آداب المساجد: كيف نعظم بيوت الله

آداب المساجد- كيف نعظم بيوت الله

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

قَالَ اللهُ تَعَالَى

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا اسمُهُ

سُورَةُ النُّورِ: 36

المَسَاجِدُ هِيَ بُيُوتُ اللهِ تَعَالَى أَي بُنِيَتِ لِعِبَادَتِهِ وَتَوحِيدِهِ فِيهَا، وَقَد أَمَرَنَا اللهُ بِإِعمَارِهَا وَحِفظِهَا، فَهِيَ مِن أَعظَمِ وَأَشرَفِ الأَمَاكِنِ عَلَى هَذِهِ الأَرضِ، وَلِأَهَمِّيَّةِ المَسَاجِدِ فِي حَيَاةِ المُسلِمِ جَاءَتِ النُّصُوصُ الشَّرعِيَّةُ بِبَيَانِ الآدَابِ الَّتِي يَنبَغِي مُرَاعَاتُهَا عِندَ دُخُولِ المَسَاجِدِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لِلصَّلَاةِ أَو لِلِاعتِكَافِ أَو غَيرِهِ مِنَ العِبَادَاتِ، وَفِي هَذَا المَقَالِ سَنَعرِضُ أَبرَزَ آدَابِ المَسَاجِدِ الَّتِي يَنبَغِي عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ أَن يَلتَزِمَ بِهَا لِتَعظِيمِ شَأنِ بُيُوتِ اللهِ تَعَالَى، وَنَذكُرُ بَعضَ ثَوَابِ مَن حَافَظَ عَلَيهَا.

فضل الاعتكاف وآدابه في المسجد

الِاعتِكَافُ فِي المَسجِدِ بِمَعنَى المُكثِ فِي المَسجِدِ بِنِيَّةٍ مَخصُوصَةٍ وَشُرُوطٍ مَخصُوصَةٍ مُستَحَبٌّ، فَالمُتَطَهِّرُ إِذَا جَلَسَ فِي المَسجِدِ لِعِبَادَةٍ مِن قِرَاءَةِ قُرآنٍ أَو عِلمٍ أَو سَمَاعِ مَوعِظَةٍ أَوِ انتِظَارِ صَلَاةٍ وَنَحوِهَا كَانَ مُستَحَبًّا، وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ أَحَدُكُم فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحبِسُهُ، لَا يَمنَعُهُ أَن يَنقَلِبَ إِلَى أَهلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ».

وَفِي البُخَارِيِّ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَيضًا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ المَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُم مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَم يُحدِث، تَقُولُ: اللهم اغفِر لَهُ، اللهم ارحَمهُ».

قَالَ ابنُ بَطَّالِ: مَن كَانَ كَثِيرَ الذُّنُوبِ وَأَرَادَ أَن يَحُطَّهَا عَنهُ بِغَيرِ تَعَبٍ فَليَغنَم مُلَازَمَةَ مَكَانِ مُصَلَّاهُ بَعدَ الصَّلَاةِ لِيَستَكثِرَ مِن دُعَاءِ المَلَائِكَةِ وَاستِغفَارِهِم لَهُ، فَهُوَ مَرجُوٌّ إِجَابَتُهُ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَشفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارتَضَىٰ﴾، [سورة الأنبياء: 28].

فَيُستَحَبُّ لُزُومُ المَسَاجِدِ وَالجُلُوسُ فِيهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِن إِحيَاءِ البُقعَةِ، قَالَ أَبُو الدُّردَاءِ لِابنِهِ: يَا بُنَيَّ، لِيَكُنِ المَسجِدُ بَيتَكَ، فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «المَسَاجِدُ بُيُوتُ المُتَّقِينَ، فَمَن يَكُنِ المَسجِدُ بَيتَهُ يَضمَنُ اللهُ لَهُ الرَّوحَ وَالرَّحمَةَ، وَالجَوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ إِلَى الجَنَّةِ»، رَوَاهُ ابنُ أَبِي شَيبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ.

وَعَن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَن غَدَا إِلَى المَسجِدِ أَو رَاحَ إِلَى المَسجِدِ أَعَدَّ اللهُ لَهُ فِي الجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أَو رَاحَ»، رَوَاهُ ابنُ أَبِي شَيبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ.

وَقَالَ سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ: إِنَّ لِزُوَّارِ المَسَاجِدِ مِن عِبَادِ اللهِ أَوتَادًا جُلَسَاءَ وَهُمُ المَلَائِكَةُ، فَإِذَا فَقَدُوهُم سَأَلُوا عَنهُم، فَإِن كَانُوا مَرضَى عَادُوهُم، وَإِن كَانُوا فِي حَاجَةٍ أَعَانُوهُم، وَعَنِ الأَعمَشِ عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ مَعقِلٍ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ المَسجِدَ حِصنٌ حَصِينٌ مِنَ الشَّيطَانِ، وَعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ مَسعُودٍ الفَزَارِيِّ عَن أَبِي الدَّردَاءِ قَالَ: مَا مِن رَجُلٍ يَغدُو إِلَى المَسجِدِ لِخَيرٍ يَفعَلُهُ أَو يَعلَمُهُ إِلَّا كُتِبَ لَهُ أَجرُ مُجَاهِدٍ، لَا يَنقَلِبُ إِلَّا غَانِمًا.

وَيُستَحَبُّ لِمَن دَخَلَ المَسجِدَ وَجَلَسَ فِيهِ أَن يَنوِيَ الِاعتِكَافَ سَوَاءٌ كَثُرَ جُلُوسُهُ أَم قَلَّ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الأَدَبُ يَنبَغِي أَن يُعتَنَى بِهِ وَيُشَاعَ ذِكرُهُ وَيَعرِفَهُ الصِّغَارُ وَالعَوَامُّ، فَإِنَّهُ مِمَّا يُغفَلُ عَنهُ، وَقَالَ فِي الأَذكَارِ: وَيَنبَغِي لِلمَارِّ أَيضًا (أَي إِن كَانَ المَسجِدُ لَهُ بَابَانِ فَدَخَلَ مِن أَحَدِهِمَا وَخَرَجَ مِنَ الآخَرِ) أَن يَنوِيَ الِاعتِكَافَ، فَإِنَّ بَعضَ أَصحَابِنَا قَالَ: يَصِحُّ اعتِكَافُ مَن دَخَلَ المَسجِدَ مَارًّا، وَالأَفضَلُ أَن يَقِفَ لَحظَةً ثُمَّ يَمُرَّ.اهـ، فَالأَولَى أَنَّ مَن دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ خَفِيفَةٍ فِي المَسجِدِ أَن يَنوِيَ الِاعتِكَافَ كَمَن دَخَلَ لِأَدَاءِ صَلَاةٍ ثُمَّ خَرَجَ.

تحية المسجد

يُسَنُّ لِمَن دَخَلَ المَسجِدَ أَن يُصَلِّيَ رَكعَتَينِ تَحِيَّةً لِلمَسجِدِ وَلَو تَكَرَّرَ دُخُولُهُ، فَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسجِدَ فَلَا يَجلِس حَتَّى يُصَلِّيَ رَكعَتَينِ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَعطُوا المَسَاجِدَ حَقَّهَا»، قَالُوا: وَمَا حَقُّهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أَن تُصَلُّوا رَكعَتَينِ قَبلَ أَن تَجلِسُوا».

وَيُسَنُّ لِلقَادِمِ مِنَ السَّفَرِ أَن يُصَلِّيَ فِي المَسجِدِ رَكعَتَينِ أَوَّلَ قُدُومِهِ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ مَقصُودَةٌ لِلقُدُومِ مِنَ السَّفَرِ لَا أَنَّهَا تَحِيِّةُ المَسجِدِ.

حكم الخروج من المسجد بعد الأذان

يُكرَهُ الخُرُوجُ مِنَ المَسجِدِ بَعدَ الأَذَانِ لِغَيرِ ضَرُورَةٍ، أَمَّا لَو كَانَ لِعُذرٍ مِنَ انتِقَاضِ طَهَارَةٍ أَو نَحوِ ذَلِكَ فَلَا يُكرَهُ، وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ سُلَيمِ بنِ أَسوَدَ قَالَ: كُنَّا مَعَ أَبِي هُرَيرَةَ فِي المَسجِدِ فَخَرَجَ رَجُلٌ حِينَ أَذَّنَ المُؤَذِّنُ لِلعَصرِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَد عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ.اهـ 

قَالَ الحَافِظُ المُنذِرِيُّ: وَذَكَرَ بَعضُهُم: إِنَّ هَذَا مَوقُوفٌ، وَمَعنَى عَصَى أَبَا القَاسِمِ أَنَّهُ أَتَى بِشَيءٍ مَكرُوهٍ لَا أَنَّهُ حَرَامٌ.

خفض الصوت في المسجد

يُكرَهُ اللَّغَظُ وَرَفعُ الصَّوتِ فِي المَسجِدِ، فَفِي مُصَنَّفِ ابنِ أَبِي شَيبَةَ أَنَّ عُمَرَ سَمِعَ رَجُلًا رَافِعًا صَوتَهُ فِي المَسجِدِ فَقَالَ: أَتَدرِي أَينَ أَنتَ؟ أَيِ احتَرِمِ المَكَانَ الَّذِي أَنتَ فِيهِ.

وَيَنبَغِي أَلَّا يُنشِدَ فِي المَسجِدِ شِعرًا لَيسَ فِيهِ مَدحٌ لِلإِسلَامِ وَلَا حَثٌّ عَلَى مَكَارِمِ الأَخلَاقِ وَنَحوِهِ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِ المُهَذَّبِ وَالعِمرَانِيُّ فِي البَيَانِ، وَقَد كَانَ حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ يُنشِدُ رَسُولَ اللهِ ﷺ الشِّعرَ فِي المَسجِدِ، وَقَد أَنشَدَهُ كَعبُ بنُ زُهَيرٍ قَصِيدَتَينِ فِي المَسجِدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَحمُولٌ عَلَى الشِّعرِ المُبَاحِ أَوِ المُرَغِّبِ فِي الآخِرَةِ أَوِ المُتَعَلِّقِ بِمَدحِ النَّبِيِّ ﷺ وَذِكرِ بَعضِ مَنَاقِبِهِ وَمَآثِرِهِ، لَا مُطلَقِ الشِّعرِ.

فضل تنظيف وتطييب المساجد

يُستَحَبُّ استِحبَابًا مُتَأَكِّدًا كَنسُ المَسجِدِ وَتَنظِيفُهُ، فَقَد رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ عَن أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عُرِضَت عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حَتَّى القَذَاةَ يُخرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ المَسجِدِ»، وَعَن يَعقُوبَ بنِ زَيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتبَعُ (أَي يَنفُضُ أَو يُزِيلُ أَي يَتبَعَهُ لِيُزِيلَهُ) غُبَارَ المَسجِدِ بِجَرِيدَةٍ.

وَيُستَحَبُّ تَطيِيبُ وَتَجمِيرُ (أَي تَبخِيرُ) المَسجِدِ بَالبَخُورِ، فَعَن عَائِشَةَ قَالَت: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبِنَاءِ المَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَن تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ»، وَكَانَ عَبدُ اللهِ بنُ المُجَمِّرِ يُجَمِّرُ المَسجِدَ إِذَا قَعَدَ عُمَرُ عَلَى المِنبَرِ، وَاستَحَبَّ بَعضُ السَّلَفِ تَطيِيبَ المَسَاجِدِ بِالزَّعفَرَانِ وَالطِّيبِ وَرُوِيَ عَنهُ ﷺ فِعلُهُ أَي أَنَّ فِعلَهُ سُنَّةٌ، وَذَكَرَ ابنُ أَبِي شَيبَةَ أَنَّ ابنَ الزُّبَيرِ لَمَّا بَنَى الكَعبَةَ طَلَا حِيطَانَهَا بِالمِسكِ.

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى شَرَفِ تَنظِيفِ المَسَاجِدِ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُولُ: إِنَّ امرَأَةً سَودَاءَ كَانَت تَقُمُّ المَسجِدَ (أَي تُنَظِّفُهُ) فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَأَلَ عَنهَا، فَقَالُوا: مَاتَت، قَالَ: «أَفَلَا كُنتُم ءَاذَنتُمُونِي» أَي أَخبَرتُمُونِي بِذَلِكَ، قَالَ: فَكَأَنَّهُم صَغَّرُوا أَمرَهَا، فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبرِهَا»، فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيهَا ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ القُبُورَ مَملُوءَةٌ ظُلمَةً عَلَى أَهلِهَا وَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُم بِصَلَاتِي عَلَيهِم». رَوَاهُ مُسلِمٌ.

فرش المسجد وتجهيزه

يُستَحَبُّ فَرشُ المَسَاجِدِ وَتَعلِيقُ القَنَادِيلِ وَالمَصَابِيحِ، وَيُقَالُ إِنَّ أَوَّلَ مَن فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَمَّا جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بنِ كَعبٍ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، وَلَمَّا رَأَي عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ اجتِمَاعَ النَّاسِ فِي المَسجِدِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالقَنَادِيلَ تُزهِرُ وَكِتَابَ اللهِ يُتلَي قَالَ: نَوَّرتَ مَسَاجِدَنَا، نَوَّرَ اللهُ قَبرَكَ يَا ابنَ الخَطَّابِ، وَرَوَى ابنُ مَاجَه عَن مَيمُونَةَ مَولَاةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَت: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفتِنَا فِي بَيتِ المَقدِسِ، قَالَ: «ائتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ»، وَكَانَتِ البِلَادُ إِذ ذَاكَ حَربًا، «فَإِن لَم تَأتُوهُ فَابعَثُوا بِزَيتٍ يُسرَجُ فِي قَنَادِيلِهِ».

آداب الدخول والخروج من المسجد

يُستَحَبُّ لِدَاخِلِ المَسجِدِ أَن يُقَدِّمَ رِجلَهُ اليُمنَي فِي الدُّخُولِ، وَاليُسرَى فِي الخُرُوجِ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا دَخَلتَ المَسجِدَ أَن تَبدَأَ بِرِجلِكَ اليُمنَى، وَإِذَا خَرَجتَ أَن تَبدَأَ بِرِجلِكَ اليُسرَى، رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرطِ مُسلِمٍ وَقَالَ البُخَارِيُّ: وَكَانَ ابنُ عُمَرَ يَفعَلُهُ.

وَيُستَحَبُّ لِدَاخِلِهِ أَيضًا أَن يَقُولَ: (أَعُوذُ بِاللهِ العَظِيمِ وَبِوَجهِهِ الكَرِيمِ وَسُلطَانِهِ القَدِيمِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ)، وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسجِدَ فَليُسَلِّم عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَليَقُل: (اللهم افتَح لِي أَبوَابَ رَحمَتِكَ)، وَإِذَا خَرَجَ فَليَقُل: (اللهم إِنِّي أَسأَلُكَ مِن فَضلِكَ)».

وَعَن عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ: إِذَا مَرَرتُم بِالمَسَاجِدِ فَصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ المُزَنِيُّ: مَن بَلَغَ بَابَ المَسجِدِ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: اللهم اجعَلنِي مِن أَوجَهِ مَن تَوَجَّهَ إِلَيكَ، وَأَقرَبِ مَن تَقَرَّبَ إِلَيكَ، وَأَنجَحِ مَن دَعَاكَ وَتَضَرَّعَ إِلَيكَ، نَقَلَهُ عَنهُ الرُّويَانِيُّ فِي البَحرِ.

وَيُستَحَبُّ الِاستِعَاذَةُ لِلخَارِجِ مِنَ المَسجِدِ، فَعَن أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُم إِذَا أَرَادَ أَن يَخرُجَ مِنَ المَسجِدِ تَدَاعَت جُنُودُ إِبلِيسَ وَأَجلَبَت، وَاجتَمَعَت كَمَا تَجتَمِعُ النَّحلُ عَلَى يَعسُوبِهَا، فَإِذَا قَامَ أَحَدُكُم عَلَى بَابِ المَسجِدِ فَليَقُل: (اللهم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن إِبلِيسَ وَجُنُودِهِ) فَإِنَّهُ إِذَا قَالَهَا لَم يَضُرَّهُ»، رَوَاهُ ابنُ السُّنِّيِّ فِي عَمَلِ اليَومِ وَاللَّيلَةِ.

وَفِي مُستَدرَكِ الحَاكِمِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسجِدَ فَليُسَلِّم عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَليَقُل: (اللهم افتَح لِي أَبوَابَ رَحمَتِكَ)، وَإِذَا خَرَجَ فَليُسَلِّم عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَليَقُل: (اللهم أَجِرنِي مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ)».

الخاتمة

إِنَّ الِالتِزَامَ بِآدَابِ المَسَاجِدِ هُوَ جُزءٌ مُهِمٌّ مِن عِبَادَةِ المُسلِمِ، فَالمَسَاجِدُ أَحَبُّ الأَمَاكِنِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّهَا بُنِيَت لِعِبَادَتِهِ، وَفِيهَا تُقَامُ الصَّلَوَاتُ، وَتُتَلَى التِّلَاوَاتُ، وَتَكُونُ الِاعتِكَافَاتُ، وَغَيرُهَا مِنَ الطَّاعَاتِ وَالحَسَنَاتِ، وَفِيهَا تَتَنَزَّلُ البَرَكَاتُ وَالخَيرَاتُ، فَلنُبَادِر إِلَى تَعظِيمِ شَأنِ المَسَاجِدِ وَالِاعتِنَاءِ بِهَا، وَلنَجعَلهَا دَائِمًا مَصدَرَ رَحمَةٍ وَسَكِينَةٍ فِي حَيَاتِنَا، فَأَقبِلُوا إِلَى المَسَاجِدِ وَاعمُرُوهَا وَلَا تَهجُرُوهَا، ﴿إِنَّمَا يَعمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَم يَخشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُهتَدِينَ﴾، [سورة التوبة: 18]، وَحَافِظُوا عَلَيهَا وَعَلَى مُقتَنَيَاتِهَا، وَسَاهِمُوا فِي تَشجِيعِ غَيرِكُم عَلَى الإِقبَالِ عَلَيهَا.

فَهَل أَنتَ لِهَذِهِ البِقَاعِ الفَاضِلَةِ قَاصِدٌ، وَفِي رِحَابِهَا مُعتَكِفٌ عَابِدٌ، وَهَل تَعَلَّقَ قَلبَكُ بِهَا، أَم شُغِلتَ عَنهَا وَعَن مَطلَبِهَا.

لَو يَعلَمُ النَّاسُ مَا فِي المَسَاجِدِ مِنَ الخَيرَاتِ وَالبَرَكَاتِ لَرَأَيتَهُم يَتَسَابَقُونَ إِلَيهَا، فَإِنَّهُ لَيَحزُنُنَا مَا ءَالَ إِلَيهِ حَالُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فَتَجِدُهُم لَا يَدخُلُونَ المَسجِدَ إِلَّا مَرَّةً فِي الأُسبُوعِ لِصَلَاةِ الجُمُعَةِ وَمِنهُم مَن لَا يَدخُلُ المَسجِدَ إِلَّا مَرَّتَينِ فِي السَّنَةِ فِي الفِطرِ وَالأَضحَى، فَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.

وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

  1. القُرءَانِ الكَرِيمِ.
  2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
  3. صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
  4. صَحِيحِ مُسلِمٍ.
  5. سُنَنِ ابنِ مَاجَه.
  6. مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ.
  7. مُصَنَّفِ ابنِ أَبِي شَيبَةَ.
  8. عَمَلِ اليَومِ وَاللَّيلَةِ لِابنِ السُّنِّيِّ.
  9. فَتحِ الوَهَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
  10. المَجمُوعِ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
  11. رَوضَةِ الطَّالِبِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
  12. إِعلَامِ السَّاجِدِ بِأَحكَامِ المَسَاجِدِ لِلزَّركَشِيِّ.
عقيدة التوحيد-شرح أبيات مقتضى الشهادتين لعبد الغني النابلسي

عقيدة التوحيد: شرح أبيات مقتضى الشهادتين لعبد الغني النابلسي

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share