِقَولِهِ: “إِلَّا فَهمًا يُؤتَاهُ الرَّجُلُ فِي القُرآنِ”، وَمِن هُنَا اختَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي مَعنَى الآيَةِ، فَأَخَذَ كُلٌّ بِرَأيِهِ عَلَى مُنتَهَى نَظَرِهِ.
وَلَا يَجُوزُ تَفسِيرُ القُرآنِ بِمُجَرَّدِ الرَّأيِ وَالِاجتِهَادِ مِن غَيرِ أَصلٍ.
حكم التفسير بغير علم
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي التِّبيَانِ: “وَيَحرُمُ تَفسِيرُهُ بِغَيرِ عِلمٍ، وَالكَلَامُ فِي مَعَانِيهِ لِمَن لَيسَ مِن أَهلِهَا، وَالأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَالإِجمَاعُ مُنعَقِدٌ عَلَيهِ، وَأَمَّا تَفسِيرُهُ لِلعُلَمَاءِ فَجَائِزٌ حَسَنٌ، وَالإِجمَاعُ مُنعَقِدٌ عَلَيهِ.
فَمَن كَانَ أَهلًا لِلتَّفسِيرِ جَامِعًا لِلأَدَوَاتِ حَتَّى الَّتِي يَعرِفُ بِهَا مَعنَاهُ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ المُرَادُ فَسَّرَهُ، إِن كَانَ مِمَّا يُدرَكُ بِالاجتِهَادِ كَالمَعَانِي وَالأَحكَامِ الجَلِيَّةِ وَالخَفِيَّةِ وَالعُمُومِ وَالخُصُوصِ وَالإِعرَابِ وَغَيرِ ذَلِكَ، وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يُدرَكُ بِالاجتِهَادِ كَالأُمُورِ الَّتِي طَرِيقُهَا النَّقلُ، وَتَفسِيرُ الأَلفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ الكَلَامُ فِيهِ إِلَّا بِنَقلٍ صَحِيحٍ مِن جِهَةِ المُعتَمَدِينَ مِن أَهلِهِ.
وَأَمَّا مَن كَانَ لَيسَ مِن أَهلِهِ لِكَونِهِ غَيرَ جَامِعٍ لِأَدَوَاتِهِ فَحَرَامٌ عَلَيهِ التَّفسِيرُ، لَكِن لَهُ أَن يَنقُلَ التَّفسِيرَ عَنِ المُعتَمَدِينَ مِن أَهلِهِ”.
الدواعي إلى التفسير بالرأي
المُفَسِّرُونَ بِرَأيِهِم مِن غَيرِ دَلِيلٍ صَحِيحٍ أَقسَامٌ:
1- مِنهُم مَن يَحتَجُّ بِأَنَّهُ عَلى تَصحِيحِ مَذهَبِهِ وَتَقوِيَةِ خَاطِرِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَغلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ المُرَادُ بِالآيَةِ، وَإِنَّمَا يَقصِدُ الظُّهُورَ عَلَى خَصمِهِ، مِثلُ طَوَائِفَ مِن أَهلِ البِدَعِ اعتَقَدُوا مَذَاهِبَ بَاطِلَةً وَعَمَدُوا إِلَى القُرآنِ فَتَأَوَّلُوهُ عَلَى رَأيِهِم وَلَيسَ لَهُم سَلَفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَا فِي رَأيِهِم وَلَا فِي تَفسِيرِهِم، وَقَد صَنَّفُوا تَفَاسِيرَ عَلَى أُصُولِ مَذهَبِهِم، مِثلَ تَفسِيرِ الجُبَائِيِّ وَالزَّمَخشَرِيِّ وَأَمثَالِهِم، وَمِنهُم مَن بِحُسنِ العِبَارَةِ يَدُسُّ البِدَعَ فِي كَلَامِهِ، وَأَكثَرُ النَّاسِ لَا يَعلَمُونَ، كَصَاحِبِ الكَشَّافِ وَنَحوِهِ، حَتَّى إِنَّهُ يَرُوجُ عَلَى خَلقٍ كَثِيرٍ مِن أَهلِ السُّنَّةِ كَثِيرٌ مِن تَفَاسِيرِهِمُ البَاطِلَةِ.
2- وَمِنهُم مَن يَقصِدُ الدُّعَاءَ إِلى خَيرٍ وَيَحتَجُّ بِآيَةٍ مِن غَيرِ أَن تَظهَرَ لَهُ دِلَالَةٌ لِمَا قَالَهُ.
3- وَمِنهُم مَن يُفَسِّرُ أَلفَاظَهُ العَرَبِيَّةَ مِن غَيرِ وُقُوفٍ عَلَى مَعَانِيهَا عِندَ أَهلِهَا، وَهِيَ مِمَّا لَا يُؤخَذُ إِلَّا بِالسَّمَاعِ مِن أَهلِ العَرَبِيَّةِ وَأَهلِ التَّفسِيرِ، كَبَيَانِ مَعنَى اللَّفظِ وَإِعرَابِهِ وَمَا فِيهِ مِنَ الحَذفِ وَالاختِصَارِ وَالإِضمَارِ وَالحَقِيقَةِ وَالمَجَازِ وَالعُمُومِ وَالخُصُوصِ وَالتَّقدِيمِ وَالتَّأخِيرِ وَالإِجمَالِ وَالبَيَانِ وَغيرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَلَا يَكفِي مَعَ ذَلِكَ مَعرِفَةُ العَرَبِيَّةِ وَحدَهَا، بَل لَا بُدَّّ مَعَهَا مِن مَعرِفَةِ مَا قَالَهُ أَهلُ التَّفسِيرِ فِيهَا، فَقَد يَكُونُونَ مُجتَمِعِينَ عَلَى تَركِ الظَّاهِرِ أَو عَلَى إِرَادَةِ الخُصُوصِ أَوِ الإِضمَارِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَكَمَا إِذَا كَانَ اللَّفظُ مُشتَرَكًا فِي مَعَانٍ فَعُلِمَ فِي مَوضِعٍ أَنَّ المُرَادَ أَحَدُ المَعَانِي، ثُمَّ فَسَّرَ كُلٌّ مَا جَاءَ بِهِ.
فَهَذَا كُلُّهُ تَفسِيرٌ بِالرَّأيِ وَهُوَ حَرَامٌ، ذَكَرَ ذلك النَّوَوِيُّ وَغَيرُهُ. وَاللهُ أَعلَمُ.
ما ورد في النهي عن التفسير بالرأي أي التفسير من غير دليل
نَهَى اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ عَنِ الكَلَامِ فِي الدِّينِ بِغَيرِ عِلمٍ، سَوَاءٌ كَانَ تَفسِيرًا لِلقُرءَانِ أَو غَيرَهُ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ﴾، [سورة الإسراء:36]، وَقَالَ: ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعلَمُونَ﴾، [سورة البقرة:169]، وَقَالَ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم﴾، [سورة النحل:44]، فَأَضَافَ البَيَانَ إِلَيهِ.
وَوَرَدَ النَّهيُ عَن ذَلِكَ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ ﷺ: «مَن تَكَلَّمَ فِي القُرآنِ بِرَأيِهِ فَأَصَابَ فَقَد أخطأ»، أَخرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، قَالَ البَيهَقِيُّ: “هَذَا إِن صَحَّ، فَإِنَّ مَا أَرَادَهُ –وَاللَّهُ أَعلَمُ – الرَّأيَ الَّذِي يَغلِبُ مِن غَيرِ دَلِيلٍ قَامَ عَلَيهِ، وَأَمَّا الَّذِي يَسنُدُهُ بُرهَانٌ فَالقَولُ بِهِ جَائِزٌ”.
وَقَالَ فِي المَدخَلِ: “فِي هَذَا الحَدِيثِ نَظَرٌ، وَإِن صَحَّ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ -وَاللَّهُ أَعلَمُ- فَقَد أَخطَأَ الطَّرِيقَ، فَسَبِيلُهُ أَن يَرجِعَ فِي تَفسِيرِ أَلفَاظِهِ إِلَى أَهلِ اللُّغَةِ، وَفِي مَعرِفَةِ نَاسِخِهِ وَمَنسُوخِهِ وَسَبَبِ نُزُولِهِ وَمَا يَحتَاجُ فِيهِ إِلَى بَيَانِهِ إِلَى أَخبَارِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ شَاهَدُوا تَنزِيلَهُ وَأَدَّوا إِلَينَا مِنَ السُّنَنِ مَا يَكُونُ بَيَانًا لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنزَلنَا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ﴾، [سورة النحل:44]، فَمَا وَرَدَ بَيَانُهُ عَن صَاحِبِ الشَّرعِ فَفِيهِ كِفَايَةٌ عَن فِكرَةٍ مِن بَعدِهِ، وَمَا لَم يَرِد عَنهُ بَيَانُهُ فَفِيهِ حِينَئِذٍ فِكرَةُ أَهلِ العِلمِ بَعدَهُ لِيَستَدِلُّوا بِمَا وَرَدَ بَيَانُهُ عَلَى مَا لَم يَرِد”.
وَقَالَ ابنُ الأَنبَارِيِّ: “حَمَلَهُ بَعضُ أَهلِ العِلمِ عَلَى أَنَّ الرَّأيَ مَعنِيٌّ بِهِ الهَوَى، فَمَن قَالَ فِي القُرآنِ قَولًا يُوَافِقُ هَوَاهُ فَلَم يَأخُذهُ عَن أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَأَصَابَ فَقَدَ أَخطَأَ، لِحُكمِهِ عَلَى القُرآنِ بِمَا لَا يَعرِفُ أَصلَهُ وَلَا يَقِفُ عَلَى مَذَاهِبِ أَهلِ الأَثَرِ وَالنَّقلِ فِيهِ”.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن قَالَ فِي القُرآنِ بِغَيرِ عِلمٍ فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، أَخرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ ابنُ الأَنبَارِيِّ: “لَهُ مَعنَيَانِ أَحَدُهُمَا: مَن قَالَ فِي مُشكَلِ القُرآنِ بِمَا لَا يَعرِفُ مِن مَذهَبِ الأَوَائِلِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَهُوَ مُتَعَرِّضٌ لِسُخطِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالآخَرُ- وَهُوَ الأَصَحُّ- مَن قَالَ فِي القُرآنِ قَولًا يَعلَمُ أَنَّ الحَقَّ غَيرَهُ فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ”.
تلخيص أنواع التفسير بالرأي المنهي عنه
جُملَةُ مَا تَحَصَّلَ فِي مَعنَى حَدِيثِ التَّفسِيرِ بِالرَّأيِ خَمسَةُ أَقوَالٍ:
– أَحَدُهَا: التَّفسِيرُ مِن غَيرِ حُصُولِ العُلُومِ الَّتِي يَجُوزُ مَعَهَا التَّفسِيرُ.
– الثَّانِي: تَفسِيرُ المُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعلَمُهُ إِلَّا اللهُ.
– الثَّالِثُ: التَّفسِيرُ المُقَرِّرُ لِلمَذهَبِ الفَاسِدِ، بِأَن يُجعَلَ المَذهَبُ أَصلًا وَالتَّفسِيرُ تَابِعًا، فَيَرُدُّ إِلَيهِ بِأَيِّ طَرِيقٍ أَمكَنَ وَإِن كَانَ ضَعِيفًا.
– الرَّابِعُ: التَّفسِيرُ مَعَ القَولِ بِأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ كَذَا عَلَى القَطعِ مِن غَيرِ دَلِيلٍ.
– الخَامِسُ: التَّفسِيرُ بِالِاستِحسَانِ وَالهَوَى.
خلاصة المسألة
القُرآنُ فيه قِسمَانِ: قَسَمٌ وَرَدَ تَفسِيرُهُ بِالنَّقلِ، وَقِسمٌ لَم يَرِد.
وَالأَوَّلُ: إِمَّا أَن يَرِدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَوِ الصَّحَابَةِ أَو رُؤُوسِ التَّابِعِينَ، فَالأَوَّلُ يُبحَثُ فِيهِ عَن صِحَّةِ السَّنَدِ، وَالثَّانِي يُنظَرُ فِي تَفسِيرِ الصَّحَابِيِّ، فَإِن فَسَّرَهُ مِن حَيثُ اللُّغَةِ فَهُمَ أَهلُ اللِّسَانِ فَلَا شَكَّ فِي اعتِمَادِهِم، أَو بِمَا شَاهَدَهُ مِنَ الأَسبَابِ وَالقَرَائِنِ فَلَا شَكَّ فِيهِ، وَحِينَئِذٍ إِن تَعَارَضَت أَقوَالُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَإِن أَمكَنَ الجَمعُ فَذَاكَ، وَإِنَّ تَعَذَّرَ قُدِّمَ ابنُ عَبَّاسٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَشَّرَهُ بِذَلِكَ حَيثُ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمهُ التَّأوِيلَ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ عَنِ التَّابِعِينَ فَحَيثُ جَازَ الِاعتِمَادُ فِيمَا سَبَقَ فَكَذَلِكَ هُنَا، وَإِلَّا وَجَبَ الِاجتِهَادُ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَا لَم يَرِد فِيهِ نَقلٌ فَهُوَ قَلِيلٌ، وَطَرِيقُ التَّوَصُّلِ إِلَى فَهمِهِ النَّظَرُ إِلَى مُفرَدَاتِ الأَلفَاظِ مِن لُغَةِ العَرَبِ وَمَدلُولَاتِهَا وَاستِعمَالِهَا بِحَسَبِ السِّيَاقِ.
الخاتمة
حَذَّرَ الشَّرعُ مِنَ الفَتوَى بِغَيرِ عِلمٍ، وَجَاءَ فِي التَّحذِيرِ مِن ذَلِكَ وَالنَّهيِ عَنهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ تَفسِيرًا أَو فِقهًا أَو غَيرَ ذَلِكَ مِن أَنوَاعِ العُلُومِ، فَعَلَى العَاقِلِ أَن يَلزَمَ جَانِبَ السَّلَامَةِ وَيَرُدَّ عِلمَ كُلِّ شَيءٍ إِلَى أَهلِهِ، إِن لَم يَكُن هُوَ أَهلًا لِذَلِكَ، وَأَن يَلزَمَ قَولَ لَا أَدرِي حِينَ لَا يَدرِي.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
- الإِتقَانِ فِي عُلُومِ القُرءَانِ لِلسُّيُوطِيِّ.
- البَحرِ المُحِيطِ لِأَبِي حَيَّانَ.
- حِليَةِ الأَولِيَاءِ لِأَبِي نُعَيمٍ.
- البُرهَانِ المُؤَيَّدِ لِلإِمَامِ أَحمَدَ الرِّفَاعِيِّ.
- التِّبيَانِ لِلنَّوَوِيِّ.
- المَدخَلِ إِلَى السُّنَنِ الكُبرَى لِلبَيهَقِيِّ.