الحمد لله الذي لا ناقض لما بناه، ولا حافظ لما أفناه، ولا مانع لما أعطاه، ولا راد لما قضاه، ولا ساتر لما أبداه ولا مظهر لما أخفاه، ولا ضال لمن هداه، ولا هادي لمن أعماه، والصلاة والسلام على رسول الهدى محمد الذي اختاره الله على العباد واصطفاه، وعلى صاحبه أبي بكر الذي رضي الله عنه وأرضاه، وعلى عمر الذي عدل بين العباد فتربت يداه، وعلى عثمان الذي استحت منه الملائكة فزانه حياه، وعلى عليّ الذي والى الله من والاه وعادى من عاداه. أما بعد:
الحديث
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: وعن أبي مَالِكٍ الْحَارِثِ بْنِ عَاصِم الأشْعريِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ للَّه تَمْلأُ الْميزانَ وسُبْحَانَ الله والحَمْدُ للَّه تَمْلآنِ أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّموَات وَالأَرْضِ، وَالصَّلاَةُ نورٌ، والصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، والْقُرْآنُ حُجَّةُ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ. كُلُّ يَغْدُو، فَبِائِعٌ نَفْسَهُ فمُعْتِقُها، أَوْ مُوبِقُهَا” رواه مسلم.
ترجمة راوي الحديث
أبو مالك الأشعري رضي الله عنه: هذا أحد أقوال عشرة في اسمه، وقيل: كعب ابن عاصم وقيل كعب بن كعب، وقيل عبيد، وقيل عبيد الله، وقيل عمرو. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في «أمالي الأذكار» : التحقيق أن أبا مالك الأشعري ثلاثة: الحارث بن الحارث وكعب بن عاصم وهما مشهوران باسمهما. والثالث هو المختلف في اسمه، وأكثر ما يرد في الروايات بكنيته وهو راوي الحديث اهـ (الأشعري) نسبة إلى الأشعر: قبيلة مشهورة من اليمن، وقيل: له الأشعر لأن أمه ولدته والشعر على بدنه. قدم أبو مالك رضي الله عنه مع الأشعريين على النبي ويعد في «الشاميين»، هوَ أَشْعَرِيٌّ يَعنِى مِنْ أَهْلِ اليَمَن لأَنَّ الأَشاعِرَة قَدِمُوا مِنَ اليَمَن، قَدِمُوا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ، فَأَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ أَصحابَه مادِحًا هٰؤلاءِ الأَشْعَرِيِّن قائِلًا لَهُم: “جَاءَكُم أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا، الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّة“. هٰذا مَدْحٌ للأَشاعِرَة الذينَ مِنْهُم هٰذا الصحابِيُّ ومنهُم بلْ هُوَ عَلَمٌ فِيهُم الإِمامُ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيّ، عبْدُ اللهِ بنُ قَيْس، رَضِيَ اللهُ عَنْه. فَقَولُهُ ﷺ: “جَاءَكُم أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا“، مَعناهُ بِسُرْعَةٍ تَنْفُذُ الموْعِظَةُ إِلَى قُلُوبِهِم. هُم شَدِيدُو التَّأَثُّر، فَبِسُرْعَةٍ تَجِدُ الواحِدَ مِنْهُم يَتَّعِظُ لأَنَّ قُلُوبَهُم لَيِّنَة. ثُمَّ قالَ ﷺ: “الإِيمَانُ يَمَانٍ“، مَعْناهُ هُم متَمَكِّنُونَ فِى الإِيمان. الإِيمانُ فِيهِم مَكِينٌ فِى قُلُوبِهِم، “وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّة“، أَيْ أَنَّهُم أَيْضًا مُتَمَكِّنُونَ بِالحكمَة. والحِكْمة قَدْ يُرادُ بِها فِى بَعْضِ المواطِنِ حَدِيثُ رَسُولِ الله ﷺ. ثُمَّ مِنْ نَسْلِ سيِّدِنا أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيّ طَلَعَ إِمامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَماعَة الإِمامُ أَبُو الحَسَن الأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْه مِنْ نَسْلِهِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ. وَالإِمامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيّ مَعَ صاحِبِهِ أَبِي مَنْصُور الماتُرِيدِيّ إِمامانِ جَليلانِ عَظِيمان لَمْ يَأْتِيا بِشَىءٍ جَدِيدٍ فِى أُمُورِ العقائِد بلْ حَقَّقا وَبيَّنا وأَظْهَرا عَقيِدَةَ رَسُولِ الله ﷺ وَأَيَّداها بِالدّلائِل العَقلِيّة والنّقْلِيّة لأَنَّهُ كَثُرَ فِى زَمانِهِما أَهْلُ البِدَع الذينَ قَدْ خالَفُوا رَسُولَ الله ﷺ فِى أُمُور العقائِد مِن مُرجِئَة وَجَهمِيَّة ونَجّارِّيَة وَمُعتَزِلَة وَخوارِج وَمُشَبِّهَة إِلَى غَيرِ ذلِكَ مِنَ الفِرَق التي انْتَسَبَت إِلَى الإِسلامِ زُورًا وَهُم خارِجُونَ عَن دائِرَةِ الإِسْلام. فجاءَ الإِمامُ أَبُو الحَسَن الأَشْعَرِيّ والإِمامُ أَبو مَنصُور الماتُرِيدِيّ لِيُؤَيِّدا عَقِيدَةَ الرسُول بِدَلائِلَ مِنَ القُرءان وَدَلائِلَ مِنَ العقل لِتَأْكِيدِ هذه العقيدَةِ فِى نُفُوسِ النّاس. وَهٰذا الصحابِيُّ إِنّما هُوَ أَشعَرِيٌّ مِن هؤلاءِ الذينَ مَدَحَهُمُ الرّسُول فِى حَدِيثِهِ هذا. هذا الصحابِيُّ تُوُفِّيَ فِى طاعونِ عَمَوَاس في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه وَطاعُونُ عَمَوَاس بِسَبَبِهِ هَلَكَ أَيْ ماتَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحابِ الرّسُول وَكَثِيرٌ مِنَ التّابِعين أَيضًا. ماتَ فِى هذا الطّاعونِ نحوُ سبعُينَ أَلفَ مُسْلِم مِنْهُم أَبُو عُبَيْدَة عامرُ بنُ عبد الله بنِ الجَراح ومنهُم شُرَحبِيل بنُ حَسَنَة وَمِنهُم هذا الصّحابِيُّ الحارِثُ بنُ عاصِمٍ الأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وأَرْضاه. روي له عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سبعة وعشرون حديثا روى عنه مسلم حديثين: هذا أحدهما وبدأ به كتاب الطهارة من صحيحه، وروى له البخاري على الشك فقال: عن أبي مالك أو أبي عامر، وروى عنه أصحاب السنن الأربعة.
الشرح
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ،
“الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ“. كَلِمَةُ “الطُّهُورُ” هِيَ بِضَمِّ الطّاءوَهِيَ مَصْدَر ⇦طَهَرَ–يَطْهُرُ–طُهُورًا، – طهَرَ فِى الماضِي – يَطْهُرُ فِي الْمُضارِعِ- طُهُورًا هوَ الْمَصْدَر وَالْمَصْدَرُ هُوَ الذي يَقَعُ ثالِثًا فِى التَّصْرِيف. فَكَلِمَةُ “الطُّهُورُ” هِيَ اسْمٌ للفِعْل. يعنِي فِعْلُ الطَّهارَة يُقالُ لَهُ طُهُور، أَمّا الطَّهُور، بِفَتْحِ الطّاء، فَهُوَ الماءُ الذي يُتَطَهَّرُ بِهِ. إِذا جَمَعْتَ ماءً فِى إِناءٍ تُرِيدُ اسْتِعمالَهُ فِى الطَّهارَة، تُسَمِّي هذا الماءَ الذي فِى الإِناءِ طَهُور، بِفَتْحِ الطّاء. أَمّا إِذا أَخَذْتَ الماءَ مِنَ الإِناءِ لِتَغْسِلَ وَجْهَكَ بِنِيَّةِ الوُضُوءِ مَثَلًا، لِتَغْسِلَ يَدَيْك، هذا الفِعل بِهذا التَّطَهُّر يُقالُ فِيه طُهُور بِضَمِّ الطّاء. فَــ”الطُّهُورُ” إِذًا اسْمٌ للفِعْل، لِفِعْلِ التَّطَهُّر، وَالطَّهُور، بِفَتْحِ الطّاء هُوَ اسْمٌ لِلْماءِ الذي يُتَطَهَّرُ بِهِ.
ولهٰذا أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ نَسْتَعمِلُها، فَيُقالُ مَثلًا وُضُوء بِضَمّ الواو. الوُضُوءُ هُوَ فِعْلُ التَّطَهُّر، أَمّا الماءُ الذي تَسْتَعْمِلُهُ فِى الوُضُوء يُقالُ فِيهِ وَضُوء بِفَتْحِ الواو.
وَكذلِكَ يُقالُ وَقُود وَوُقود. وُقُود مَعْناهُ هذا الاشْتِعال للنّار أَمّا إِذا أَلْقَيْتَ الحَطَبَ فِي النار فالحَطَبُ بِما أَنَّهُ يَزِيدُ النّارَ اشْتِعالًا يُقالُ فِيهِ وَقُود بِفَتْحِ الواو وَمِنْهُ أَيْضًا سَحُور وَسُحُور. السُّحُورُ هُوَ الفِعل، أَنْ تأْكُلَ الطّعام بَعدَ مُنْتَصَفِ الليل فِى رَمَضانَ مَثَلًا. هذا الفِعْلُ يُقالُ فِيهِ سُحُور بِضَمِّ السين أَمّا الطّعام الذي تَتَناوَلُهُ فِى ذلِكُمُ الوَقت يُقالُ لَهُ سَحُورُ بِفَتْحِ السّين وَعَلَى هذا فَقِسْ.
إِذًا “الطُّهُورُ” هُوَ فِعْلُ الطَّهارَة مِنْ نَحْوِ الوُضُوء أَوِ الغُسل ثُمَّ الطَّهارَةُ فِى اللُّغَة لَها مَعْنًى وَفِى الشَّرْعِ لَها مَعْنًى. الطُّهورُ فِى اللُّغَة مَعْناهُ النَّظافَة وَرَفْع الأَدْناسِ الحِسِّيَّةِ وَالمعْنَوِيَّة، هذا يُقالُ فِيهِ الطَّهارَة أَوِ الطُّهُور. إِذا غَسَلْتَ الأَرْضَ بالماء تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُول: طَهَّرْتُ الأَرْضَ أَيْ نَظَّفْتُ الأرضَ وَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُولَ مَثَلًا: فُلانٌ نَظِيفُ القَلْب، أَيْ طاهِرُ القَلبِ مِنَ الأَدْناسِ الحِسِّيَّةِ وَالمعْنَوِيَّة. الأَدْناس المعْنَوِيَّة كَالْحَسَد وَالعُجب وَالكِبر وَسُوء الظَّنّ وَنحوِ ذلِك مِنَ الأَمْراض التي تُصِيبُ قُلوبَ بَعضِ الناس فَإِذا كانَ الإِنْسانُ نَظِيفًا مِنْ هذه الأَمراض، ليسَ فِى قلبِهِ حِقْدٌ عَلَى المسلمينَ وَلا تَرَفُّعٌ عَلَيْهِم وَلا عُجْبٌ وَلا نحوُ ذلِك مِنَ الأمراضِ وَالمعاصِي يُقالُ فِيهِ: فُلانٌ نَظِيفُ القَلب أَوْ طاهِرُ القَلب. والأدناس مَعناه الأْوساخ التي تُصِيبُ الثّوبَ أَوْ تُصِيبُ البَدن، إِذا غَسَلْتَها بالماءِ يَصِحُّ أَنْ تَقُولَ لُغَةً: طَهَّرْتُ ثَوْبِي، أَي نَظَّفْتُ ثَوْبِي.
أَمّا الطَّهارَةُ فِى الشّرَعِ فِهَي اسْمٌ لأَشْياءَ منها الوُضُوء، والغُسُل مِنَ الجَنابَة أَوْ مِنَ الحيض إِذا انْقَطَعَ.. التَّيمُّم يُقالُ فِيهِ طَهارَة وكذلك إِزالَةُ النَّجاسَة. إِذًا هذه الأُمورُ يُقالُ فِيهِ طَهارَة فِى الشَّرع. هٰذه الطّهارَةُ لَها شَأْنٌ فِي الشّرع. فالوُضُوء إِنَّما بَيَّنَ الرّسُولُ فِى أَحادِيثِهِ شيْئًا مِنْ فَوائِدِهِ وَثَمَراتِهِ فَقال ﷺ: “إِذا غَسَلَ أَحَدُكُم وَجْهَهُ” يَعْنِى فِى الوُضُوء، “تَخْرُجُ خَطايا وَجْهِهِ مع الماء أَوْ مَعَ ءاخِرِ قَطْرِ الماءِ” مَعْناهُ الذُّنُوبُ التي يَفْعَلُها الإِنْسانُ بِبَعْضِ أَعْضاءِ وَجْهِهِ كَلِسانِهِ وَعَيْنِهِ مثَلًا، تَذْهَبُ مَعَ غَسْلِ هذا الوَجه مع الماء الذي يَمَسُّ الوَجْهَ حالَةَ الوُضُوء أَوْ مَعَ ءاخِرِ قَطْرِ الماءِ كَما قال ﷺ. وَإِذا غَسَلَ يَدَيْهِ فِى الوُضُوء، تَذْهبُ ذُنُوبُ يَدَيْهِ، كُلُّ ذَنْبٍ بَطَشَتْه يَدُهُ يَعْنِى عَصَتِ اللهِ تعالَى هذه اليَدُ، تَذْهَبُ هذه المعصِيَةُ مع الماءِ أَوْ مَعَ ءاخِرِ قَطْرِ الماءِ. مَعْناهُ الوُضُوءُ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ أَنَهُ يُكَفِّرُ الذُنوبَ الصَّغيرَة التي قَدْ تَقَعُ بِالعين أَو بِاللسان أَو بِالعين أَو بِالرّجل إِلَى غَيرِ ذلِك، يُكَفِّرُها الوُضُوءُ الصّحيحُ الْمُوافِقُ لِوُضُوءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَرَوَى ابْنُ حِبّانَ فِى صَحيحِهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: “مَنْ تَوَضَّأَ كَمَا أُمِرَ وَصَلَّى كَمَا أُمِرَ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ“، “كَمَا أُمِرَ” مَعْناهُ كَما أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالإِتْيانِ بالفَرائِض عَلَى أَكْمَلِ وَجْه وَبِالإِتْيانِ بِالسُّنن وَالرَّغائِب التي رَغَّبَنا بِها رَسُولُ اللهِ ﷺ أَيْ أن يَهْتَمَّ بِطَهارَتِه. إِذا أَرادَ اللهُ تعالى بِعَبْدٍ خَيرا، يَسَّرَ لَهُ أَمْرَ طَهارَتِه، كَما قالَ ربيعة الرأي وَغَيرُهُ مِنْ عُلَماءِ أَهْلِ السُّنَّة وَالجَماعَة. وَلَيسَ هذا فَحَسْب، بَل أَتْقَنَ صَلاتَه يَعنِى اهْتَمَّ لِصَلاتِهِ اهْتِمامًا عَظِيمًا أَتَى بِأَرْكانِها عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ وَأَتَى بِالسُّنَن فِى مَحالِّها وَمَواضِعِها وَخَشَعَ قَلبُهُ فِيها وَمَعْنَى خُشُوعِ القَلبِ فِى الصّلاة أَنْ يَسْتَحْضِرَ الإِنْسانُ فِى قَلبِهِ خَوْفَ الإِجْلالِ وَالتَّعْظِيم للهِ سُبحانَه، أَنْ يسْتَحضِرَ الخَوْفَ مِنَ الله، خَوْفَ الإِجْلالِ وَالتَّعْظِيم وَالمحَبَّة. إِذا اسْتَشْعَرَ الإنْسانُ هذا الخُشُوعَ فِى قَلبِهِ فِى صَلاتِهِ وَأَتَى بِسائِرِ السُّنَن والأرْكان وَالشُّرُوط وتَجَنَّبَ الْمُبْطِلات، يَكُونُ صَلَّى كَما أُمِر. وكذلك يخشع قلبه وتسكن جوارحه.
فَــ”مَنْ تَوَضَّأَ كَما أُمِر وَصَلَّى كَما أُمِر“، البِشارَةُ: “غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ ذَنْبِه“. بَعضُ أَهْلُ العِلْمِ يَقُول: كُلُّ الصّغائِر التي كانَت عَلَى هذا الإِنْسان، يَمحُوها الوُضُوءُ الموافِقُ لِشَرْعِ الله وَالصلاةُ الموافِقَةُ لِشَرْعِ الله.
فَإِذًا “الطّهارَة” يَدْخُلُ فِيها ۱)-الوُضُوء وَيَدْخُلُ فِيها ۲)-الغُسُل عَنِ الجَنابَة وَيَدْخُلُ فِيها ۳)-التَّيَمُّمُ وَيَدْخُلُ فِيها ٤)-إِزالَةُ النَّجاسَة. هذه الأُمُورُ الأَرْبَعَةُ هِيَ “شَطْرُ الْإِيمَانِ“. مَعْنَى كَلِمَة “شَطْرُ” أَيْ نِصْف وَمَعْنَى “الْإِيمَانِ” هٰهُنا بَعضُ أَهْلِ السُّنَّة ذَهَبَ إِلَى أَنَّ المرادَ بِــ”الْإِيمَانِ” هٰهُنا الصَّلاة، لأَنَّهُ يَصِحُّ تَسْمِيَةُ الصَّلاةِ إِيمانًا. لِماذا؟؟ لأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الصّلاة الإِيمانُ الصّحيحُ الموافِقُ لِعَقِيدَةِ رَسُولِ الله. فَبِما أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الصّلاةِ الإِيمان بِاللهِ وَبِالرّسُول، وَلأَنَّ الصّلاة لا تَصِحُّ مِنْ كافِرٍ، جَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ الصّلاةَ إِيمانًا وَجَعَلَ الطُّهُورَ الذي ذَكَرْناهُ شَطْرًا مِنْ هٰذا الإِيمان، أَيْ نِصْفَه. وَجاءَ ما يُؤَيِّدُ هٰذا التَّفْسِيرَ، تَفسِير كَلِمَة الإِيمان بِالصّلاة ما جاءَ فِى كِتابِ اللهِ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة البقرة:143] هٰذه الآيَة نَزَلَت فِى حَقِّ بَعْضِ صَحابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. الرَّسُولُ أُمِرَ عِنْدَما فُرِضَت الصّلاة عَلَى أُمَّتِه أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الكَعْبَة فِى صَلاتِهِ، فَتَوَجَّهَ إِلَى الكَعبَةِ زَمانًا، ثُمّ نُسِخَ أَمْرُ التَّوَجُّهِ إِلَى الكَعْبَة إِلَى التوَجُّه إِلَى بَيْتِ المقْدِس، فَصارَ الرَّسُولُ وأَصْحابُهُ يسْتَقبِلُونَ بيتَ المقدِسِ فِى صَلاتِهِم. تَرَكُوا اسْتِقبالَ الكَعْبَة وَتَوَجَّهُوا إِلَى بَيتِ المقْدِسِ زَمانًا، سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرا. فِى هٰذه المدّة، بَعْضُ أَصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ماتُوا، قُبِضُوا، ثُمّ بَعدَ مَوْتِهِم أُمِرَ رَسُولُ اللهِ وَأَصْحابُهُ باسْتِقْبالِ الكَعبَةِ فِى صلاتِهِ مِنْ جَدِيد فَنُسِخَ أَمْرُ اسْتِقبالِ بيتِ المقدِس وَأُمِرَ رَسُولُ اللهِ وَأَصْحابُهُ باسْتِقْبالِ الكَعبَةِ مِنْ جَدِيد، فَسَأَلَ أَصحابُ الرّسُول رَسُولَ الله عَنْ هذه الصّلوات التي صَلّاها هؤلاء الصّحابَة إِلَى بيتِ المقدِس ثُمَّ ماتُوا قَبْلَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ إِلَى الكَعْبَة: هَلْ يُثابُونَ عَلَى تِلْكَ الصلاةِ التي اسْتَقبَلُوا فِيها بيتَ المقدِس ؟؟ يسألُونَ الرّسُول هذا السؤال، فَأَنْزَلَ اللهُ تعالَى قَوْلَهُ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. قالُوا ﴿إِيمَانَكُمْ﴾ فِى الآيَة مَعناها صَلاتَكُم إِلَى بيتِ المقدِس سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرا. فَيَكُونُ مَعنَى الآيَة أَي ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾ لِيُذْهِبَ ثَوابَ صَلاتِكُم عَلَيْكُم حالَةَ تَوَجُّهِكُم إِلَى بيتِ المقدِس هذه المدَّة التي ذَكَرْناها. فَعَلى هٰذا، جاءَ فِى القُرءان إِطْلاقُ كَلِمَةِ “الإِيمان” عَلى الصّلاة.
فَلذٰلِك، يَصِحُّ أَنْ نُطْلِقَ كَلِمَةِ “الإِيمان” عَلى الصّلاة، فكَثِيرٌ مِن عُلَماءِ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَة لَمّا أَتَوْا عَلَى شَرْحِ هٰذا الحَدِيث فَسَّرُوا “الطُّهُور” بالوُضُوءِ أَوِ الغُسل أَوْ التيمُّمِ أَوْ إِزالَةِ النَّجاسة وَفَسَّرُوا “الإِيمان” بِالصّلاة. “الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمان” لأَنَّ الطُّهُورَ نِصْفٌ وَالإِيمانَ أَيِ الصلاةَ نِصْفٌ ولأنَّ الصَّلاةَ مِفْتاحُها الطُهُور. لا تَصِحُّ صَلاةٌ مِنْ غَيرِ طُهُور. إِمّا وُضُوء وَإِمّا تَيَمُّم لِمَن فَقَدَ الماء بشروطه. لا تَصِحُّ الصَلاةُ إِلّا بِهذا. فَلَمّا كانَ أَمرُ الطُّهُور لَهُ هذا الشأْن العَظِيم فِى الدِّين وَالصلاة لها الشأْن العَظِيم فِى الدِّين، جَعَلَ الرّسُولُ الطَّهارَةَ نِصْفا وَالصَّلاةَ نِصْفا، فَكَأَنَّ الصّلاةَ يُكَمِّلُها الوُضُوء والغُسُل والتيمُّم وإِزالَةُ النّجاسَةِ.
ثُمَّ إِنَّهُ جاءَ فِى القُرءانِ إِطْلاقُ لَفظَةِ الطُّهُور أَوِ التَّطَهُّر أَو المطَّهِرِين يعنِى ما يَتَصَرَّفُ مِن هذه الكلِمَة فِى القُرءانِ كَثِيرًا وَجاءَت بِمواضِعَ وَمعانٍ مُختلفَة مِنْها ما جاءَ فِى قَوْلِ اللهِ تعالَى ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [سورة الحج:26] هُنا أُمِرَ نَبِيُّ اللهِ إِبراهِيم أَنْ يُطَهِّرَ بيتَ اللهِ الكَعبَة لأَنَّها مكانٌ مُشَرَّفٌ عِنْدَ الله، يَصِحُّ أَنْ نُسَمِّيَ الكَعبَةَ بَيتَ الله، كَما يَصِحُّ أَنْ نُسَمِيَ المساجِدَ بيُوتَ الله لأَنَّها أَماكِنُ يُعْبَدُ اللهُ تعالَى فِيها وَيُرفعُ فِيها اسمُه وَيُذكَرُ فِيها سبحانَه فَيَصِحُّ أَنْ تُضافَ إِلَى الله إِضافَةَ تَشْرِيف لأَنَّها مُشَرَّفَةٌ عِنْدَ الله ولها شأن عظيم عِنْدَه، يَصِحُّ أَنْ نُضِيفَها إِلَى الله. فَأُمِرَ سيدُنا إِبراهِيم أَنْ يُطَهِّرَ بيتَ اللهِ الكَعبَة للطّائِفِين، فَمعْنَى ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ أَي مِنَ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ وَالأصْنامِ والأَوْثانِ التي عِنْدَ الكعبَة لأَنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّة الكُفّار الذينَ قبلَ بِعثَةِ الرّسول كانُوا جَعَلُوا عِنْدَ الكعبَةِ أصْنامًا وأَوْثانًا كَثِيرَةً فَأُمِرَ سيدُنا إِبْراهِيمُ أَنْ يُطَهِّرَ الكَعبَةَ مِنْ هٰذه الأصنامِ وَمِنْ هذه الأَوْثانِ بِتَكْسيرِها وَإِبْعادِها عَنِ الكَعبَةِ. فَإِذًا جاءَت كَلِمَةُ ﴿وَطَهِّرْ﴾ بِمَعنَى الطُّهُور مِنَ الشِّرْك.
وجاءَت كَلمَة الطَّهارَة وَما يَتَصَرَّفُ مِنْها فِى القُرءان بِمَعنَى طُهُورِ القَلب من الغِيبَة أَي مِنَ الشَّكِّ وَالتُّهَمَةِ وَجاءَ فِى كِتابِ اللهِ مِنْ هذا قَوْلُ اللهِ تعالَى ﴿…ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ..﴾ [سورة البقرة:232] أَي أَطْهَرُ مِنَ الغِيبَة.
وجاءَت كَلمَة الطُّهُور بِمَعنَى الشىء الحَلال الذي أَحَلَّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ كَما جاءَ فِى القُرْءانِ حِكايَةً عَنْ نَبِيِّ اللهِ لُوط عَلَيْهِ السّلام ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ۚ قَالَ يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ [سورة هود:78] أَي أَحَلُّ، ﴿أَطْهَرُ﴾ ههُنا معناهُ حلال، أَحَلَّ اللهُ تعالى للْذُّكور الزِّواجَ مِنَ النِّساءِ فَهُنَّ حَلائِلُ لِلرِّجال بِالعَقدِ الشّرْعِيِّ. مَعناهُ يا مَنْ تأْتُونَ الْذُّكور، تأْتُونَ الفاحِشَةَ بِاللِّواطِ (إِتيانُ الذُّكور فِى الدُّبُر وهذه معصِيَةٌ كَبيرَةٌ) وَالعِياذُ بالله، اتْرُكُوا هذه الفَعْلَةَ الخَبيثَةَ وَعَلَيْكُم بِما أَحَلَّ اللهُ تعالى لَكُم مِنَ البَنات.
ثُمَّ فائِدَةٌ مُهِمَّة: حَتّى لا يَقَعَ بَعْضُ الناسِ فِى شُبْهَة قَد تُشْكِل وَهِيَ أَنَّ اسْمَ نَبِيِّ اللهِ لُوط عَلَيْهِ السَّلام ليسَ مُشْتَقًا مِنَ اللِّواط!! كُلُّ أَسْماءِ أَنبياءِ الله ليسَت خَبيثَة وَلا يُشْتَقُّ اسمٌ مِنْهُم مِنْ عَمَلٍ خَبيث. ثُمَّ كَلِمَة “لاطَ” (فِى الماضِي) “يَلُوطُ” (فِى المضارِع) وَمِنْهُ كَلِمَة “اللِّواط” (وَهُوَ المصْدَر) كَلِمَةٌ عَرَبِيَّة، أَمّا اسْمُ نَبِيِّ اللهِ لُوط فَلَيْسَ عَرَبِيًّا لأَنَّ لُوطًا لَمْ يَكُن عَرَبِيًّا واسْمُهُ ليْسَ عَرَبِيًّا. فَكَيفَ يَكُونُ اسْمُ نبيِّ اللهِ لُوط الذي هُوَ أَعْجَمِيٌّ وليسَ عَرَبِيًّا مَأْخُوذًا مُشْتَقًّا مِنْ تَصْرِيفٍ لِفِعْلٍ عَرَبِيّ؟ هٰذا غَيرُ مَقْبُول! أَسْماءُ أنبياءِ العَرب أَربَعةُ أَسْماء وَهِيَ صالِح وَهُود وَشُعَيْب وَمحمَّد وما سِواها مِنَ الأَسْماء ليْسَت عَرَبِيَّة. إِسْماعِيل اسْمٌ أَعجَمِيّ، وإِبراهِيم وَموسَى وَعِيسَى وَكذٰلِكَ لُوط.
وجاءَت كَلِمَة الطُّهُور بِمَعْنَى الطُّهُورِ مِنَ الذَّنْب، يَعْنِى إِذا خَلُصَ الإنْسانُ مِنْ ذَنبٍ كانَ قَدْ أَسْلَفَ، يُقالُ تَطَهَّرَ مِنْ هذا الذَّنبِ وَمِنهُ قَوْلُ اللهِ تعالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة التوبة:103] ﴿خُذْ يَعنِى يا محمد مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾، مَعْناهُ هٰذه الزَّكاة، هٰذه الصّدَقة مَطْهَرَةٌ لِصاحِبِها مِنَ الذُّنُوب. إِذا دَفَعَ الزَّكاة، هٰذه الزَّكاةُ تُطَهِّرُ دافِعَها مِنَ الذُّنُوبِ التي هِيَ عَلَيْهِ. ﴿وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ يَعْنِى تَرفَعُ مِنْ شَأْنِهِم بَعْدَ تَطْهِيرِهِم مِنَ الذَّنب.
وجاءَت كَلمَةُ الطُّهُورِ فِى القُرءان بِمَعنَى الطُّهُورِ مِنَ الحيْض، حيثُ إِنَّ اللهَ تعالَى وَصَفَ نِساءَ أَهْلِ الجَنَّةِ فِى الجَنَّة فقالَ سبْحانَه ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة:25] ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَي فِى الجَنَّة أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ يَعْنِى نِساءُ أَهْلِ الجَنَّة طاهِراتٌ مِنَ الحيْض، لا يَأْتِيهنَّ الحيْضُ وَهُنَّ فِى الجَنَّة. حالُهنَّ فِى الجَنَّة لَيسَ كَحالِهِنَّ فِى الدُّنْيا. المؤْمنات مِنَ الإِنْسِيّاتُ فِى الجَنَّة لا يَأْتِيهِنَّ هذا الدَّمُ كَما كانَ يَأْتِيهِنَّ الحيْضُ فِى الدُّنْيا، لأَنَّ الجَنَّة سَلِمَت مِنْ كُلِّ نَجِس، سَلِمَت مِنْ كُلِّ قَذَر، لَيسَ فِيها ما تَأْنَفُ مِنْهُ النُّفُوس.
وجاءَت كَلِمةُ الطُّهُورِ فِى القُرْءان بِمَعنَى الطَّهارَةِ مِنَ الحَدَثِ الأَصْغَر أي رَفع الحَدَث الأَصغَر بالوُضُوء أَوِ الأَكبَر بِالغُسُل. قالَ الله تعالى ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ معناهُ الماءُ النّازِلُ مِنَ السّماءِ ماءٌ طَهُورٌ، يَصلُحُ لِرَفْعِ الحَدَث الأصغَر والأَكبَر.
وجاءَت كَلمَة الطُّهُورِ فِى القُرءان بِمَعنَى الاغْتِسال وَمِنْهُ قَولُ اللهِ تعالى عَنِ النِّساء ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [سورة البقرة:22] ورَدَت ما يشْتَقُّ مِنْ كَلمَةِ الطُّهُورِ فِى هٰذه الآيَةِ أَكْثَر مِنْ مَرَّة. ﴿يَطْهُرْنَ﴾ الأُولَى حَتَّى يَنقَطِعَ حَيْضُهُنّ. الطَّهارَة فِى الموْضِعِ الأَوَّل هُوَ النَّقاءُ مِنَ الحَيْضِ. ثُمَّ قالَ اللهُ تعالَى ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ يَعْنى فَإِنِ اغْتَسَلْنَ بَعَدَ النَّقاءِ مِنَ الحَيْضِ أَوِ النِّفاس، ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فَذُكِرَت كَلمَةُ الطُّهُر وَما يشْتَقُّ مِنْها بِمَعنَى انْقِطاعِ دَمِ الحيْضِ أَوْ دَمِ النِّفاس وَجاءَت أَيْضًا بِمَعْنَى الاغْتِسال بَعْدَ هٰذا النّقاء.
وجاءَت كَلمَة الطُّهْرِ فِى القُرْءانِ أَيْضًا بِمَعنَى الاسْتِنْجاء وَمنْهُ ما جاءَ فِى كِتابِ اللهِ فِى مَدْحِ أَهلِ مَسجِدِ قُبَاء وَمَسجِدُ قُبَاء مسجِدٌ قَرِيبٌ مِنَ المَدِينَةِ المنوَّرَة يَبْعُدُ مِنها ما يَقرُبُ مِن مَسِيرَةِ نَحْوِ نِصْفِ ساعَة مَشْيًا عَلَى الأَقْدام. وَهذا المسجِدُ مِنْ جُملَةِ المساجِدِ التي كانَ يَأْتِيها الرّسُولُ ﷺ، يَخْرُجُ مِنْ مَسْجِدِهِ النّبَوِيّ كُلَّ يَومِ سَبت وَيَأْتِي مَسجِدَ قُبَاء ماشِيًا. هٰذا الْمَسجِدُ، مَدَحَ اللهُ أَهْلَهُ مِنَ الصَّحابَة وَذَكَرَهُم بِصِفَة. قالَ اللهُ تعالى: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ أي فِى هذا المسجِد رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [سورة التوبة:108] حِين سَأَلَهُمُ الرَّسُولُ ماذا تَفْعَلُونَ حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَعالَى فِيكُم، فِى أَهْلِ مَسْجِدِ قُبَاء هذه الآيَةَ التي تُتْلَى إِلى يَوْمِ القِيامَة؟؟ فَقالُوا: كُنّا نَسْتَنجِي بِالحِجارَة أَوَّلًا ثُمَّ يُتْبِعُونَ الحِجارَةَ بِالماء. فَكانُوا يَجْمَعُونَ فِى الاسْتِنجاء بَينَ الحِجارَة وَالماء لأَنَّ الحِجارَةَ تَقْلَعُ النَّجاسَةَ، تُخَفِّف كَثيرًا مِنَ النَّجاسَةَ وَالماءُ يُزِيلُ العَينَ وَالأَثَر وَيُطَهِّرُ الْمَحَلَّ، فَأَنْزَلَ اللهُ تعالَى مَدْحَهُم عَلَى فعْلَتِهِم هذه.
وصلنا الى قوله صلى الله عليه وسلم
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ،“الحَمْدُ للهِ مَعْناهُ هذه الكَلِمَة الطِّيبَة، ثَوابُها يَمْلأُ مِيزانَ الحَسَناتِ لِصاحِبِها يَوْمَ القِيامَة. فِى اللغَة، كَلِمَةُ “الحَمْد” مَعْناها الثّناء بِاللِّسان عَلَى الجَمِيل الاخْتِيارِيّ. أَنْ تُثْنِيَ بِلِسانِك بِهذا العُضُو وَهذه الجارِحَة عَلَى مَنْ تَفَضَّلَ عَلْيك بِإِحْسان ليسَ واجِبًا عَلَيْهِ تُجاهَك، هذا يُسَمَّى فِى لُغَةِ العَرَب: “الحَمْد”. الحَمْدُ شَىءٌ مُخْتَصٌّ بِاللِّسان، لا تُطْلَقُ عادَةً كَلِمَةُ الحَمْد عَلَى الثّناءِ بِغَيرِ اللسان. قَدْ يَفْعَلُ الإِنْسانُ شُكْرًا. الشُّكْرُ أَوْسَعُ فِى الدِّلالَةِ وَالمَعنَى مِنْ كَلِمَةِ الحَمْد. الحَمْدُ مُخْتَصٌّ باللسان، وَالشُّكْرُ أَعَمُّ مِنَ اللسانِ. قَدُ يُحْسِنُ الإَنْسانُ إِلَيْك فَتُهْدِي إِلَيْهَ هَدِيَّة، تُعْطِيهِ الهَدِيَّة بِيَدِك. إِذًا اسْتَعْمَلْتَ جارِجةً غَيرَ اللسان. هذا فِى لُغَة العَرَب يُسَمَّى شُكرًا وَلا يُسَمَّى حَمْدا. اللهُ تعالَى أَثْنَى علَى نَبِيِّهِ داود فقال ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سورة سبإ:13]، لأَنَّ داودَ وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى طَرِيقَتِه، كانُوا يَعْمَلُونَ حَسَناتٍ بِأَعْضائِهِم وَجَوارِحِهم الْمُخْتَلِفَة. هذه الحَسَنات التي كانُوا يَعْمَلُونَ بِاليَد أَوْ بِالعَيْن أَوْ بِالرِّجْل، اللهُ تعالَى أَطْلَقَ عَلَيْها لَفْظَةَ الشُّكْرِ لأَنَّ كَلِمَةَ الشُّكْر لَيسَت مُخْتَصَةً بِاللسانِ بِخِلافِ الحَمْد. فلِذلِكَ الحمد هُوَ الثّناء بِاللسان لا بِغَيرِهِ مِنَ الجوارِح عَلَى الجَمِيلِ الاخْتِيارِيّ، يَعْنِى عَلَى النِّعَم وَالإِحْسان الذي تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْكَ فُلانٌ مِنَ الناسِ فَإِنْ كانَ رَدُّ الإِحْسان واجِبًا عَلَى الشَّخْص، فَلا يُسَمَّى حَمْدًا، يَعْنِى لَوْ أَنَّكَ مَثَلًا أَقْرَضْتَ إِنْسانًا مالًا. أَنتَ أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ ثُمَّ حِينَ اسْتَطاعَ أَنْ يَرُدَّ لَكَ الدَّيْن، رَدَّهُ لَك. رَدُّ الدَّيْنِ لَك واجِبٌ عَلَيْهِ لأَنَّ هذا المال مالُكَ وَيَلْزَمُهُ فِى الشّرع أَنْ يَرُدَّ هذا الدَّيْنَ إِلَيْكَ. فِإِذًا رَدُّهُ هذا المالَ إِلَيْكَ، هذا لا يُسَمَّى جَمِيلًا اخْتِيارِيًّا إِنّما هُوَ واجِبٌ عَلَيْه، فَإِنْ أَثْنَى هُوَ عَلَيْكَ بِلِسانِهِ لا يُسَمَّى حَمْدًا لأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ هذا القَرْضَ لَكَ. حَتّى يُسَمَّى حَمْدًا لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَدْحًا وَثَناءً بِاللسان عَلَى الجَمِيل الاخْتِيارِيّ، يَعْنِى عَلَى الإِحسان والنِّعَم التي يَفْعَلُها الإِنسانُ باخْتِيارِهِ مِنْ غَيرِ أَنْ تَكُونَ واجِبَةً عَلَيْهِ. هذا كُلُّهُ مِنْ حَيثُ اللغَةُ.
أَمّا مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ إِذا قالَ الواحِدُ مِنّا: الحَمْدُ لله”، أَي الثَّناءُ باللسان ثابِتٌ للهِ تعالَى لأِنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَى عِبادِهِ جَمِيعِهِم بِالنِّعَم التي لا تَدْخُلُ تَحْتَ إِحْصائِنا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ إِحْسانُهُ إِلَيْنا أَوْ إِنْعامُهُ عَلَيْنا واجِبًا عَلَيْهِ سُبحانَهُ لأَنَّ اللهَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَىء ألبَتَّةَ! اللهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَى العِبادِ بِكُلِّ النِّعَم، الدُّنْيوِيّة وَالأُخْرَوِيَّة مِنْ غَيرِ أَنْ يَكُونَ إِحْسانُهُ إِلَينا أَوْ إِنْعامُهُ عَلَيْنا واجِبًا عَلَيْهِ. فَلذلِكَ رَبُّنا مُسْتَحِقٌ لِهذا الحَمْد وَلِذلِك هذه اللام فِى قَوْلِنا: “الحمدُ لـله” إِما أَنْ تَكُونَ لامَ الاسْتِحْقاق وَإِما أَنْ تَكُونَ لامَ الْمِلْك. معنى لامِ الاسْتِحقاق: معناه “رَبُّنا سبْحانَهُ وَتعالَى يسْتَحِقُّ الحَمْدَ، يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْمَد. يَسْتَحِقُّ أَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ. فَلِذلِكَ قالُوا: هذه اللامُ تُسَمَّى لامَ الاسْتِحقاق وَيَصِحُّ أَنْ تُسَمّى لامَ الْمِلْك لأَنَّ هذا الحَمْدَ اللهُ مالِكُه واللهُ مُدَبِّرُه واللهُ خالِقُه، فَهُوَ مِلْكُ الله.
بَعْضُ الطَّوائِف التي انْتَسَبَت إِلَى الإِسْلام كَذِبًا وَزُورا، ادَّعُوْا أَنَّه يَجِبُ عَلَى اللهِ أَشْياء وَمِنْهُم هذه الطّائِفَة التي تُسَمَّى المعتَزِلَة. كانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ اللهَ يَجِبُ عَلَيْهِ ما هُوَ الأَصْلَحُ للعِباد وَهذا ضَلالٌ مُبِين. الأَصْلَحُ للعِبادِ ليسَ واجَبًا عَلَى الله! لَوْ أَدْخَلَ اللهُ عِبادَهُ النّارَ لَما كانَ ظالِمًا. وَإِنْ أَدْخَلَهُمُ الجَنّة، فَإِنَّما يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ مِنْ غَيرِ أَنْ يَكُونَ إِدْخالُهُ للمؤْمِنِينَ الجنَّةَ واجِبًا عَلَيْهِ. فَمِنْ هذا التَّعْرِيف لكَلِمَةِ الحمد لله، فِيهِ رَدٌّ عَلَى هذه الطّائِفَة. لَوْ كانَ يَجِبُ عَلى اللهِ أَنْ يَفْعَلَ ما هُوَ الأَصْلَحُ للعِباد، كما زَعَمُوا، لَما خَلَقَ اللهُ النار لأَنَّ النار ليسَت مَكانًا فِيهِ صَلاح بَلْ مَكانٌ فِيهِ عَذابٌ. جَهَنَّم دارُ العذاب. جَهَنَّم أَبْعَد مكانٍ عَنْ رَحْمَةِ اللهِ تعالَى. وَلَوْ كانَ يَجِبُ عَلى اللهِ أَنْ يَفْعَلَ ما هُوَ الأَصْلَحُ للعِباد لَما خَلَقَ اللهُ إِبليس لأَنَّ إِبليس مُفْسِدٌ بيْنَ الناس وَليسَ بِمُصْلِح. فَما زَعَمُوا هؤلاء فَسادٌ يُخالِفُ شَرْعَ الله!!
إِذًا قَوْلُهُ: “وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ“، أَيْ ثَوابُ هذه الكَلِمَة لِمَنْ كانَ يُرَدِّدُها وَيُكَرِّرُها عَلَى لِسانِهِ تَمْلأُ مِيزانَ الحَسَناتِ يَوْمَ القِيامَةْ، مِنْ عَظِيمِ ثَوابِها، لأَنَّ اللهَ تعالَى يُحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَحْمَدَه، أَنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ لأَنَّهُ أَهْلٌ لِذلِك أي يستحقُّ ذلك.
وَهذا الشِّقُّ مِنْ كَلامِهِ ﷺ، فِيهِ إِثْباتُ المِيزان وَالمِيزانُ حَقٌّ أَيْ شىءٌ مَوْجُود، ثابِت، مُتَحَقِّق، وَهُوَ مِيزانٌ تُوزَنُ بِهِ أَعمالُ العِبادِ يَوْمَ القِيامَة، أَشْبَهُ ما يَكُون بِالموازِين التي كانت تُسْتَعْمَلُ فِى الدُّنيا وَفِى هذه الأَيام أَيْضًا، ما زالَت تُسْتَعْمَلُ فِى بَعْضِ النّواحِي. المِيزان الذي لَهُ كَفَّتان وَعامود وَقَصبَة. الكَفَّةُ الواحِدَةُ مِنْ كَفَّتَيْ هذا المِيزان دارَتُها كَما بينَ السماءِ وَالأَرْض معناهُ هِيَ واسِعَةٌ جِدًا جِدًا. تُوضَعُ الحسناتُ فِى كَفَّة من كَفَّتَى الميزان للمؤمِن، وتُوضَعُ سيئاتُهُ فِى كَفَّةٍ أُخْرى فَإِنْ رَجَحَت يَعنِى زادَت حَسَناتُهُ عَلَى سَيِّئاتِهِ، مِنْ حَيثُ العَدَد، يَدْخُلُ الجَنةَ مِنْ غَيرِ سابِقِ عَذاب. وَإِنْ رَجَحَت سَيِّئاتُهُ عَلَى حَسَناتِهِ، يَعْنِى كانت سيئاتُهُ أَكْثَرَ عَددًا مِنْ حَسناتِهِ، فَهُوَ تَحْتَ مَشِيئَةِ الله، إِنْ شاءَ عَذَّبَهُ زَمانًا فِى نارِ جَهَنَّم ثُمَّ لا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَإِنْ شاءَ عَفَى عَنْهُ وَغَفَرَ لهُ وَأَدْخَلَهُ الجَنَّةَ مِنْ غَير سابِقِ عَذاب. وَهناكَ أُناسٌ تَتَساوَى حَسَناتُهُم وَسَيِّئاتُهُم فى كَفَّتيِ الميزان هؤلاءِ لا يَدخُلُون النار لكنْ لا يدخلونَ الجنةَ فَوْرًا عَقِبَ الميزان إِنّما يُؤَخَّرُ دُخُولُهُمُ الجَنَّةَ زمانًا، يَبْقُوْنَ عَلَى أَسْوارِ الجَنَّة زمانًا، ثُمَّ يُؤذَنَ لَهُم بالدُّخُولِ إِلَى الجَنّة. هؤلاءِ يُقالُ لَهُم أَهْلُ الأَعْراف. والأَعْرافُ هِيَ الأَسْوار التي تُحِيطُ بِالجَنَّة قال تعالَى ﴿وَعَلَى الأَعْرافِ رِجال﴾ مَعناهُ يَبْقَى أُناسٌ عَلَى سُورِ الجَنَّة يَرَوْنَ الجَنَّة لكِنْ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ مِنْ بابٍ مِنْ أَبْوابِها إِنّما يَبْقوْنَ عَلَى سُورِها زَمانًا هولاء تَساوَت حَسناتُهُم مَعَ سَيِّئاتِهِم، مِنْ حَيثُ العَدد. هذا يُفْهِمُنا شيْئًا مُهِمًا وَهوَ أَنَّ الإِنْسانَ يَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ مِنَ الحَسنات وَأَنْ يَتَجَنَّبَ السَيِّئاتِ جَمِيعَها وَرُبَّما تَزِيدُ سيئاتُ الإِنْسان على حسَناتِهِ بِسَيّئَةٍ واحِدَة، فَيَكُونُ عَرَّضَ نَفْسَهُ بِسَببِ هذه السيّئَة إِلَى احْتِمالِ تَعْذِيبِ الله لَهُ فِى نارِ جَهَنَّم! لَوْ أَنَّهُ قالَ هذه الكَلِمَةَ الطيبَة “الحمدُ لله”، فَأَقَلُّ ما يَكْسِبُ مِنَ الحَسنات عَشرٌ واللهُ تعالَى يُضاعِفُ لِقائِلِ هذه الكَلِمَة فِى الثّوابِ إِلَى أَضْعافٍ كَثِيرَة قَدْ يُعْطِي اللهُ تعالَى إِنْسانًا مؤمِنًا مُليون حَسَنَة وَأَكْثَر مِنْ ذلِك عَلَى مُجَرَّدِ أَنْ قالَ كَلِمَةَ الحمدُ لله إِنْ كانَ مُخْلِصًا فِى نِيّتِهِ فِى قَلبِهِ يَقِينٌ قَوِيّ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ تعالَى بِلِسانِهِ، فَقَدْ يُعْطِيهِ اللهُ مُليون حَسَنَة وَزِيادَة بِسَببِ هذه الكَلِمَة الطَّيبَة. فِلذلِكَ يَنبغي أَنْ يَكُونَ الإِنْسان مُتَّعِظًا بِهذا وَأَنْ يُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِ اللهِ تعالَى فِى ليلِهِ وَفِى نَهارِهِ. الإِنْسانُ يَكْسِبُ ثَوابَ الذِّكْرِ وَهُوَ ماشٍ إِلَى عَمَلِهِ، وَهُوَ يَقُودُ السيارَة، يستَطِيعُ أَنْ يَقُولَ بِلِسانِهِ: “سبْحانَ الله، والحَمْدُ لله، ولا إِله إِلا الله، واللهُ أَكْبَر”، أَوْ يَتَّخِذ لِنَفْسِهِ وِرْدًا كَأَنْ يَقُولَ كُلَّ يَوْمٍ مَثَلًا، فِى حَرَكاتِهِ وانْتِقالاتِهِ فِى عَمَلِهِ الدُّنْيَوِيّ أَلْفَ مَرَّةٍ: “لا إِله إِلا الله” أَوْ نحْوَها مِنْ أَلْفاظِ الذِّكْر، أَيْ يَبْقَى الإِنْسانُ رَطْبًا لِسانُهُ مِنْ ذِكْرِ اللهِ تعالَى.
إِذًا هذا الكَلام فِيهِ إِثْباتُ عَظِيمِ ثَوابِ هذه الكَلِمَة، “الحَمْدُ لله” وفِيهِ إِثْبات الميزان الذي هُوَ حَقّ، قالَ تعالَى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [سورة الأنبياء:47] يعنِى الموازِين التي هِيَ عَدْلٌ لا تنْقصُ مِنْ حَسناتِ إِنْسانٍ شيْئا. لا ظُلْمَ يَوْمَ القِيامَة وكَلِمَة ﴿الْمَوَازِينَ﴾ ههنا ليسَت جَمْعَ مِيزان، إنما مَعناها فِى هذه الآية معناها الْمَوْزُونات، الأَشياء التي تُوزَن، وهيَ الحَسنات أَوِ السيئات. لأَنَّ الميزان مِيزانٌ واحِد يَوْمَ القِيامة ليْست مَوازِينَ مُتَعَدِّدَة!
وَقَدْ يسأَل البعض: الحَسنات أَوِ السيئات ليسَت أَشياء حِسيّة فَكَيف توزَنُ بِالميزان أَو ما الذي يُوزَن فِى هذا الميزان؟
☜بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ يَقُول: الصُّحُف التي كَتَبَتْها الملائِكَةُ رَقِيبٌ وَعَتِيد هِيَ التي تُوزَن. رَقِيبٌ يَكتُبُ الحَسنات وعَتِيد يَكتُبُ السيئات، فَصَحِيفَةُ الحَسنات غَيرُ صَحِيفةِ السيئات. فَتُوضَعُ صَحِيفَةُ الحَسنات فِى كفَّة وصَحِيفة السيئاتِ فِى كفَّةٍ أُخْرَى.
☜بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ يَقُول: يَخلُقُ اللهُ تعالَى فِى يَوْمِ القِيامَة أَجْرامًا، أَحْجامًا حسيَّةً فَيُوضَعُ مِنْ هذه الأَجْرام بِعَدَدِ حَسناتِهِ فِى كفّة ومِنْ هذه الأَجْرامِ بِعَدَدِ سيئاتِهِ فِى الكفَّةِ الأُخْرَى. أَحجامها أَوْ شَكْلها لَمْ يَرِد فِى القرءان ولا فِى الحَدِيث إِنّما هذه الأَقْوال إِنما هِيَ مِنْ بابِ اجْتِهادِ أَهْلِ العِلْم فِى تَفْسِيرِ وَبَيانِ مَعْنَى الحَسناتِ أَوِ السَّيئاتِ التي تُوزَن.
“وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ –أَوْ:تَمْلَأُ–مَا بَيْنَ السَّمٰواتِ وَالْأَرْضِ،“زادَ الرّسُولُ عَلَى الكَلِمَةِ الأُولَى كَلِمَةَ “سُبحان الله”. وَكَلِمَة “سُبحان الله” مَأْخُوذَةٌ مِنْ سَبَّحَ/ يُسَبِّحُ أَوْ أُسَبِّحُ وَالمَعْنَى أُبْعِدُ. فِى اللُّغَةِ السَّبْحُ معناهُ الابْتِعادُ. فَإِذا قالَ المسْلِمُ أُسَبِّحُ الله، أَيْ أُبْعِدُ الله أَي أُنَزِّهُ اللهَ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ سُبْحانَه وَلا يَجوزُ فِى حَقِّهِ، مِنَ العَجْزِ أَوِ الضَّعْفِ أَوِ النَّقْصِ أَوِ الاحتِياج إِلَى شىء أَوِ الشَّبَه بِشىءٍ مِنْ مَخْلُوقاتِهِ. اللهُ تعالَى مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ هذا، وَهُوَ المعْنَى المتعارَف عَلَيْهِ وَهُوَ التَّنْزِيه. وَكَلِمَة “سُبحانَ” هِيَ مَصْدَر: سَبَّحَ يُسَبِّحُ تَسْبِيحًا أَوْ سُبْحانًا فَهِيَ كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ فِى المعْنَى لأَنّها مُنْسَجِمَةٌ مَعَ قَوْلِهِ سبْحانَه فِى القرءان ﴿ليسَ كمِثْلِهِ شىء﴾ [سورة الشورى:11] فَكما أَنَّ هذه الآيَةَ تَنْفِي عَنِ الله المماثَلَة بِشىءٍ مِنْ خَلْقِه، كذلِكَ قَوْلُ المسْلِمِ: “سُبحان الله” مَعناهُ أُنَزِّهُ اللهَ عَنِ المَثِيل، أُبْعِدُ اللهَ عَنِ الشّبِيه، ليسَ للهِ تعالى زوْجِةٌ وَلا وَلَد، وَلا نَظِيرٌ وَلا ضِدَّ له وَلا نِدَّ لَه.
قالَ : “وَالْحَمْدُ لِلَّهِ“، يَعْنِى جَمَعَ الإِنْسانُ فِى ذِكْرِهِ بَيْنَ التَّسبيح وَبَيْنَ الحَمد الذي سَبَقَ ذِكْرُهُ فَيَكُونُ ازْدادَ فِى الفَضْل، ازْدادَ فِى الشَّأْن، حَيثُ إَنَّهُ قَرَنَ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ عَظِيمَتَينِ فِيهِما إِثْباتُ صِفاتِ الجَلالِ لله وفِيهِا أَيضًا إِثباتُ التَّنْزِيهِ لله تعالى عَنِ مُشابَهَةِ المخْلُوقات.
وَرَدَ فِى الحَدِيث الصَّحِيح أَنَّ الرَّسول قالَ: “كَلِمَتانِ خَفِيفَتانِ عَلَى اللِّسانِ” يَعْنِى لا تَحتاجان فِى النُّطْقِ بِهِما إِلَى تَعَب وَإِلَى مَشَقَّة وَإِلَى جُهد، “كَلِمَتانِ خَفيفَتانِ عَلَى اللسانِ ثَقِيلَتانِ فِى المِيزان” أَيْ ثَوابُهُما يُثَقِّلُ كَفَّةَ الحَسَنات “كَلِمَتانِ خَفيفَتانِ عَلَى اللسانِ ثَقِيلَتانِ فِى الْمِيزان: سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ سُبْحانَ اللهِ العَظِيم” قَوْلُ المسلِم: سبْحانَ الله وَبِحَمْدِه، أَيْ أُسَبِّحُ الله وَأَنا حامِدُه يَعْنِى فِى الوَقْتِ عَيْنِهِ، أُسبحُهُ وَأَنا مُتَلَبِّسٌ بِحَمْدِهِ، يَعْنِى قَرَنَ بيْنَ التَّقْدِيسِ وَالتَّحْمِيد.
وَوَرَدَ أَيْضًا فِى الحَدِيث أَنَّ الذي يَقُولُ: “سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ“، مَرَّة، تُغْرَسُ لَهُ شَجَرَة فِى الجَنَّة، ساقُها مِنْ ذَهَب. فَإِذا قالَها مَرَّتَين، غُرِسَت لَهُ شَجَرَتان، فَإِذا قالَها ثلاثَ مِرار، تُغْرَسُ لَهُ ثَلاثُ أَشْجَار. وَهكذا. فَهذه الكَلِمَةُ الطيبَة: “سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ“، لا ينبَغِي أَنْ يُغْفِلَها المسلِمُ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ النَّعِيم العَظِيم وَالثّوابِ الجَزِيل فِى الجَنّة.
وَرَدَ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ إِبْراهِيم نَصَحَ الرّسُول حِينَ لَقِيَهُ فِى ليلَةِ المَعراج ، أَنْ يَأْمُرَ أُمَّتَه أَنْ يُكْثِروا مِنْ غِراسِ الجَنَّة. قالَ لَهُ الرّسُول: “وَما غِراسُ الجَنَّة“، قالَ: “سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ“.
قوله “تَمْلَآنِ –أَوْ:تَمْلَأُ–مَا بَيْنَ السَّمٰواتِ وَالْأَرْضِ،“، هذا الشَّكُ مِنْ رواي الحَدِيث، أَبُو مالِك أَوْ مَنْ كانَ قَبْلَهُ ممن تَلَقُّوا عَنْهُ هذا الحَدِيث رَوَوْهُ بِهذا الشَّكِّ لأَنَّ هذا الرّاوِيَ شَكَّ أَيَّ اللَّفْظَيْنِ قالَ الرّسولُ إِنْ كان الشّاكَّ هُوَ الصَّحابِيُّ أَبْو مالِكٍ الحارِثُ بنُ عاصِمٍ الَأشْعَرِيّ. هذا مِنْ بابِ أَمانَتِهِ فِى النَّقْلِ وَالرِّوايَةِ عَنِ الرّسُول.
وَمعنَى ذلِكَ أَنَّها عَظِيمة الثَّواب. لَوْ تُصُوِّرَ أَنَّ هذه الحَسَنات وَهذا الثَّواب أَجْرام حِسِّيَّة، لملأَت هذه الحَسَنات مِنْ كَثْرَتِها ما بيْنَ السمواتِ والأَرْض. بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ المؤْمِن عَظِيمَ الثَّوابِ عَلى هذه الكلِمات، كَيف يَسَعُهُ أَنْ يُقَصِّرَ فِى إِعمالِ لِسانِهِ بِها؟ لَوْ قِيلَ للإِنسان قُل: “سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ” نُعْطِيكَ عَشرة ءالاف دينار، أَليسَ يُبادِرُ بِسُرْعَة إِلَى النُّطْقِ بها؟؟ هذه الحَسَنات التي يَكْسِبُها المسلِم مِنْ هذا الذِّكْر أَعْظَمُ مِنْ كُنُوزِ الدُّنيا كُلِّها. حسَنَةٌ واحِدَة يَقبَلُها اللهُ مِنَ العَبد خَيرٌ مِنْ أَموالِ الدُّنيا كُلِّها! حِينَ قالَ الرَّسُول : “تَمْلَآنِ –أَوْ:تَمْلَأُ–مَا بَيْنَ السَّمٰواتِ وَالْأَرْضِ“، هذه حَسَنَة واحِدَة فَكَيف إِذا حَصَّلَ عَلَى هذه الكَلِمات إِذًا الذي يُقَصِّرُ بَعْدَ هذا، إِنْ لَمْ يَكُن مَعْذُورًا فَهُوَ فِى غَفْلَة!!
قالَ ﷺ: “وَالصَّلَاةُ نُورٌ،“، إِشارَةٌ مِنْهُ ﷺ إِلَى أَنَّ الصّلاةَ تَمْنَعُ صاحِبَها مِنَ المعاصِي تَحْجُبُهُ عَنِ المعاصِي وَتَنْهَاهُ عَنِ الفَحْشاءِ وَالمنْكَر. إِذا داوَمَ عَلَيْها، وَحافَظَ عَلَى ءادابِها وَخُشُوعِها، تُفْضِي بِهِ إِلَى تَرْكِ المعاصِي وَالآثام غالِبًا. لِذا قالَ تعالَى ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [سورة العنكبوت:45] وَمَعنَى “الْفَحْشَاءِ” كالزِّنَى وَالسِّحر وَنَحْوِ ذلِك وَكَلِمَة “الْمُنكَرِ” تُطْلَقُ عَلَى الكَبيرَةِ وَالصّغِيرَةِ فهذه الصلاة، إِنْ حافَظَ الإِنْسانُ عَلَيْها، تَنْهاهُ عَنِ “الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ” وَقال سبحانَهُ ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، أَي أَنَّ إِثابَةَ اللهِ لِعَبْدِهِ بِالحَسنات أَكبَرُ مِنْ ذِكْرِ العَبْدِ رَبَّه. لأَنَّ العَبْدَ إِذا ذَكَرَ الله إِنّما يَذْكُرُهُ بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ لَه. اللهُ وَفَّقَهُ فَذَكَر. اللهُ وَفَّقَهُ فَعَمِلَ الصالِحات. فالفَضْلُ فِى الأُولَى وَفِى الأُخْرَى راجِعٌ إِلَى الله.
وقولُهُ ﷺ: “وَالصَّلَاةُ نُورٌ،“، كَأَنَّ الصَّلاةَ ذاتُها وَعَيْنُها نُورٌ لأَنَّها سبَبٌ لانْشِراحِ الصّدر سببٌ لِلسَيْر عَلَى الصراط المستَقِيم يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ نُورٍ يسْعَى بيْنَ يَدَيْهِ. الذي يُحافِظُ على الصلاة فِى مواقِيتِها ويُحافِظُ عَلَى ءادابِها تَكُونُ لَهُ نُورًا عِنْدَ اجْتِيازِهِ للصِّراط الذي هُوَ جِسْرٌ فَوْقَ جَهَنَّم يَرِدُهُ الناس. يَمْشِي بِإِذنِ الله تعالَى، والنُّورُ بيْنَ يَدَيْه يَسْعَى. أَمَّا الظالِمُ لِنَفْسِهِ وَالظالِمُ لِعِبادِ اللهِ فِى الدنيا يَجوزُ الصِّراطَ إِنْ جازَه، لَكِن مَعَ ظُلْمَة! يَسِيرُ فِى ظُلْمَة، لذلِكَ قالَ: “الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَة“، مَعْناهُ إِذا سارَ هذا الظالِمُ عَلَى الصراط، يَسيرُ فِى ظُلْمَة، لا عَلَى نُورٍ وَهِدايَة! وَسَمَّى الرّسُول الصلاة “نُورًا” لأَنَّها سببٌ لِنُورٍ حِسِّيٍّ وَنُورٍ مَعْنَوِيّ. النورُ الحِسِّيُّ هُوَ إِشْراقُ الوَجْهِ وَحُسْنُهُ بِسَبَبِ الصَّلاة، لاسيما القيام فِى الليل. إِذا داومَ المسلم عَلَى القِيامِ في الليل لصلاة التَّهَجُّد، وَلَوْ رَكْعَتَيْن فِى كُلِّ ليلَة فِى جَوْفِ الليل، هذه الصلاةُ تَكُونُ سببًا لِنُورٍ حِسِّيٍّ فِى الوَجْه!! يُرَى عَلَى وُجُوهِ الصّالِحِين، إِشْراقَةُ نُور بِسَببِ هذه الصلاة التي يُصَلُّونَها فِى الليالِي. وَكذلِكَ الصلاة ولاسيما القيام فِى الليل تكون سببًا لِتَنْوِير القُبُور. فَمَنْ أَرادَ أَنْ يَكُونَ قَبْرُهُ مُضاءًا مُتَلَألئً بالنُّور، فليَقُمْ فِى جَوْفِ الليل وَلَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْن فَقَط! فَإِنْ زادَ، كانَ أَحْسَنَ وَأَحْسَن.
ثُمَّ الصلاةُ سببٌ لِنورٍ مَعْنَوِيٍّ يَعنِى فِى القَلْب. سببٌ لِشَرْحِ الصَّدر وَراحَةِ البال وَطُمَأْنِينَةِ القلب لأَنَّ الصلاةَ فِيها السّكِينةُ وَالطُّمأَنْينَة لِقَلْبِ المؤمِن وَلِذا نَبِيُّنا قالَ فِى حَدِيثِهِ: “وَجُعِلَت قُرَّةُ عَيْنِي فِى الصَّلاة“، أَيْ أَكْبَرُ فَرْحَتِي أَجِدُها وَأَنا فِى الصّلاة. يَتلَذَّذُ بالصلاة كما قَدْ يَتلَذَّذُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ بالطَّعامِ وَالشّراب الْمُشْتَهَى الْمُسْتَلَذّ. وَكانَ “إِذا حَزَبَهُ أَمْرٌ” أَيْ إِذا أَلَمَّ بِهِ أَمْرٌ أَقْلَقَهُ، يَلجَأُ للصلاة لأَنَّ الصّلاةَ تُرِيحُ قَلْبَهُ مِنَ أَحزانِ الدُّنْيا. يَدْخُلُ فِى الصلاة فَيَذْهُبُ عَنْ قَلْبِهِ هذا الأَمر الذي كانَ قَدْ أَقْلَقَهُ. وَفِى بَعْضِ الرِّواياتِ: “إِذا أَحْزَنَهُ أَمْرٌ” مِنَ الحُزْنِ أَوْ مِنَ الحَزَنِ وَهُوَ الشىءُ المَعْرُوفُ الشىء الذي يَعْتَرِي القَلْبَ بِالهمِّ وَالنَّكَد، يُقالُ لَهُ حُزْنٌ أَوْ حَزَنٌ. وَكانَ يَقُولُ لسيِّدِنا بِلال حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُ الصلاة: “يا بلال، قُمْ فَأَذِّن“، يَحُثُّهُ للأَذان إِذا دَخَلَ الوَقْتُ وَيَقُول: “أَرِحْنا بِها يا بِلال“، أَيْ لِنَدْخُلَ فِى الصلاة فَنَرْتاح.
فَلِأَجْلِ هذه المعانِي كُلِّها، الرسُولُ قال: “وَالصَّلَاةُ نُورٌ“. وَجاءَ فِى الحَدِيثِ أَنَّ الرّسُولَ قال: “بَشِّر الْمَشّائِينَ إِلَى المَساجِدِ فِى الظُّلَم بِالنُّورِ التّامِّ يَوْمَ القِيامَة“. يَعْنِى الذي يَمْشِي إِلَى صَلاةِ العِشاءِ فِى الليلِ أَوْ يَخْرُجُ لِصَلاةِ الفَجْر فِى وَقْت الظُّلْمَة وَلا يُوجَد أَنْوار، لا أَنْوار الطُّرُقات وَلا نُور القَمَر، مَعناهُ مَسِيرُهُ فِى هذه الظُّلُمة فِيهِ مَشَقَّة وكُلْفَة. الرسُولُ بَشَّر هذا الذي يَتَكَلَّفُ هذه الْمَشَقَّة إِلَى المساجِدِ لِيُوقِعَ الصلاةَ فِى جَماعَةٍ، “بِالنُّورِ التّامِّ يَوْمَ القِيامَة“. وَهذا الحَدِيثُ رَواهُ الإِمامُ أَحْمَدُ فِى مُسْنَدِه. وَقال: “مَنْ حافَظَ عَلَيْها“، أَيِ على الصّلاة، “كانَت لَهُ نُورًا وبُرْهانًا وَنَجاةً يَوْمَ القِيامَة“، “بُرْهانًا” أَيْ حُجَّة وَدَلِيلا، “وَنجاةً“، يَعْنِى سَببَ نَجاةٍ مِن أَهوالِ الآخِرة “يَوْمَ القِيامَة“.
الحمدُ لله الذي أنزلَ على عبده الكتاب ولم يجعل لهُ عوجا، قيّما لِيُنذِرَ بأسا شديدا من لدُنه ويُبشرَ المؤمنين الذين يعملون الصالحات أنَّ لهم أجرًا حسنا، ماكثين فيه أبدا، و يُنذرَ الذين قالوا اتخذَ الله ولدا، ما لهم به من علم ولا لآبائهم كَبُرَت كلمةً تخرجُ من أفواههم إن يقولون إلا كَذِبا، وأصلي وأسلم على رسول الهدى محمد أشرف الخلائق عجما وعربا، وأزكى البرية خَلْقا وخُلُقا، وعلى صاحبه أبي بكر الذي أنفق ماله حتى تخلل بالعبا، وعلى عمر الذي من هيبته ولى الشيطان هربا، وعلى عثمان الذي حيته الشهادة فقال مرحبا، وعلى علي الذي ما فُل سيف شجاعته قط ولا نبا. أما بعد:
وصلنا الى قوله صلى الله عليه وسلم وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ
قالَ ﷺ: “وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ،“مَعناهُ أَنَّ الصَّدَقَة التي يَتَصَدَّقُ بِها الإِنْسان مِنْ كَسْبٍ حَلال، مِنْ مالٍ طَيِّب، وَنِيَّتُهُا خالِصَة لَوَجْهِ اللهِ تعالَى تَكُونُ بُرْهانًا، أَيْ حُجَّةً عِنْدَ اللهِ تعالَى فِى مَواقِفِ القِيامَة، أَنَّهُ أَنْفَقَ هذا المال فِيما أَمَرَ الله. فِى الآخِرَة، لا تَزُولُ قَدما عَبْدٍ يَوْمَ القِيامَة حَتّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَع. مِنْ جُمْلَةِ ما يُسْأَلُ عَنْهُ مِنْ هذه الأُمُورِ الأَرْبَعَة أَنَّهُ يُسْأَلُ عَنْ مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَه وَفِيمَ أَنْفَقَه. هَلِ اكْتَسبَهُ مِنْ حَلال أَمْ منْ حَرام؟ ثُمَّ حِينَ أَنْفَقَهُ، هَلْ أَنْفَقَهُ فِى حَلال، فِى وُجُوهِ الخَير التي يَكْسِبُ بِسَببِها أَجْرا أَمْ أَنَّهُ أَنْفَقَهُ فِى الحَرام؟؟ لِذلِكَ الصَّدَقَة، بَذْلُ المال فِى وُجُوه الخَير قوله بُرهان. مَعناهُ يُفْزَعُ يَوْمَ القِيامَة وَيُلْجَأُ يَوْمَ القِيامَة إِلَى هذه الصَّدَقَة التي تَصَدَّقَها المؤْمِنُ فِى الدُّنيا، لِتَكُونَ كالبُرهان يَعْنِي كَالحُجَّة وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ أَنْفَقَ مالَهُ الذي سَيُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَة، فِى وُجُوهِ الخَيركما أَمرَ الله، كما يَفْزَعُ الإِنْسان يَعْنِى يَلْجَأُ الإِنْسان إِلَى البَراهِين أَيِ الحُجَج العَقْلِيّة وَالنَّقْلِيّة لِيُثْبِتَ أَمْرا ما. هَذا رَأَيٌّ فِى شَرْحِ كَلِمَة : “وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ“.
وَقِيلَ أَيْضًا فِى شَرْحِ هذه الكَلِمَة: “وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ“، أَنَّ الصَّدَقَةَ، بِشُرُوطِها التي بَيَّنّاها، إِنّما هِيَ بُرْهان أَيْ دَليل عَلَى صِحَّةِ إِيمانِ صاحِبِهاـ أَنَّ هذا الْمُتَصَدِّق مُؤْمِن، لأَنَّ المؤمِن هُوَ الذي يَرْجُو الثَّوابَ مِنَ اللهِ عَلَى صَدَقَتِهِ. أَمّا الكافِرُ، فِى العادَة، غالِبًا لا يَتَصَدَّق لأَنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَة. نَحُنَ نَعْمَلُ الأَعْمالَ الصالِحَة فِى الدُّنْيا، وَقْدَ يَبْذُلُ المسلِمُ نِصْفَ مالِهِ فِى سَبِيلِ الله، وَيَقُومُ فِى الليل وَيُجْهِدُ نَفْسَهُ فِى العِبادات، إِلَى غَيرِ ذلِك، لأَنَّهُ يَرْجُو ثَوابَ اللهِ فِى الآخِرَة. يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ وَبِما أَعَدَّ اللهُ فِيها للمؤْمِنِ وَيَخافُ عَذابَ اللهِ فِى الآخِرَة، لِذلِكَ يُقْبِلُ عَلَى الصَّدَقات وَعَلى الصَّلاة وَعَلى الصِّيام وَعَلى العِباداتِ وَمَشَقَّاتِها، لأَنَّهُ يَرْجُو ثَوابَ اللهِ فِى الآخِرَة. أَمّا الكافِرُ الذي لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَة، يَقُولُ لا بَعْث وَلا حَشْر وَلا حِساب وَلا جَنَّة وَلا نار! لا يُؤْمِنُ بِهذا كُلِّهِ فَتَجِدُهُم لا يَتَصَدَّقُون. فَكأَنَّ الصَّدَقَةَ مِنَ المؤْمِن بُرْهان يَعْنِى حُجَّة وَدَليل عَلَى صِدْقِ إِيمانِهِ بِالغَيْبِيَّة، أَيْ أَمْرِ عَذابِ القَبْرِ وَنَعِيمِهِ وَأَمر الحَشر وَالبَعْث وَالقِيامَة وَالصِّراط وَالميزان وَالحَوْض وَالجَنّة وَالنّار وَأَخْذِ الناسِ لِكُتُبِهِم وَغَيرِ ذلِكَ مِنَ الأُمُور الغَيبِيّة التي لمْ نَرَها بِأَعْيُنِنا إِلَى الآن لأَنَّها غَيْبٌ. فَالغَيْبُ هُوَ كُلُّ ما غابَ عَنْ حِسِّ الخَلْق. فلِذلِكَ تَجِدُ الكافِرينَ يَبْخلُونَ عَنِ التَّصَدُّقِ فِى وُجُوهِ الخَير حِرْصًا عَلَى المال ولأَنَّهُم لا يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللهَ يُعْقِبُهُم الأُجُورَ والثَّوابَ فِى الآخِرَة، أَوَّلًا لأَنَّهُم ليسُوا مسلِمين وَالصَّدَقَةُ لا يقبلها اللهُ إِلّا من المؤْمِن لكِنْ فِى الماضِي كما فِى أَيّامِنا تجِدُ أُناسا ليسُوا مِنَ المؤمنين قَدْ يَتَصَدَّقُ الواحِدُ مِنْهُم بِصَدَقاتٍ وَلا يُثابُ عَلَيها عِنْدَ الله لأَنَّهُ لَمْ يُحَقِّقُ شُروط قَبُولِ الصَّدَقَة وَهوَ الإِيمانُ الصَّحِيح بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ ﷺ، لَكِنْ هؤلاءِ يُرِيدُونَ عادَةً عِزًّا دُنْيَوِيًّا وَيُرِيدُونَ صِيتًا حَسَنًا بيْنَ الناس، أَيْ أَنْ يَمْدَحُهُمُ الناس وَأَنْ يُثْنُوا عَلَيْهِم! وَبَعضُهُم يَتَصَدَّقُ عَلَى هؤلاءِ حَتَّى يُذْكَرَ اسْمُهُ فِى الإِعْلان ويملؤوا اسمهُ فِى الجَرائِد!! وَهؤلاء كانَ يُوجَدُ مِنْهُم فِى زَمانِ الرّسُول وَقَبْلَ بِعْثَةِ رَسُولِ الله ﷺ مِنْهُم رَجُلٌ يُقالُ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعان ابنُ عَمِّ عائِشَة رَضِيَ اللهُ عَنْها أُمِّ المؤمِنِين. هذا الرّجُلُ كانَ يَبْذُلُ مِنْ مالِهِ الكَثِير لكِنَّهُ ما كانَ يَتَصَدَّقُ بِهذه الصَّدَقاتِ الكَثيرة إِلّا لِيُذْكَرَ بينَ القَبائِل بِأَنَّهُ يَبْذُلُ مِنْ مالِهِ أَنَّهُ يُكْرِمُ الضِّيفان وَأَنَّهُ يُحْسِنُ للمُسافِرِين إِلَى غَيرِ ذلِك، حَتّى يَتَحَدَّثَ النّاسُ بِكَرَمِه. هذا لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَة، وَمَعَ ذلِك كانَ يَتَصَدَّقُ بِهذه الصَّدَقات! عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها قالَت لِرَسُولِ الله: “يا رَسُولَ الله، إِنَّ ابْنَ عمِّي عَبْدَ اللهِ بْنَ جُدْعان، كانَ يَقْرِي الضَّيف، ويُطعم الطعام، وَيَفْعَل وَيَفْعَل مِنْ وُجُوهِ الخَير، فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ فقال: «لا، إنَّهُ لمْ يَقُلْ يَومًا ربِّ اغفرْ لِي خَطيئَتي يومَ الدِّين ». يَعْنِى ما كانَ يُؤْمِنُ بِالقِيامَة وَ بِالبَعْث وَلا بِالثّوابِ عَلَى الأَعْمال وَبِالتالِي لا يَكُونُ لَهُ ثَواب. كانَ فِى الصّحارَى يَضَعُ حُلّة كَبيرَة مِنَ الطعام للمسافِرِين يَأْخُذُونَ ما يريدُون مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْزِلَ أحدهم عَنْ دابَّتِهِ وَمَعَ ذلِكَ لا يَنالُ ذَرَّة مِنَ الثَواب على ذلِكَ.
فإِذًا الصّدَقة إِذا كانَت من مُؤْمِن، مِنْ مالٍ حَلال وَبِنِيَّةٍ طَيِّبَة، رَجاءَ الثَّوابِ مِنَ اللهِ فِى الآخِرَة، تَكونُ بُرْهانًا أَيْ حُجَّة وَدَليلا عَلَى إِيمانِهِ بِاللهِ وَبِالرّسُول وَبِالآخِرَة وَبِما جَعَل اللهُ فِيها يَوْمَ القِيامَة.
وَأَمْرُ الصَّدَقات فِيها بَرَكاتٌ حِسِّيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّة. مِنَ البَرَكاتِ الحِسِّيَّة الأُجُور وَما تُعْقِبُهِ مِنْ ثَواب وَهُناك بَرَكاتٌ مَعْنَوِيَّة أَنَّ الله بِسَبَبِ الصَّدَقة، قَدْ يَدْفَعُ عَنْ صاحِبِها مَصارِعَ السُّوء. قالَ نبيناصلى الله عليه وسلم فِيما رَواهُ السيُوطِيُّ وَغَيرُهُ: “صَدَقَةُ السِّرِّ تَقِي مَصارِعَ السُّوء“، تَتَصَدَّق سِرًّا أَيْ تُخْفِيها عَنِ الناس. لا يَعْلَمُ بِها إِلّا مَنْ تَصَدَّقْتَ عَلَيْهِ وَفِى الماضِي مُبالَغَةً فِى السَّتْرِ، عَلَى أَنْفُسِهِم فِى أَمْرِ التَّصَدُّق، كانوا يَضَعُونَ الطّعامَ أَحْيانًا عَلَى أَبْوابِ الفُقَراءِ فِى الليل، حَتّى لا يَعْلَم الفقير مَنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيه. فَهذه صَدَقَة السّر تَقِي أَي تَحْفَظَ صاحِبَها مِنْ مَصارِعِ السُوء. لأَنَّ هُناكَ أُمُورًا تُكْتَبُ عَلَى اللوح المحفُوظ عَلَى جِهَةِ التّعلِيق وَتُسَمَّى القَدَرَ المُعَلَّق. القَدَرُ المعَلَّق كَأَنْ يُكْتَب عَلَى اللوحِ المحفُوظ: إِنْ تَصَدَّقَ فُلانٌ يُحْفَظُ مِنْ كَذا وكَذا مِنَ الأَمْراض وَالأَسقام وَالمهالِك وَالمصائِب وَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّق، يُصِيبُهُ كَذا وكَذا مِنَ الأَمراض وَالأَسقام وَالمصائِب. واللهُ تعالَى يَعْلَمُ أَيَّ الأَمْرَيْنِ سيَقَع، فقَد يُلْهِمُ اللهَ مُتَصَدِّقَ الصَّدَقة لِتَكُونَ صَدَقَتُهُ سَبَبًا فى وِقايَتِهِ وَحِفْظِهِ مِنْ هذه الأَمراضِ وَمصائِبِ السوء وَمَصارِعِها. وَلا يُشْتَرَطُ فِى الصَّدَقةِ أَنْ تَكُونَ كَثِيرَةً، بَلِ اللهُ يُجْزِلُ مِنَ الثَّوابِ عَلَى القَلِيلِ أَحْيانًا أَكْثَرَ مِمّا يُعْطِي المتَصَدِّقَ مِنْ مالٍ كَثِير. وَهذا يَرْجِعُ إِلَى قُوَّةِ يَقِينِ الْمُتَصَدِّق وَصِدْقِ نِيَّتِهِ. لِذلِكَ قالَ نبينا: “سبَقَ دِرْهَمٌ مائةَ أَلْفِ دِرْهَم“، يعنِى مُسْلِمٌ تَصَدَّقَ بِدِرْهَم وَمَع ذلكَ كانَ لَهُ مِنَ الثَّوابِ أَكْثَرُ مِنْ مُسْلِمٍ تَصَدَّقَ بِمائَةِ أَلْفِ دِرْهَم فَسَأَلُوا الصّحابَة الرّسُول: كيف هذا؟ فقالَ :”رَجُلٌ مَعَهُ دِرْهَمين فَتَصَدَّقَ بِأَحَدِهِما”، هذا يَكُونُ فِى الحَقِيقَة تَصَدَّقَ بِنِصْفِ مالِهِ! وَءاخَر تَصَدَّقَ بِمائَةِ أَلْفِ دِرْهَم مِنْ عُرضِ مالِهِ الكَثِير! قِياسًا بِمالِهِ الكَثِير، ليسَ كَثِيرا. قُوَّةُ يَقِينِ هذا الذي تَصَدَّقَ بِدِرْهَم أَعْظَم مِمّنْ تَصَدَّقَ بِمائَةِ أَلْفِ دِرْهَم مِنْ عرضِ مالِهِ الكَثِير!
وَكذلِكَ مِمّا يشْهَد عَلَى أَنَّ الصّدقَةَ لَوْ كانَت قَليلَة، قَدُ يُنْقَذُ الإِنسانُ بِها مِنْ نارِ جَهَنَّم. وَلَوْ تَصَدَّقَ بِتمرَة أَوْ بِشِقِّ تَمْرَة. بَلْ إِنَّ امْرأَةً دَخَلَت عَلَى سيدَتِنا عائِشَة وَمَعها بِنْتانِ لَها. فَعائِشَةُ أَعْطَت هذه المرأة ثَلاثَ تَمَرات. تَمْرَة لَها وَتَمْرَة لِكُلٍّ مِنْ بَناتِها، فَأَكَلَت كُلُّ بِنْتٍ تَمْرَتَها ثُمَّ تَبِعا أُمَّهُما عَلَى التَّمْرَةِ التي فِى يَدِها. فما كانَ مِنْ هذه الأُمّ الحَنُون إِلّا أَنْ شَقَّت تَمرَتَها شِقَّيْن، نِصْفَين، وَأَعطَت بِنْتًا نِصْفا وَالبِنت الأُخْرَى النَّصف الآخر وَعائِشَةَ تَنْظُر إِلَيها. حِينَ قَدِمَ الرّسُول عَلَيها أخبرته عائشة بالأمر فقال ﷺ: “وَجَبَتْ لَها الجَنَّة“، يَعْنِى ثَبَتت لَها الجَنَّة بَهذه الصَّدَقة القليلَة فلا يَنبَغِي للمسلِمِ أَنْ يَتَقالَلَ بِالصَّدَقَةَ وَلَوْ مِنْ قليل، فَإِنَّ الرّسُول ﷺ قال فِيما رَواه البخارِيّ فِى صَحِيحِه: “اتَّقُوا النّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَة“، يَعْنِى وَلَوْ بِأَنْ تَتَصَدَّقَ بِنِصْفِ تَمْرَة، فَيَجْعَلُ اللهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَذابِ النّارِ وقايةً تَقِيكَ عذابَهُ بِسَببِ هذه الصَّدَقة التي هِيَ نِصْفُ تَمْرَة. قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، ليسَ كُلُّنا يجِدُ نِصْفَ تَمْرَة. فقال: “فَإِنْ لَمْ يَجِد فَبِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَة“، كَلِمَة تُخَفِّفُ بِها عَنْ مَحْزون، تُغِيثُ بِها مَلْهُوفًا، تُرْشِدُهُ إِلَى مَنافِعِهِ وَمَصالِحِهِ، هذه الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، قَدْ يَحْفَظُكَ اللهُ تعالَى بِها مِنْ نارِ جَهَنَّم! فَلا يَنْبَغِي أَنْ يَتَقالَلَ الإِنْسانُ الأَفْعال الطّيبَة أَيْ يسْتَصْغِرَ الأَعمَال الصالِحَة وَلَو الكَلِمَة الطَيِّبَة لا يَتَكَلَّفُ عَلَيْها كَثِيرَ جُهْدٍ وَلا كَثِيرَ تَعَبٍ وَلا كَثِيرَ مَشَقَّة. وَمَعَ ذلِك، قَدْ يُنْقِذه اللهُ تعالَى بِسببِها مِنَ النّار.
فما بالُ الواحِدُ مِنّا يُقَصِّرُ فِى تَحْصِيلِ جَبَل مِن حَسَنَات إِذا كانت الحَسَنَة الواحِدَةُ خيرٌ مِنَ الدُّنيا وَما فِيها، خَيرٌ مِنْ أَمْوالِ الدُّنيا كُلِّها إِنْ قَبِلَها الله مِنَ المؤْمِن. لَمّا عَرَفَ الرّسُولُ عَظِيمَ قَدْرِ الحسناتِ فِى الآخِرَة، كانَ لا يدَّخِرُ لِغَدٍّ شيئا. ما كانَ يُبْقِي فِى بيْتِهِ دِرْهَمًا وَلا دِينارًا، إِنّما يَتَصَدَّقُ بِهِ ما زادَ وَفَضَلَ مِن حاجَتِهِ وَحاجَةِ زَوْجاتِهِ كانَ يَتَصَدَّقُ بِهِ وَكذا كُنَّ يَفْعَلْن. كانَ يُعْطِي عَطاءَ ما لا يَخافُ الفاقَةَ وَلا الفَقر. وَكانَ ﷺ أَجْوَدَ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَة، أَي القَوِيَّةِ الهُبُوب. سَرِيع التَّصَدُّق لا يَتَرَدَّد لأَنَّهُ يَرْجُو عَلَى هذه الصَّدَقَات الثَّواب عِنْدَ الله. وَلِذا قال بعضهم يَصِفُ رَسُولَ الله:
“هُوَ البَحْرُ مِنْ أَيِّ النَّواحِي أَتَيْتَهُ *** فَلُجَّتُهُ المَعْرُوفُ وَالجُودُ ساحِلُهْ
تَـراهُ إذاجِـئْتَهُ مُتـَهَلِّلا *** كأَنَّكَ تُعطِيه الذي أَنْتَ سَائِلُهْ“
ثُمَّ قالَ ﷺ: “وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ،“أَي الصّبر المحْبُوب الممدُوح عِنْدَ اللهِ فِى الشّرعِ ضِياءٌ لِصاحِبِهِ يَوْمَ القِيامَة. لا يَزالُ صاحِبُ هذا الصَبر مُسْتَضِيئًا مُسْتَنِيرًا مُسْتَهْدِيًا بِهذا الصّبر مُسْتَمِرًا عَلَيْهِ عَلَى الصَّواب حَتّى يَلْقَى اللهَ. وَالصَبرُ ثَلاث أَنواع: ۱)- صَبْرٌ عَلَى طاعَةِ الله ۲)- وَصبرٌ عَمّا حَرَّمَ الله ۳)- وَصَبْرٌ عَلَى البلايا والمصائِب. وَهذه الأَنواعُ الثلاثَةُ هِيَ التي أَمَرَ اللهُ تعالَى بِها وَجَعَلَ البِشارَةَ لأَصْحابِها فِى قَوْلِهِ تعالَى ﴿وَبَشِّرِ الصابِرِين﴾.
فَإِذًا صَبْرٌ عَلَى طاعَةِ الله بِأَنْ تَلْزَمَ طاعَةَ اللهِ مَهما تَقَلَّبَت بِكَ الظُّروف وَالأَحوال، تَبقَى مُحافِظًا عَلَى صلاتِكَ وَعَلى صِيامك وَعَلى كُلِّ ما أَوْجَبَ اللهُ عَلَيك، مهما نَزَلَ بِك ومهما تَغَيَّرَت أَحوالُك لَوِ افْتَقَرْتَ بَعْدَ غِنى، أَوْ نَزَلَت عَلَيْكَ الأَمْراض أَوْ تَكاثَرَت عَلَيْكَ الهُمُوم لا يَنبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تترُكَ طاعَةَ رَبِّك بِسَببِ عَظِيمِ هَمِّك! لا يَنبَغِي أَنْ تُسْقِطَ هِمَّتَكَ عَنْ أَداءِ ما أَوْجَبَ الله مهما حَصَل!
وَصبرٌ عَمّا حَرَّمَ الله وَهذه أَشَدُّ مِنَ الأُولَى لأَنَّ النَّفْسَ جُبِلَت علَى الميْلِ إِلَى المعاصِي والمسلِمُ يكْسِرُ نَفْسَهُ لِيُلْزِمَها اجْتِنابَ هذه المعاصِي. كَثِيرٌ مِنَ المعاصِي فِيها لَذَّة وتَمِيلُ إِلَيْها النَّفْس إِلّا مَنْ رَحِمَ الله! وَأَنْتَ تَكْسِرُ نَفْسَكَ وَتُجاهِدُ نَفْسَكَ حَتّى لا تَقَعَ فِى هذه المعاصِي وهذا شىءٌ شاقٌّ. هُوَ بِاستطاعة الإِنْسان وَلَكِنَّهُ يَجِدُ فِيهِ مَشَقَّة. فَأَنْ تُلْزِمَ نَفْسَكَ اجْتِنابَ ما حَرَّمَ الله، شىءٌ أَوْجَبَه اللهُ تعالَى عَلَيْك.
وَهُناكَ نَوْعٌ ثالِثٌ مِنْ أَنْواعِ الصّبر، وَهُوَ الصّبر عَلَى البَلايا وَالمصائِب: إِذا نَزَلَ بِكَ مَرَض، إِذا فقَدْتَ حَبيبًا عَلَيْك. فَالصّبرُ هُوَ حَبْسُ النَّفْسِ وَقَهرُها عَلَى لَذِيذٍ تُفارِقُهُ أَوْ مَكْرُوهٍ تَتَجَنَّبُهُ. المكروه أَي الشىء الذي لا تَمِيلُ إِلَيْهِ نَفْسُك مِنَ الْمَشَقّات فِى العِبادَة (فِى الطّاعَة). إِذ قُمْتَ فِى الليل، لاسيما فِى البَرْدِ الشديد، تَوَضّأْتَ بالماءِ البارِد ثُمّ صَلَّيْتَ فِى الليل والناسُ نائِمُون، هذا شىءٌ فِيهِ كُلْفَة وَفِيهِ مُجاهَدَة فَالنَّفْسُ تَمِيلُ إِلَى الرَّاحَة وَالنَّوْم فَأَنْتَ أَكْرَهْتَ نَفْسَك أَنْ تَفْعَلَ هذه الطّاعَة طَلَبًا لِلثَوابِ مِنَ الله. المكروهُ هنا ليسَ المكروهَ الاصْطِلاحِيّ الذي فِى تَرْكِهِ ثَواب وَليسَ فِى فِعْلِهِ عِقاب. لا! أَليس قالَ ﷺ: “حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِه“. إِذا أَلْزَمْتَ نَفْسَكَ وَقَهَرْتها عَلَى فِعْلِ هذه الأُمُور التي لا تَمِيلُ إِلَيْها نَفسُك مِنَ الطّاعَات، تَنالُ الجَنَّة. وَقالَ رَبُّنا ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرَة:216] ﴿كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ليسَ مَعناهُ أَنَّ الجِهاد شىءٌ مَذموم!! لا! إِنَّما مَعناهُ أَي نُفُوسُكُم لا تَمِيلُ إِلَيْهِ. لَكِنَّكُم إِنْ قَهَرْتُم نُفُوسَكُم، وَأَلْزَمْتُمُوها الخُروجَ لِلقِتال، لِجِهادِ الكُفّار، معَ المشَقَّةِ الحاصِلَةِ لَكُم مِنْ إِزْهاقِ الأَرْواح وَمُفارَقَةِ الأَوْلاد وَالأَهل وَالزَّوْجَة، هذا شىءٌ شاقّ عَلَى النَّفْس! لا تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْس وَلَوْ كانَ فِى الشَّرْعِ مَمْدُوحًا حَسَنًا. فَأَنْ تَقهرَ نَفْسَكَ عَلَى فِعْلِ هذه الطاعات مَعَ أَنَّ نَفسك لا تَمِيلُ إِلَيها، فِيهِ أَجْرٌ عَظِيمٌ عِنْدَ الله.
أَبُو عَلِيٍّ الدَّقّاقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كانَ يَقُول: “الصّبرُ أَنْ لا يُعْتَرَضَ عَلَى المَقْدُور“. أَنْ تَسْتَسلِمَ لِما قَدَّرَهُ الله لَكَ وَتَنْقادَ لَه وَتَرْضَى بِهِ إِنْ كانَ خَيرًا أَوْ بَلِيَّةً أَوْ مُصِيبَةً نَزَلَت بِكَ أَوْ فقَدْتَ قَرِيبًا لَك مَثَلًا، تَسْتَسْلِمُ وَتَنْقادُ لِما قَدَّرَ الله لَك لأَنَّكَ مُوقِنٌ بِأَنَّ اللهَ تعالَى هُوَ الذي أَجْرَى لَكَ هذا وَهُوَ الذي خَلَقَ فِيكَ هذا وَهُوَ الذي ابْتَلاكَ بِهذا. فَيَنْبَغِي أَنْ تُقابِلَ هذه البَلِيَّة بِالصَّبرِ للهِ تعالَى.
وَلا يَمْنَعُ أَنْ تَظْهِرَ الشِّكايَةَ لِمَخْلُوقٍ فَتَرْفَعَ شَكْواك إِلَى هذا المخلُوق مِنْ شِدّةِ ما أَصابَكَ مِنْ مَرَض أَوْ مِنْ شِدَّةِ ما ابْتُلِيتَ بِهِ مِنَ البَلايا وَالمصائِب كأَنْ تَقُولَ لَقِريبكَ أَوْ صَدِيقِك: المرَضُ الذي نَزَلَ بِي أَتْعَبَنِي. تَشْكُو إِلَيْهِ شِدَّةَ المَرَض، تَشْكُو إِلَيْهِ عِظَمَ الْمُصِيبَة التي نَزَلَت بِك. هذه الشِّكايَة لا تنْقص مِنْ حَسَناتِ صَبْرِك هذا سيِّدَنا أَيُوب عَلَيْهِ السّلام رَفَعَ شِكايَتَهُ، وَشَكَى وَتَكَلَّمَ بِالشِّكايَة، قالَ اللهُ فِى حَقِّ سيدنا أَيُوب ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء:83] ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾، هذه شِكايَة. لكِنْ هذه شِكايَة لَمْ تَمْنَعْ أَيُوبَ عَلَيْهِ السّلام مِنْ أَنْ يَكُونَ فِى المقامَ العالِي عِنْدَ الله لأَنَّ اللهَ امْتَدَحَهُ فِى الآيَةِ الأُخْرَى ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ﴾ هذا مَدْحٌ لِنَبِيِّ اللهِ أَيُوب. ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ يَعْنِى كَثِير الرُّجُوع إِلَىَ الله بِالتَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفار، وَهذا شىءٌ حَسَن. أَوّاب مِنْ: ءابَ يَؤُوبُ إِيابًا إِذا رَجَع. فَلَمْ تَمْنَعْهُ الشِّكايَةُ مِنْ أَنْ يَنالَ هذا القَدْرَ العَظِيم وَلا تَنْقُصُ هذه الشِّكايَةُ مِنْ عَظِيمِ أجْرِهِ عَلَى صَبْرِهِ فيما ابْتَلاهُ اللهُ بِه.
وَقالَ ابنُ عَطاءِ اللهِ السَّكَنْدَرِيُّ رَحِمَهُ الله: “الْصَّبْرُ هُوَ الوُقُوفُ مَعَ البَلاءِ بِحُسْنِ الأَدَب“، يَعْنِى أَنْ يَبْقَى مُلْتَزِمًا الَأدَبَ مَعَ اللهِ عَزَّ وَجَلّ الذي ابْتَلاه وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ المصائِب وَأَفْقَرَهُ بَعْدَ غِنى، يَبْقَى مُلْتَزِمًا الأَدَبَ مَعَ اللهِ عَزَّ وَجَلّ، لا يَتَضَجَّر، وَلا يَعْتَرِضُ عَلَى الله، وَلا يتَأَفَّفُ بَلْ يَرْضَى بِالمقْدُور الذي نَزَلَ بِه وَيَسْتَسْلِمُ للهِ سبْحانَهُ فِيِما نَزَلَ بِه.
قالَ ﷺ: “وَالْقُرْءانُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْك،“مَعناهُ إِذا تَلَوْتَ كِتابَ الله، تِلاوَةً صَحِيحَةً مُوافِقَةً لِقِراءَةِ رَسُولِ الله ﷺ، وَتَدَبَّرْتَ مَعانِي هذه الآيات وَعَمِلْتَ بِما جاءَ فِى كِتابِ اللهِ مِنْ أَوامِر، وانتَهَيْتَ عَمّا نَهَى عَنهُ رَبُّنا سُبْحانَهُ وتعالى فِى القُرءان، يَكُونُ القُرءانُ حُجَّةً لَك، يَعْنِى شاهِدًا وَشَفِيعًا وَمُدافِعًا عَنْكَ يَوْمَ القِيامَة فِى المواقِف التي تُسأَلُ فِيها يَوْمَ القِيامَة، فِى القَبرِ وَفِى مَواقِفِ القِيامَة. هذا القُرءانُ الذي تَلَوْتَهُ وَتَدَبَرْتَ ءاياتهِ والْتَزَمتَ أَوامِرَه، لا مانِعَ شَرْعًا ولا عَقْلًا أَنْ يَشْفَعَ لَك وَأَنْ يُدافِعَ عَنْكَ فِى قَبْرِكَ وَفِى الآخِرَة. يَحْتَمِل أَنْ يَجعَلَ اللهُ سبْحانَهُ فِى هذه الحُرُوف وَهذه الآيات وَهذه الكَلِماتِ مِنْ هذه الآيات نُطْقًا حَقيقِيًّا، فَتَقُولُ يَوْمَ القِيامَة: “يا رَبِّ، إن فُلانًا كانَ يَتْلُو كِتابَك وَيَلْتَزِمُ أَوامِرَك، وَيَجْتَنِبُ نَواهِيَك، ادْفَع عَنْهُ عَذابَ القَبر، ادْفَع عَنْهُ عَذابَ الآخِرَة“، هَذا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: “وَالْقُرْءانُ حُجَّةٌ لَكَ“، يَعْنِى شاهِدٌ وَدَليلٌ لك عَلَى أَنَّكَ التَزَمْتَ ما فِيهِ، أَوْ يَكُونُ القُرءان حُجَّةً عَلَيْك. مَتَى يَكُونُ القُرءان حُجَّةً عَلَيْك؟ إِذا تَلاهُ فَلَحَنَ فى تِلاوَتِهِ عَمْدًا أَوْ يُبْدِلُ حَرْفًا بِحَرْف. هذا الذي يَترك الْمَدَّ الطبيعِيّ فِى مَوْضِعِهِ، لا يَكُونُ لَهُ أَجْر بَلْ عَلَيْهِ وِزْرٌ عِنْدَ الله. هناكَ مَدُودٌ، تَرْكُ الإِتْيانِ بِها لا يَكُونُ فِيهِ مَعْصِيَة وَهُناكَ مَدًّا يُسْمَّى الْمَدَّ الطبيعِيَّ، وَهِيَ مِقْدارُ حَرَكَتَيْن، إِذا أَغْفَلَ الإِنسانُ هذا المَدَّ الطبيعِيَّ يَكُونُ عَلَيْهِ مَعْصِيَة لِذلِكَ لا ينبَغِي للإِنسان الذي لا يُحْسِنُ القِراءة أَنْ يَبْدَأَ قراءَةَ كِتابِ الله قبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَيْفِيَّةَ القِراءَة لأَنَّ علماءَ التَّجْوِيدِ يَقُولون: “القِراءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَة“، يَعْنِى طَرِيقَةٌ مُتَّبَعَة كما قَرأَ الرّسُولُ ﷺ عَلَى جِبريلَ عَلَيْهِ السلام كِتابَ الله وَكما قَرأَ الصحابَة رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِم كِتاب اللهِ عَلَى رَسُولِ الله، وَقَرَأَ التّابِعُونَ عَلَى الصّحابَة وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى يَوْمِنا هذا، يَنبَغِي للواحِدِ مِنّا أَنْ يَقرَأَ القُرءانَ كما قَرأَ الرّسُولُ ﷺ. فَإِذا لَحَنَ أَوْ أَخْطَأَ فِى القِراءَة عَنْ عَمْدٍ أَوْ تَرَكَ هذا الْمَدَّ الطبيعِيَّ كذلك الذي لا يُفَرِّق بينَ السينِ والصادِ في قراءة الفاتحة في الصلاة مثل كلمة الصراط لا يقرؤها سين محضة ولا صاد محضة هذا أَيْضًا حَرامٌ فِى التِّلاوَة! هذا القُرءانُ الذي إِذا قَرَأَهُ الإِنسان فَلَحَن فِى قِراءَتِهِ، يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَة وَلا يَكُونُ لَهُ ثَواب بَلْ عَلَيْهِ وِزْرٌ وَمَعْصِيَةٌ وَالذي لا يَلْتَزِمُ أَوامِرَ القُرءان، لا يَعْمَلُ بِما أَمَرَ اللهُ تعالَى بِهِ فِى القُرءان، أَيضًا يَكُونُ القُرءانُ يَوْمَ القِيامَةِ شاهِدًا عَلَيْهِ، لا يُدافِعُ عَنْه بَلْ يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَة. لذلِكَ قالَ الرّسُولُ ﷺ: “وَالْقُرْءانُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْك“.
بَعْضُ الناس يَظُنُّ إِذا كانَ تَعَلَّمَ فِى المدارِس كَيفِيَّةَ القِراءَة العَرَبِيَّة، يَظُنُّ أَنَّهُ يَكُونُ مُؤَهَّلًا أَنْ يَقْرَأ القُرءان بِالطّرِيقَةِ التي أُنْزِلَت عَلَى الرّسُولُ ﷺ. هذا الإِنسانُ واهِمٌ فِيما ظَنَّ وَفِيما تَخَيَّلَ لأَنَّ قَراءَةَ القُرءان لَها قَواعِد وَلَها قَوانِين وَلَها ضَوابِط، لا بُدَّ أَنْ يُؤْتَى بِها لِيحُوزَ الإِنسانُ الثَوابَ عِنْدَ اللهِ. وَبَعْضُ الناسِ قِدْ يَتَوَهَّم تَوَهُّمًا فاسِدًا أَنَّ الذي يَقْرأَ القُرءان وَيَلْحَنُ فِيه، يُخْطِئُ فِيهِ، لكِنْ يَبْذُلُ الجُهد، يَكُونُ لَهُ أَجْرانِ يَوْمَ القِيامَة. هذا غَيرُ صَحيح!! قال الرّسُولُ ﷺ: “الذي يَقْرأَ القُرءان وَهُوَ هَيِّنٌ عَلَيْهِ“، يَعْنِى سَهْلٌ بِسَبَبِ أَنَّهُ تَدَرَّبَ عَلَى القِراءَة بِحَيثُ صارَ سَهْلًا عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالقِراءَةِ عَلَى وَفْقِ الشّرِيعَة، عَلَى وَفْقِ أَحْكامِ التّجْوِيد، قال الرّسُولُ ﷺ: “مع الكِرامِ البَرَرَةِ السَفَرَة“، مَعناهُ يَكُونُ مَعَ الملائِكَةِ السَفَرَة، جَمْعُ مسافِر وَهُم الملائِكَة الذينَ يكتُبُون مِنَ اللوْحِ المحفُوظ بَعض ما فِيه، “الكِرامِ” يَعْنِى لَهُم كَرامَة وَلَهُم شَأن عِنْدَ الله. “بَرَرَة” يَعْنِى مُطِيعينَ لِرَبِّهِم، هذا الذي يَقْرأُ القُرءانَ وَهُوَ سَهْلٌ عَليْهِ يَكُونُ مَعَ الملائِكَة الكِرامِ السَّفَرَةِ البَرَرَة. مَعناهُ لَهُ شَأْن عَظِيم عِنْدَ الله يَومَ القِيامة، “والذي يَقْرَأُ القُرءانَ وُهَوَ عَلَيْهِ شاقٌّ“، يَعْنِى يَجِدُ كُلْفَة وَمَشَقَّة وَتَعَبا، “يَتَتَعْتَعُ فِيهِ“، كما قالَ ﷺ: “لَهُ أَجْران“. هذا الشِّقُّ الثانِي مِنَ الحَدِيث، ليسَ مَعناهُ يُخْطِئُ فِى القِراءَة وَمَعَ ذلِك يَكُونُ لَهُ أَجْران! الذي يُخْطِئُ فِى قِراءَةِ القُرءان كَأَنْ يُبْدِلَ الفَتْحة ضَمّة أَو الضَّمَة كَسْرَة، أَوْ يُبْدِلَ حَرْفًا بِحَرف كَأَنْ يَقُول ﴿غَيرِ المغضُوبِ﴾ بدل أن يلفظها بالضاد يَلفُظُها دالا، أَوْ يُبْدِلُ التاءَ طاءً أَوِ العَكْس لِقُرْبِهِما فِى المخْرَج، هذا لا يَكُونُ لَهُ أَجْر وَلا ثَواب لأَنَّهُ يُغَيِّرُ فِى حُرُوفِ القُرءان لأَنَّ القِراءَةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَى وَفْقِ ما جاءَ عَنْهُ ﷺ لأَنَّهُ ﷺ قال: “كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنا فَهُوَ رَدُّ“، مَعْناهُ الذي يَأْتِى بِأَيِّ عَمَلٍ يُخالِفُ ما جاءَ فِى الشّرِيعَةِ، “فَهُوَ رَدُّ“، مَرْدُودٌ! فَكَيْفَ يَكُونُ بِالمرْدُودِ المخالِفِ لِشَرْعِ الله أَجْر وثَواب؟؟! إِذًا قَوْلِهِ : “والذي يَقْرَأُ القُرءانَ يَتَتَعْتَعُ بِهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شاقٌّ لَهُ أَجْران“، هذا فِى الذي يَقْرَأُ مَعَ المشَقَّة لكِنَّهُ يَقْرَأُ عَلَى الصَّواب، لا يُبْدِلُ حَرْفًا بِحَرْف وَلا يَتْرُكُ الْمَدَّ الطّبِيعِيَّ فِى مَحَلِّهِ وَلا يَفْصِلُ بَيْنَ حُرُوفِ الكَلِمَةِ الواحِدَة، مَثْلُ هذا الإِنسان لَهُ أَجْران لأَنَّهُ أَوَّلًا: قَرَأَ عَلَى الصَّواب، فَلَهُ أَجْر لِقِراءَتِهِ وَإِصابَتِه، والأَجْرُ الثانِي أَنَّهُ قَرأَهُ مَعَ بَذْلِ الجُهد وَالمشَقَّة وَالتَّعَب لأَجْلِ أَنْ يَأْتِيَ بِقِراءَةٍ تُوافِقُ المنْقُولَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ. أَمّا الذي لا يَقْرَأُ القِراءَةَ الصّحيحَة وَيَلْحَن، يَكُونُ عليه وِزْرٌ يَوْمَ القِيامَة وَيَكُونُ القرءانُ يَوْمَ القِيامَة حُجَّةً عَلَيْهِ.
وَقِراءَةُ القُرءانِ شَىءٌ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَلَّمَهُ الإِنْسان وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ عَلَى تِلاوَةِ كِتابِ اللهِ كما أُنْزِل وَأَنْ يَصْرِفَ الوَقْتَ حَتّى يَتَعَلَّمَ كَيْفِيّةَ الإِتْيانِ بِهذه القِراءَة لأَنَّ الأَجْرَ المترَتِّبَ عَلَى تِلاوَةِ كِتابِ الله عَظِيمٌ عَظِيمٌ عَظِيم. مَنْ عَرَفَ عَظِيمَ الثَّوابِ عَلَى تِلاوَةِ ءاياتِ كِتابِ الله، لا يَنْبَغِي أَنْ يُقَصِّرَ بَعْدَ هذا فِى كَيفِيَّةِ تَعَلُّمِ تِلاوَةِ كِتابِ الله.
مِنَ الناس مَنْ كانَ خَتَمَ القُرءانَ فِى دارِهِ أَرْبَعَةَ ءالافِ مَرَّة! وَهُوَ مُحْتَضَر، عَلَى فِراشِ مَوْتِهِ، رَأَتْهُ ابنَتَهُ فَأَظْهَرَت حُزْنَها عَلَى فَقْدِها لأَبيها لأَنَّه أَشْرَفَ عَلَى الموت، فقالَ لَها: يا بُنَيَّة، لا تَبْكِ، لَقَدْ خَتَمْتُ القُرْءانَ فِى هذه الدّار أَرْبَعَةَ ءالافِ مَرَّة وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بنُ إِدْرِيس.
وَمِنَ الناس مَنْ كانَ يَخْتِمُ القُرءانَ فِى كُلِّ لَيْلَةٍ مَرَّة، كَسيِّدِنا عُثْمان رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وكَسيِّدِنا تَميمِ بْنِ أَوْس الدارِيّ. كُلَّ واحِدٍ مِنْ هؤلاءِ كانَ يَخْتِمُ القُرءانَ كُلَّهُ فِى كُلِّ لَيْلَةٍ مَرَّة! لا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَجَّبَ الواحِدُ مِنّا إِذا سَمِعَ هذه القِصَص عَنْ أَمْثالِ هؤلاء وَلا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِى نَفْسِهِ كَيْفَ أَتَمُّوا هذا مُتَعَجِّبًا، وَلا يَنْبَغِي أَنْ يَقِيس حالَهُم عَلَى حالِهِ لأَنَّ اللهَ يُوَسِّعُ الضَّيِقَ فِى نَظَرِ مَنْ يشاء. هذا الوَقْت الذي بيْنَ المغْرِب إِلَى الفَجْر، أَوْ بيْنَ العِشاء إِلَى الفَجر، ساعاتٌ مَعدُودَة إِلّا أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبارِكُ فِى هذه السّاعات، يَجْعَلُ فِيها بَرَكَة بِحَيثُ يسْتَطِيعُ الواحِدُ مِنْ أَمْثالِ هؤلاء أَنْ يَخْتِمَ القرءانَ كُلَّهُ بِبَرَكَةِ هذا الوَقْت الذي بيْنَ العِشاء إِلَى الفَجر، لِذلِك عُثْمان رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ خَتَمَ القُرءانَ كُلَّهُ فِى رَكْعَةِ الوِتْر (أَيِ الصلاة التي بَعْدَ العِشاء)! دَخَلَ فِى صلاةِ الوِتْرِ قَرَأَ الفاتِحَةَ ثُمَّ شَرَعَ فِى قِراءَةِ القرءانَ ما سَلَّمَ مِنْ صلاةِ الوِتْرِ إِلّا وَقَد أَتَمَّ القرءانَ كُلَّهُ قَبْلَ طُلوعِ الفَجْرِ. وَما ذلكَ عَلَى اللهِ بِعزيز. يُبارِكُ لِمَنْ شاءَ فِى وَقْتِهِ!
وَجاءَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قال: “مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتابِ اللهِ كانَ لَهُ عَشْرُ حَسَنات لا أَقُولُ ﴿أَلَم﴾ حَرْف وَلٰكنْ أَلِفٌ حَرف ولامٌ حرف وميمٌ حرف“، مَعناهُ ﴿ألم﴾ ثَلاثُونَ حَسَنَة. مَنْ عَرَفَ هذا لا يَنبَغِي أَنْ يُقَصِّرَ فِى تَعَلُّمِ التِّلاوَة وَأَنْ يُبادِرَ أَنْ يَجْعَلَ وِرْدًا لَهُ حِصَّةً وَقَدْرًا مِنْ ءاياتِ كتابِ الله وَسُوَرِه، يَقْرَأُها فِى يَوْمِه أَوْ فِى لَيْلِهِ وَجاءَ عَنْهُ ﷺ أَنّه قال: “يُقالُ لِقارئِ القُرءان يَوْمَ القِيامَةِ اقرأْ وَارْتقَ وَرَتِّل كما كُنْتَ تُرَتِّلُ فِى الدُّنيا فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ ءاخِرِ ءايَةٍ تَقْرَؤها“، يَعْنِى يَوْمَ القِيامَةِ يُقالُ لِقارئِ القُرءان قِراءَةً مُعْتَبَرَةً صَحيحَة: اقرأَ فَيَقْرَأُ ما فِى قَلْبِهِ وَما فِى صَدْرِهِ ثُمَّ كُلَّما قَرَأَ شيئًا مِنَ القُرءانِ تَرْتَقِي دَرَجَتُهُ، يَعْلُو فِى مَنازِلِ الجَنَّة، حَتَّى يُنْهِيَ ما كانَ يَقْرَأُ فِى الدُّنيا مِنْ ءاياتِ كِتابِ الله فَتَكُونُ تِلْكَ مَنْزِلَتَهُ فِى الجَنَّة. “وَارْتقَ“، يَعْنِى وارْتَفِع، “ مَنْزِلَتَكَ“، يَعْنِى دَرَجَتَكَ فِى الجَنَّة عِنْدَ ءاخِرِ ءايَةٍ تَقْرَؤها. خيرٌ عظيمٌ وَثوابٌ جَزِيل.
أَمّا كَون حُروف القُرءان تُجادِلُ عَنْ صاحِبِها يُوْم القِيامَة وَتَشْفَعُ فِيه، لأَنَّهُ تَلاها عَلَى وَفْقِ الشّرِيعَة فَهذا ليسَ مُمتَنِعًا شَرْعًا وَلا عَقلًا. فَقَدْ جاءَ فِى مُسْتَدْرَكِ الحاكِم وَسُنَنِ الترمِذِيّ وَسُنَنِ أَبِي داود أَنّ الرّسول قالَ ﷺ: “سُورَةٌ فِى القرءانِ ما هِيَ إِلّا ثَلاثُونَ ءايَة جادَلَت عَنْ صاحِبِها فمنعت عنه عذاب القبر“، سُورة المُلك فَأَهْلُ العِلْمِ يَقُولُون: لا مانِعَ أَنْ يَجْعَلَ الله تعالَى في حُروفِ هذه السُورة نُطْقًا حَقِيقِيًا فَتَشْفَعُ فِيمن كانَ يُدَاومُ على تِلاوَتِها. الذي جَعَلَ الطَّعامَ فِى يَدِ رَسُولِ الله يُسَبِّح تَسْبِيحًا حَقيقِيًّا بِحَيثُ يَسْمَعُ مَنْ جالَسَ رَسُولَ الله تَسبيحَ هذا الطّعام، قادِر أَنْ يَجْعَلَ نُطْقًا فِى هذه الحُروف وَهذه الكلِمات مِنْ هذه السُورَة. الذي أَنْطَقَ الحجَر بِالسَّلامِ عَلَى رَسُولِ الله، حِينَ كانَ يَمُرُّ بِهِ، حِينَ كانَ فِى مكّة، قادِر أَنْ يَخْلُقَ فِى هذه الحُروف وَهذه الكلِمات نُطْقًا حَقِيقِيًا تُدافِع وَتَشْفَع فيمَن كانَ يَتْلُوها.
وَقالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْم: لا مانِعْ أَنْ يَكُونَ هُناكَ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِسُوَرِ القُرءان أَوْ مَلائِكَةٌ مُوَكَّلُونَ بِسُوَرِ القُرءان. مَنْ كَانَ يَقْرَأُ سورَة الملك، يَقُومُ المَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِسُورَةِ الملك يَشْفَعُ لِمْنَ كانَ يَقْرأُ سورَةَ الملكِ فِى الدُّنيا وَيُدَاومُ عَلَيْها، وَمَنْ كانَ يَقْرَأُ سورَةَ البَقَرَةِ أَوْ سُورَةَ ءالِ عِمْران، يَقُومُ المَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِسُورَةِ البَقَرَة أَوْ بِسُورَةِ ءالِ عِمْران فَيَشْفَعُ فِيمْنَ كانَ يُدَاومُ عَلَى قِراءَةِ سورَةِ البَقَرَة أَوْ سُورَةِ ءالِ عِمْران وَهكذا يُقالُ فِى سائِرِ سُوَرِ القُرءان.
إِذًا إِذا تَلَوْتَ القُرءانَ وَعَمِلْتَ بِهِ، يَكُونُ القُرءان حُجَّةً لَك وَإِذا خالَفْتَ أَوامِرَهُ، فَلا يَكُونُ القُرءانُ حجَّةً لَك، بَلْ يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْكَ لأَنَّكَ تَرَكْتَ العَمَلَ بِأَوامِرِه وَإِذا قَرَأْتَهُ مَعَ اللَّحْنِ والخَطَإِ فِى القِراءَةِ تَكُونُ موْزُورًا لا مَأْجُورا.
قالَ ﷺ: “كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا” أَوَّلًا قَوْلُهُ ﷺ: “كُلُّ النَّاسِ” مَعْناهُ مُؤْمِنُهُم وَكافِرُهُم. “يَغْدُو“، الغُدُوُّ هُوَ الخُروجُ للكَسْبِ وللسَّعْيِ أَوَّلَ النَّهار، يُقالُ: غَدَا يَغْدُو وَمِنْهُ الغُدُوُّ. يَعْنِى التَّبْكِيرُ بِالخُروج للكَسْبِ والسَّعْيِ. “كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو“، مُؤْمِنُ النّاسِ غادٍ وَكافِرُ النّاسِ غادٍ، فَالنّاسُ فِى الحَقِيقَةِ غادِيانِ، غادٍ فِى إِعْتاقِ رَقَبَتِهِ مِنْ رِتقِ النار بِالعَمَلِ الصالِح وَمُجاهَدَةِ النّفس وَإِلْزامِها شَرْعَ الله، وَغادٍ فِى إِهْلاكِ نَفْسِهِ وإِيباقِها أَيْ إِهْلاكِها باتِّباعِ الشيْطان واتِّباعِ هَوَى النَّفْس التي تَأْخُذُ بِيَدِ صاحِبِها إِلَى المعاصِي، فَهُوَ غادٍ إِلَى نارِ جَهَنَّم والعِياذُ بالله. فَإِذًا الناسُ غادِيانِ، غادٍ فِى فَكاكِ رَقَبَتِهِ مِنْ رِتْقِ النار بِالعَمَلِ الصالِح والْتِزامِ طاعَةِ الله وَطاعَةِ رَسُولِه، وَغادٍ فِى إِيباقِ نَفْسِهِ أَيْ إِهْلاكِها فِى المعاصِي وَالآثام واتِّباعِ الشيْطان واتِّباعِ هَوَى النَّفْس الأَمّارَة بِالسوء، فَهذا بِأَكْمَلِهِ مُوصِلٌ إِلَى نارِ جَهَنَّمَ والعِياذُ بالله تعالى.
“كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ“، مِنَ الناسِ مَنْ يبيعُ نَفْسَهُ للهِ بِالعَمَلِ الصّالِح وَمِصْداقُ هذا ما جاء فِى كِتابِ الله القُرءان ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [سورة التوبة:111] معناهُ أَنْتَ سلْعَة وَأَنا سِلْعَة وَالدُّنيا التي نَعِيشُ فِيها وَنَتَنَفَّسُ فِيها هِيَ السُّوق والثَّمَن إِمّا الجَنَّة وَإِمّا النار. إِذا بِعْتَ نَفْسَكَ لله بِالعَمَلِ الصالِح والْتِزامِ أَوامِرِه فِى سُوقِ الدُّنيا، كانَ الثَّمَن جَنَّة عَرْضُها السمواتُ وَالأَرْض أُعِدَّت للمُتَّقِين. الجَنَّةُ مَعَ سَعَتِها، يَعْنِى يا خَسارَةَ مَنْ لا يَكُونُ لَهُ مَوْطِئُ قَدَمٍ فِيها! لِذا العَمَلُ الصّالِح مُوصِلٌ إِلَى الجَنَّة ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾. لَمّا فَهِمَ الصّحابَةُ هذه الآيَةَ وَعَرَفُوا أَنَّ الله يُحِبُّ مِنْهُم أَنْ يَغْدُوا بِهِمَّةٍ وَنَشاطٍ إِلَى ما يُنْجِيهِم مِنْ عَذابِهِ وإِلَى ما يَكُونُ سببًا لِدُخُولِهُمُ الجَنَّة، ما كانُوا يُقَصِّرُون ولا يَبْخَلُونَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالعَمَلِ الصالِح.
لا يَنْبَغِي أَنْ تترُكَ العمل للآخِرَة أَنْ تُدافِعَ عَنْ دِينِ الله بِلِسانِك، تَعْلِيم الناسِ دِينَ الله، تَحْذِيرِهِم مِنَ الكُفْرِيّات، فترك هذا خُسْرانٌ عَظِيم!
رَبُّنا يَقُولُ فِى كِتابِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [سورة الانشِقاق:6] مَعناهُ أَنْتَ أَيُّها الإِنسانُ تَكْدَحُ فِى الدُّنيا، يَعْنِى تُتْعِبُ نَفْسَكَ وَتُجْهِدُها فِى أَشياء. إِمّا أَنْ تُجْهِدَ نَفْسَكَ فِى العَمَلِ الصالِح فَتَنالُ الجَنَّة وإِمّا أَنْ تُجْهِدَ نَفْسَكَ بِالانْغِماسِ بِالمعاصِي والآثام ثُمَّ بِزِينةِ الدُّنيا وَشَهَواتِها أَوْ بِجَمْعِ المال والادِّخار إِلَى غَيرِ ذلِكَ مِنَ الأُمُور، فَتُلاقِي فِى يَوْمِ القِيامَةِ ما تَسْتَحِقُّ مِنَ العقُوبَةِ عِنْدَ الله ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ يَعْنِى فَمُلاقِي جِزاءَ عَمَلِك، إِنْ كانَ خَيرا فَخَير وَإِنْ كانَ شَرًّا فَشَرّ.
الإِنسان يستَطِيع بالعَمَلِ أَنْ يُنْقِذَ جَسَدَهُ وأَعْضاءَهُ مِنْ عَذابِ نارِ جَهَنَّم. أَحْيانًا بِالوِرْدِ قِليل الكلِمات، قَدْ يُعْتِقُ اللهُ تعالَى جَسَدَهُ مِنَ النارِ. وِرْد قِليل كلِمات عَلَّمنا رَسُول الله إِذا قالَهاُ الإِنسانُ وَداوَمَ عَلَيْهِا كُلَّ يَوْم كُلَّ يَوْم كُلَّ يَوْم، قَدْ تكونَ سببًا فِى عِتْقِ جَسَدِكَ مِنْ النارِ. الرسُولُ قال: “مَنْ قالَ حِينَ يُصْبِح“، أَيْ وَحِينَ يُمْسِي، “الْلَّهُمَّ إِنِّي أَصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِك وَمَلائِكَتَكَ وَجَمِيعَ خَلْقِكَ أَنَّكَ أَنْتَ الله، لا إِلٰهَ إِلّا أَنْتَ وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَك وَأَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُك“، قالَ ﷺ: “يُعْتِقُ اللهُ رُبعَهُ مِنَ النّار“، يَعْنِى رُبعَ جَسَدِ هذا القائِل مِنَ النّار. فَإِنْ قالَ هذا الوِرْدَ مَرَّتَيْن، يُعْتِقُ اللهُ نِصْفَهُ مِنَ النّار فَإِنْ قالَهُ ثَلاثَ مِرار، يُعْتِقُ اللهُ ثلاثَ أَرْباعِهِ مِنَ النّار فَإِنْ قالَهُ أَرْبَعَ مَرّاتٍ إِذا أَصْبَح أَوْ أَربَعَ مَرّاتٍ إِذا أَمْسَى، إِذا دَخَلَ عَلَيْهِ الْمَغْرِب، أَعْتِقَهُ اللهُ مِنَ النار. يَنْبَغِي عَلَيْنا أَنْ نُصَدِّقَ بِمَضْمُونِ ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنْ أَوْراد وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزيز! قَدْ يَجْعَلُ اللهُ تعالَى فِى القَوْلِ اليَسِيرِ الكَلِمات السَّهْلِة التي لا تحتاجُ مِنْكَ إِلَى كُلْفَةٍ وَلا مَشَقَّةٍ ولا تَعَبٍ عَظِيم، قَدْ تكُونُ سَببًا بأَنْ تُعْتقَ مِنَ النار.
وَمِنَ الناسِ مَنْ كانَ يَسْعَى فِى إِعْتاقِ نَفْسِهِ مِنْ رِتْقِ النّار بِالصَّدَقَة. سيِّدُنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيّ رَضِي الله عنه خَرَجَ عن كُلِّ مالِهِ ثلاثَ مَرّات فِى حياتِهِ رَجاءَ أَنْ يُعْتِقَهُ الله من النار! ما أَبقَى معَهُ شيئا، هذا ليسَ سَهْلا عَلَى النفس، لكِنَّ الذي يَرْجُو ثَوابَ الله وَأَنْ يُعْتَق مِن عذابِ نار جَهَنَّم، يسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَخرُج عن كُلِّ مالِهِ وَكُلُّكُم يَعْرِفُ أَنَّ سيِّدَنا أَبا بَكْرٍ تَصَدَّقَ بِكُلِّ ما يَمْلِك فِى سَبِيلِ الله حَتّى قالَ لَهُ الرسُول: “وَماذا أَبْقَيْتَ لَأَهْلِك؟” قالَ:” أَبْقَيْت لَهُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ”. وَمِنَ العُلَماء مِنْ أَئِمّةِ السَّلَف الكِبار مَنْ كانَ يَزِنُ نَفْسَهُ بِالميزان فَيَتَصَدَّقَ بِقَدْرِ وَزْنِهِ فِضَّة، فَعَلَ هذا ثَلاثَ مَرَّاتٍ حَتَّى يُعتَقَ مِنَ النار.
الإِنْسانُ يَنْتَفِعُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالعَمَلِ الصالِح، النَّسَبَ وَحْدَهُ لا يَدْفَعُ عَنْكَ عَذابَ اللهِ إِنْ أَرادَ اللهُ ذلِك! لِذا رَوَى البُخارِيُّ فِى صَحيحِهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قامَ ﷺ فِى أَهْلِهِ وَأَقارِبِهِ خَطِيبًا يَوْمًا فقال: “يا بَنِي عبد مَناف، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُم مِنَ الله، لا أُغْنِي عَنْكُم مِنَ اللهِ شيئا“، مَعْناهُ أَنا لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدْفَعَ عَنْكُم عَذابَ الله إِنْ أَرادَ اللهُ تعالَى أَنْ يُعَذِّبَكُم. إِنْ مِتُّم وَأَنتُم كافِرِين، أَنا لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدْفَعَ عَنْكُم عَذابَ الله، ثُمّ قال: “يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِب، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُم مِنَ الله، لا أُغْنِى عَنْكُم مِنَ اللهِ شيئا“، ثُمّ قال: “يا صَفِيَّةَ عَمَّةَ رَسُولِ الله، اشْتَرِي نَفْسَكِ مِنَ الله، لا أُغْنِى عَنْكِ مِنَ اللهِ شيئا” ثُم قال: “يا فاطِمَة بِنتَ رَسُولِ الله، اشْتَرِي نَفسَكَ مِنَ الله، لا أُغْنِى عنكِ مِنَ اللهِ شيئا“. إِذًا الذي يَكُونُ سبَبًا فِى نَجاتِكَ يَوْمَ القِيامة وَإِنْقاذِكَ مِنْ عذاب النّار هُوَ الإِيمانُ وَالعَمَلُ الصالِح، لذلكَ قال ﷺ: “النّاسُ غادِيان” وَفِى هذا اللفْظِ: “كُلُّ الناسِ يَغدو فبائِعُ نفسَهُ فمُعتِقُها أوْ مُوبِقُها“. بَعْضُ عُلَماءِ السَّلَف كانَ يَقُولُ: “إِنّ اللهَ تعالَى جَعلَ الجَنَّةَ ثَمَنًا لأَنْفُسِكُم فَلا تَبِيعُوها بِغَيْرِها“، مَعْناهُ أَنْ تُتْعِبُوا أَنْفُسَكُم بِالطّاعَة، هُوَ الثَّمَن لِتَنالُوا سِلْعَةَ الله! وَسِلْعَةُ اللهِ هِيَ الجَنَّة كَما قال ﷺ: “مَنْ خافَ أَدْلَج، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِل، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللهِ غالِيَة، أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللهِ الجَنَّة“، تُرِيدُ الجَنَّة فَعلَيْكَ أَنْ تَسْعَى لَها سَعْيَها! وَأَنْ تُزِكِّيَ نَفْسَكَ بِالعَمَلِ الصالِح. قالَ اللهُ تعالَى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ أَيْ مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ، وَكَيْفَ تَكُونُ تَزْكِيَةُ النَّفْس وَتَطْهِيرُها؟؟ بِالعَمَلِ الصّالِح وَبِتَجْنيبها الذُّنُوبَ وَالمعاصِيَ. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقد خابَ مَنْ دَسّاها﴾ [سورة الشمس :9-10] الذي يَدُسُّ نَفْسَهُ كالذي يَدُسُّ رِجْلَهُ فِى الوَحْل. وَالإِنْسانُ الذي يقَعُ فِى المحَرَّمات وَالذُّنُوب كالذي يَدُسُّ نَفْسَهُ فِى الوَحْل، فَهُوَ خاسِرٌ يَوْمَ القيامَة.
منَ الناسِ مَنْ يَبِيعُ دِينَهُ لِأجلِ صَلاحِ دُنْياه! فَهذا خاسِرٌ ساقِطٌ يَوْمَ القيامَة. فَالدُّنيا لا تُغْنِى عَنِ الآخِرَة شيئًا. الدّنيا لَوْ عاشَ فِيها الإِنسانُ عُمُرَ نَبِيِّ اللهِ نُوح، وَأَكَلَ فِيها الجَواهِرَ وَاللآلِئَ وَالذَّهَبَ وَالكُنُوز وَلَمْ يُصْدَّع لَهُ فِيها رأَس وَلَمْ يَأْلَم لَهُ عُضوٌ فِى جَسَدِهِ لكِنَّهُ كانَ مُنْغَمِسًا فى الذُّنُوبِ وَالمعاصِي غَمْسَةٌ واحِدَةٌ فِى نارِ جَهَنَم يُنْسِيهِ كُلَّ هذا النعيم. فَالدُّنيا لا تُغْنِى عن الآخرةِ شيئًا وَلا يَنْبَغِي للإِنْسانِ أَنْ يَقَعَ فِى المعاصِي التي تَجِدُ النفسُ فِيها لَذَّةً فِى الوُقُوعِ فِيها عَلَى حِسَابِ خُسْرانِ ءاخِرَتِهِ. لَوْ كانت الآخِرَة خَزَفًا فَخّارًا يَبْقَى لا يَفْنَى، وَالدّنيا كانت ذَهَبًا يَفْنَى لَكان للعاقِلِ أَنْ يَخْتارَ ما يَبْقَى وَإِن كانَ فَخّارًا عَلَى ما يبْلَى وَيَفْنَى وَلَوْ كانَ ذَهَبا، فَكَيف الحال وأَنّ الدُّنيا لا تُساوِي عِنْدَ اللهِ شيئا وَهِيَ سائِرَةٌ إِلَى زَوال وَالآخِرَةُ فِيها ما لا عَيْنٌ رأَت وَلا أُذُنٌ سَمِعَت وَلا خَطرَ عَلَى قَلبِ بَشَر مِنَ النّعيم الذي لا يَفْنَى وَلا يَهْلِك وَلا يَزول! فَمِنَ الحُمق مَنْ يُؤثِرُ الدّنيا عَلَى الآخِرَة وَيَبِيعُ دِينَهُ لِتَحْصِيلِ عَرَضٍ فى الدُّنيا زائِل، وَأَسْقطُ مِنْهُ مَنْ يَبِيعُ دِينَهُ لِدُنيا غَيرِهِ!
نَسأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنا مِنَ الوَقّافِينَ عِنْدَ حُدُودِ دِينِه إِنّهُ سبْحانَهُ عَلَى ما يَشاءُ قَدِير.