بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُم عِندَ كُلِّ مَسجِدٍ وَكُلُوا وَاشرَبُوا وَلَا تُسرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسرِفِينَ﴾، [سورة الأعراف:31].
فَالْمَسَاجِدُ أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا بُنِيَتْ لِعِبَادَةِ اللَّهِ فَكَانَتِ الصَّلاةُ الْمَفْرُوضَةُ فِيهَا أَفْضَلَ مِنَ الصَّلاةِ فِى الْبُيُوتِ، أَمَّا النَّفْلُ فِى الْبَيْتِ فَهُوَ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ ثَوَابًا مِنْهُ فِى الْمَسْجِدِ.
صلاة التحية للمسجد
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسجِدَ فَلَا يَجلِس حَتَّى يُصَلِّيَ رَكعََتَينِ» رَوَاهُ الشَّيخَانِ، فَتَحِيَّةُ المَسجِدِ مُستَحَبَّةٌ لِدَاخِلِهِ إِن أَرَادَ الجُلُوسَ فِيهِ بِرَكعَتَينِ قَبلَ جُلُوسِهِ فِي أَيِّ وَقتٍ دَخَلَهُ، وَتَتَكَرَّرُ التَّحِيَّةُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ إِلى المَسجِدِ وَلَو عَن قُربٍ لِتَجَدُّدِ السَّبَبِ، وَتُكرَهُ التَّحِيَّةُ إِذا دَخَلَ المَسجِدَ فَوَجَدَ المَكتُوبَةَ تُقَامُ لِخَبَرِ مُسلِمٍ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا المَكتُوبَة». وَتَحصُلُ التَّحِيَّةُ بِالمَكتُوبَةِ وَبِكُلِّ نَفلٍ وَإِن لَم يَنوِ التَّحِيَّةَ مَعَ ذَلِكَ لِأَنَّ المَقصُودَ وُجُودُ الصَّلَاةِ قَبلَ الجُلُوسِ وَقَد وُجِدَ بِمَا ذُكِرَ.
صلاة النفل والراتبة في المسجد
اختَلَفَ السَّلَفُ هَلِ النَّفلُ إِثرَ الفَرَائِضِ أَفضَلُ فِي المَسجِدِ أَم فِي البَيتِ عَلَى أَقوَالٍ مِنْهَا:
أَنَّ فِعلَهَا فِي البَيتِ أَفضَلُ، لِقَولِهِ ﷺ: «أَفضَلُ صَلَاةِ المَرءِ فِي بَيتِهِ إِلَّا المَكتُوبَةَ»، وَهُوَ مَذهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَهُ النَّخَعِيُّ وَغَيرُهُ، وَعُلِّلَ بِخَشيَةِ اختِلَاطِهَا بِالفَرَائِضِ وَلِسَلَامَتِهَا مِنَ الرِّيَاءِ.
صلاة العيدين في المسجد
يَجُوزُ فِعلُ العِيدَينِ فِي الصَّحرَاءِ وَإِن كَانَ المَسجِدُ أَفضَلُ لِشَرَفِ المَسجِدِ، فَإِن ضَاقَ المَسجِدُ عَنهُم فَيُكرَهُ فِيهِ لِلتَّشوِيشِ بِالزِّحَامِ.
الصلاة على الميت في المسجد
تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى المَيِّتِ فِي المَسجِدِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحمَدُ وَغَيرُهُمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَيهِ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِيهِ، كَقَولِ عَائِشَةَ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى سُهَيلِ بنِ البَيضَاءِ إِلَّا فِي المَسجِدِ، رَوَاهُ مُسلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَاللهِ لَقَد صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَنِي البَيضَاءِ فِي المَسجِدِ، سُهَيلٍ وَأَخِيهِ. وَقَالَ بَعضُ الفُقَهَاءِ بِخِلَافِ هَذَا الحُكمِ.
صلاة المرأة في بيتها أفضل أم في المسجد؟
خُرُوجُ الْمَرْأَةِ مِنَ الْبَيْتِ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ لَا خَيْرَ فِيهِ بَلْ صَلاةُ الْجَمَاعَةِ لِلْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ فقد روى أحمد عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُوَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ؟ قَالَ: “قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ، مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ، مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي“. قَالَ: فَأَمَرَتْ فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى شَيْءٍ مِنْ بَيْتِهَا وَأَظْلَمِهِ، فَكَانَتْ تُصَلِّي فِيهِ حَتَّى لَقِيَتِ اللهَ عز وجل».
فَمَاذَا يَكُونُ هَذَا الْخُرُوجُ الْكَثِيرُ الَّذِى اعْتَدْنَهُ النِّسَاءُ الْيَوْمَ لِمُجَرَّدِ التَّنَزُّهِ لا لِلتَّدَاوِي، أَمَّا إِذَا كَانَتْ مَرِيضَةً فَأَرَادَتِ الْخُرُوجَ خَارِجَ الْبَلَدِ لِلتَّدَاوِي فَهَذَا عُذْرٌ وَأَمَّا لِمُجَرَّدِ الْعَادَةِ وَإِعْطَاءِ النَّفْسِ هَوَاهَا فَهَذَا بَعِيدٌ مِنَ الشَّرْعِ.
الصَّلاةُ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ تُضَاعَفُ إِلَى أَلْفِ صَلاةٍ مِنْ حَيْثُ الثَّوَابُ وَمَعَ هَذَا الرَّسُولُ ﷺ رَغَّبَ النِّسَاءَ أَنْ لا يَخْرُجْنَ لِلصَّلاةِ فِي مَسْجِدِهِ وَأَنْ يُصَلِّينَ فِي بُيُوتِهِنَّ، فَعَلَى النِّسَاءِ أَنْ يُحَاسِبْنَ أَنْفُسَهُنَّ وَأَنْ لا يُعَوِّدْنَ أَنْفُسَهُنَّ عَلَى الِانْطِلاقِ وَالْخُرُوجِ بِكَثرَةٍ بِلَا مَصلَحَةٍ شَرعِيَّةٍ إِلَى خَارِجِ الْبَلَدِ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْكُفَّارِ وَعَادَةُ الَّذِينَ لا يُفَكِّرُونَ فِي الآخِرَةِ، وَلْيُفَكِرْنَ فِي الْقَبْرِ الَّذِى هُوَ بَيْتُ الْوَحْدَةِ وَبَيْتُ الْوَحْشَةِ وَبَيْتُ الظُّلْمَةِ وَبَيْتُ الدُّودِ.
لا تُمنع النساء من المساجد
وَمَعَ ذَلِكَ لَا تُمنَعُ النِّسَاءُ مِنَ المَسَاجِدِ، فَقَد رَوَى الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَمنَعُوا نِسَاءَكُمُ المَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيرٌ لَهُنَّ»، وَقَالَ الحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرطِ الشَّيخَينِ، فَإِن أَرَادَتِ الخُرُوجَ إِلَى المَسجِدِ لِلصَّلَاةِ جَازَ لِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَمنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ».
وَأَمَّا قَولُ عَائِشَةَ: «لَو عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَحدَثَتِ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ مِن دُخُولِ المَسَاجِدِ كَمَا مُنِعَت نِسَاءُ بَنِي إِسرَائِيلَ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ، فَلَيسَ فِيهِ تَحرِيمٌ، وَلَو كَانَت عَائِشَةُ تَرَى التَّحرِيمَ لَصَرَخَت بَينَ النِّسَاءِ بِتَحرِيمِ ذَهَابِهِنَّ إِلَى المَسجِدِ.
وَأَمَّا مَا حَصَلَ فِي نِسَاءِ بَنِي إِسرَائِيلَ مِن أَنَّهُنَّ حُرِّمَ عَلَيهِنَّ الذَّهَابُ إِلَى المَسجِدِ فَهُوَ لِأَمرٍ أَحدَثنَهُ، وَهُوَ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَتَّخِذنَ خِفَافًا مِن خَشَبٍ لِتَظهَرَ فِي أَعيُنِ النَّاسِ طَوِيلَةً لِفِتنَةِ الرِّجَالِ، فَحُرِّمَ عَلَيهِنَّ الذَّهَابُ إِلَى المَسَاجِدِ، فَلَيسَ ذَلِكَ شَرعًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا شَرعُ مُحَمَّدٍ هُوَ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ المَشهُورُ: «لا تَمنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: «وَليَخرُجنَ تَفِلَاتٍ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، أَي غَيرَ مُتَطَيِّبَاتٍ، وَأَشَارَ بِقَولِهِ: «تَفِلَاتٍ» إِلَى أَنَّهُنَّ إِذَا كُنَّ تَفِلَاتٍ أَي غَيرَ مُتَطَيِّبَاتٍ فَدُخُولُهُنَّ المَسَاجِدَ غَيرُ مَكرُوهٍ.
وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلنَاهُ الحَدِيثُ المَوقُوفُ عَن عَائِشَةَ، فَقَد ذَكَرَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلانِيُّ فِي شَرحِ البُخَارِيِّ مَا نَصُّهُ: وَقَد ثَبَتَ ذَلِكَ مِن حَدِيثِ عُروَةَ عَن عَائِشَةَ مَوقُوفًا، أَخرَجَهُ عَبدُ الرَّزَّاقِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ، وَلَفظُهُ: «كُنَّ نِسَاءُ بَنِي إِسرَائِيلَ يَتَّخِذنَ أَرجُلًا مِن خَشَبٍ يَستَشرِفنَ لِلرِّجَالِ فِي المَسَاجِدِ فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِنَّ المَسَاجِدَ وَسُلِّطَت عَلَيهِنَّ الحَيضَةُ»، «فَهَذَا يُبَيِّنُ مُرَادَ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ مِن قَولِهَا الأَوَّلِ»، وَهَذَا وَإِن كَانَ مَوقُوفًا فَحُكمُهُ حُكمُ الرَّفعِ لِأَنَّهُ لا يُقَالُ بِالرَّأيِ.اهـ أَي كَأَنَّ عَائِشَةَ رَوَت هَذَا عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
بيان أن المرأة إذا خرجت إلى المسجد يكره لها أن تضع طيبا
وَيُكرَهُ إِذَا خَرَجَتِ المَرأَةُ إِلَى المَسجِدِ أَو غَيرِهِ أَن تَضَعَ الطِّيبَ، فَقَد رَوَى مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا شَهِدَت إِحدَاكُنَّ المَسجِدَ فَلا تَمَسَّ طِيبًا»، وَالنَّهيُ فِي الحَدِيثِ لِلكَرَاهَةِ.
وَمِمَّن عَبَّرَ بِالكَرَاهِيَةِ فِي خُرُوجِ المَرأَةِ مُتَطَيِّبَةً لَا بِالتَّحرِيمِ شَيخُ المُحَدِّثِينَ الحَافِظُ الكَبِيرُ البَيهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي السُّنَنِ الكُبرَى، وَكَذَلِكَ الفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِم قَالُوا بِكَرَاهَةِ ذَهَابِ النِّسَاءِ إِلَى المَسجِدِ مُتَطَيِّبَاتٍ أَو لَابِسَاتٍ ثِيَابًا فَاخِرَةً، فَهَذِهِ كُتُبُ الشَّافِعِيَّةِ تُصَرِّحُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ غَيرُهُم.
فَخُرُوجُ الْمَرْأَةِ مُتَعَطِّرَةً أَوْ غَيْرَ مُتَعَطِّرَةٍ مُتَزَيِّنَةً أَوْ غَيْرَ مُتَزَيِّنَةٍ مُتَسَتِّرَةً بِالسِّتْرِ الْوَاجِبِ أَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ إِنْ قَصَدَتْ بِخُرُوجِهَا أَنْ تَفْتِنَ الرِّجَالَ أَي تَسْتَمِيلَهُمْ لِلْمَعْصِيَةِ فَهُوَ حَرَامٌ، وَأَمَّا إِذَا خَرَجَتْ مُتَعَطِّرَةً أَوْ مُتَزَيِّنَةً سَاتِرَةً مَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ مِنْ بَدَنِهَا وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهَا ذَلِكَ فَلَيْسَ فِى ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ أَي أَنَّهَا لا تَعْصِى، بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِيِّ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ خَرَجَتْ مُتَعَطِّرَةً فَمَرَّتْ بِقَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ».
الاجتهاد في المسجد لمعرفة القبلة
مِن شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ استِقبَالُ القِبلَةِ بِأَن يَستَقبِلَ الكَعبَةَ بِالصَّدرِ فِي أَثنَاءِ القِيَامِ وَالقُعُودِ وَأَمَّا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَيَستَقبِلُ الكَعبَةَ بِمُعظَمِ البَدَنِ، وَلَا بُدَّ لِاستِقبَالِ القِبلَةِ مِن مَعرِفَةِ اتِّجَاهِهَا، وَمَعرِفَةُ اتِّجَاهِ القِبلَةِ لَهُ مَرَاتِبُ:
- العِلمُ بِالنَّفسِ: فَمَن أَمكَنَهُ عِلمُ القِبلَةِ وَلَا حَائِلَ بَينَهُ وَبَينَهَا كَأَن كَانَ عِندَ الكَعبَةِ فِي صَحنِ الحَرَمِ يَعمَلُ بِعِلمِهِ.
- إِخبَارُ الثِّقَةِ الَّذِي يُخبِرُ عَن عِلمٍ: فَإِذَا كَانَ هُنَاكَ حَائِلٌ بَينَ مُرِيدِ الصَّلَاةِ وَالكَعبَةِ اعتَمَدَ ثِقَةً يُخبِرُ بِمَكَانِ الكَعبَةِ عَن عِلمٍ لَا عَنِ اجتِهَادٍ كَقَولِهِ أَنَا أُشَاهِدُ الكَعبَةَ، فَلَو دَخَلَ بَيتَ ثِقَةٍ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ البَيتِ الثِّقَةُ عَن عِلمٍ لا عَنِ اجتِهَادِ القِبلَةُ هَكَذَا يَجُوزُ لَهُ الِاعتِمَادُ عَلَى كَلامِهِ، وَهَذَا كَأَن كَانَ فِي مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنَ الكَعبَةِ لَكِنَّهُ لَا يَرَاهَا فَيَعتَمِدُ عَلَى قَولِ ثِقَةٍ يَرَى الكَعبَةَ الآنَ أَو كَانَ يَرَاهَا وَيَعرِفُ مَكَانَهَا.
- الِاجتِهَادُ: وَهَذَا كَمَا لَو كَانَ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ عَن مَكَّةَ وَكَانَ قَادِرًا عَلَى الِاجتِهَادِ، فَلَا يَأخُذُ بِقَولِ مُجتَهِدٍ غَيرِهِ وَلَو كَانَ ثِقَةً، وَإِن فَعَلَ لَا تَنعَقِدُ صَلَاتُهُ بَل يَجتَهِدُ هُوَ لِنَفسِهِ.
- وَلَو دَخَلَ مَسجِدًا وَأَرَادَ الصَّلَاةَ فِيهِ، فَإِن كَانَ مَسجِدَ النَّبِيِّ ﷺ فَهَذَا نَصَّ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاجتِهَادُ فِيهِ بَل وَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ بِمَثَابَةِ النَّصِّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّ القِبلَةَ هَكَذَا، وَإِن كَانَ المَسجِدُ قَدِيمًا دَخَلَهُ الكَثِيرُ مِنَ العُلَمَاءِ وَصَلَّوا فِيهِ فَهَذَا لَا يَجِبُ الِاجتِهَادُ فِيهِ، بَل يَجُوزُ لَهُ التَّوَجُّهُ إِلَى جِهَةِ المِحرَابِ وَالصَّلَاةُ فِي هَذَا المَسجِدِ بِدُونِ اجتِهَادٍ فِي مَعرِفَةِ القِبلَةِ، أَمَّا إِن كَانَ المَسجِدُ لَيسَ قَدِيمًا وَلَم يَدخُلهُ الكَثِيرُ مِنَ العُلَمَاءِ مَثَلًا كَكَثِيرٍ مِنَ المَسَاجِدِ الجَدِيدَةِ فِي أَيَّامِنَا فَإِنَّهُ يَجِبُ أَن يَجتَهِدَ فِيهَا لِمَعرِفَةِ القِبلَةِ، لِأَنَّ حُكمَ الشَّرعِ أَنَّهُ لَا يَأخُذُ الشَّخصُ بِقَولِ مُجتَهِدٍ ءَاخَرَ مَا دَامَ هُوَ قَادِرًا عَلَى الِاجتِهَادِ، فَحَتَّى لَو كَانَ مَن أَخبَرَهُ بِجِهَةِ القِبلَةِ ثِقَةً لَا يَأخُذُ بِقَولِهِ إِذَا كَانَ يُخبِرُ عَنِ اجتِهَادٍ.
- التَّقلِيدُ: وَهَذَا لِلعَاجِزِ عَنِ الِاجتِهَادِ كَأَعمًى وَطِفلٍ عَاجِزَينِ عَنِ الِاجتِهَادِ فَيُقَلِّدَانِ ثِقَةً عَارِفًا بِالِاجتِهَادِ
البيع في المسجد
وَمِنْ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ كَرَاهَةُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِيهَا فَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ فِى الْمَسْجِدِ أَوْ يَبْتَاعُ فَقُولُوا لَهُ لا بَارَكَ اللَّهُ لَكَ»، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ. أَمَّا مَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ فَلا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ كَالَّذِي كَانَ يَحْصُلُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ أَنَّ السَّقَّائِينَ يَدُورُونَ عَلَى النَّاسِ فَيَسْقُونَهُمْ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ أَوْ غَيْرِهِ فَيُعْطُونَهُمْ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ فَإِنَّ ذَلِكَ لا كَرَاهَةَ فِيهِ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ شَدِيدَةٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَرَّ الشَّدِيدَ يَضْطَّرُ الإِنْسَانَ إِلَى أَنْ يَشْرَبَ وَهُوَ فِى مَكَانِهِ شَيْئًا يُهَدِّئُ بِهِ عَطَشَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَيَسَّرُ لَهُمُ الْخُرُوجُ بِسُهُولَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ لِلشُّرْبِ. وَكَذَلِكَ مَا كَانَ يَحْصُلُ فِى مَسْجِدِ الرَّسُولِ بِالْمَدِينَةِ فِى مَوْسِمِ الزِّيَارَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لا كَرَاهَةَ فِيهِ.
أن ينشد ضالته في المسجد
يُكرَهُ كَرَاهَةً تَنزِيهِيَّةً أَن يُنشِدَ الشَّخصُ ضَالَّتَهُ فِي المَسجِدِ، وَمَعنَى إِنشَادِ الضَّالَّةِ أَنَّهُ لَو ضَاعَ مِنهُ شَيءٌ لَا يَذهَبُ وَيُنَادِي فِي المَسجِدِ: مَن وَجَدَ كَذَا؟ مَن وَجَدَ كَذَا؟ بَل هَذَا مَكرُوهٌ، وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَن سَمِعَ رَجُلًا يُنشِدُ ضَالَّةً فِي المَسجِدِ فَليَقُل: لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيهِ فَإِنَّ المَسَاجِدَ لَم تُبنَ لِهَذَا».
حكم الصدقة في المسجد
لَا بَأسَ أَن يُعطَى السَّائِلُ فِي المَسجِدِ شَيئًا، لِحَدِيثِ عَبدِ الرَّحمَنِ ابنِ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَل مِنكُم أَحَدٌ أَطعَمَ اليَومَ مِسكِينًا؟»، فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: دَخَلتُ المَسجِدَ فَإِذَا أَنَا بِسَائِلٍ فَوَجَدتُ كِسرَةَ خُبزٍ فِي يَدِ عَبدِ الرَّحمَنِ فَأَخَذتُهَا فَدَفَعتُهَا إِلَيهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَالبَزَّارُ فِي مُسنَدِهِ.
أخطاء شائعة في المساجد
هُنَاكَ أَغلَاطٌ يَعمَلُهَا بَعضُ المُؤَذِّنِينَ يَنبَغِي الِاحتِرَازُ مِنهَا:
- مَدُّ الهَمزَةِ مِن كَلِمَةِ (أَشهَدُ) فَتَصِيرُ (آشهَدُ) فَيَخرُجُ مِنَ الخَبَرِ إِلَى الِاستِفهَامِ.
- مَدُّ البَاءِ مِن كَلِمَةِ (أَكبَرُ) فَتَصِيرُ (أَكبَار) وَالأَكبَارُ جَمعُ كَبَرٍ وَهُوَ الطَّبلُ.
- الوَقفُ عَلَى كَلِمَةِ (إِلَه) مِن كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ ثُمَّ يَبتَدِئُ بَعدَهَا بِقَولِ (إِلَّا اللهُ).
- أَن لَا يَنطِقَ بِالتَّاءِ مِن كَلِمَةِ (الصَّلَاةِ) فَيَصِيرُ (حَيَّ عَلَى الصَّلَا) وَهُوَ دُعَاءٌ إِلَى النَّارِ.
- قَلبُ الأَلِفِ هَاءً مِن لَفظِ الجَلَالَةِ (اللهُ) فَيَقُولُ (الَّه).
- زِيَادَةُ وَاوٍ وَحَذفُ الهَمزَةِ مِن كَلِمَةِ (أَكبَرُ) عِندَ التَّكبِيرِ فِي الأَذَانِ فَيَقُولُ (اللهُ وَكبَرُ).
فَهَذِهِ وَغَيرُهَا أَخطَاءٌ يَنبَغِي أَن يَحذَرَ مِنهَا المُؤَذِّنُ لِأَنَّهَا تُؤَدِّي إِلَى تَغيِيرِ المَعنَى وَأَحيَانًا إِلَى فَسَادِهِ، وَليُتَنَبَّه أَيضًا إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعدَ الأَذَانِ سُنَّةٌ مُستَحَبَّةٌ مِنَ المُؤَذِّنِ وَغَيرِهِ، سِرًّا أَو جَهرًا، وَقَد أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ قَالَ: «إِذَا سَمِعتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثلَمَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ»، فَلَفظُ الحَدِيثِ عَامٌّ لَا خُصُوصَ فِيهِ لِلمُؤَذِّنِ أَو غَيرِهِ فِي السِّرِّ أَوِ الجَهرِ فَيَشمَلُ كُلَّ الحَالَاتِ.
الخاتمة
هَذَا شَيءٌ مِن أَحكَامِ المَسَاجِدِ، وَفِي الجُملَةِ هُنَاكَ أَحكَامٌ كَثِيرَةٌ لِلمَسَاجِدِ، لَكِنَّ المَقصُودَ الأَكبَرَ مِن هَذِهِ الأَحكَامِ هُوَ تَعظِيمُ المَسَاجِدِ، كَيفَ لَا وَهِيَ بُيُوتُ العِبَادَةِ يَجتَمِعُ فِيهَا المُسلِمُونَ وَتُضَاعَفُ فِيهَا الأُجُورُ، وَسَنَذكُرُ غَيرَهَا فِي مَقَالَاتٍ أُخرَى إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- سُنَنِ ابنِ مَاجَه.
- مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ.
- فَتحِ الوَهَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.
- المَجمُوعِ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
- رَوضَةِ الطَّالِبِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
- إِعلَامِ السَّاجِدِ بِأَحكَامِ المَسَاجِدِ لِلزَّركَشِيِّ.