المساجد في الإسلام: تسميتها وبناؤها وحبها

صورة لمقال يتحدث عن المساجد في الاسلام

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَعمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَم يَخشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُهتَدِينَ﴾، [سورة التوبة: 18].

قَد وَرَدَ الشَّرعُ بِعِظَمِ فَضلِ المَسَاجِدِ، فَتَقرِيبًا كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالمَسَاجِدِ مِنَ العِبَادَاتِ يُضَاعَفُ فِيهِ الثَّوَابُ، الصَّلَاةُ وَالِاعتِكَافُ لِلعِبَادَةِ وَالمَشيُ إِلَى المَسجِدِ لِلعِبَادَةِ وَغَيرِ ذَلِكَ ثَوَابُهُ فِي المَسجِدِ أَعظَمُ مِن خَارِجِ المَسجِدِ، وَهَذَا إِن دَلَّ عَلَى شَيءٍ فَيَدُلُّ عَلَى تَرغِيبِ الشَّارِعِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِمُلَازَمَةِ المَسَاجِدِ وَالِاهتِمَامِ بِهَا.

 أَمَرَ الشَّرعُ الحَنِيفُ بِحُبِّ المَسَاجِدِ، فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبعَةٌ ‌يُظِلُّهُمُ ‌اللهُ فِي ظِلِّهِ [أَي فِي ظِلِّ العَرشِ] يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»، وَذَكَرَ مِنهُم: «وَرَجُلٌ قَلبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ»، فَيَا لَهُ مِن فَضلٍ عَظِيمٍ لِمَن كَانَ شَدِيدَ الحُبِّ لَهَا وَالمُلَازَمَةِ لِلجَمَاعَةِ فِيهَا، لِأَنَّ تَعَلُّقَ القَلبِ بِالمَسَاجِدِ دَلِيلٌ عَلَى حُبِّهِ لِخَالِقِهَا بِالمُحَافَظَةِ عَلَى أَوَامِرِهِ، فَيَنبَغِي عَلَى المُؤمِنِ أَن يَسعَى لِيَكُونَ مِن هَؤُلَاءِ، وَتَعظِيمُهَا لَا بُدَّ لَهُ مِن أَحكَامٍ سَنَذكُرُ فِي هَذَا المَقَالِ بَعضًا مِنهَا إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.

فِي هَذَا المَقَالِ سَنَستَعرِضُ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى بَعضَ الفَضَائِلِ العَظِيمَةِ لِلمَسَاجِدِ فِي الإِسلَامِ، كَدَورِ المُسلِمِ فِي تَعظِيمِهَا وَالِاهتِمَامِ بِهَا، وَسَنَقُومُ بِتَفصِيلِ أَهَمِّ الأَحَادِيثِ وَالنُّصُوصِ الشَّرعِيَّةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى مَكَانَةِ المَسَاجِدِ وَأَهَمِّيَّتِهَا فِي حَيَاةِ المُسلِمِ، مُبتَدِئِينَ بِذِكرِ مَعنَى المَسجِدِ الَّذِي يَنطَبِقُ عَلَيهِ هَذَا الفَضلُ وَالمُضَاعَفَةُ فِي الأَجرِ.

معنى المسجد لغة وشرعا

المَسجِدُ لُغَةً: بَيتُ الصَّلَاةِ، أو مَوضِعُ السُّجُودِ مِن بَدَنِ الإِنسَانِ، وَالجَمعُ مَسَاجِدُ. اهـ 

وَأَمَّا فِي الشَّرعِ: فَالمَسجِدُ هُوَ المَكَانُ المَوقُوفُ لِلصَّلَاةِ، فَمَا يُسَمَّى المُصَلَّى فِي نَحوِ الأَسوَاقِ وَالمَدَارِسِ وَالجَامِعَاتِ وَغَيرِ ذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ الفَضلُ الآتِي ذِكرُهُ إِذَا لَم يَقِفهُ صَاحِبُهُ لِلصَّلَاةِ وَالعِبَادَةِ، بَل هُنَاكَ فَرقٌ بَينَ المَوقُوفِ وَغَيرِ المَوقُوفِ، لَكِن لَا شَكَّ أَنَّ الصَّلَاةَ جَمَاعَةً فِيهِ فِيهَا مُضَاعَفَةٌ لِلأَجرِ أَكثَرَ مِنَ المُنفَرِدِ.

وَقَالَ الزَّركَشِيُّ: وَلَمَّا كَانَ السُّجُودُ أَشرَفَ أَفعَالِ الصَّلَاةِ اشتُقَّ اسمُ المَكَانِ مِنهُ وَلَم يَقُولُوا مَركَعٌ أَو غَيرُهُ مِن أَفعَالِ الصَّلَاةِ.

وَنُسَمِّي المَسَاجِدَ بُيُوتَ اللهِ لَا لِأَنَّ اللهَ يَسكُنُهَا بَل لِأَنَّهَا أَمَاكِنُ مُعَدَّةٌ لِذِكرِ اللهِ وَعِبَادَتِهِ، فَالإِضَافَةُ إِضَافَةُ تَشرِيفٍ لَا إِضَافَةُ حُلُولٍ وَمُخَالَطَةٍ، كَمَا يُقَالُ فِي العَرشِ إِنَّهُ جِرمٌ أَي حَجمٌ أَعَدَّهُ اللهُ لِيَطُوفَ بِهِ المَلائِكَةُ كَمَا يَطُوفُ المُؤمِنُونَ فِي الأَرضِ بِالكَعبَةِ، لَا لِيَتَّخِذَهُ مَكَانًا لَهُ أَو يَستَقِرَّ عَلَيهِ.

لا نسمي معابد غير المسلمين بيوت الله

لَا يَجُوزُ تَسمِيَةُ المَعَابِدِ الدِّينِيَّةِ لِلكُفَّارِ بُيُوتَ اللهِ كَمَا يَفعَلُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ، فَإِنَّهَا بُيُوتٌ رُفِعَت لِتَنقِيصِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَتَكذِيبِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَبُنِيَت لِيُسرَدَ فِيهَا الكُفرُ الَّذِي يُنَاقِضُ العَقِيدَةَ الحَقَّةَ، عَقِيدَةَ المُسلِمِينَ، وَيَتَعَارَضُ مَعَ تَعظِيمِ اللهِ تَعَالَى التَّعظِيمَ الوَاجِبَ، فَقَد يُنسَبُ فِيهَا للهِ الوَلَدُ أَوِ الشَّرِيكُ أَوِ الشَّبِيهُ أَو غَيرُ ذَلِكَ مِن صِفَاتِ النَّقصِ، فَمِن أَينَ تَكُونُ بَعدَ ذَلِكَ بُيُوتًا مُعَظَّمَةً عِندَ اللهِ. 

وَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الحَجِّ ﴿وَلَولَا دَفعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَهُدِّمَت صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾، [سورة الحج: 40]، فَالمُرَادُ بِهِ مَعَابِدُ أَهلِ الكِتَابِ لَمَّا كَانُوا عَلَى الإِسلَامِ، فَالصَّوَامِعُ جَمعُ صَومَعَةٍ وَهِيَ بِنَاءٌ مُحَدَّبُ الرَّأسِ كَانَ يُبنَى عَادَةً عَلَى مَكَانٍ مُرتَفِعٍ لِيَتَعَبَّدَ فِيهِ الرَّاهِبُ المُسلِمُ، وَالبِيَعُ جَمعُ بِيعَةٍ وَهِيَ المَكَانُ الَّذِي كَانَ يَتَعَبَّدُ فِيهِ مَن تَبِعُوا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ قَبلَ أَن يَترُكَ بَعضُهُمُ الإِسلَامَ وَيَقُولَ بِالتَّثلِيثِ، وَالصَّلَوَاتُ جَمعُ صَلُوتَا وَهِيَ لُغَةٌ عِبرِيَّةٌ وَتُطلَقُ عَلَى المَكَانِ الَّذِى كَانَ اليَهُودُ المُسلِمُونَ أَتبَاعُ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ قَبلَ أَن يُكَذِّبُوا سَيِّدَنَا عِيسَى ثُمَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ.

فَالمَسَاجِدِ مِن حَيثُ الأَصلُ بُنِيَت لِتَوحِيدِ اللهِ وَتَمجِيدِهِ لَا لِعِبَادَةِ غَيرِ اللهِ، وَكَذَلِكَ لَقَد سَمَّى اللهُ المَسجِدَ الأَقصَى مَسجِدًا وَهُوَ لَيسَ مِن بِنَاءِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ

أجر بناء المساجد في الإسلام

مِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَضلِ المَسَاجِدِ مَا ثَبَتَ مِن ثَوَابِ الَّذِي يَبنِي مَسجِدًا مُخلِصًا للهِ تَعَالَى نِيَّتَهُ، فَفِي الصَّحِيحَينِ أَنَّ عُبَيدَ اللهِ الخَولَانِيَّ سَمِعَ عُثمَانَ بنَ عَفَّانَ يَقُولُ عِندَ قَولِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسجِدَ الرَّسُولِ ﷺ: (إِنَّكُم أَكثَرتُم، وَإِنِّي سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَن بَنَى مَسجِدًا يَبتَغِي بِهِ وَجهَ اللهِ ‌بَنَى ‌اللهُ ‌لَهُ ‌مِثلَهُ فِي الجَنَّةِ»)، وقَالَ ﷺ: «مَن بَنَى للهِ مَسجِدًا لَو كَمَفحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللهُ لَهُ بَيتًا فِي الجَنَّةِ»، وَالقَطَاةُ: نَوعٌ مِنَ اليَمَامِ يُفَضِّلُ الحَيَاةَ فِي الصَّحرَاءِ وَيَتَّخِذُ بُيُوتًا صَغِيرَةً فِي الأَرضِ، وَاسمُ ذَلِكَ المَوضِعِ مَفحَصٌ.

وَالمُرَادُ أَنَّهُ يُبنَي لَهُ مِثلُهُ فِي الِاسمِ لَا فِي المِقدَارِ، وَيَدُلُّ عَلَيهِ مَا فِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحمَدَ: «بَنَى اللهُ لَهُ فِي الجَنَّةِ أَفضَلَ مِنهُ»، وَرِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ: «أَوسَعَ مِنهُ»، وَهَذَا يُشعِرُ بِأَنَّ المِثلِيَّةَ لَم يُقصَد بِهَا المُسَاوَاةُ مِن كُلِّ وَجهٍ.

وَقَالَ القُرطُبِيُّ: هَذِهِ المِثلِيَّةُ لَيسَت عَلَى ظَاهِرِهَا، وَلَكِنَّ المَعنَى: أَنَّهُ يَبنِي لَهُ بِثَوَابِهِ أَشرَفَ وَأَعظَمَ وَأَرفَعَ، وَإِنَّمَا مَثَّلَ بِمَفحَصِ القَطَاةِ دُونَ غَيرِهَا، قِيلَ: لِأَنَّ العَرَبَ تَضرِبُ بِهَا المَثَلَ فِي الصِّدقِ، فَفِيهِ حَضٌّ لَهُ عَلَى المُحَافَظَةِ عَلَى الإِخلَاصِ فِي بِنَائِهِ وَالصِّدقِ فِي إِنشَائِهِ.

حب المساجد وتعلق القلب بها

أَمَرَ الشَّرعُ الحَنِيفُ بِحُبِّ المَسَاجِدِ، فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبعَةٌ ‌يُظِلُّهُمُ ‌اللهُ فِي ظِلِّهِ (أَي فِي ظِلِّ العَرشِ) يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»، وقال فيه: «وَرَجُلٌ قَلبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ».

قَالَ النَّوَوِيُّ فِي قَولِهِ «وَرَجُلٌ قَلبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ»: مَعنَاهُ شَدِيدُ الحُبِّ لَهَا وَالمُلَازَمَةِ لِلجَمَاعَةِ فِيهَا، وَلَيسَ مَعنَاهُ دَوَامُ القُعُودِ فِيهَا، وَنَاهِيكَ بِهَا مِن خَصلَةٍ يَحصُلُ لِصَاحِبِهَا الظِلُّ فِي ذَلِكَ اليَومِ الَّذِي تَدنُو الشَّمسُ فِيهِ حَتَّى تَصِيرَ مِنَ الخَلَائِقِ قَدرَ مِيلٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَعَلُّقَ القَلبِ بِالمَسَاجِدِ دَلِيلٌ عَلَى حُبِّهِ لِخَالِقِهَا بِالمُحَافَظَةِ عَلَى أَوَامِرِهِ. اهـ

وَفِي صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ وَسُنَنِ ابنِ مَاجَه عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا تَوَطَّنَ رَجُلٌ مُسلِمٌ المَسَاجِدَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكرِ إِلَّا ‌تَبَشبَشَ ‌اللهُ لَهُ (يُثِيبُهُ ثَوَابًا عَظِيمًا وَيَرضَى فِعلَهُ وَلَيسَ مَعنَاهُ نِسبَةَ صِفَاتِ الخَلقِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ) كَمَا يَتَبَشبَشُ أَهلُ الغَائِبِ بِغَائِبِهِم إِذَا قَدِمَ عَلَيهِم».

الخاتمة

إِنَّ خَيرَ بِقَاعِ الأَرضِ المَسَاجِدُ، فَهَل أَنتَ لَهَا قَاصِدٌ، وَفِي رِحَابِهَا مُعتَكِفٌ عَابِدٌ، هَل تَعَلَّقَ قَلبُكَ بِهَا، أَم شُغِلتَ عَنهَا وَعَن مَطلَبِهَا. 

أَبشِر يَا مَن تَعَلَّقَ قَلبُكَ بِالمَسَاجِدِ، فَإِنَّكَ إِن شَاءَ اللهُ تَكُونُ فِي ظِلِّ العَرشِ يَومَ القِيَامَةِ، كَمَا أَخبَرَ بِذَلِكَ حَبِيبُنَا وَقَائِدُنَا وَقُرَّةُ أَعيُنِنَا مُحَمَّدٌ ﷺ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  3. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  4. صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  5. سُنَنِ ابنِ مَاجَه.
  6. مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ.
  7. فَتحِ الوَهَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
  8. المَجمُوعِ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
  9. رَوضَةِ الطَّالِبِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
توجيهات نبوية ترشدك الى الجنة وحديث المسيئ صلاته

توجيهات نبوية ترشدك إلى الجنة

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَمَّا بَعدُ:…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share