رمضان شهر الانتصارات والفتوحات

رمضان شهر الانتصارات والفتوحات

الخطبة الأولى

  الحمد لله الذي اشترى من المؤمنينَ أنفسَهم بأن لهم الجنة، وجعل الجهادَ في سبيلِه باللسانِ والسنان سببا لدخولِ الجنة، وحفظَ عبادَه الصالحينَ من شرورِ الناسِ والجنّة، نحمده تعالى بأن هدانا لهذا الدينِ دين الإسلامِ ونشكرُه على هذه المنّةِ. وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، شهادةً بها النفوسُ مطمئنةٌ، وأشهد أن سيدَنا وحبيبَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، أفضلُ من أقامَ الفرضَ والسنة، اللهم صلِّ وسلِّم وأنعمْ وأكرمْ وباركْ على سيدنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه حماةِ الدينِ والسنة.

عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(ءال عمران: 102). وكن على ذكر أخي المسلم لقول الله تعالى:{أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (المجادلة:6).

  إخوةَ الإيمان والإسلام: شهرُ رمضان المباركُ شهرُ النصرِ والجهادِ ، جهادِ النفسِ في طاعةِ اللهِ تبارك وتعالى، وجهادِ النفسِ واليدِ في سبيلِ اللهِ تعالى، ففي شهرِ رمضانَ المبارك، وقعت كثيرٌ من المعارِكِ والغزوات، فقد وقعت غزوة بدرٍ الكبرى في هذا الشهر العظيم،  وقد كان ذلك في السابعَ عشرَ من رمضانَ في السنةِ الثانيةِ للهجرة، فقد كان جيشُ المسلمينَ قليلَ العددِ ضعيفَ العُدَّة، وأرادوا الاستيلاءَ على قافلةٍ تجاريةٍ لكفارِ قريش، والقافلةُ قادمةٌ من بلادِ الشامِ وعلى رأسِها أبو سفيان بنُ حرب وكان يحرسُها نحوَ ثلاثين أو أربعينَ رجلًا من المشركينَ، فعرفوا أن المسلمينَ يريدون الاستيلاءَ على القافلةِ، فطلبوا النجدةَ من قريش، فأجابت قريشٌ لهم طلبَهم. وحينَ عرَفَ القائدُ الأعظمُ محمدٌ ﷺ أن أبا سفيانَ بنَ حربٍ ومن معهُ من كفارِ قريشٍ طلبوا النجدةَ من مشركي مكَّةَ وأن مشركي مكَّةَ يستعدونَ للخروجِ للدفاعِ عن قافلتِهم، استشارَ القائدُ الأعظمُ أصحابَه ليعلِّمَنا التزامَ طريقِ الشُّورى فيما بينَنا. فأدلى الصحابيُّ الجليلُ أبو بكرٍ رضي الله عنه برأيِهِ فأحسنَ، وصرّح الصحابيُّ الجليلُ عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه فأجادَ، وقال المِقدادُ رضي الله عنه: “يا رسولَ اللهِ امضِ بنا فوالذي بعثَكَ بالحقِّ لن نقولَ لك كما قال بنو إسرائيلَ لموسى اذهبْ أنت وربُّك فقاتِلا إنَّا ههنا قاعدون؛ وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَخَلْفَكَ” فسُرَّ النَّبِيُّ ﷺ وأَشْرَقَ وَجْهُهُ (1). فعرفَ الحبيبُ المصطفى صلواتُ ربي وسلامُهُ عليه رأيَ المهاجرينَ وأرادَ أن يعرفَ رأيَ الأنصارِ فأشارَ إليهم ماذا تقولونَ أيها النّاس؟ فوقف الصحابيُّ الجليلُ سعدُ بنُ معاذٍ رضي الله عنه وقال: “لَقَدْ آمَنّا بِك وَصَدّقْنَاك ، وَشَهِدْنَا أَنّ مَا جِئْت بِهِ هُوَ الْحَقّ ، وَأَعْطَيْنَاك عَلَى ذَلِكَ عُهُودِنَا وَمَوَاثِيقِنَا ، عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ فَامْضِ يَا رَسُولَ اللّهِ لِمَا أَرَدْت فَنَحْنُ مَعَك ، فَوَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ لَوْ اسْتَعْرَضْت بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْته لَخُضْنَاهُ مَعَك ، مَا تَخَلّفَ مِنّا رَجُلٌ وَاحِدٌ وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا ، إنّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ صُدُقٌ فِي اللّقَاءِ . لَعَلّ اللّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقُرُّ بِهِ عَيْنُك ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللّهِ تعالى”. فَسُرّ رَسُولُ اللّهِ ﷺ بِقَوْلِ سَعْدٍ، ثُمّ قَالَ سِيرُوا وَأَبْشِرُوا. وخرجَ بأصحابِهِ حتى كان معهُ ثلاثُمائةٍ وثلاثةَ عشرَ رجلا،  فخرجَ الرسولُ ﷺ، حتى وصلَ بهم إلى أدنى ماءٍ من بدر.  فقال له الحُبَابُ بنُ المنذرِ يا رسولَ اللهِ أهذا المنزِلُ أنزلكَ اللهُ إيّاهُ فليس لنا أن نتقدَّمَ أو نتأخرَ أو هو الرأيُ والحربُ والمَكْيدة؟  أرادَ الحُبَابُ رضي الله عنه أن يعرفَ هل هذا المكانُ الذي اختارَهُ الرسولُ ﷺ بأمرٍ من اللهِ؟ فإن كانَ بأمرٍ من اللهِ تعالى فإنَّ الصحابةَ تعلَّموا عدمَ الاعتراضِ، فقالَ النبيُّ ﷺ: بل الرأيُ والحربُ والمكيدة، فقال يا رسولَ الله ليس هذا منزلًا وإنما نأتي إلى أقربِ ماءٍ من القوم، فنمنعُ العدوَّ من الماءِ، وننتفعُ نحن به فأعجبَ النبيُّ ﷺ بهذا الرأيِ. ثم قال النبي ﷺ: “اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ ءاتِني مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ(2) مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ(3)(4) ثم بدأت المعركةُ فأمدَّ اللهُ تعالى جيشَ النبيِّ ﷺ بمئاتٍ وءالافٍ من الملائكةِ الكرامِ، أتَوا على خيولِهم يُحاربونَ ويقاتلونَ، يتقدَّمُهم سيدُنا جبريلُ عليه السلامُ على فرسِه. وكان المقاتلُ المسلمُ يشيرُ بسيفِه إلى المشركِ فيقعُ رأسُه عن جسدِه  قبلَ أن يصِلَ إليه السَّيف، وكان هذا من عملِ الملائكةِ عليهم السلام بأمرِ اللهِ، وفي نهايةِ المعركةِ أخذ رسولُ الله ﷺ حفنةً من ترابٍ ورمى بها قريشًا وقال: شاهتِ الوجوه، وقال لأصحابِه: شُدُّوا عليهم، فكانت الهزيمةُ لقريشٍ. وعاد النبيُّ ﷺ وصحابتُه الأجلاءُ منتصرينَ معزَّزين. وكان عدد الذين استشهدوا من المسلمينَ أربعةَ عشرَ رجلاً ستةً من المهاجرينَ وثمانيةً من الأنصار. ومكث النبيُّ ﷺ في بدرٍ ثلاثَ ليالٍ وكانت مدةُ غيبتِه تسعةَ عشرَ يومًا. 

  وفي شهر رمضان المبارك، شهرِ الفتوحات، منَّ الله على نبيِّه ﷺ بفتحِ مكةَ ففي العشرين من شهرِ رمضانَ المباركِ في السنةِ الثامنةِ للهجرةِ، جهّز ﷺ جيشا قوامُه عشرةُ ءالافِ مقاتل لقتالِ المشركين الذين غدروا بعهدِهم مع رسولِ الله ﷺ، فوصل النبيُّ وأصحابُه إلى مكةَ المكرمةِ، فدخلوا من جهاتِها الأربعِ ولم يحصلْ قتالٌ إلا من الجهةِ التي دخل منها سيدُنا خالدُ بنُ الوليدِ رضي الله عنه، فقتل سيدُنا خالد ومن معه بعضَ ساداتِ قريشٍ وأسروا البعضَ، ودخل رسولُ الله ﷺ مكةَ وهو خافضٌ لرأسِهِ تواضعًا لله تعالى، حتى إن ذقنَه ﷺ ليكادُ ليمسُّ منتصفَ رحلِهِ، وهو يقرأ ﷺ سورةَ الفتح، ثم أتى ﷺ الكعبةَ فجعلَ يكسِّرُ الأصنامَ التي جعلت حول الكعبةِ، ثم صدحَ صوتُ سيدِنا بلالٍ رضي الله عنه بالأذان، فصلى النبيُّ ﷺ. وقد عفا النبيُّ ﷺ عن بعضِ الأسرى، فقد قال رسول الله ﷺ مخاطبا لهم :”مَا تَرَوْنَ أَنِّى صَانِعٌ بِكُمْ؟” قَالُوا : خَيْرًا أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ. قَالَ: “اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ”(5) فماذا كانت النتيجة؟ أن فتحَ الله قلوبَهم ودخلوا أفواجًا في الدينِ الصحيحِ دينِ الإسلام.  نسألُ اللهَ تعالى أن يوحّدَ صفوفَنا، وينصرَنا على أعداءِ الدين، هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم. 

الخطبة الثانية

  الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: ها نحن في هذا الشهرِ العظيمِ المبارك، ونحن نستذكرُ هذه البطولاتِ والفتوحاتِ في شهر البطولات والفتوحات، لنتألمُ حرقةً على فلسطينَ والمسجدِ الأقصى، اللذين من أجلِهما قال السلطانُ العادلُ نورُ الدينِ زنكي: أَسْتَحِي مِنَ اللهِ أنْ أَتَبَسَّمَ وبيتُ المقدسِ في الأسر، فبدلَ أن تضيِّعَ أخي المسلمَ أوقاتَكَ في رمضانَ “بالسهراتِ الفارغةِ والضحكِ والبرامجِ التافهةِ” الجأْ إلى الله تعالى بالدعاءِ في شهرِ رمضانَ المباركِ شهرِ إجابةِ الدعاءِ بأن يحفظَ اللهُ المسجدَ الأقصى وفلسطين من أيدي اليهودِ المدنّسين، وتذكرْ وذكِّرْ أبناءكَ أن حبَّنا لفلسطينَ وللمسجدِ الأقصى وارتباطَنا بهما ليس ارتباطَ أرضٍ وبقعةٍ وحسب، بل هو رابطٌ عَقَديٌّ لا يقبلُ المساومةَ ولا التنازلَ، ولا التقسيمَ الزمانيّ ولا المكانيّ. وهذا ما تؤكدُه وصايةُ أحفادِ رسولِ الله ﷺ، الوصايةُ الهاشميةُ التي ستبقى جزءًا أصيلا من هذا الرباطِ  في الدفاعِ عن المسجدِ الأقصى المباركِ. نسألُ اللهَ تعالى أن يحفظَ وينصرَ المسلمينَ المرابطينَ في المسجدِ الأقصى، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.

  عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: {إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، يا الله احفظِ المسلمينَ في فلسطينَ والمسجدَ الأقصى من أيدي اليهودِ المدنّسين(6) لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.

الحاشية

  1. رواه البخاريُّ في صحيحهِ.
  2. المجموعة، والمراد النبي ﷺ ومن معه من الصحابة.
  3. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري:  “إنما قال ذلك لأنه علم أنه خاتم النبيين فلو هلك هو ومن معه حينئذ لم يبعث أحد ممن يدعو إلى الإيمان ولاستمر المشركون يعبدون غير الله فالمعنى لايعبد في الأرض بهذه الشريعة”.
  4. رواه مسلم في صحيحه.
  5. رواه البيهقي في السنن الكبرى.
  6. تكرر ثلاث مرات مثلا.
فلسطين أرض إسلامية مباركة

فلسطين أرض إسلامية مباركة

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: معنى…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share