الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ الواحدِ القويِّ المتين، القاهرِ الحقِّ المُبين، الذي لا يعزُبُ عن سمعِهِ أقلُّ الأنين، ولا يخفى على بصرِهِ حركاتُ الجنين، قضى قضاءَه كما شاءَ على الخاطئين، وسبق اختيارُه فهؤلاءِ من أهلِ الشِّمالِ وهؤلاءِ من أهلِ اليمين، أمر بالصدقِ والأمانةِ وجعلهما شعارَ النّبيينَ والصَّالحين، أحمدُه تعالى حمدَ الشاكرينَ وأسألُهُ معونَةَ الصابرين. وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدهُ لا شريكَ له ولا زوجةَ ولا ولدَ ولا هيئةَ له؛ شهادةً أنجو بها يومَ الدِّين، وأشهدُ أن سيدَنا وحبيبَنا محمدًا عبدهُ ورسولُهُ ﷺ المقدَّمُ على النبيين. اللهم صلِّ وسلمْ وأنعمْ وباركْ على سيدِنا محمدٍ وعلى صاحبِهِ الصديقِ أبي بكرٍ أولِ تابعٍ له على الدِّين، وعلى الفاروقِ عمرَ القويِّ الأمين، وعلى عثمانَ زوجِ ابنتِهِ ونعمَ القرين، وعلى عليٍّ بحرِ العلومِ الصابرِ الذي لا يلين. أما بعد:
عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، واعلموا أنّ من عصى اللهَ وهو يضحكُ أدخلَه اللهُ النارَ وهو يبكي، ومن أطاعَ اللهَ وهو يبكي أدخلهُ اللهُ الجنةَ وهو يضحكُفاتّقوا اللهَ تعالى، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.
إخوة الإيمانِ والإسلام: أرسلَ اللهُ تعالى نبيَّهُ محمدًا ﷺ كغيرِه من الأنبياءِ بدينِ الإسلام، وبشريعةٍ لا يعتريها نقصٌ ولا عيبٌ، واللهُ تعالى علمَ بعلمِهِ الأزليِّ الذي لا بدايةَ له أن سيدَنا محمدًا ﷺ هو خاتَمُ الأنبياء، وعلمَ سبحانه وتعالى أن ءاخِرَ من يعيشُ على هذه الدنيا من البشرِ فلانٌ وفلان، وعلم أحوالَ الناسِ وما يناسبُهم من أحكام، فأنزل سبحانه وتعالى على سيدِنا محمدٍ ﷺ شريعةً وأحكامًا تصلُحُ لكلِّ هؤلاء، شريعةً صالحةً لكلِّ زمانٍ ومكانٍ بعدَ رسولِ اللهِ ﷺ، فمن ادّعى تجديدًا للشرعِ بما يُخالفُ قواعدَ الدين، فقد افترى على اللهِ تعالى ورسولِه ﷺ؛ إذ ليس سببُ ضعفِنا هو أننا بحاجةٍ إلى تجديدٍ يخالف الدين؛ بل إنَّ ابتعادَنا عن الشريعةِ وقواعدِ الدين هو سببُ ضعفِنا وهوانِنا، ومن ذلك أنه صارَ همُّ كثيرٍ من الناسِ اليوم تحصيلُ المالِ من غير أن يباليَ هل يُدخلُ على جوفِهِ وجوفِ أولادِهِ الحلالَ أو الحرام؛ والنبيُّ ﷺ يقولُ في الحديثِ الصحيحِ الذي رواه البخاريُّ في صحيحِهِ: “إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” فعجبا من بعضِ الناسِ كيف يتجرؤونَ على أكلِ المالِ بالباطلِ ومن ذلك تجرُّؤهم على الرِّشوة، والتي هيَ ما يُعطَى من المالِ لإبطالِ حقٍّ أوْ إحقاقِ باطلٍ، فقد روى الترمذيُّ في سننِهِ وصححهُ عن الصحابيِّ الجليلِ أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه قال: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ، وانتبهْ أخي جيدا فإن أيَّ حديثٍ نهى عن فعلِ شىءٍ ولُعِنَ فاعلُ المنهيِّ عنه دلَّ على أنَّ الذي نهى عنه النبيُّ ﷺ في الحديثِ هو من الكبائِر؛ فعلمَ من ذلك أن الرّاشي وهو معطي المالَ لإحقاقِ باطلٍ أو إبطالِ حقٍّ، والمرتشي وهو ءاخذُ المالِ سواء كان يحكمُ بحقٍّ أو بباطلٍ، كلاهما مرتكبٌ لمعصيةٍ من الكبائرِ فعجبا من بعضِ الناسِ كيف يتجرّأُ على أخذِ الرِّشوةِ بدعوى الحاجةِ والفقرِ؛ بل وكيف يتجرّأُ على أن يطعمَ أهلَهُ الحرامَ، ورسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: “كلُّ لحمٍ نبتَ من سُحْتٍ فالنارُ أَولَى بِه”(1) فكلُّ لحمٍ ينبتُ من حرامٍ فهو مستحِقٌّ لعذابِ الله تعالى في النارِ، وأنت يا أخي لا تقوى على أخفِّ نارٍ في الدنيا، فكيف تقوى على نارٍ هي أشدُّ من أقوى نارٍ في هذه الدنيا بسبعينَ مرَّة(2)؟! وكيف تقوى على نارٍ لو كنتَ في أقصى المشرق، والنارُ في أقصى المغربِ ثم كشف عنها لخرجَ دماغُكَ من بينِ مَنْخِرَيك، فيا قومِ هل لكم بهذا قرارٌ؟ أم لكم على هذا صبرٌ؟ يا قومِ طاعةُ اللهِ أهونُ عليكم من هذا العذابِ فأطيعوه(3).
أيها الموحدون: روى البخاريُّ ومسلمٌ في صحيحيهِما عن الصحابيِّ الجليلِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي اللهُ عنه قَالَ اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ الْلُّتْبِيَّةِ(4) فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا”ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: “أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ فَيَأْتِي فَيَقُولُ هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ وَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ(5) أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ(6) أَوْ شَاةً تَيْعَرُ(7)“ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ يَقُولُ: “اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ”فبيّن رسولُ اللهِ ﷺ أنه يحرمُ على من وُلِّيَ على أمرٍ من أمور المسلمين أن يأخذَ منهم المالَ بدل أمرٍ يجب عليه أن ينْفِذَهُ لهم، أو بحيثُ يُسقِطَ بدلَهُ مما هو واجبٌ عليهم من الزكاة، ولو زعم أنه هديةٌ، وبيّن ﷺ أن فاعلَ ذلك يستحقُّ العذابَ في الآخرةِ، حتى إنه يحملُ ما أخذَ من المالِ يومَ القيامةِ شرَّ حِمْلةٍ دلالةً على عذابِهِ يومَ القيامة، نسأل اللهَ السلامة.فيا أخي المسلم، يا من جُعلتَ خادِمًا لمصالحِ المسلمينَ حذارِ وأن تأخذَ الرِّشوةِ، ولا تغفُلْ أنّ المالَ المكتسبَ من الحرامِ لا بركةَ فيه؛ مصداقُ ذلك قولُهُ ﷺ: “إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ” فقد شبَّهَ رسولُ اللهِ ﷺ المالَ من حيثُ الرغبةُ فيه والميلُ إليه وحِرصُ النفوسِ عليه بالفاكهةِ الخضراءِ الحُلوةِ المستلذَّةِ التي تميلُ إليها النفسُ وتشتهيها؛ فالذي يأخذُ المالَ من طريقٍ حلالٍ فيستعينَ به على أمرِ نفسِهِ وأهلِهِ ويصرفَهُ في وجوهِ البِرِّ والخيرِ بوركَ له فيه. وأما من أخذهَ بغيرِ حقِّهِ فاكتسبَهُ بطريقةٍ محرمةٍ فإنه يُحرَمُ بركتَه فيكونُ كالذي يأكلُ ولا يشبعُ وإن كان ذلك المالُ كثيرًا وعليه وَبالُ ذلك يومَ القيامةِ. نسأل اللهَ تعالى أن يرزقَنا مالا حلالا طيبا، هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ:
إخوةَ الإسلام: السؤالُ المتبادِرُ الآن، هو كيف يتوبُ المرءُ من الرِّشوةِ إن كان معطيا أو ءاخذًا؟ فالجواب أخي المسلم أن التوبةَ من الذنب مهما كان لا بدّ فيها من أركانٍ ثلاثةٍ والتي بفقدِ أحدِها لا تُقبلُ ولا تصحُّ التوبةُ أبدا، فأوّلُ هذه الأركانِ: الإقلاعُ عن الذنبِ، أي تركُ الذنبِ، وثانيها: الندمُ أسفًا على عصيانِ اللهِ تبارك وتعالى، وليس لأجلِ الخوفِ من الفضيحةِ بين الناسِ مثلا وثالثُها أي الأركانِ التي تشترطُ لصحةِ التوبةِ: العَزْمُ الأكيدُ على عدمِ العَوْدِ إلى الذنب: فلا بُدَّ أن ينويَ بقلبِهِ نيةً جازمةً أن لا يرجعَ إلى الذنب. وهناك ركنٌ رابعٌ أخي المسلم لبعضِ الذنوب، والتي منها الرِّشوة، فيشترط مع ما مرّ أن يُرجعَ ءاخذُ الرِّشوةِ المالَ إلى صاحبِهِ. نسألُ اللهَ تعالى أن يرزقَنا القناعةَ ويجنبَنا الرِّشوة، إنه على كلِّ شيءٍ قدير وبعبادهِ لطيفٌ خبير.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ:{إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم اجعلنا من أصحابِ الهممِ العاليةِ، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.
الحاشية
- رواه الطبراني في المعجم الصغير.
- ورد ذلك في حديث رواه البخاري في صحيحه.
- رواه القرطبي في كتابه التذكرة عن كعب الأحبار.
- بضم اللام وسكون التاء وبعضهم فتحها، نسبة إلى لتب قبيلة معروفة.
- صوت البعير.
- صوت البقرة.
- أي تصيح.