صبر الأنبياء على أذى قومهم ودعاؤهم لهم بالهداية | رياض الصالحين (36)

الدرس ١٢ من ١٦ في هذا البابنزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٣١:٣٩

الحمد لله الذي رفع من أرادَ به خيرًا بالعلم والإيمان، وخذل الـمـُعرضِين عن الهدى وَعَرَّضَهم لكلِّ هلاكٍ وهوان، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكريم المنَّان، سبحانه لا يـجري عليه زمان، ولا يحويه مكان، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، الّذي كمّل الله له الفضائل والـحـُسنَ والإحسان، فصلّى اللهُ وسلّم على سيّدنا محمّدٍ مدى الأزمان، وعلى ءاله وأصحابه الطّيبين والتابعين لهُم بإحسان. أما بعد: 

الحديث

وعنْ أَبي عبْدِ الرَّحْمنِ عبْدِ اللَّه بنِ مسْعُودٍ رضيَ اللَّه عنه قَال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلى رسولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يحْكيِ نَبيًّا مِنَ الأَنْبِياءِ صلواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَليْهم، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وهُو يمْسحُ الدَّمَ عنْ وجْهِهِ، يقُولُ: “اللَّهمَّ اغْفِرْ لِقَوْمي فإِنَّهُمْ لا يعْلمُونَ “متفقٌ عَلَيْه.

ترجمة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه

هو عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدِ بنِ غَافِلِ بنِ حَبِيْبٍ الهُذَلِيُّ. الإِمَامُ الحَبْرُ، فَقِيْهُ الأُمَّةِ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الهُذَلِيُّ، المَكِّيُّ، المُهَاجِرِيُّ، البَدْرِيُّ، حَلِيْفُ بَنِي زُهْرَةَ. كَانَ مِنَ السَّابِقِيْنَ الأَوَّلِيْنَ، وَمِنَ النُّجَبَاءِ العَالِمِيْنَ، شَهِدَ بَدْرًا، وَهَاجَرَ الهِجْرَتَيْنِ، وَمَنَاقِبُهُ غَزِيْرَةٌ، رَوَى عِلْما كَثِيْرا. حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو مُوْسَى، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ، وَجَابِرٌ، وَأَنَسٌ، وَأَبُو أُمَامَةَ، فِي طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى عَنْهُ القِرَاءةَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَعُبَيْدُ بنُ نُضَيْلَةَ، وَطَائِفَةٌ. اتَّفَقَا لَهُ فِي الصَّحِيْحَيْنِ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَسِتِّيْنَ. وَانْفَرَدَ لَهُ البُخَارِيُّ بِإِخْرَاجِ أَحَدٍ وَعِشْرِيْنَ حَدِيْثا، وَمُسْلِمٌ بِإِخْرَاجِ خَمْسَةٍ وَثَلاَثِيْنَ حَدِيْثا. وَلَهُ عِنْدَ بَقِيٍّ بِالمُكَرَّرِ ثَمَانِي مَائَةٍ وَأَرْبَعُوْنَ حَدِيْثا. قَالَ قَيْسُ بنُ أَبِي حَازِمٍ: رَأَيْتُهُ آدَمَ، خَفِيْفَ اللَّحْمِ. وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ رَجُلا نَحِيْفا، قَصِيْرا، شَدِيْدَ الأُدْمَةِ، وَكَانَ لاَ يُغَيِّرُ شَيْبَهُ. وَرَوَى: الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيْمَ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ لَطِيْفا، فَطِنا. وكَانَ مَعْدُوْدا فِي أَذْكِيَاءِ العُلَمَاءِ. وَكَانَ يُعْرَفُ أَيْضا بِأُمِّهِ، فَيُقَالُ لَهُ: ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ. أُمُّهُ: هِيَ أُمُّ عَبْدٍ بِنْتُ عَبْدِ وُدٍّ ، مِنْ بَنِي زُهْرَةَ. وَرُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَنَّانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَبْلَ أَنْ يُوْلَدَ لِي. وروي عَنْ نُوَيْفِعٍ مَوْلَى ابْنِ مَسْعُوْدٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ مِنْ أَجْوَدِ النَّاسِ ثَوْبا، وَأَطْيَبَ النَّاسِ رِيْحا. 

قَالَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ عَلِمْتُهُ مِنْ أَمْرِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ مَعَ عُمُوْمَةٍ لِي أَوْ أُنَاسٍ مِنْ قَوْمِي نَبْتَاعُ مِنْهَا مَتَاعا، وَكَانَ فِي بُغْيَتِنَا شِرَاءُ عِطْرٍ، فَأَرْشَدُوْنَا عَلَى العَبَّاسِ. فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِ، وَهُوَ جَالِسٌ إِلَى زَمْزَمَ، فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ، فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَابِ الصَّفَا، أَبْيَضُ، تَعْلُوْهُ حُمْرَةٌ، لَهُ وَفْرَةٌ جَعْدَةٌ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ، أَشَمُّ، أَقْنَى، أَدْعَجُ العَيْنَيْنِ، بَرَّاقُ الثَّنَايَا، دَقِيْقُ المَسْرُبَةِ، شَثْنُ الكَفَّيْنِ وَالقَدَمَيْنِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَبْيَضَانِ، كَأَنَّهُ القَمَرُ لَيْلَةَ البَدْرِ، يَمْشِي عَلَى يَمِيْنِهِ غُلاَمٌ حَسَنُ الوَجْهِ، مُرَاهِقٌ، أَوْ مُحْتَلِمٌ، تَقْفُوْهُمُ امْرَأَةٌ قَدْ سَتَرَتْ مَحَاسِنَهَا، حَتَّى قَصَدَ نَحْوَ الحَجَرِ، فَاسْتَلَمَ، ثُمَّ اسْتَلَمَ الغُلاَمُ، وَاسْتَلَمَتِ المَرْأَةُ. ثُمَّ طَافَ بِالبَيْتِ سَبْعا، وَهُمَا يَطُوْفَانِ مَعَهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الرُّكْنَ، فَرَفَعَ يَدَهُ وَكَبَّرَ، وَقَامَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ، فَرَأَيْنَا شَيْئاً أَنْكَرْنَاهُ، لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُهُ بِمَكَّةَ. فَأَقْبَلْنَا عَلَى العَبَّاسِ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا الفَضْلِ! إِنَّ هَذَا الدِّيْنَ حَدَثٌ فِيْكُم، أَوْ أَمْرٌ لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُهُ؟ قَالَ: أَجَلْ وَاللهِ مَا تَعْرِفُوْنَ هَذَا، هَذَا ابْنُ أَخِي مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ، وَالغُلاَمُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالمَرْأَةُ خَدِيْجَةُ بِنْتُ خُوَيْلدٍ امْرَأَتُهُ، أَمَا وَاللهِ مَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ نَعْلَمُهُ يَعْبُدُ اللهَ بِهَذَا الدِّيْنِ، إِلاَّ هَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَادِسَ سِتَّةٍ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ مُسْلِمٌ غَيْرُنَا. 

ورُوي عَنْ زِرِّ بنِ حُبيش، عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ، قَالَ: كُنْتُ أَرْعَى غَنَماً لِعُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَمَرَّ بِي رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: (يَا غُلاَمُ! هَلْ مِنْ لَبَنٍ؟) . قُلْتُ: نَعَمْ، وَلَكِنِّي مُؤْتَمَنٌ. قَالَ: فَهَلْ مِنْ شَاةٍ لَمْ يَنْزُ عَلَيْهَا الفَحْلُ؟ فَأَتَيْتُهُ بِشَاةٍ، فَمَسَحَ ضِرْعَهَا، فَنَزَلَ لَبَنٌ، فَحَلَبَ فِي إِنَاءٍ، فَشَرِبَ، وَسَقَى أَبَا بَكْرٍ. ثُمَّ قَالَ لِلضِّرْعِ: (اقْلِصْ) . فَقَلَصَ. ، قَالَ: فَأَسْلَمْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! عَلِّمْنِي مِنْ هَذَا القَوْلِ. فَمَسَحَ رَأْسِي، وَقَالَ: (يَرْحَمُكَ اللهُ، إِنَّكَ غُلَام مُعَلَّمٌ). وقال عبد الله بن مسعود: فَلَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِيْهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَبْعِيْنَ سُوْرَةً، مَا نَازَعَنِي فِيْهَا بَشَرٌ. وقال الزبير: أَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بِالقُرْآنِ بِمَكَّةَ بَعْدَ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدٍ. وقال زر بن حبيش: أَوَّلُ مَنْ قَرَأَ آيَةً عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ: عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدٍ. وجاء في سنن أبي داود أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- آخَى بَيْنَ الزُّبَيْرِ وَابْنِ مَسْعُوْدٍ. قَالَ مُوْسَى بنُ عُقْبَةَ: وَمِمَّنْ قَدِمَ مِنْ مُهَاجِرَةِ الحَبَشَةِ – الهِجْرَةِ الأُوْلَى إِلَى مَكَّةَ – عَلَى رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدٍ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى المَدِيْنَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا بَقِيَ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ أُحُدٍ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهُمُ ابْنُ مَسْعُوْدٍ. 

قال أبو موسى: حِيْنَ مَاتَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدٍ، وَأَحَدُهُمَا يَقُوْلُ لِصَاحِبِهِ: أَتَرَاهُ تَرَكَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ؟ قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ، لَقَدْ كَانَ يُؤْذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا، وَيَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا. وقال أبو موسى أيضا: قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ اليَمَنِ، فَمَكَثْنَا حِيْنا، وَمَا نَحْسِبُ ابْنَ مَسْعُوْدٍ وَأُمَّهُ إِلاَّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِكَثْرَةِ دُخُوْلِهِم وَخُرُوْجِهِم عَلَيْهِ. وكَانَ ابْنُ مَسْعُوْدٍ صَاحِبَ سِر رَسُوْلِ اللهِ وَوِسَادِهِ يَعْنِي فِرَاشَهُ وَسِوَاكِهِ، وَنَعْلَيْهِ، وَطَهُوْرِهِ، وَهَذَا يَكُوْنُ فِي السَّفَرِ. وكَانَ عَبْدُ اللهِ يُلْبِسُ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَعْلَيْهِ، ثُمَّ يَمْشِي أَمَامَهُ بِالعَصَا، حَتَّى إِذَا أَتَى مَجْلِسَهُ نَزَعَ نَعْلَيْهِ، فَأَدْخَلَهُمَا فِي ذِرَاعِهِ، وَأَعْطَاهُ العَصَا، وَكَانَ يَدْخُلُ الحُجْرَةَ أَمَامَهُ بِالعَصَا. وقال عبد الله بن مسعود: لَمَّا نَزَلَتْ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِيْنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ} الآيَة، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (قِيْلَ لِي: أَنْتَ مِنْهُم)، وَلَقَدْ عَلِمَ المُتَهَجِّدُوْنَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ عَبْدَ اللهِ مِنْ أَقْرَبِهِم عِنْدَ اللهِ وَسِيْلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ. قَالَ أَبُو مَسْعُوْدٍ البدري: وَاللهِ مَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَرَكَ أَحَداً أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللهِ مِنْ هَذَا القَائِمِ يقصد عبدَ الله بن مسعود. قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَالَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ، لَقَدْ قَرَأتُ مِنْ فِيِّ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِضْعًا وَسَبْعِيْنَ سُوْرَةً، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللهِ مِنِّي تُبَلِّغُنِيْهُ الإِبِلُ لأَتَيْتُهُ. ومَا نَزَلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ إِلاَّ وَأَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ نَزَلَتْ، وَفِيْمَا نَزَلَتْ. وروي أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَرَّ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَعَبْدُ اللهِ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَافْتَتَحَ سُوْرَةَ النِّسَاءِ. فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ القُرْآنَ غَضّاً كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأِ قِرَاءةَ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ) . فَأَخَذَ عَبْدُ اللهِ فِي الدُّعَاءِ، فَجَعَلَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُوْلُ: (سَلْ تُعْطَ) . فَكَانَ فِيْمَا سَأَلَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيْمَانًا لا يَرْتَدُّ، وَنَعِيْمًا لَا يَنْفَدُ، وَمُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي أَعْلَى جِنَانِ الخُلْدِ. فَأَتَى عُمَرُ عَبْدَ اللهِ يُبَشِّرُهُ، فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ خَارِجًا قَدْ سَبَقَهُ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَسَبَّاقٌ بِالخَيْرِ. وقال علي بن أبي طالب: أَمَرَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ابْنَ مَسْعُوْدٍ، فَصَعَدَ شَجَرَةً يَأْتِيْهِ مِنْهَا بِشَيْءٍ، فَنَظَرَ أَصْحَابُهُ إِلَى سَاقِ عَبْدِ اللهِ، فَضَحِكُوا مِنْ حُمُوْشَةِ سَاقَيْهِ. فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا تَضحكُوْنَ؟ لَرِجْلُ عَبْدِ اللهِ أَثْقَلُ فِي المِيْزَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ أُحُدٍ) . وقَالَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (قَدْ رَضِيْتُ لَكُم مَا رَضِيَ لَكُمُ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ). وجاء عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود، قَالَ: قَالَ لِي رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (اقْرَأْ عَلَيَّ القُرْآنَ) . قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: (إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) . فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُوْرَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيْدٍ، وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيْدًا} [النِّسَاءُ: 41] ، فَغَمَزَنِي بِرِجْلِهِ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. 

قَالَ عَبْدُ اللهِ: انْتَهَيْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ وَهُوَ صَرِيْعٌ، وَهُوَ يَذُبُّ النَّاسَ بِسَيْفِهِ، فَقُلْتُ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَخْزَاكَ يَا عَدُوَّ اللهِ! قَالَ: هَلْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ قَتَلَهُ قَوْمُهُ، فَجَعَلْتُ أَتَنَاوَلُهُ بِسَيْفٍ لِي، فَأَصَبْتُ يَدَهُ، فَنَدَرَ سَيْفُهُ، فَأَخَذَتْهُ، فَضَرَبْتُهُ بِهِ حَتَّى بَرَدَ، ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَقَامَ مَعِي حَتَّى خَرَجَ يَمْشِي مَعِي حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: (الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَخْزَاكَ يَا عَدُوَّ اللهِ، هَذَا كَانَ فِرْعُوْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ)، وروي عَنْ مَسْرُوْقٍ، قَالَ: شَامَمْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَجَدْتُ عِلْمَهُمُ انْتَهَى إِلَى سِتَّةٍ: عَلِيٍّ، وَعُمَرَ، وَعَبْدِ اللهِ، وَزَيْدٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأُبِيٍّ. ثُمَّ شَامَمْتُ السِّتَّةَ، فَوَجَدْتُ عِلْمَهُمُ انْتَهَى إِلَى عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللهِ. وروي عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: مَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ أَضَرَّ بِالدُّنْيَا، وَمَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا أَضَرَّ بِالآخِرَةِ. وكَانَ يَقُوْلُ إِذَا قَعَدَ: إِنَّكُم فِي مَمَرِّ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فِي آجَالٍ مَنْقُوْصَةٍ، وَأَعْمَالٍ مَحْفُوْظَةٍ، وَالمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً، مَنْ زَرَعَ خَيْرًا يُوْشِكُ أَنْ يَحْصُدَ رَغْبَةً، وَمَنْ زَرَعَ شَرًّا يُوْشِكُ أَنْ يَحْصُدَ نَدَامَةً، وَلكُلِّ زَارِعٍ مِثْلُ مَا زَرَعَ، ، فَمَنْ أُعْطِيَ خَيْرًا فَاللهُ أَعْطَاهُ، وَمَنْ وُقِيَ شَرًّا فَاللهُ وَقَاهُ، المُتَّقُوْنَ سَادَةٌ، وَالفُقَهَاءُ قَادَةٌ، وَمُجَالَسَتُهُم زِيَادَةٌ. وقال: ارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ تَكُنْ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَاجْتَنِبْ المَحَارِمَ تَكُنْ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ، وَأَدِّ مَا افْتُرِضَ عَلَيْك تَكُنْ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ. 

كَانَ قَدْ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَشَهِدَ فِي طَرِيْقِهِ بِالرَّبَذَةِ أَبَا ذَرٍّ، وَصَلَّى عَلَيْهِ. ومَرِضَ عَبْدُ اللهِ، فَعَادَهُ عُثْمَانُ، وَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوْبِي. قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي. قَالَ: أَلاَ آمُرُ لَكَ بِطَبِيْبٍ؟ قَالَ: الطَّبِيْبُ أَمْرَضَنِي. قَالَ: أَلاَ آمُرُ لَكَ بِعَطَاءٍ؟ قَالَ: لاَ حَاجَةَ لِي فِيْهِ. وروي عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُوْدٍ أَوْصَى إِلَى الزُّبَيْرِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ. مَاتَ ابْنُ مَسْعُوْدٍ بِالمَدِيْنَةِ، وَدُفِنَ بِالبَقِيْعِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ، قَالَ يَحْيَى بنُ أَبِي عُتْبَةَ: عَاشَ ثَلاَثاً وَسِتِّيْنَ سَنَةً.اهـ 

شرح ألفاظ الحديث

وعنْ أَبي عبْدِ الرَّحْمنِ عبْدِ اللَّه بنِ مسْعُودٍ رضيَ اللَّه عنه قَال: كَأَنِّي أَنْظُرُ (وهذا من شدة استحضاره لهذه الحادثة) إِلى رسولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يحْكيِ نَبيًّا (قال ابن حجر: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا النَّبِيِّ صَرِيحًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ فقد روي أَنَّ قَوْمَ نُوحٍ كَانُوا يَبْطِشُونَ بِهِ فَيَخْنُقُونَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ فَإِذَا أَفَاقَ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قُلْتُ وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ ثُمَّ لَمَّا يَئِسَ مِنْهُمْ قَالَ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ ديارًا وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ تَخْرِيجِ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي قِصَّةِ أُحُدٍ كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ أدموا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمر شَيْء وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْحَاكِي وَالْمَحْكِيُّ كمَا سَيَأْتِي وَأَمَّا النَّوَوِيُّ فَقَالَ هَذَا النَّبِيُّ الَّذِي جَرَى لَهُ مَا حَكَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَدْ جَرَى لِنَبِيِّنَا نَحْوُ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ( قَوْلُهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ يَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ لَمَّا وَقَعَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما وقع ذَكَرَ لأَصْحَابه أَنه وَقع لشَيْء آخَرَ قَبْلَهُ وَذَلِكَ فِيمَا وَقَعَ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا شُجَّ وَجْهُهُ وَجَرَى الدَّمُ مِنْهُ فَاسْتَحْضَرَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ قِصَّةَ ذَلِكَ النَّبِيِّ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ فَذَكَرَ قِصَّتَهُ لِأَصْحَابِهِ تَطْيِيبًا لقلوبهم) مِنَ الأَنْبِياءِ (اشْتِقَاقُ النُّبُوَّةِ مِنَ النَّبَإِ أَىِ الْخَبَرِ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ إِخْبَارٌ عَنِ اللَّهِ أَوْ مِنَ النَّبْوَةِ وَهِىَ الرِّفْعَةُ أَيْ عُلُوُّ الدَّرَجَةِ ومعنى النبوة من الأرض هي الأرض التي ترتفع أكثر من غيرها الرفعة واضح لماذا لأن النبي منذر عن الله هذا وجه الاشتقاق من النبأ ولأن النبي عالي الدرجة على غيره برسالته، برسالته علا على غيره في الدرجة فهذا اشتقاقها من الرفعة  

فَالنَّبِىُّ عَلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ اشْتِقَاقَهَا مِنَ النَّبَإِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ فَهُوَ نَبِىءٌ بِمَعْنَى مُنْبِىءٍ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ بِمَا يُوحَى إِلَيْهِ أَوْ هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَىْ نَبِىءٌ بِمَعْنَى مُنْبَأٌ أَىْ مُخْبَرٌ عَنِ اللَّهِ أَىْ يُخْبِرُهُ الْمَلَكُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَيْسَ فِى حُكْمِ الْعَقْلِ مَا يُحِيلُ بِعْثَةَ الأَنْبِيَاءِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ الأَنْبِيَاءَ رَحْمَةً لِلْعِبَادِ إِذْ لَيْسَ فِى الْعَقْلِ الطَّبِيعِىِّ مَا يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْهُمْ لِأَنَّ الْعَقْلَ لا يَسْتَقِلُّ بِمَعْرِفَةِ الأَشْيَاءِ الْمُنْجِيَةِ فِى الآخِرَةِ فَفِى بِعْثَةِ الأَنْبِيَاءِ مَصْلَحَةٌ ضَرورِيَّةٌ لَهُمْ لِحَاجَتِهِمْ لِذَلِكَ فَاللَّهُ مُتَفَضِّلٌ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ فَهِىَ إِذًا سَفَارَةٌ بَيْنَ الْحَقِّ تَعَالَى وَبَيْنَ الْخَلْقِ تَكَرَّمَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا عَلَى عَبِيدِهِ) صلواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَليْهم (فيه جواز الصلاة على النبيين كذلك، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا عَلَى النَّبِيينَ إِذَا ذَكَرْتُمُونِي، فَإِنَّهُمْ قَدْ بُعِثُوا كَمَا بُعِثْتُ» وقال صلى الله عليه وسلم: صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني.اهـ وقال الرملي في حاشيته على شرح المنهاج: حكمة مشروعية الصلاة عليهم أنهم لما بذلوا أعراضهم فيه لأعدائه فنالوا منهم وسبوهم أعطاهم الله الصلاة عليهم, وجعل لهم أطيب الثناء في السماء والأرض وأخلصهم بخالصة ذكرى الدار فالصلاة عليهم مندوبة لا واجبة.اهـ)، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ (أي جعلوه صاحب دم خارج من رأسه) وهُو يمْسحُ الدَّمَ عنْ وجْهِهِ (أي خوفًا من الوقوع في فمه أو عينه، وقال ابن علان: وفـي هذه الـجملة أنواع من الصبر والـحكم: الأول: أنه مسح دمه لئلا يُصيبَ الأرضَ فـيَحِلَّ بهم البلاء. الثانـي: أنه قابل جهلـهم بفضلـه فدعا لـهم بغفران ذنب تلك الـجريمة منهم لا مطلقاً والا لآمنوا عن آخرهم إذ هو مـجاب الدعوة. الثالث: أنه اعتذر عن سوء فعلهم بعدم علـمهم. ولا تنافـي بـين الدعاء بما ذكر إن كان من نوح، قوله: ” لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا”، لإمكان حمل ما فـي حديث الباب علـى ما قبل إياسه من إيمانهم )، يقُولُ: “اللَّهمَّ اغْفِرْ لِقَوْمي (ليس معناه أن اغفر لهم وهم مقيمون على الكفر لا، بل المعنى اغفر لهم كفرهم بالإيمان، فالمغفرة لا تجوز على الكافر وهو مقيم على كفره ولا يقال له استغفر الله بلسانك الاستغفار اللساني، بل يقال له انطق بالشهادتين للدخول في الإسلام، فإن النطق بالشهادتين مفتاح الدخول إلى الإسلام، فلا يقال للكافر استغفر بلسانك فقد قال تعالى في القرآن الكريم: ” إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ”، وقال تعالى: ” إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا، إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا“، فَإِذَا قَالَ الْمُرْتَدُّ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ قَبْلَ أَنْ يُجَدِّدَ إِيمَانَهُ بِقَوْلِهِ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَىْ وَهُوَ مَا زَالَ عَلَى حَالَتِهِ هَذِهِ مِنَ الْكُفْرِ فَلا يَزِيدُهُ قَوْلُهُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلَّا إِثْمًا وَكُفْرًا لِأَنَّهُ يُكَذِّبُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ مُحَمَّدٍ (﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فَمَنْ قَالَ كَلِمَةَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَهُوَ عَلَى الرِّدَّةِ كَانَ مَعْنَى كَلامِهِ يَا رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِى مِنْ غَيْرِ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى الإِسْلامِ مَعْ أَنَّكَ أَخْبَرْتَ فِى كِتَابِكَ أَنَّكَ لا تَغْفِرُهُ فِى هَذِهِ الْحَالِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ يَا رَبِّ كَذِّبْ نَفْسَكَ وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَلِّمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ الِاسْتِغْفَارَ حِينَ كَانَ لا يَزَالُ عَلَى الْكُفْرِ بَلْ عَلَّمَهُ أَنْ يَقُولَ غَيْرَ ذَلِكَ ثُمَّ لَمَّا أَسْلَمَ عَلَّمَهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ كَمَا رَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْ عِمْرَانَ بنِ الْحُصَيْنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ جَدُّكَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ خَيْرٌ لِقَوْمِهِ مِنْكَ كَانَ يُطْعِمُهُمُ الْكَبِدَ وَالسَّنَامَ أَىْ سَنَامَ الإِبِلِ وَهُوَ طَعَامٌ فَاخِرٌ عِنْدَ العَرَبِ وَأَنْتَ تَنْحَرُهُمْ أَىْ تَقْتُلُهُمْ أَىْ فِى الْجِهَادِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَقُولَ فِى الرَّدِّ عَلَى مَا قَالَ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ قَالَ سَائِلًا مَا أَقُولُ أَىْ عَلِّمْنِى شَيْئًا أَقُولُهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلِ اللَّهُمَّ قِنِي شَرَّ نَفْسِى وَاعْزِمْ لِى عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِى فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ مُدَّةٍ وَكَانَ قَدْ ءَامَنَ وَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّى أَتَيْتُكَ فَقُلْتُ عَلِّمْنِى فَقُلْتَ قُلِ اللَّهُمَّ قِنِى شَرَّ نَفْسِى وَاعْزِمْ لِى عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِى فَمَا أَقُولُ الآنَ حِينَ أَسْلَمْتُ قَالَ قُلِ اللَّهُمَّ قِنِى شَرَّ نَفْسِى وَاعْزِمْ لِى عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِى اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى مَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا عَمَدْتُ وَمَا أَخْطَأْتُ وَمَا جَهِلْتُ اﻫ) فإِنَّهُمْ لا يعْلمُونَ (وهذا من كمال حِلْمِهِ وحسنِ خُلقِه حيث أذنب القوم وهو يعتذر عنهم عند ربهم إنهم ما فعلوا ما فعلوا إلا لجهلهم بالله ورسوله)” (قال ابن علان: وينبغي للسالك التحلي بما فيه كما روي أن جنديا ضرب بعض العارفين وهو لا يعرفه فقيل إنه فلان، فعاد إليه معتذرا، فقال: إني أبرأت ذمتك ودعوت لك لما ضربتني، قال: وكيف ذاك؟ قال: لأنك  قد تكون  سببًا لدخولي الجنة فلا أكون سببًا لعذابك، فأكب على الشيخ وتاب).

(وهذا الحديث يبين عظيم أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان أعظمَ الناس خُلُقًا، وإن الخُلُقَ الحَسَنَ كانَ مِنْ مِنْ صِفَاتِ وَشِيَمِ جميعِ الأنبياء عليه الصَّلاة والسّلام لأنَّ الله تبارك لا يرسلُ الى عباده إنسانًا مَطْعُونًا بِسَفاهة الحديث أو خيانةٍ أو رَذالة أو كذب. فقد كان النبيُّ المصطفى ﷺ أوفرَ الأنبياء حظًّا في ذلك عليه الصَّلاة والسلام مُوَفَّقٌ من قِبَل اللهِ تبارك وتعالى في تَصَرفاته طَاهِرُ القلب خالصُ الطويّة لا ينظر إلى المال والنسب ينظر إلى الفضل في الدين وقد كان النبيُّ الأعظم ﷺ مُنذُ نَشْأته وفي كل مراحلِ حياته ذا خُلُقٍ عَظيم وأَخلاقٍ سَامية عالية ، فقد قال الصحابيُّ الجليل أَنسُ بن مالك خادم الرسول عنه ﷺ قال: “كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خَلْقًا وخُلُقًا. قالت عائشة: “لم يَكُنْ فَاحِشًا ولا مُتَفَحّشًا ولا سَخَّابًا في الأسواق ولا يَجْزي بالسَّيئة السَّيئةَ  بل يَعْفُو ويَصْفح”. ومِنْ أَخْلاق النبيّ المصطفى أنه كان شديدَ الرحمة بالخَلْق، فقد قيل له: دعا نوح على قومه فلو دعوتَ على مَنْ وَطِئ ظهرك وأدمى وجهك وكسر رباعيتك ولو دَعوْتَ على دَوْسٍ (ودَوس قبيلة من اليمن) فقال عليه الصلاة والسلام: “إنما بُعِثْتُ رحمة ولم أُبْعَثْ لَعَّانًا”. فلم يُجب مَن سأله إلى الدعاء عليهم رحمةً بهم بل دعا لهم فقال: “اللهُمَّ اهدِ دَوْسًا وَائْتِ بهم مُسلمين” فأصبحوا رُؤُوسًا في الإسلام وهذا من عظيم حُسْنِ خُلُقهِ ﷺ).