بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمدُ لله مبلِّغ الراجِي فوق مأمولِه، ومعطي السائِل زيادةً على سُؤلِه، المنَّانِ على التّائب بصَفحِه وقَبولِه، خَلق الإِنسانَ وأَنشأَ دارًا لِحُلُولِه، وجعل الدّنيا مرحلةً لِنُزولِه، فتوَطَّنها مَنْ لم يعرفْ شَرفَ الأخرى لخُمُوُلِه، فأُخِذَ منها كارهًا قبل بلوغِ مأموله، ولم يُغْنِه ما كسَبه من مالٍ وولدٍ حتى انهْزَم في فُلولِه، أمَّا الموفَّقُ فَعَرَفَ غرورَها فلمْ ينخدِع بمُثُولِه، وسابَقَ إلى مغفرةٍ من الله وجنّةٍ عرضُها السماء والأرضُ أعِدَّتْ للذينَ آمنوا بالله ورسولِه،
وأشْهدُ أنْ لا إِله إِلَّا الله وحدَه لا شريكَ له شهادةَ عارفٍ بالدّليلِ وأصُولِه، وأشْهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه ما ترَدَّد النسيمُ بين شمالِه وجنوبِه ودَبُورِه وقَبولِه، صلَّى الله عليه وعلى أبي بكر صاحبِه في سفرِهِ وحلولِه، وعلى عمرَ حامِي الإِسلامِ بسيفٍ لا يخافُ من فُلولِه، وعلى عثمانَ الصّابرِ على البلاءِ حينَ نزولِه، وعلى عليٍّ الماضِي بشجاعتِه قبلَ أن يصولَ بنصُولِه، وعلى آلِه وأصحابِه والتابعينَ لهم بإحسانٍ ما امتَدَّ الدّهرُ بِطُوله، وسلَّم تسليمًا كثيرًا،
أما بعد:
فقد أعطى الله محمّدا ﷺ منزلة عظمى وخصّه بالوسيلة والفضيلة ورفعه فوق خلقه أجمعين، وثبت هذا كلُّه لكلّ ذي عقل تفكّر ونظر في دلائل نبوة هذا النبي الكريم ﷺ وكنا في دروسنا الماضية في هذا الشهر الكريم وقد تجاوزنا نصفه نثبت هذا ونضع الدلائل والبراهين عليه راجين الله سبحانه أن يثبتنا على سنّة نبينا الكريم ﷺ وأن يجمعنا به وبأصحابه في جنّات النّعيم، ءامين اللهم ءامين.
إعطاؤه ﷺ أعظم ممّا أوتيه عيسى ابن مريم عليه الصّلاة والسّلام:
وَمِنْ خَصَائِصِ عيسى ابن مريم أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَخْلُوقٌ مِنْ أُنْثَى بِلَا ذَكَرٍ، كَمَا خُلِقَتْ حَوَّاءُ مِنْ ذَكَرٍ بِلَا أُنْثَى، وَكَمَا خُلِقَ آدَمُ لَا مِنْ ذَكَرٍ وَلَا مِنْ أُنْثَى، وَإِنَّمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ.
وَمِنْ خصائصه أنّه بعد حيّ لم يمت، وهو الْآنَ بِجَسَدِهِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَسَيَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ الشَّرْقِيَّةِ بِدِمَشْقَ، وَيَحْكُمُ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، ثُمَّ يَمُوتُ وَيُدْفَنُ بِالْحُجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
قَالَ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَمَّا مُعْجِزَاتُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَمِنْهَا إِحْيَاءُ الْمَوْتَى، وَلِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ، وَإِحْيَاءُ الْجَمَادِ أَبْلَغُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَيِّتِ، وَقَدْ كَلَّمَ النَّبِيَ ﷺ الذِّرَاعُ الْمَسْمُومَةَ، وَهَذَا الْإِحْيَاءُ أَبْلَغُ مِنْ إِحْيَاءِ الْإِنْسَانِ الْمَيِّتِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا، أَنَّهُ إحياء جزء من الحيوان دون بقيته، الثَّانِي أَنَّهُ أَحْيَاهُ وَحْدَهُ مُنْفَصِلًا عَنْ بَقِيَّةِ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ مَعَ مَوْتِ الْبَقِيَّةِ، الثَّالِثُ أَنَّهُ أَعَادَ عَلَيْهِ الْحَيَاةَ مَعَ الْإِدْرَاكِ وَالْعَقْلِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْحَيَوَانُ يَعْقِلُ فى حياته وَفِي هَذَا مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ حَيَاةِ الطُّيُورِ الَّتِي أَحْيَاهَا اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ ﷺ، وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا كِتَابًا فِيمَنْ عَاشَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَذَكَرَ مِنْهَا كَثِيرًا.
قال الحسين بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِي سيرة النَّخَعِيِّ قَالَ: أَقْبَل رَجُلٌ مِنَ الْيَمَنِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ نَفَقَ حِمَارُهُ فَقَامَ وتوضّأ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي جئت من المدينة مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِكَ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، وَأَنَا أَشْهَدُ أنك تحيي الموتي وتبعث من في القبور، لَا تَجْعَلْ لِأَحَدٍ عَلَيَّ الْيَوْمَ مِنَّةً، أَطْلُبُ إِلَيْكَ الْيَوْمَ أَنْ تَبْعَثَ حِمَارِي، فَقَامَ الْحِمَارُ يَنْفُضُ أُذُنَيْهِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ قَوْمِهِ فِي ذَلِكَ:
| ومنّا الذي أحيى الْإِلَهُ حِمَارَهُ | وَقَدْ مَاتَ مِنْهُ كُلُّ عُضْوٍ وَمَفْصِلِ |
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ، فقد قال عَوْنُ بْنُ مُوسَى، سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ، قَالَ: سَأَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالُوا: يَا رَوْحَ اللَّهِ() وَكَلِمَتَهُ() إِنَّ سَامَ بْنَ نُوحٍ دُفِنَ هَاهُنَا قَرِيبًا فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَبْعَثَهُ لَنَا قَالَ: فَهَتَفَ نَبِيُّ اللَّهِ بِهِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا وَهَتَفَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَقَالُوا: لَقَدْ دُفِنَ هَاهُنَا قَرِيبًا فَهَتَفَ نَبِيُّ اللَّهِ فَخَرَجَ أَشْمَطُ قَالُوا: يَا رَوْحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، نُبِّئْنَا أَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ شَابٌّ فَمَا هَذَا الْبَيَاضُ؟ فَقَالَ لَهُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَا هَذَا الْبَيَاضُ؟ قَالَ: “ظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنَ الصَّيْحَةِ فَفَزِعْتُ”.
فَأَعْجَبُ مِنْهُ مَا رَفَعَ اللَّهُ بِهِ تَعَالَى شَأْنَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَجُعِلَتْ لَهُ آيَةً بَيِّنَةً شَهِدَهَا الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ فِي إِحْيَاءِ شَاةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ،
فقد روي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَتَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ قَالَ: فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَغَيِّرًا وَمَا أَحْسِبُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَغَيَّرَ إِلَّا مِنْ جُوعٍ، فَأَتَيْتُ مَنْزِلِي فَقُلْتُ لِلْمَرْأَةِ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلِيَّ السَّلَامَ وَوَجْهُهُ مُتَغَيِّرٌ وَمَا أَحْسِبُ وَجْهَهُ تَغَيَّرَ إِلَّا مِنَ الْجُوعِ فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لَنَا إِلَّا هَذَا الدَّاجِنُ وَفَضْلَةٌ مِنْ زَادٍ نُعَلِّلُ بِهَا الصِّبْيَانَ. فَقُلْتُ لَهَا: هَلْ لَكِ أَنْ نَذْبَحَ الدَّاجِنَ وَتَصْنَعِينَ مَا كَانَ عِنْدَكِ ثُمَّ نَحْمِلُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: أَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْتَ. قَالَ: فَذَبَحَت الدَّاجِنَ، وَطَحَنَتْ وَخَبَزَتْ وَطَبَخَتْ ثُمَّ ثَرَدْنَا فِي جَفْنَةٍ لَنَا فَوَضَعَتِ الدَّاجِنَ ثُمَّ حَمَلْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: ((مَا هَذَا يَا جَابِرُ؟)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَيْتُكَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْكَ فَرَأَيْتُ وَجْهَكَ مُتَغَيِّرًا فَظَنَنْتُ أَنَّ وَجْهَكَ لَمْ يَتَغَيَّرْ إِلَّا مِنَ الْجُوعِ فَذَبَحْتُ دَاجِنًا كَانَتْ لَنَا ثُمَّ حَمَلْتُهَا إِلَيْكَ. قَالَ: ((يَا جَابِرُ اذْهَبْ فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ)) قَالَ: فَأَتَيْتُ أَحْيَاءَ الْعَرَبِ فَلَمْ أَزَلْ أَجْمَعُهُمْ فَأَتَيْتُهُ بِهِمْ ثُمَّ دَخَلْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ الْأَنْصَارُ قَدْ أُجْمِعَتْ. فَقَالَ: ((أَدْخِلْهُمْ عَلَيَّ أَرْسَالًا)) فَأَدْخَلْتُهُمْ عَلَيْهِ أَرْسَالًا فَكَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْهَا فَإِذَا شَبِعَ قَوْمٌ خَرَجُوا وَدَخَلَ آخَرُونَ حَتَّى أَكَلُوا جَمِيعًا وَفَضَلَ فِي الْجَفْنَةِ شَبِيهُ مَا كَانَ فِيهَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((كُلُوا وَلَا تَكْسِرُوا عَظْمًا)) ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ الْعِظَامَ فِي وَسَطِ الْجَفْنَةِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا أَنِّي أَرَى شَفَتَيْهِ تَتَحَرَّكَانِ فَإِذَا الشَّاةُ قَدْ قَامَتْ تَنْفُضُ أَذُنَيْهَا، فَقَالَ لِي: ((خُذْ شَاتَكَ يَا جَابِرُ، بَارَكَ اللَّهُ لك فِيهَا)) فَأَخَذْتُهَا وَمَضَيْتُ، حَتَّى أَتَيْتُ بِهَا الْبَيْتَ، فَقَالَتْ لِيَ الْمَرْأَةُ: مَا هَذِهِ يَا جَابِرُ؟ قُلْتُ: وَاللَّهِ شَاتُنَا الَّتِي ذَبَحْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، دَعَا اللَّهَ فَأَحْيَاهَا، قَالَتْ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، أَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، أَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي التَّكَلُّمِ بَعْدَ الْمَوْتِ عَنْ جَمَاعَةٍ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وروي عَنْ أَبِي قَزَعَةَ، رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَنْهُ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ قَالَ: مَرَرْنَا فِي بَعْضِ الْمِيَاهِ الَّتِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَصْرَةِ، فَسَمِعْنَا نَهِيقَ حِمَارٍ، فَقُلْنَا لَهُمْ: مَا هَذَا النَّهِيقُ؟ قَالُوا: هَذَا رَجُلٌ كَانَ عِنْدَنَا، كَانَتْ أُمُّهُ تُكَلِّمُهُ بِشَيْءٍ، فَيَقُولُ لَهَا: انْهَقِي نَهِيقَكِ. وَكَانَتْ أُمُّهُ تَقُولُ: جَعَلَكَ اللَّهُ حِمَارًا، فَلَمَّا مَاتَ سُمِعَ هَذَا النَّهِيقُ عِنْدَ قَبْرِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ.
وفي رواية عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: أَرَدْتُ حَاجَةً، فَبَيْنَمَا أَنَا فِي الطَّرِيقِ، إِذْ فَاجَأَنِي حِمَارٌ قَدْ أَخْرَجَ عُنُقَهُ مِنَ الْأَرْضِ، فَنَهِقَ فِي وَجْهِي ثَلَاثًا، ثُمَّ دَخَلَ، فَأَتَيْتُ الْقَوْمَ الَّذِينَ أُرِيدُهُمْ، قَالُوا: «مَا لَنَا نَرَى لَوْنَكَ قَدْ حَالَ» فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَقَالُوا: «مَا تَعْلَمُ مَنْ ذَاكَ؟» قُلْتُ: لَا، قَالُوا: ذَاكَ غُلَامٌ مِنَ الْحَيِّ، وَتِلْكَ أُمُّهُ فِي ذَلِكَ الْخِبَاءُ، وَكَانَتْ إِذَا أَمَرَتْهُ بِشَيْءٍ شَتَمَهَا، وَقَالَ: مَا أَنْتِ إِلَّا حِمَارٌ، ثُمَّ نَهِقَ فِي وَجْهِهَا، وَقَالَ: هَا هَا هَا، فَمَاتَ يَوْمَ مَاتَ فَدَفَنَّاهُ فِي تِلْكَ الْحَفِيرَةِ، فَمَا مِنْ يَوْمٍ إِلَّا وَهُوَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي دَفَنَّاهُ فِيهِ فَيَنْهِقُ إِلَى نَاحِيَةِ الْخِبَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَدْخُلُ.
مسئلة
قال بعض العلماء: أكثر ما يعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا العقوق والبغي أي الظلم.
إذا قال الولد “أف” لأحد والديه إن لم يكن على وجه المزح فهو كبيرة.
وَمِنْ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ الَّذِي هُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ تَرْكُ الشَّخْصِ النَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِمَا إِنْ كَانَا فَقِيرَيْنِ أَمَّا إِنْ كَانَا مُكْتَفِيَيْنِ فَلا يَجِبُ الإِنْفَاقُ عَلَيْهِمَا لَكِنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِمَا مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمَا مَا يُحِبَّانِهِ، بَلْ يُسَنُّ أَنْ يُطِيعَهُمَا فِي كُلِّ شَىْءٍ إِلَّا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، حَتَّى فِي الْمَكْرُوهَاتِ إِذَا أَطَاعَ أَبَوَيْهِ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ رِفْعَةَ دَرَجَةٍ عِنْدَ اللَّهِ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ مَرْفُوعًا: ((رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ وَسَخَطُهُ فِي سَخَطِهِمَا)).
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِوُجُوبِ الِاسْتِغْفَارِ لِلأَبَوَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً، ثُمَّ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ قُرْبَةٌ عَظِيمَةٌ، وَلَيْسَ شَرْطًا أَنْ يَكُونَ هَذَا الِاسْتِغْفَارُ بَعْدَ وَفَاتِهِمَا.
فَالْوَلَدُ إِنِ اسْتَغْفَرَ لِوَالِدَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا يَنْتَفِعُ وَالِدَاهُ بِهَذَا الِاسْتِغْفَارِ حَتَّى إِنَّهُمَا يَلْحَقُهُمَا ثَوَابٌ كَبِيرٌ فَيَعْجَبَانِ مِنْ أَيِّ شَىْءٍ جَاءَهُمَا هَذَا الثَّوَابُ، فَيَقُولُ لَهُمَا الْمَلَكُ: »هَذَا مِنِ اسْتِغْفَارِ وَلَدِكُمَا لَكُمَا بَعْدَكُمَا«.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمْرٍو فِي الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ يَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْجِهَادِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:((أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ)) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ.
قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: فَإِذَا طَلَبَ أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْوَلَدِ أَنْ لا يُسَافِرَ وَكَانَ سَفَرُهُ بِلا ضَرُورَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ تَرْكُ ذَلِكَ السَّفَرِ إِذَا كَانَ يَغْتَمُّ بِسَفَرِهِ. وَإِذَا أَرَادَ الأَبُ مَنْعَ وَلَدِهِ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْبَيْتِ بِدُونِ إِذْنِهِ فَإِنْ كَانَ خُرُوجُهُ يُسَبِّبُ لِلأَبِ غَمًّا شَدِيدًا بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ انْهِيَارٌ أَوْ شِبْهُ ذَلِكَ عِنْدَئِذٍ لا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ بِدُونِ إِذْنِهِ بَلْ يَكُونُ خُرُوجُهُ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَدَرَجَةُ الْمَعْصِيَةِ فِي ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ الإِيذَاءِ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْوَالِدِ. فَإِذَا خَرَجَ الْوَلَدُ الْبَالِغُ بِدُونِ رِضَى وَالِدَيْهِ بِحَيْثُ يَغْتَمَّانِ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ بِكُلِّ خَطْوَةٍ سَيِّئَةٌ – لا مُجَرَّدُ الْكَرَاهِيَّةِ مِنْ غَيْرِ اغْتِمَامٍ – أَمَّا إِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ فَيَجُوزُ خُرُوجُهُ.
وَإِذَا طَلَبَ الأَبُ أَوِ الأُمُّ مِنَ الِابْنِ شَيْئًا مُبَاحًا كَغَسْلِ الصُّحُونِ أَوْ تَرْتِيبِ الْغُرْفَةِ أَوْ تَسْخِينِ الطَّعَامِ أَوْ عَمَلِ الشَّايِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَلَمْ يَفْعَلْ فَإِنْ كَانَ يَغْتَمُّ قَلْبُ الْوَالِدِ أَوِ الْوَالِدَةِ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ لا يَفْعَلَ.
فبر الوالدين بركة في الدنيا والاخرة،
وعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجْتُ مَرَّةً لِسَفَرٍ فَمَرَرْتُ بِقَبْرٍ مِنْ قُبُورِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِذَا رَجُلٌ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْقَبْرِ يَتَأَجَّجُ نَارًا، فِي عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ مِنْ نَارٍ، وَمَعِي إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، اسْقِنِي، قَالَ: فَقُلْتُ: عَرَفَنِي فَدَعَانِي بِاسْمِي، أَوْ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِذْ خَرَجَ عَلَى أَثَرِهِ رَجُلٌ مِنَ الْقَبْرِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْقِهِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ، ثُمَّ أَخَذَ السِّلْسِلَةَ فَاجْتَذَبَهُ وَأَدْخَلَهُ الْقَبْرَ، قَالَ: ثُمَّ أَضَافَنِيَ اللَّيْلَ إِلَى بَيْتِ عَجُوزٍ، إِلَى جَانِبِ بَيْتِهَا قَبْرٌ، فَسَمِعْتُ مِنَ الْقَبْرِ صَوْتًا يَقُولُ: بَوْلٌ وَمَا بَوْلٌ، شَنٌّ وَمَا شَنٌّ، فَقُلْتُ لِلْعَجُوزِ: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: كَانَ هَذَا زَوْجًا لِي، وَكَانَ إِذَا بَالَ لَمْ يَتَّقِ الْبَوْلَ، وَكُنْتُ أَقُولُ لَهُ: وَيْحَكَ إِنَّ الْجَمَلَ إِذَا بَالَ تَفَاجَّ، فَكَانَ يَأْبَى، فَهُوَ يُنَادِي مُنْذُ يَوْمِ مَاتَ: بَوْلٌ وَمَا بَوْلٌ، قُلْتُ: فَمَا الشَّنُّ؟ قَالَتْ: جَاءَهُ رَجُلٌ عَطْشَانُ فَقَالَ: اسْقِنِي، فَقَالَ: دُونَكَ الشَّنُّ، فَإِذَا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَخَرَّ الرَّجُلُ مَيِّتًا، فَهُوَ يُنَادِي مُنْذُ يَوْمِ مَاتَ: شَنٌّ وَمَا شَنٌّ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرْتُهُ، فَنَهَى أَنْ يُسَافَرَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ.
وهذا الحديث فيه إثبات عذاب القبر وفيه رد على من ينكرون عذاب القبر ويقولون عنه إنه خرافة والعياذ بالله تعالى، فإن عذاب القبر ثابت بنص القرآن الكريم، فَمِمّا يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهِ إِخْوَةَ الإِيمانِ عَذابُ القَبْرِ لِلْكافِرِ ولِبَعْضِ عُصاةِ الْمُسْلِمِينَ، قالَ الإِمامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ في الفِقْهِ الأَكْبَرِ: “وضَغْطَةُ القَبْرِ وعَذابُهُ حَقٌّ كائِنٌ لِلْكُفّارِ ولِبَعْضِ عُصاةِ المُسْلِمِينَ” اهـ. فَلا يَجُوزُ إِنْكارُ عَذابِ القَبْرِ بَلْ إِنْكارُهُ كُفْرٌ، قالَ الإِمامُ أَبُو مَنْصُورٍ البَغْدادِيُّ فِي كِتابِ الفَرْقِ بَيْنَ الفِرَقِ: “وقَطَعُوا ـ أَي أَهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ ـ بِأَنَّ المُنْكِرِينَ لِعَذابِ القَبْرِ يُعَذَّبُونَ فِي القَبْرِ” اهـ أَي لِكُفْرِهِم. يَجبُ الإيمانُ بِأنَّ اللهَ يُعَذّبُ الكُفَّارَ جَمِيعَهُمْ في قُبُورِهِمْ، فَيَأمُرُ حَشَرَاتٍ في الأرضِ مُؤذِيَةً أنْ تَأكُلَ أجْسَادَهُمْ، وَيَأمُرُ الأرْضَ فَتَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ، فَتَكُونُ قُبورُهُمْ حُفْرَةً مِنْ حُفَرِ النارِ، إلى غَيْرِ ذلكَ مِنْ أنْوَاعِ النَّكَدِ وَالعَذَابِ. أمَّا المسْلِمُونَ العُصَاةُ مِنْ أهْلِ الكَبَائِرِ الّذينَ مَاتُوا مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فَهُمْ قِسْمَانِ : 1ـ قِسْمٌ يُعَذّبُهُمُ اللهُ في قُبُورِهِمْ. 2ـ وَقِسمٌ يُعْفِيهِمُ اللهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ.
وقد يكونُ هذا العفو بسبب استغفار مسلمٍ حيّ لهُ أو قراءة القرآنِ لهُ. روى البخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ وأبو دَاودَ والنَّسَائِيُّ عن ابن عَبَّاسٍ قال: مَرَّ رَسُولُ الله ﷺ على قَبرينِ فَقَال: ((إِنَّـهُمَا لَيُعَذّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرِ إِثْمٍ))؛ قَالَ: ((بَلَى، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ))، ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ اثْنَيْنِ فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا وَاحِدا، ثُمَّ قَال: ((لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا)). أي بحسب ما يرى الناس ليس ذنبهما شيئًا كبيرًا لكنه في الحقيقة ذنب كبير لذلك قال: ((بلى أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة)) وهي نقل الكلام بين اثنين للإفساد بينهما، يقول لهذا: فلان قال عنك كذا، ويقول للآخر: فلان قال عنك كذا. ليوقع بينهما الشحناء، وأما الآخر فكان لا يستنـزه من البول أي كان يتلوث بالبول وهذا من الكبائر، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((استنـزهوا من البول فإنّ عامة عذاب القبر منه)) رواه الدارقطني من حديث أبي هريرة. ومعناه: تحفظوا من البول لئلا يلوثكم، معناه لا تلوثوا ثيابكم وجلدكم به لأن أكثر عذاب القبر منه. يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [سورة طه/ الآية 124] أي من أعرض عن الإيـمان بالله تعالى ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ أي ضيّقة في القبر كما فسّرها النّبي ﷺ.
قال بعض الصالحين: القبرُ أفْظَعُ من الْمَزْبلةِ، القبرُ ظلمةٌ وضِيْقٌ وَوَحْشَةٌ، لا ترى إنسانًا يُؤْنِسُكَ على العادةِ أنت وعَمَلُكَ، عمَلُك يُؤْنِسُك أو يُهْلِكُكَ.
قال تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ [سورة نوح/ الآية 25]، الله تعالى قال عن الكفار عن قوم سيدنا نوح أنهم ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾، والفاء تفيد معنى الترتيب مع التعقيب؛ أي أن يكون الشيء بعد الشيء من غير مهلة، ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ أَيْ بَعْدَ إِغْرَاقِهِمْ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: “وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ” وأمّا دخولهم جهنم في الآخرة فبينه وبين غرقهم وقت طويل. قال الفخر الرازي في تفسيره: “تَمَسَّكَ أَصْحَابُنَا فِي إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَصَلَتْ تِلْكَ الْحَالَةُ عَقِيبَ الْإِغْرَاقِ فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ دَلَالَةُ هَذِهِ الْفَاءِ”.
قال تعالى: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [سورة المؤمنون/ الآية 100]، وقال تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة الجاثية/ الآية 10]، وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [سورة غافر/ الآية 46].
ولِيُعْلَمْ أنّه لا يُقال: إنّ الْمَيِّتَ إذا كان يُرى في القبرِ في هيئةِ النّائمِ ولا يُرَى عليه شىءٌ من الاضطراباتِ ولا يَصْرُخُ فإذًا هو ليس في عذابٍ إلا أنْ يكونَ روحُه بلا جِسْمِهِ معذَّبَةً. فقد قال بعضُ الفقهاء: “عدمُ الوِجدانِ لا يَسْتَلْزِمُ عدمَ الوجودِ” معناه عدمُ الاطلاع على الشىءِ لا يَسْتَلْزِمُ عدمَ وجودِ ذلك الشىء، فإذا نحن لَمْ نَرَ الشىءَ بأعيُنِنَا فليس معناه أنّ هذا الشّىءَ ليس موجودًا، فكثيرٌ من الأمورِ أخفَاها الله عنّا وبعضُها يَكْشِفُها اللهُ لبعضِ عبادِهِ.
قال بعض الصالحين: بعض الناسِ يظنُّون أن القبرَ كحالِهِ حينما يوضَع الميتُ فيه، بالنسبة للمُسْلِمِ الدَّيِنِ التقيِّ بعدما يَنْصَرِفُ الناس الله تعالى يُوَسّعُه ويُنوَّرُ بنورِ القمرِ ليلةَ البدْرِ ليس كنورِ الشمسِ، بعدما يُسْأَلُ ينامُ. وبعضُ الصالحينَ يقرأ القرءانُ في القبرِ ومنهم من يُصلِّي من شدّةِ بَسْطِه وراحتِهِ لا يريد أن يفارقُ القبرَ، الآنَ في الدنيا يَخَافُ منه. في بلدِنا جبانةٌ قديمةٌ عتيقةٌ جاوؤا ليحفِروا قبرًا جديدا فانفتح عليهم قبرُ ميتٍ فوجدوه جالسًا يقرأ القرءانَ قال: “رُدُّوا عليَّ” هو قال، لولا أنه مبسوطٌ كان يقرأُ القرءان؟ هذا للذي يحافظُ على الصلواتِ والصيامِ ويجتنِبُ المحرمات. اهـ
وقال ابنُ رجبٍ في كتابِه أهوالِ القبور: روى أبو نُعَيْمٍ بإسنادِه عنْ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصاريِ قال حدثني إبراهيمُ بنُ الصِّمَّةِ الْمُهَلَّبِيُ قال: حدثني الذين كانوا يَمُرُّونَ بالْجِصِّ بالأسحارِ قالوا: كنّا إذا مرَرْنا بِجنَبَاتِ قبرِ ثابتٍ البنانيّ رضي الله عنه سَمِعْنَا قراءةَ القرءانِ. هو ثابتٌ البناني تابعيٌّ تلقى العِلْمَ منْ أنسِ بنِ مالكٍ كان يُحِبُّ أنسًا ويلازمُه كان عندما يأتي إلى أنسٍ يُقَبِّلُ يدَه ويقولُ: “هذه يَدٌ مَسَّتْ رسولَ الله” ويُقَبِّلُ عينَه ويقولُ: “هذه عَيْنٌ رأَتْ رسولَ اللهِ”.
هو ثابتٌ البناني وجدوه يصلِّي في قبرِه كان هو يحبُّ الصلاةَ محبةً شديدةً ثم طلبَ من الله “اللَّهُم إنْ كُنْتَ تُمَكِّنُ أحدًا منَ الصلاةِ في القبرِ فأسألُك أنْ تُمَكِّنَنِي من ذلك”، ثم لَمَّا مات فَدَفنُوه بعد أن أغلَقُوا اللَّحْدَ سَقَطَتْ لَبِنَةٌ فرأَوْه قائمًا يصلِّي، فَوْرَ ما أكملُوا دفنَه وقبلَ أن يطُولَ الوقتُ قام يصلِّي.
وروي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: “كَانَ فِيمَا مَضَى فِتْيَةٌ يَخْرُجُونَ إِلَى أَرْضِ الرُّومِ وَيُصِيبُونَ مِنْهُمْ، فَقُضِيَ عَلَيْهِمُ الْأَسْرُ، فَأُخِذُوا جَمِيعًا، فَأَتَى بِهِمْ مَلِكُهُمْ فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ دِينَهُ أَنْ يَدْخُلُوا فِيهِ، فَقَالُوا: لَا مَا كُنَّا نَفْعَلُ ذَلِكَ وَنَحْنُ لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: شَأْنُكُمْ بِهِمْ، وَقَعَدَ مَلِكُهُمْ عَلَى تَلٍّ إِلَى جَانِبِ نَهَرٍ، فَدَعَاهُمْ فَضَرَبَ عُنُقَ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَوَقَعَ فِي النَّهَرِ، فَإِذَا رَأْسُهُ قَدْ قَامَ بِحِيَالِهِمْ، وَاسْتَقْبَلَهُمْ بِوَجْهِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [سورة الفجر/ الآية 27-30]، فَفَزِعُوا وَقَامُوا”.
قَالَ الْعَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي، قَالَتْ: “رَكِبْتُ يَوْمًا إِلَى قُبُورِ الشُّهَدَاءِ وَكَانَتْ لَا تَزَالُ تَأْتِيهِمْ قَالَتْ: فَنَزَلْتُ عِنْدَ قَبْرِ حَمْزَةَ، فَصَلَّيْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أُصَلِّيَ، وَمَا فِي الْوَادِي دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ يَتَحَرَّكُ إِلَّا غُلَامٌ قَائِمٌ آخِذٌ بِرَأْسِ دَابَّتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ صَلَاتِي قُلْتُ هَكَذَا بِيَدِي: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَسَمِعْتُ رَدَّ السَّلَامِ عَلَيَّ يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ أَعْرِفُهُ كَمَا أَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَنِي وَكَمَا أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ فَاقْشَعَرَّتْ كُلُّ شَعْرَةٍ مِنِّي”.
وعَنْ يَزِيدَ بْنِ طَرِيفٍ، قَالَ: “مَاتَ أَخِي فَلَمَّا أُلْحِدَ وَانْصَرَفَ النَّاسُ وَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى قَبْرِهِ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا ضَعِيفًا أَعْرِفُ أَنَّهُ صَوْتُ أَخِي وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُ، فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: فَمَا دِينُكَ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ”.
وروي عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ وَرَجُلٌ آخَرُ: دَخَلَا عَلَى مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ يَعُودَانِهِ، فَوَجَدَاهُ مُغْمًى عَلَيْهِ، قَالَ: “فَسَطَعَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَارٍ أَوَّلُهَا مِنْ رَأْسِهِ، وَأَوْسَطُهَا مِنْ وَسَطِهِ، وَآخِرُهَا مِنْ رِجْلِهِ، قَالَ: فَهَالَنَا ذَلِكَ، فَلَمَّا أَفَاقَ قُلْنَا لَهُ: كَيْفَ أَنْتَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ لَقَدْ رَأَيْنَا شَيْئًا هَالَنَا!! قَالَ: وَمَا هُوَ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ، قَالَ: وَرَأَيْتُمْ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: تِلْكَ تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ سَطَعَ أَوَّلُهَا مِنْ رَأْسِي وَأَوْسَطُهَا مِنْ وَسَطِي وَآخِرُهَا مِنْ رِجْلِي، وَقَدْ صَعِدَتْ تَشْفَعُ لِي، وَهَذِهِ تَبَارَكَ تَحْرُسُنِي، قَالَ: فَمَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ”.
وقد تكلّم الجدي الميّت مع النبي ﷺ فقد روى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقبلت يوم بدر من قتال المشركين وأنا جائع، ثم استقبلتني امرأة يهودية على رأسها جفنة فيها جدي مشوي، فقالت: الحمد لله يا محمد، الذي سلّمك، كنت نذرت لله إن سلّمك الله وقدمت المدينة سالما لأذبحن هذا الجدي فلأشوينه ولأحملنه إليك لتأكل منه، فاستنطق الله تعالى الجدي، فقال: يا محمد لا تأكلني فإني مسموم.
فائدة
دعاء عظيم الشأن جرّبه أهل العرفان عند حصول الفاقة
ذكر الحافظ محمد مرتضى الزبيدي في شرحه على الإحياء نقلا عن بعض الصالحين، قال:
وله رحمه الله دعاء عظيم الشأن جرّبه أهل العرفان عند حصول الفاقة – أي الفقر – وهو: “اللهم يا غني يا حميد، يا مبدئ يا معيد، يا رحيم يا ودود، أغنني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك“.
قال: من ذكره بعد صلاة الجمعة وداوم عليه أغناه الله عن خلقه ورزقه من حيث لم يحتسب.
مِنْ خواصِّ اسمِ اللهِ “المهيمنِ”
رفعُ الـهمةِ وعلوُّها، يقرأُ مائةَ مرةٍ بعدَ الغسلِ والصلاةِ بِخَلْوَةٍ لطلبٍ يُرِيدُهُ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ