بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
معنى كلمة القدس
القُدْسُ معناها الطهارَةُ فهيَ الأرضُ الطاهرةُ.
وأمَّا اسمُ اللهِ القدوسُ فمعناهُ المنزهُ عنِ الشريكِ والولدِ وصفاتِ الخلقِ كالحاجةِ للمكانِ أوِ الزمانِ فهوَ خالقُهُما ومَا سواهُمَا، وهوَ تباركَ وتعالى المنزهُ عنِ النقائصِ والعيوبِ قالَ تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ وقدْ وردَ في تسبيحِ الملائكةِ قولُهُم: “سُبُّوحٌ قُدُّوْسٌ رَبُّ الملَائِكَةِ وَالرُّوْحِ“.
ما هو أول مسجد على وجه الأرض؟
اختارَ اللهُ عزَّ وجلَّ مكةَ المكرمةَ لتكونَ أفضلَ بقاعِ الأرضِ وفيها الكعبةُ المشرفةُ التي بناها آدمُ عليهِ السلامُ الذِي جاءَ بالإسلامِ والتوحيدِ كباقي الأنبياءِ وهي أولُّ مسجدٍ يُعبَدُ اللهُ فيهِ على وجهِ الأرضِ.
ثمَّ بعدَه بأربعينَ سنةً بُنِيَ المسجدُ الأقصى المباركُ، فقدْ روَى البخاريُّ عنْ أَبي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ ﷺ: “المَسْجِدُ الحَرَامُ“. قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: “المَسْجِدُ الأَقْصَى“. قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: “أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الفَضْلَ فِيهِ“.
مكانة فلسطين في قلوب المسلمين
إنَّ لأرضِ فِلَسطِينَ مكانةً فِي قلبِ أيِّ مسلمٍ علَى وجهِ الأرضِ وإنَّ الكلماتِ لَتَعجَزُ عنْ تَمَامِ الإفصاحِ في ذكرِ هذهِ المكانةِ، لماذَا؟ لأنَّ لِفِلَسطِينَ محلًّا فِي قلوبِنَا وفِي قلوبِ الأنبياءِ وفِي قلوبِ الأولياءِ والشهداءِ والصالحينَ مِنْ هذهِ الأمةِ ومِمَّنْ قبلَهَا مِنَ الأممِ، وفيهَا أحدُ أعظمِ المساجدِ في الإسلامِ والذِي حثَّنا الشرعُ على شدِّ الرحالِ إليهِ.
حب الأنبياء لفلسطين والقدس
مِمَّا يدلُّ علَى أنَّ للقدسِ مكانةً فِي الإسلامِ مَا روَاهُ مسلمٌ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ عنْ موسَى عليهِ السلامُ: “فسألَ اللهَ أنْ يُدنِيَهُ مِنَ الأرضِ المقدَّسةِ رميةً بحجَرٍ“. قالَ الحافظُ النوويُّ: وأمَّا سؤالُهُ إلادناءَ مِنَ الأرضِ المقدسةِ فَلِشَرَفِهَا وفضيلَةِ مَنْ فيهَا مِنَ المدفونينَ مِنَ الأنبياءِ وغيرِهِمْ، وفِي هذَا استحبابُ الدفنِ فِي المواضعِ الفاضلةِ والمواطنِ المباركةِ والقربِ مِنْ مدافنِ الصالحينَ.اهـ
فهذهِ الأرضُ المباركةُ التي باركَهَا اللهُ تعالى في قولِهِ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾،هي أمُّ برِّ الشامِ، هذهِ الأرضُ التي مدَحَها الرسولُ ﷺ وقالَ عنها: “إِنَّهَا أَرْضُ المحْشَرِ وَالمنْشَرِ” رواهُ ابنُ ماجَه، أيْ في يومِ القيامةِ يُحشَرُ الناسُ إلى هذهِ الأرضِ يُؤتَى بهم مِنْ كلِّ مكانٍ مِنَ النواحي وتُوَسَّعُ هذهِ الأرضُ بحيثُ يُجْمَعُ عليها هذا العددُ.
من فضائل المسجد الأقصى
خصَّ اللهُ المسجدَ الأقصى وما حولَه بفضائلَ ومزايا ومَكْرُماتٍ جليلةٍ، والحِكَمُ في ذلكَ كثيرةٌ، ولعلَّ مِنها توثيقَ رابِطَتِنا بهِ، لِيَنَالَ مِنْ جميعِ المسلمينَ مزيدَ وَعيٍ ورعايةٍ واهتمامٍ وعنايةٍ وانتباهٍ.
جعله الله قبلة للمسلمين في فترة من الزمن
مِن هذهِ الفضائلِ التي تَهدِفُ إلى توثيقِ العلاقةِ بيننا وبينَ المسجدِ الأقصى أنْ جعلَهُ اللهُ تعالى في فترةٍ مِنْ دعوةِ رسولِ اللهِ ﷺ قبلةً للمسلمينَ يتوجهونَ إليهَا في صلاتِهم.
قَالَ البَرَاءُ بنُ عازبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فيمَا رواهُ البخاريُّ في صحيحِهِ: “صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صَرَفَهُ نَحْوَ القِبْلَةِ“.
جعل الله الأرض التي حوله مباركة
مِمَّا جاءَ في ذكِر بَرَكَةِ المسجدِ الأقصى وما حولَه مِنْ بلادِ الشامِ في قولِ كثيرٍ مِنَ المفسرينَ قولُ اللهِ تعالى عن سَيِّدِنا إبراهيمَ عليهِ السلامُ في سورةِ الأنبياءِ: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾، وقولُه تعالى في سورةِ الأنبياءِ أيضًا: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾.
معنى قوله ﷺ: “لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ”
روَى البخاريُّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: “لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا“، ومعناهُ أنَّ هذَا الحديثَ مخصوصٌ بالمساجدِ الثلاثةِ أيْ لَا مزيَّةَ فِي السفرِ إلَى مسجدٍ للصلاةِ فيهِ إلَّا فِي السفرِ إلَى هذهِ المساجدِ الثلاثةِ لأنَّ تلكَ المضاعفةَ خاصةٌ بهَا.
الوعد بالنصر
قال رسول الله ﷺ
لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ
رواه البخاري
وعدَ اللهُ الثابتَ على الحقِّ بالتمكينِ والنصرِ فقالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، وها هيَ بلادُ الشامِ عمومًا وأرضُ فلسطينَ خصوصًا كانتْ وما تزالُ محلًّا للجهادِ والرباطِ وكانتْ لأكثرِ أنبياءِ اللهِ عزَّ وجلَّ مسكنًا وأكثرُ الوحيِ نزلَ بهَا فهيَ أرضُ الرسالاتِ ومسكنُ الأنبياءِ وهيَ منتهى إسراءِ نبيِّنا ﷺ ومبتدأُ معراجِه.
أرض الجهاد والرباط
وقدْ مَثَّلَتْ فلسطين على امتدادِ عصورِ الحكمِ الإسلاميِّ لَهَا حالةً فريدةً ومشرقةً مِنَ الخيرِ والبركاتِ، وكانتْ أرضًا للرباطِ والجهادِ في سبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ فتحققتِ البطولاتُ العظيمةُ على أرضِها ونزفتْ دماءُ الجرحى على أرضِها وكانتْ مستودعًا لأجسادِ كثيرٍ مِنَ الأنبياءِ والشهداءِ، فمَنْ يشكُّ بعدَ ذلكَ في بركتها؟
وإنَّنا إذ نقلِّبُ صفحاتِ المجدِ المشرقةَ نرَى في فلسطينَ العزةَ والإباءَ والجهادَ والرباطَ ابتداءً مِنَ الفاروقِ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ، ومرورًا بالسلطانِ الناصرِ صلاحِ الدينِ الأيوبيِّ رحمَه اللهُ تعالَى.
هذا ماضينا المشرقُ وإنَّ حاضرَنا القريبَ أيضًا ذو عزةٍ وبطولةٍ فنحنُ في بلادِنا المباركةِ نتذكَّرُ معركةَ الكرامةِ وشهداءَها الأبطالَ.
أهمية الدفاع عن فلسطين
إنَّ أرضَ فلسطينَ اليومَ تتعرَّضُ لهجَمَاتٍ تستهدِفُ عروبَتها فقدْ سُلِبَتِ الأراضي، وسُفكَتِ الدماءُ، واعتُدِيَ على الأعراضِ ولذلكَ كانَ الدفاعُ عنِ المسجدِ الأقصى وصمودُ أهلِ فلسطينَ ودفاعُهم عنِ المقدساتِ الإسلاميةِ والرباطُ فيهِ والذبُّ عن حياضِه دفاعًا عن شرفِ الأمةِ وعقيدِتها، وإنَّ لهذا أجرًا عظيمًا في الإسلامِ.
قالَ رسُول اللَّهِ ﷺ
كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ على عَملِهِ إلَّا المُرابِطَ في سَبيلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ يُنَمَّى لهُ عَمَلُهُ إلى يوْمِ القِيامَةِ، ويُؤمَّنُ فِتْنةَ القَبرِ
رواه أبو داودَ
قدوتنا من كانوا قبلنا في الدفاع عن القدس الشريف
نحنُ في هذهِ الأيامِ إذْ نَنْظُرُ للمسجدِ الأقصى والحالُ على ما تعلمونَ ندعوا اللهَ تعالى أَنْ يفُكَّ اللهُ أسرَهُ ويدَحَرَ عنهُ عدُوَّهُ وعدُوَّ المسلمينَ.
ولنَا أسوةٌ صالحةٌ في فعلِ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ حينَ مَشَى بنفسِهِ إلى المسجدِ الأقصى، في رحلةٍ تاريخيةٍ قطعَ خلالَها الفيافيَ هوَ وخادِمُه في رحلةٍ شاقَّةٍ، يرافِقُهُمَا لهيبُ الصحراءِ، يمشيانِ ويركبانِ، حتى يصلَا إلى بيتِ المقدسِ لِتَسَلُّمِ مفاتيحِهَا.
وهذا مِنَ الخيرِ الذي ما زالَ في أمةِ محمدٍ فما زالَ الأملُ معقودًا بالأبطالِ مِنْ هذهِ الأمةِ التي أنجبتْ عمرَ وعليًا وخالدًا وأبا عبيدةَ وصلاحَ الدينِ، وإنَّ فلسطينَ إسلاميةٌ عربيةٌ مهمَا حاولَ أنْ يَحتلهُ هؤلاءِ، وربُّ العالمينَ مولانَا واللهُ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النَّصِيرُ، وإنَّ حبَّ فلسطينَ يجري في عروقِ كلِّ مسلمٍ والشوقَ للمسجدِ الأقصى وزيارَتَهُ والصلاةَ فيهِ هوَ مرامُ كلِّ مسلمٍ.
اللهم انصرْ دينَك اللهم انصرْ دينكَ، والله أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين.