من ابتلي بفقد بصره فصبر عوض الجنة | رياض الصالحين (34-35)

الدرس ١١ من ١٦ في هذا البابنزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٣٥:١٠

الحمد لله الذي لا ناقض لما بناه، ولا حافظ لما أفناه، ولا مانع لما أعطاه، ولا راد لما قضاه، ولا ساتر لما أبداه ولا مظهر لما أخفاه، ولا ضال لمن هداه، ولا هادي لمن أعماه، والصلاة والسلام على رسول الهدى محمد الذي اختاره الله على العباد واصطفاه، وعلى صاحبه أبي بكر الذي رضي الله عنه وأرضاه، وعلى عمر الذي عدل بين العباد فتربت يداه، وعلى عثمان الذي استحت منه الملائكة فزانه حياه، وعلى عليّ الذي والى الله من والاه وعادى من عاداه: أما بعد:

الحديث الرابع والثلاثون

الحديث

وعَنْ أَنسٍ رضي اللَّه عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقولُ: “إنَّ اللَّه عَزَّ وجَلَّ قَالَ:”إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبدِي بحبيبتَيْهِ فَصبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجنَّةَ” يُريدُ عينَيْه، رواه البخاريُّ.

شرح ألفاظ الحديث والتعليق عليه

وعَنْ أَنسٍ رضي اللَّه عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقولُ: “إنَّ اللَّه عَزَّ وجَلَّ (أي: عزّ شأنه وجل برهانه) (وهذا حديث قدسي لأن النبي صلى الله عليه وسلم روى عن ربه سبحانه أنه) قَالَ: “إِذَا ابْتَلَيْتُ (أي عاملته معاملة الْمُبتَلِي: أي المختبِر، فإن معنى الابتلاء في الأصل الاختبار والابتلاء إنما يكون من الجاهل بالأحوال بعواقب الأحوال والله بكل شيء عليم، ويكون الابتلاء منه سبحانه لإظهار حال الْمُبْتَلَى للناس والله تعالى لا يخفى عليه شيء من خلقه سبحانه، والابتلاء يُستعمل في الخير والشر فقد قال تعالى في سورة الأنبياء: “وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ” ) عَبدِي (المرادُ العبدُ المؤمنُ وذلك ظاهرٌ من سياق الحديث فهو الذي يُجازى على صبره بالجنة وهو الذي يكون صبره خيرا له في الدنيا والآخرة وهو الذي يُقبل منه العمل الصالح وهو الذي يجد جزاء صبره على البلاء حُسنا، ففي الآخرة عندما يرى العبد المؤمن الذي صبر على البلاء ثوابَ صبره فإنه ينسى ما كان يقاسيه ويعانيه من التعب في هذه الدنيا فقد روى ابن ماجه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنَ الْكُفَّارِ. فَيُقَالُ: اغْمِسُوهُ فِي النَّارِ غَمْسَةً. فَيُغْمَسُ فِيهَا. ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : أيْ فُلاَنُ هَلْ أَصَابَكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لاَ مَا أَصَابَنِي نَعِيمٌ قَطُّ. وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ الْمُؤْمِنِينَ ضُرًّا وَبَلاءً. فَيُقَالُ: اغْمِسُوهُ غَمْسَةً فِي الْجَنَّةِ. فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً. فَيُقَالُ لَهُ: أَيْ فُلاَنُ هَلْ أَصَابَكَ ضُرٌّ قَطُّ أَوْ بَلاَءٌ؟ فَيَقُولُ: مَا أَصَابَنِي قَطٌّ ضُرٌّ وَلاَ بَلاَءٌ»، وإن نزول البلاء مع الصبر علامةُ خير للمؤمن فقد روى البيهقي عَنْ أَنَسٍ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ بِنْتٌ لِي كَذَا وَكَذَا فَذَكَرَتْ حُسْنَهَا وَجَمَالَهَا فَآثَرْتُكَ بِهَا. فَلَمْ تَزَلْ تَمْدَحُهَا حَتَّى ذَكَرَتْ أَنَّهَا لَمْ تُصْدَعْ وَلَمْ تَشْتَكِ شَيْئًا قَطُّ. قَالَ: ” لَا حَاجَةَ لِي فِي بِنْتِكِ”، أما الكافر فمهما أظهر فيما يظهر للناس صورةَ الصبر على البلاء في هذه الدنيا ومهما عمل من صور الطاعات فليس له من ذلك شيء في الآخرة وإنما حاله كما روى مسلم في صحيحه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً. يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا للّهِ فِي الدُّنْيَا. حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ. لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» ) بحبيبتَيْهِ (بالتثنية أي محبوبتيه أي بفقدهما، قال المناوي: سماهما بذلك لأن العالم عالمان عالم الغيب وعالم الشهادة وكل منهما محبوب، ومدرِك الأول البصيرة ومدرك الثاني البصر، واشتُقَ الحبيبُ من حبة القلب وهي سويداؤه نظير سواد العين قال أبو الطيب: يود أن سواد الليل دام لـه **** وَزِيدَ فيه سوادُ القلب والبصر.اهـ ولأن السرور يكنى عنه بِقُرَّة العين لما يُشاهد المحبوب ويكنى عن الحزن بسخونتها للمفارقة عنه قال ابن حجر: وَقَدْ فَسَرَّهُمَا آخِرَ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ يُرِيدُ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالَّذِي فَسَّرَهُمَا وَالْمُرَادُ بِالْحَبِيبَتَيْنِ الْمَحْبُوبَتَانِ لِأَنَّهُمَا أَحَبُّ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ إِلَيْهِ لِمَا يَحْصُلُ لَهُ بِفَقْدِهِمَا مِنَ الْأَسَفِ عَلَى فَوَاتِ رُؤْيَةِ مَا يُرِيدُ رُؤْيَتَهُ مِنْ خَيْرٍ فَيُسَرُّ بِهِ أَوْ شَرٍّ فَيَجْتَنِبُهُ) فَصبَرَ (وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَصْبِرُ مُسْتَحْضِرًا مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ الصَّابِرَ مِنَ الثَّوَابِ لَا أَنْ يَصْبِرَ مُجَرَّدًا عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَابْتِلَاءُ اللَّهِ عَبْدَهُ فِي الدُّنْيَا لَيْسَ مِنْ سُخْطِهِ عَلَيْهِ بَلْ إِمَّا لِدَفْعِ مَكْرُوهٍ أَوْ لِكَفَّارَةِ ذُنُوبٍ أَوْ لِرَفْعِ مَنْزِلَةٍ فَإِذَا تَلَقَّى ذَلِكَ بِالرِّضَا تَمَّ لَهُ الْمُرَادُ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ أَنَّ مَرَضَ الْمُؤْمِنِ يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَهُ كَفَّارَةً وَمُسْتَعْتَبًا وَأَنَّ مَرَضَ الْفَاجِرِ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ فَلَا يَدْرِي لِمَ عُقِلَ وَلِمَ أُرْسِلَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مَوْقُوفًا) عَوَّضْتُهُ (وفي مثل هذا التعويض ما جاء في الحديث عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَا أَصَابَ الْمُسْلِمَ شَيْءٌ إِلَّا كَانَ لَهُ كَفَّارَةً “، ومثله ما روي عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ , أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ بَغِيَّةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ , فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ , فجعل يلاعبها,  حتى بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: مَه , إِنَّ اللهَ ذَهَبَ بِالشِّرْكِ وَجَاءَ بِالْإِسْلَامِ. فَتَرَكَهَا وَوَلَّى , وَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا حَتَّى أَصَابَ وَجْهَهُ الْحَائِطُ فشجَه , فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ فَقَالَ: ” أَنْتَ عَبْدٌ أَرَادَ اللهُ بِكَ خَيْرًا , إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ فِي الدُّنْيَا , وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرًّا أَمْسَكَ عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”، وروى البيهقي عَنْ عَائِشَةَ , أَنَّ شَبَابًا مِنْ قُرَيْشٍ دَخَلُوا عَلَيْهَا وَهُمْ بِمِنًى وَهُمْ يَضْحَكُونَ قَالَتْ: وَمَا يُضْحِكُكُمْ؟ قَالُوا: فُلَانٌ , خَرَّ عَلَى طُنُبِ فُسْطَاطٍ فَكَادَتْ عَيْنُهُ أَنْ تَذْهَبَ. قَالَتْ: فَلَا تَضْحَكُوا , فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ”، وروي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ فِي وَلَدِهِ , وَخَاصَّتِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَمَا لَهُ مِنْ خَطِيئَةٍ”، وروى البيهقي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيُّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , وَكَانَتْ لِجَدِّهِ صُحْبَةٌ , أَنَّهُ خَرَجَ زَائِرًا لِرَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِهِ , فَبَلَغَهُ أَنَّهُ شَاكٍ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ , فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي أَتَيْتُكَ زَائِرًا وَأَتَيْتُكَ عَائِدًا وَمُبَشِّرًا. قَالَ: كَيْفَ جَمَعْتُ هَذَا كُلَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ زِيَارَتَكَ , فَبَلَغَنِي شَكَاتُكَ فَكَانَتْ عِيَادَةً , وَأُبَشِّرُكَ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” إِذَا سَبَقَتْ لِلْعَبْدِ مِنَ اللهِ مَنْزِلَةٌ , لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ابْتَلَاهُ اللهُ فِي جَسَدِهِ , أَوْ فِي وَلَدِهِ , ثُمَّ صَبَّرَهُ حَتَّى يُبَلِّغُهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ”، وجاء عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَجَرَةً فَهَزَّهَا حَتَّى تَسَاقَطَ مِنْ وَرَقِهَا بِمَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَتَسَاقَطَ , ثُمَّ قَالَ: ” الْأَوْجَاعُ , وَالْمُصِيبَاتُ أَسْرَعُ فِي ذُنُوبِ بَنِي آدَمَ مِنِّي فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ “)  عوضته مِنْهُمَا الْجنَّةَ”. يُريدُ عينيْه (أما نظر المؤمن في الجنة فقد روى ابن أبي شيبة عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً رَجُلٌ لَهُ أَلْفُ قَصْرٍ , مَا بَيْنَ كُلِّ قَصْرٍ مَسِيرَةُ سَنَةٍ , يَرَى أَقْصَاهَا كَمَا يَرَى أَدْنَاهَا , فِي كُلِّ قَصْرٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ وَالرَّيَاحِينِ وَالْوِلْدَانِ مَا يَدْعُو بِشَيْءٍ إِلَّا أُتِيَ بِهِ)، (قال ابن حجر: وَهَذَا أَعْظَمُ الْعِوَضِ لِأَنَّ الِالْتِذَاذَ بِالْبَصَرِ يَفْنَى بِفِنَاءِ الدُّنْيَا وَالِالْتِذَاذَ بِالْجَنَّةِ بَاقٍ بِبَقَائِهَا وَهُوَ شَامِلٌ لِكُلِّ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِك بِالشّرطِ الْمَذْكُورِ وَوَقَعَ فِي رواية بِلَفْظِ إِذَا أَخَذْتُ كَرِيمَتَيْكَ فَصَبَرْتَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ وَاحْتَسَبْتَ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الصَّبْرَ النَّافِعَ هُوَ مَا يَكُونُ فِي أَوَّلِ وُقُوعِ الْبَلَاءِ فَيُفَوِّضُ وَيُسَلِّمُ وَإِلَّا فَمَتَى تَضَجَّرَ وَتَقَلَّقَ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ ثُمَّ يَئِسَ فَيَصْبِرُ لَا يَكُونُ حَصَلَ الْمَقْصُودُ وفي رواية إِذَا سَلَبْتُ مِنْ عَبْدِي كَرِيمَتَيْهِ وَهُوَ بِهِمَا ضَنِينٌ لَمْ أَرْضَ لَهُ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ إِذَا هُوَ حَمِدَنِي عَلَيْهِمَا وفي رواية قَالَ رَبُّكُمْ مَنْ أَذْهَبْتُ كَرِيمَتَيْهِ ثُمَّ صَبَرَ وَاحْتَسَبَ كَانَ ثَوَابُهُ الْجَنَّةَ وفي رواية عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْهُ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أنس فَقَالَ: لِي ادْنُهْ مَتَى ذَهَبَ بَصَرُكَ قُلْتُ وَأَنَا صَغِيرٌ قَالَ أَلَّا أُبَشِّرُكَ قُلْتُ بَلَى فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ مَا لِمَنْ أَخَذْتُ كَرِيمَتَيْهِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ) رواه البخاريُّ.

وهذا يدل على عظيم فضل الإيمان وبركته وأن المصائب إذا نزلت  بالمؤمن تكون خيرا له في الآخرة إذا صبر ولم يعترض على الله عز وجل، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] شَقَّتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: – وَفِي رِوَايَةِ: بَلَغَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغًا – , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” قَارِبُوا وَسَدِّدُوا , فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ , حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُهَا , أَوِ النَّكْبَةَ يُنْكَبُهَا  وروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ , لَا تَزَالُ الرِّيحُ تُفِيئُهُ , وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ , وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ الْأَرْزِّ لَا تهْتَزُّ حَتَّى تَسْتَحْصِدَ “،  وقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ما رواه البيهقي: ” أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَحْسَنِ مَا كَانَ يَأْتِينِي فِي صُورَةٍ فَقَالَ: إِنَّ اللهً يُقْرِئُكَ السَّلَامَ يَا مُحَمَّدُ فَيَقُولُ لَكَ: إِنِّي قَدْ أَوْحَيْتُ إِلَى الدُّنْيَا أَنْ عَزِّرِي , وَتَكَدَّرِي , وَتَضَّيَّقِي , وَتَشَدَّدِي عَلَى أَوْلِيَائِي كَيْ يُحِبُّوا لِقَائِي , فَإِنِّي خَلَقْتُهَا سِجْنًا لِأَوْلِيَائِي وَجَنَّةً لِأَعْدَائِي“. 

الحديث الخامس والثلاثون

الحديث

وعنْ عطاءِ بْن أَبي رَباحٍ قالَ: قالَ لِي ابْنُ عبَّاسٍ رضي اللَّهُ عنهُمَا ألاَ أريكَ امْرَأَةً مِن أَهْلِ الجَنَّة؟ فَقُلت: بلَى، قَالَ: هذِهِ المْرأَةُ السوْداءُ، أَتَتِ النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وإِنِّي أَتكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّه تَعَالَى لِي قَالَ: “إِن شئْتِ صَبَرْتِ ولكِ الْجنَّةُ، وإِنْ شِئْتِ دعَوْتُ اللَّهَ تَعالَى أَنْ يُعافِيَكِ” فقَالتْ: أَصْبرُ، فَقالت: إِنِّي أَتَكشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لا أَتكشَّفَ، فَدَعَا لَهَا. متَّفقٌ عليْهِ.

ترجمة عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه

هو عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ أَسْلَمَ القُرَشِيُّ مَوْلاَهُم، الإِمَامُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، مُفْتِي الحَرَمِ، أَبُو مُحَمَّدٍ القُرَشِيُّ، المَكِّيُّ. يُقَالَ: وَلاَؤُهُ لِبَنِي جُمَحٍ، كَانَ مِنْ مُوَلَّدِي الجَنَدِ (الجند، بفتح الجيم والنون، بعدها دال مهملة: بلدة مشهورة باليمن)، وَنَشَأَ بِمَكَّةَ. وُلِدَ: فِي أَثْنَاءِ خِلافَةِ عُثْمَانِ. حَدَّثَ عَنْ: عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَأُمِّ هَانِئ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَكِيْمِ بنِ حِزَامٍ، وَرَافِعِ بنِ خَدِيْجٍ، وَزَيْدِ بنِ أَرْقَمَ، وَزَيْدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ، وَعِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَأَرْسَلَ عَنِ: النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعَنْ: أَبِي بَكْرٍ، وَعَتَّابِ بنِ أَسِيْدٍ، وَعُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ، وَالفَضْلِ بنِ عَبَّاسٍ، وَطَائِفَةٍ. وَكَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ العِلْمِ. حَدَّثَ عَنْهُ: مُجَاهِدُ بنُ جَبْرٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيْعِيُّ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ، وَعَمْرُو بنُ دِيْنَارٍ، وَالقُدَمَاءُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَعَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، وَمَالِكُ بنُ دِيْنَارٍ، وَخَلْقٌ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِيْنَ، وَأَبُو حَنِيْفَةَ، وَالأَوْزَاعِيُّ، 

وكان بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ يَقُوْلُ: كَانَ عَطَاءٌ أَسْوَدَ، أَعْوَرَ، أَفْطَسَ، أَشَلَّ، أَعْرَجَ، ثُمَّ عَمِيَ، وَكَانَ ثِقَةً، فَقِيْها، عَالِمًا، كَثِيْرَ الحَدِيْثِ. وَقَالَ جَرِيْرُ بنُ حَازِمٍ: رَأَيْتُ يَدَ عَطَاءٍ شَلاَّءَ، ضُرِبَتْ أَيَّامَ ابْنِ الزُّبَيْرِ أيام قَتلِ الحجاجِ لعبدِ الله بن الزبير. وَرَوَى: عَبَّاسٌ، عَنِ ابْنِ مَعِيْنٍ، قَالَ: كَانَ عَطَاءٌ مُعَلِّمَ كُتَّابٍ. ورُوي عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: أَدْرَكْتُ مائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وروي عن امرأة من التابعين أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ تَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ! تَجْتَمِعُوْنَ عَلَيَّ وَعِنْدَكُم عَطَاءٌ! وروي عن امرأة أخرى أَنَّهَا رَأَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنَامِهَا، فَقَالَ لَهَا: (عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ من سادات المُسْلِمِيْنَ) . وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ الثَّقَفِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الصادقِ يَقُوْلُ لِلنَّاسِ – وَقَدِ اجْتَمَعُوا -: عَلَيْكُم بِعَطَاءٍ، هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ لَكُم مِنِّي. وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: خُذُوا مِنْ عَطَاءٍ مَا اسْتَطَعْتُم. وَرَوَى: أَسْلَمُ المِنْقَرِيُّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: مَا بَقِيَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِمَنَاسِكِ الحَجِّ مِنْ عَطَاءٍ. قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى – وَكَانَ عَالِمًا بِالحَجِّ -: قَدْ حَجَّ زِيَادَةً عَلَى سَبْعِيْنَ حَجَّةً. قَالَ: وَكَانَ يَوْم مَاتَ ابْنَ نَحْوِ مائَةِ سَنَةٍ، وجاء عن إِبْرَاهِيْمَ بنِ عُمَرَ بنِ كَيْسَانَ، قَالَ: أَذْكُرُهُم فِي زَمَانِ بَنِي أُمَيَّةَ يَأْمُرُوْنَ فِي الحَجِّ مُنَادِيًا يَصِيْحُ: لاَ يُفْتِي النَّاسَ إِلَّا عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ أَبُو حَازِمٍ الأَعْرَجُ: فَاقَ عَطَاءٌ أَهْلَ مَكَّةَ فِي الفَتْوَى. وَرَوَى: عَبْدُ الحَمِيْدِ الحِمَّانِيُّ، عَنْ أَبِي حَنِيْفَةَ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ فِيْمَنْ لَقِيْتُ أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءِ بنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَ المَسْجِدُ فِرَاشَ عَطَاءٍ عِشْرِيْنَ سَنَةً، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَلاَةً. 

قَالَ الأَصْمَعِيُّ: دَخَلَ عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ عَلَى عَبْدِ المَلِكِ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى السَّرِيْر، وَحَوْلَهُ الأَشْرَافُ، وَذَلِكَ بِمَكَّةَ، فِي وَقْتِ حَجِّهِ فِي خِلاَفَتِهِ، فَلَمَّا بَصُرَ بِهِ عَبْدُ المَلِكِ، قَامَ إِلَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيْرِ، وَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، حَاجَتَكَ؟ قَالَ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ! اتَّقِ اللهَ فِي حَرَمِ اللهِ، وَحَرَمِ رَسُوْلِهِ، فَتَعَاهَدْهُ بِالعَمَارَةِ، وَاتَّقِ اللهَ فِي أَوْلاَدِ المُهَاجِرِيْنَ وَالأَنْصَارِ، فَإِنَّك بِهِم جَلَسْتَ هَذَا المَجْلِسَ، وَاتَّقِ اللهَ فِي أَهْلِ الثُّغُوْرِ، فَإِنَّهُم حِصْنُ المُسْلِمِيْنَ، وَتَفَقَّدْ أُمُوْرَ المُسْلِمِيْنَ، فَإِنَّكَ وَحْدَكَ المَسْؤُوْلُ عَنْهُم، وَاتَّقِ اللهَ فِيْمَنْ عَلَى بَابِكَ، فَلا تَغْفُلْ عَنْهُم، وَلاَ تُغْلِقْ دُوْنَهُم بَابَكَ. فَقَالَ لَهُ: أَفْعَلُ. ثُمَّ نَهَضَ، وَقَامَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ عَبْدُ المَلِكِ، وَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! إِنَّمَا سَأَلْتَنَا حَوَائِجَ غَيْرِكَ، وَقَدْ قَضَيْنَاهَا، فَمَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: مَا لِي إِلَى مَخْلُوْقٍ حَاجَةٌ. ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ: هَذَا وَأَبِيْكَ الشَّرَفُ، هَذَا وَأَبِيْكَ السُّؤْدُدُ. (وهذا يدل على أن العلم يرفع صاحبه ويوصله لمنزلة عالية بين الناس).

وقال الزهري: قَالَ لِي عَبْدُ المَلِكِ بنُ مَرْوَانَ: مِنْ أَيْنَ قَدِمْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ مَكَّةَ. قَالَ: فَمَنْ خَلَّفْتَ يَسُوْدُهَا؟ قُلْتُ: عَطَاءٌ. قَالَ: أَمِنَ العَرَبِ أَمْ مِنَ المَوَالِي؟ قُلْتُ: مِنَ المَوَالِي. قَالَ: فِيْمَ سَادَهُم؟ قُلْتُ: بِالدِّيَانَةِ وَالرِّوَايَةِ. قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الدِّيَانَةِ وَالرِّوَايَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُسَوَّدُوا، فَمَنْ يَسُوْدُ أَهْلَ اليَمَنِ؟ قُلْتُ: طَاوُوْسٌ. قَالَ: فَمِنَ العَرَبِ، أَوِ المَوَالِي؟ قُلْتُ: مِنَ المَوَالِي. قَالَ: فَمَنْ يَسُوْدُ أَهْلَ الشَّامِ؟ قُلْتُ: مَكْحُوْلٌ. قَالَ: فَمِنَ العَرَبِ، أَمْ مِنَ المَوَالِي؟ قُلْتُ: مِنَ المَوَالِي، عَبْدٌ نُوْبِيٌّ أَعْتَقَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ هُذَيْلٍ. قَالَ: فَمَنْ يَسُوْدُ أَهْلَ الجَزِيْرَةِ؟ قُلْتُ: مَيْمُوْنُ بنُ مِهْرَانَ، وَهُوَ مِنَ المَوَالِي. قَالَ: فَمَنْ يَسُوْدُ أَهْلَ خُرَاسَانَ؟ قُلْتُ: الضَّحَّاكُ بنُ مُزَاحِمٍ مِنَ المَوَالِي. قَالَ: فَمَنْ يَسُوْدُ أَهْلَ البَصْرَةِ؟ قُلْتُ: الحَسَنُ مِنَ المَوَالِي. قَالَ: فَمَنْ يَسُوْدُ أَهْلَ الكُوْفَةِ؟ قُلْتُ: إِبْرَاهِيْمُ النَّخَعِيُّ. قَالَ: فَمِنَ العَرَبِ، أَمْ مِنَ المَوَالِي؟ قُلْتُ: مِنَ العَرَبِ. قَالَ: وَيْلَكَ! فَرَّجْتَ عَنِّي، وَاللهِ لَيَسُوْدَنَّ المَوَالِي عَلَى العَرَبِ فِي هَذَا البَلَدِ حَتَّى يَخْطُبَ لَهَا عَلَى المَنَابِرِ، وَالعَرَبُ تَحْتَهَا. قُلْتُ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، إِنَّمَا هُوَ دِيْنٌ، مَنْ حَفِظَهُ، سَادَ، وَمَنْ ضَيَّعَهُ، سَقَطَ. 

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَنْ عَطَاءٍ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحَدِّثُنِي بِالحَدِيْثِ، فَأُنْصِتُ لَهُ كَأَنِّي لَمْ أَسَمَعْهُ، وَقَدْ سَمِعْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُوْلَدَ. وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: لَزِمْتُ عَطَاءً ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ بَعْدَ مَا كَبرَ وَضَعُفَ يَقُوْمُ إِلَى الصَّلاَةِ، فَيَقْرَأُ مائَتَيْ آيَةٍ مِنَ البَقَرَةِ وَهُوَ قَائِمٌ، لا يَزُوْلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلا يَتَحَرَّكُ. قَالَ عُمَرُ بنُ ذَرٍّ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ عَطَاءِ بنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَمَا رَأَيْتُ عَلَيْهِ قَمِيْصًا قَطُّ، وَلا رَأَيْتُ عَلَيْهِ ثَوْباً يُسَاوِي خَمْسَةَ دَرَاهِمَ. قَالَ الهَيْثَمُ: مَاتَ عَطَاءٌ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمائَةٍ. 

الشرح والتعليق على هذا الحديث

وعنْ عطاءِ بْن أَبي رَباحٍ قالَ: قالَ لِي ابْنُ عبَّاسٍ رضي اللَّهُ عنهُمَا ألَا (بفتـح الهمزة وتخفيف اللام أداة عرض بُدئ بها ليتوجه السامع لما بعدها) أريكَ (من الإراءة البصرية ولذا تعدت لـمفعول فقط) امْرَأَةً مِن أَهْلِ الجَنَّة (وهذا القدر وإن لم يكن رفعه للنبي صلى الله عليه وسلم فله حكم المرفوع لأن هذا لا يُعلَم إلا بالوحي)؟ فَقُلت: بلَى، قَالَ: هذِهِ المْرأَةُ السوْداءُ (اسمها: سُعَيْرَة بضم الـمهملة الأولـى وفتـح الثانـية وسكون التـحتـية الأسدية، وكنـيتها: أم زفر بضم الزاي وفتـح الفاء والراء آخره، قال ابن حجر: جاء في رِوَايَة عَطاء الخرساني عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَأَرَانِي حَبَشِيَّةً صَفْرَاءَ عَظِيمَةً فَقَالَ هَذِهِ سُعَيْرَةُ الْأَسَدِيَّةُ، وجاء مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْرِ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ مَاشِطَةُ خَدِيجَةَ الَّتِي كَانَتْ تَتَعَاهَدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالزِّيَارَةِ)، أَتَتِ النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فقالَتْ (مخبرة عما نزل بها من غير تبرم ولا تضجر، لأن البرّ يهدي إلى البرّ، طالبة منه الدعاء برفع دائها): إِنِّي أُصْرَعُ (بضم الهمزة من الصرع : علة معروفة، وقال ابن حجر: إن انْحِبَاسَ الرِّيحِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلصَّرْعِ وَهِيَ عِلَّةٌ تَمْنَعُ الْأَعْضَاءَ الرَّئِيسَةَ عَنِ انْفِعَالِهَا مَنْعًا غَيْرَ تَامٍّ وَسَبَبُهُ رِيحٌ غَلِيظَةٌ تَنْحَبِسُ فِي مَنَافِذِ الدِّمَاغِ أَوْ بُخَارٌ رَدِيءٌ يَرْتَفِعُ إِلَيْهِ مِنْ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ وَقَدْ يَتْبَعُهُ تَشَنُّجٌ فِي الْأَعْضَاءِ فَلَا يَبْقَى الشَّخْصُ مَعَهُ مُنْتَصِبًا بَلْ يَسْقُطُ وَيَقْذِفُ بِالزَّبَدِ لِغِلَظِ الرُّطُوبَةِ وَقَدْ يَكُونُ الصَّرْعُ مِنَ الْجِنِّ وَلَا يَقَعُ إِلَّا مِنَ النُّفُوسِ الْخَبِيثَةِ مِنْهُمْ إِمَّا لِاسْتِحْسَانِ بَعْضِ الصُّوَرِ الْإِنْسِيَّةِ وَإِمَّا لِإِيقَاعِ الْأَذِيَّةِ بِهِ)، وإِنِّي أَتكَشَّفُ (وَالْمُرَادُ أَنَّهَا خَشِيَتْ أَنْ تَظْهَرَ عَوْرَتُهَا وَهِيَ لَا تَشْعُرُ)، فَادْعُ اللَّه تَعَالَى لِي (أي: برد الصرع الناشئ عنه التكشف) قَالَ: “إِن شئْتِ صَبَرْتِ (أي الصبر على هذا الدعاء محتسبة) ولكِ الْجنَّةُ (أي تدخلينها وهي دار السلامة والأمان التي لا علة فيها ولا هَمّ ولا نكد ولا مرض)، وإِنْ شِئْتِ دعَوْتُ اللَّهَ تَعالَى أَنْ يُعافِيَكِ”، فقَالتْ (مختارة للبلاء والصبر عليه لـجزيل الثواب الـمرتب علـيه): أَصْبرُ (أي علـى الصَّرْعِ لأنه يرجع إلـى النفس، ولـما كان التكشف راجعًا لـحق الله تعالـى: إذ هي مأمورة بستر جميع البدن إلا الوجه والكفين)، فَقالت: إِنِّي أَتَكشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لا أَتكشَّفَ، فَدَعَا لَهَا (فهي من أهل الـجنة بوعد الصادق الـمصدوق). متَّفقٌ عليْهِ. (قال ابن حجر: وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ مَنْ يُصْرَعُ وَأَنَّ الصَّبْرَ عَلَى بَلَايَا الدُّنْيَا يُورِثُ الْجَنَّةَ وَأَنَّ الْأَخْذَ بِالشِّدَّةِ أَفْضَلُ مِنَ الْأَخْذِ بِالرُّخْصَةِ لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الطَّاقَةَ وَلَمْ يَضْعُفْ عَنِ الْتِزَامِ الشِّدَّةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ التَّدَاوِي وَفِيهِ أَنَّ عِلَاجَ الْأَمْرَاضِ كُلَّهَا بِالدُّعَاءِ وَالِالْتِجَاءِ إِلَى اللَّهِ أَنْجَعُ وَأَنْفَعُ مِنَ الْعِلَاجِ بِالْعَقَاقِيرِ وَأَنَّ تَأْثِيرَ ذَلِكَ وَانْفِعَالَ الْبَدَنِ عَنْهُ أَعْظَمُ مِنْ تَأْثِيرِ الْأَدْوِيَةِ الْبَدَنِيَّةِ وَلَكِنْ إِنَّمَا يَنْجَعُ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنْ جِهَةِ الْعَلِيلِ وَهُوَ صِدْقُ الْقَصْدِ وَالْآخَرُ مِنْ جِهَةِ الْمُدَاوِي وَهُوَ قُوَّةُ تَوَجُّهِهِ وَقُوَّةُ قلبه بالتقوى والتوكل وَالله أعلم).