بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَظَّمَ قَدرَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ وَجَعَلَ لَهُ مَنزِلَةً لَم يَجعَلهَا لِغَيرِهِ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى
﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾
سورة الأحزاب: 6
عَن زُهرَةَ بنِ مَعبَدٍ عَن جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَقَالَ:
وَاللهِ لَأَنتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا نَفسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفسِهِ”، فَقَالَ عُمَرُ: فَلَأَنتَ الآنَ وَاللهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن نَفسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “الآنَ يَا عُمَرُ”
رواه أحمد في مسنده
فَمَعنَاهُ لَا يَكُونُ إِيمَانُ المَرءِ كَامِلًا حَتَّى يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن نَفسِهِ وَمِن وَلَدِهِ وَمِنَ النَّاسِ أَجمَعِينَ.
وَالمُرَادُ بِالمَحَبَّةِ فِي هَذَا الحَدِيثِ مَحَبَّةُ المَيلِ، أَيِ المَحَبَّةُ وَالمَيلُ الطَّبِيعِيُّ الَّذِي هُوَ خَلْقِيٌ فِي الإِنسَانِ كَمَيلِ الإِنسَانِ الطَّبِيعِيِّ إِلَى أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَوَلَدِهِ.
وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِلنَّبِيِّ المُصطَفَى ﷺ: (أَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِيْ) فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ الأَعظَمُ ﷺ: “لَا يَا عُمَرُ حَتَّى أَكُوْنَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ“، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: (وَاللهِ أَنْتَ الآنَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِيْ)، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: “الآنَ يَا عُمَرُ“، هَذَا مَعَ العِلمِ بِأَنَّ المَحَبَّةَ بِاعتِقَادِ الأَعظَمِيَّةِ كَانَت حَاصِلَةً لِعُمَرَ قَبلَ ذَلِكَ قَطعًا، وَلَكِنَّ عُمَرَ أَجَابَ أَوَّلًا بِحَسَبِ الطَّبعِ ثُمَّ تَأَمَّلَ فَعَرَفَ بِالِاستِدلَالِ أَنَّ النَّبِيَّ المُصطَفَى ﷺ هُوَ أَحَبُّ إِلَيهِ مِن نَفسِهِ أَيضًا لِكَونِهِ ﷺ هُوَ السَّبَبَ فِي نَجَاتِهِ مِنَ المُهلِكَاتِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَلِذَلِكَ أَخبَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِمَا اقتَضَاهُ الاختِيَارُ، وَكَذَلِكَ حَصَلَ الجَوَابُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَولِهِ: “الآنَ يَا عُمَرُ” أَي الآنَ عَرَفتَ فَنَطَقتَ بِمَا يَجِبُ.
حكم محبة النبي ﷺ
مِنَ الوَاجِبَاتِ القَلبِيَّةِ مَحَبَّةُ اللهِ وَمَحَبَّةُ رَسُولِهِ ﷺ فَيَجِبُ مَحَبَّةُ الرَّسُولِ ﷺ أَكثَرَ مِنَ النَّفسِ وَالأَهلِ وَالوَلَدِ، وَهَذِهِ المَحَبَّةُ الوَاجِبَةُ المُرَادَةُ هُنَا هِيَ مَحَبَّةُ التَّعظِيمِ أَمَّا إِذَا أَرَادَ الشَّخصُ أَن يَكُونَ إِيمَانُهُ كَامِلًا فَلَا بُدَّ أَن يَكُونَ أَكثَرُ مَيلِ قَلبِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.
عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ
لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ
رواه مسلم
مَعنَاهُ لَا يَكُونُ إِيمَانُهُ كَامِلًا أَي لَا يَصِيرُ مِنَ الأَولِيَاءِ، وَالمُرَادُ بِالمَحَبَّةِ فِي هَذَا الحَدِيثِ مَحَبَّةُ المَيلِ أَي المَحَبَّةُ وَالمَيلُ الطَّبِيعِيُّ.
من علامات محبة النبي ﷺ
- كَثرَةُ الشَّوقِ إِلَى لِقَائِهِ ﷺ
- كَثرَةُ تَعظِيمِهِ عِندَ ذِكرِهِ ﷺ
- إِظهَارُ الخُشُوعِ وَالانكِسَارِ عِندَ سَمَاعِ اسمِهِ ﷺ
وَلَقَد قِيلَ إِنَّ أَصحَابَ المُصطَفَى ﷺ وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ بَعدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا ذَكَرُوهُ خَشَعُوا وَاقشَعَرَّت جُلُودُهُم وَبَكَوا بُكَاءً شَدِيدًا بِسَبَبِ المَحَبَّةِ وَالشَّوقِ إِلَيهِ ﷺ، وَمِنهُم مَن كَانَ يَفعَلُ ذَلِكَ تَهَيُّبًا وَتَوقِيرًا لَهُ ﷺ.
صور من محبة الصحابة لرسول الله ﷺ
أَورَدَ القَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَا فِي وَصفِ حُبِّ أَصحَابِ رَسُولِ ﷺ لِرَسُولِ اللهِ، قَالَ:
(عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ كَانَ يَخْرُجُ عَلَى أصْحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَهُم جُلُوسٌ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَلَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَيْهِ بَصَرَهُ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَإِنَّهُمَا كَانَا يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا وَيَتَبَسَّمَانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ لَهُمَا.
وَرَوَى أسَامَةُ بن شَرِيكٍ قَالَ أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحَابُهُ حَوْلَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤُسِهِمُ الطَّيْرُ.
وَوَرَدَ فِي حَدِيثِ صِفَتِهِ ﷺ إذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤُسِهِمُ الطَّيْرُ.
وَقَالَ عُروَةُ بنُ مَسْعُودٍ حِينَ وَجَّهَتْهُ قُرَيْشٌ عَامَ القَضِيَّةِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَأَى مِن تَعْظِيمِ أصْحَابِهِ لَهُ مَا رَأَى وَأنَّهُ لَا يَتَوَضَّأ إِلَّا ابتَدَرُوا وَضُوئَهُ وكادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَيْهِ (أَي كَأَنَّهُم يَقتَتِلُونَ عَلَيهِ) وَلَا يَبْصُقُ بُصَاقًا وَلَا يَتَّخِمُ نُخَامَةً إلَّا تَلَقَّوْهَا بِأكْفّهِمْ فَدَلَكُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَجْسَادَهُمْ وَلَا تَسْقُطُ مِنْهُ شَعَرَةٌ إِلَّا ابْتَدَرُوهَا وَإِذَا أمَرَهُمْ بِأَمْرٍ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أصْواتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدّونَ إليه النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ فَلَمّا رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنِّي جِئتُ كِسْرَى فِي مُلْكِهِ وَقَيْصَرَ فِي مُلْكِهِ وَالنَّجَاشِيَّ فِي مُلْكِهِ وَإِنَّي وَاللهِ مَا رَأَيْتُ مَلِكًا فِي قَوْمٍ قَطُّ مِثْل مُحَمَّدٍ فِي أصْحَابِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ قَوْمًا لَا يُسْلِمُونَهُ أبدًا.
وَمِنْ هَذَا لَمّا أذِنَتْ قُريْشٌ لِعُثْمَانَ فِي الطّوَافِ بِالبَيْتِ حِينَ وَجَّهَهُ النَّبِيّ ﷺ إِلَيْهِمْ فِي القَضِيَّةِ أَبَى وَقَالَ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ حَتَّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ.
وَجَاءَ فِي حَدِيث قَيْلَةَ: فَلَمّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَالِسًا القُرْفُصَاءَ أُرْعدْتُ مِنَ الفَرَقِ وَذَلِكَ هَيْبَةً لَهُ وَتَعظِيمًا.
وَفِي حَدِيثِ المُغِيرَة أَنَّ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانوا يَقْرَعُونَ بَابَهُ بِالْأَظَافِرِ. وَقَالَ البَرَاءُ بن عازِبٍ لَقَدْ كُنْتُ أُرِيدُ أنْ أسْألَ رَسُولَ اللَّه ﷺ عَنِ الْأَمْر فَأُؤَخِّرُ سِنِينَ مِن هَيْبَتِهِ). انتَهَى كَلَامُ القَاضِي عِيَاضٌ.
فائدة
مِمَّا يُجَدِّدُ حُبَّ النَّبِيِّ ﷺ فِي النَّفسِ وَيُقَوِّيهِ بَعدَ أَدَاءِ الوَاجِبَاتِ وَاجتِنَابِ المُحَرَّمَاتِ كَثرَةُ الصَّلَاةِ عَلَيهِ ﷺ.
وَكَذَلِكَ قَالَ العُلَمَاءُ: (إِنَّ عَمَلَ المَولِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ يُجَدِّدُ مَحَبَّةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ).
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِن:
- صَحِيحِ الإِمَامِ مُسلِمٍ.
- مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ.
- الشِّفَا بِتَعرِيفِ حُقُوقِ المُصطَفَى لِلقَاضِي عِيَاضٍ المَالِكِيِّ.
- شَرحِ كِتَابِ الشِّفَا لِلمُلَّا عَلِيٍّ القَارِي.