الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، هاديا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا وهاجا وقمرا منيرا، سيدنا وحبيبنا محمد وعلى ءاله وصحابته الغر الميامين ومن تبعهم وسار على منوالهم إلى يوم الفصل والدين. أما بعد:
الحديث
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الخامِسُ (أي الحديث الخامس من باب الصدق من كتاب رياض الصالحين):
عَنْ أبي هُريْرة رضي اللَّهُ عنه قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِياءِ صلواتُ اللَّه وسلامُهُ علَيهِمْ فَقَالَ لقوْمِهِ: لا يتْبعْني رَجُلٌ ملَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَن يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِها، وَلا أَحدٌ بنَى بيُوتًا لَمْ يرفَع سُقوفَهَا، وَلا أَحَدٌ اشْتَرى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وهُو يَنْتَظرُ أوْلادَهَا. فَغزَا فَدنَا مِنَ الْقَرْيةِ صلاةَ الْعصْرِ أَوْ قَريبًا مِنْ ذلكَ، فَقَال للشَّمس: إِنَّكِ مَأمُورةٌ وأَنا مأمُورٌ، اللهم احْبِسْهَا علَينا، فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عليْهِ، فَجَمَعَ الْغَنَائِم فَجاءَتْ –يَعْنِي النَّارَ- لتَأكُلهَا فَلَمْ تطْعَمْهَا، فَقَالَ: إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا، فليبايعْنِي منْ كُلِّ قبِيلَةٍ رجُلٌ، فلِزقتْ يدُ رَجُلٍ بِيدِهِ فَقَالَ: فِيكُم الْغُلولُ، فلتبايعنِي قبيلَتُك، فلزقَتْ يدُ رجُليْنِ أو ثلاثَةٍ بِيَدِهِ فقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَجاءوا برَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ الذَّهبِ، فوضَعها فَجَاءَت النَّارُ فَأَكَلَتها، فلمْ تَحلَّ الْغَنَائِمُ لأحدٍ قَبلَنَا، ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنا الغَنَائِمَ فلمَّا رأَى ضَعفَنَا وعجزنَا فأحلَّها لنَا” متفقٌ عَلَيهِ. “الخلِفاتُ”بفتحِ الخاءِ المعجمة وكسرِ اللامِ: جمْعُ خَلِفَةٍ، وهِي النَّاقَةُ الحاملُ.
الشرح
هذا الحديث الذي نقله المؤلف فيه آيات عظيمة، فإن النبي صلي الله عليه وسلم حدث عن نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه غزا قوما أمر بجهادهم، لكنه عليه الصلاة والسلام منع كل إنسان عقد على امرأة ولم يدخل بها، وكل إنسان بنى بيتا ولم يرفع سقفه، وكل إنسان اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر أولادها. وذلك لأن هؤلاء يكونون مشغولين بما أهمهم، فالرجل المتزوج مشغول بزوجته التي لم يدخل بها، فهو في شوق إليها، وكذلك الرجل الذي رفع بيتاً ولم يسقفه، هو أيضاً مشتغل بهذا البيت الذي يريد أن يسكنه هو وأهله، وكذلك صاحب الخلفات والغنم مشغول بها ينتظر أولادها. والجهاد ينبغي أن يكون الإنسان فيه متفرغاً، فدل على أنه ينبغي للإنسان إذا أراد طاعة أن يفرغ قلبه وبدنه لها، حتى يأتيها وهو مشتاق إليها، وحتى يؤديها على مهل وطمأنينة وانشراح صدر. ثم إنه غزا، فنزل بالقوم بعد صلاة العصر، وقد أقبل الليل، وخاف إن أظلم الليل أن لا يكون هناك انتصار، فجعل يخاطب الشمس يقول: أنت مأمورة وأنا مأمور. لكن أمر الشمس أمر كوني وأما أمره فأمر شرعي. فهو مأمور بالجهاد والشمس مأمورة أن تسير حيث أمرها الله عز وجل، فقال: ((اللهم فاحبسها عنا)) فحبس الله الشمس ولم تغب في وقتها، حتى غزا هذا النبي وغنم غنائم كثيرة، ولما غنم الغنائم وكانت الغنائم في الأمم السابقة لا تحل للغزاة، بل حل الغنائم من خصائص هذه الأمة ولله الحمد، أما الأمم السابقة فكانوا يجمعون الغنائم فتنزل عليها نار من السماء فتحرقها، فجمعت الغنائم فلم تنزل النار ولم تأكلها، فقال هذا النبي: فيكم الغلول. ثم أمر من كل قبيلة أن يتقدم واحد يبايعه على أنه لا غلول، فلما بايعوه على أنه لا غلول لزقت يد أحد منهم بيد النبي عليه الصلاة والسلام، فلما لزقت قال: فيكم الغلول- أي: القبيلة هذه- ثم أمر بأن يبايعه كل واحد على حده من هذه القبيلة، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة منهم، فقال: فيكم الغلول: فجاؤوا به. والغلول هو الأخذ من الغنيمة قبل القسمة الشرعية، بأن تخفي شيئا منها، فإذا هم قد أخفَوا مثل رأس الثور من الذهب، فلما جيء به ووضع مع الغنائم أكلتها النار وهذه من آيات الله عز وجل.
وهذا الحديث الشريف يبين مسألة عظيمة من مسائل التوحيد وهي أن دين جميع الأنبياء هو الإسلام وإنما الاختلاف كان بينهم في الشرائع كما هو مثبت في قصة هذا الحديث فهو يبين أن الغنائم وهي ما يؤخذ من أموال الكفار بعد القتال كان حراما على المسلمين أن يأخذوه وأن يقسموه بينهم وإنما جُعِلَ حلالًا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بشروطه، فيجب العلم أن دين جميع الأنبياء هو الإسلام وإنما الاختلاف بينهم كان في الشرائع فكل الأنبياء دعا إلى الإسلام وإلى عبادة الله وحده، فالصواب الذي لا حق إلا هو ولا صواب غيرُه أنه لا دين سماوي نزل به سيّدنا جبريل على أنبياء الله كلّهم من آدم إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سوى دين الإسلام وشهادة التوحيد وهذا الذي يثبته القرآن الكريم، وعقيدة كل أنبياء الله هي عقيدة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال تعالى (إن الدين عند الله الإسلام) وقال تعالى (ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين). ومما يدل من القران على أن الأنبياء عليهم السلام كانوا كلُّهم على الإسلام قوله تعالى (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [البقرة 132] وقوله تعالى (قولوا آمنا بالله وما أُنزل إلينا وما أُنزِلَ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربّهم لا نُفّرِّقُ بينَ أحدٍ منهم ونحن له مسلمون) [البقرة 136] وقوله تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران 67] وقوله تعالى (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران 52]، و من الحديث ما رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ)، والإخوة لعلَّات هم من كانوا من نفس الأب ولكن أمهاتهم مختلفة فيقال لهم إخوة لعلَّات، فالنبيّ ﷺ شبه هذا بهذا بمعنى أن الأنبياء كلَّهم دينهم واحد وهو الإسلام ولكن شرائعهم مختلفة، مثلا كان في شرع ءادم يجوز للأخ أن يتزوج أخته من البطن الثاني، وأما في شرع من بعده من شيث إلى محمد فحرام وكان في شرع أحد الأنبياء إذا وقعت نجاسة على الثوب فكان حكمه أن يقص مكان النجاسة أما في شرع محمد نزل التخفيف أي أن يُطهَر بإزالة النجاسة وصب الماء عليه وكان يجوز في شرع أحد الأنبياء أن يجمع بين الأختين أما في شرع محمد فلا يجوز في عقدٍ واحدٍ. وكان يجوز في شرع ءادم وشرع يعقوب السجود للإنسان المسلم سجود تحية كفعل إخوة يوسف ليوسف وأما في شرع محمد فحرام. أما الدين العقيدة فكل الأنبياء دينهم واحد والدليل على ذلك ما جاء في موطأ مالك رضي الله عنه عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَرِيزٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ (أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْم عَرَفَةَ. وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ)، فأتباع سيّدنا عيسى المسلمون قالوا: لا اله إلا الله عيسى رسول الله، وأتباع سيّدنا موسى المسلمون قالوا: لا إله إلا الله موسى رسول الله، وأتباع سيّدنا محمّد ﷺ قالوا: لا إله إلا الله محمّد رسول الله.
نأتي لشرح الحديث: قوله صلى الله عليه وسلم: غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِياءِ صلواتُ اللَّه وسلامُهُ علَيهِمْ (فيه بيان أن الأنبياء كانوا يغزون لنشر الإسلام ومحاربة أعداء الدين، فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم غزا بنفسه كما قال بعضهم سبع عشرة غزوة وقيل أكثر من ذلك، فهذا الحديث يبين أن الجهاد مشروع في الأمم السابقة كما هو مشروع في هذه الأمة، وقيل إن هذا النبيَّ المذكورَ في هذا الحديث هو يوشع بن نون عليه السلام، وهو فتى موسى الذي كان معه وهو الذي كان يلازمه ويأخذ عنه العلم ويخدمُه وهو مذكور في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام، والله أعلم، قال ابن حجر في فتح الباري: “غزا نبي من الأنبياء” أَيْ أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ وَهَذَا النَّبِيُّ هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَبَيَّنَ تَسْمِيَةَ الْقَرْيَةِ وَقَدْ وَرَدَ أَصْلُهُ عند أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ لِبَشَرٍ إِلَّا لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمُقَدّس.اهـ وقال العيني: وَلم تحبس الشَّمْس، إلاَّ لَهُ ولنبينا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَبِيحَة الْإِسْرَاء حِين انتظروا العير الَّتِي أخبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقدومها عِنْد شروق الشَّمْس فِي ذَلِك الْيَوْم. وأصل ذَلِك أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما توجه من البَيت الْمقدس بعد نُزُوله من الْإِسْرَاء لَقِي عير بني فلَان وَلما دخل مَكَّة أخبر بذلك، وَقَالَ: الْآن تطلع عيرهم من ثنية التَّنْعِيم الْبَيْضَاء. يقدمهَا جمل أَوْرَق عَلَيْهِ غِرَارَتَانِ إِحْدَاهمَا سَوْدَاء وَالْأُخْرَى برقاء، قَالَ: فابتدر الْقَوْم الثَّنية فوجدوا مثل مَا أخبر، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَعَن السّديّ: أَن الشَّمْس كَادَت أَن تغرب قبل أَن يقدم ذَلِك العير فَدَعَا الله عز وَجل، فحبسها حَتَّى قدمُوا كَمَا وَصف لَهُم قَالَ: فَلم تحبس الشَّمْس على أحد إلاَّ عَلَيْهِ ذَلِك الْيَوْم، وعَلى يُوشَع بن نون، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ. قلت: حبست أَيْضا فِي الخَنْدَق حِين شغل عَن صَلَاة الْعَصْر حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس فَصلاهَا) فَقَالَ لقوْمِهِ: لا يتْبعْني (أَيْ: لَا يُرَافِقُنِي) رَجُلٌ ملَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ (قال ابن حجر: الْبُضْعُ يُطْلَقُ عَلَى الْفَرْجِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْجِمَاعِ وَالْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ لَائِقَةٌ هُنَا وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْمَهْرِ وَعَلَى الطَّلَاقِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ ابن السِّكِّيتِ الْبُضْعُ النِّكَاحُ يُقَالُ مَلَكَ فُلَانٌ بُضْعَ فُلَانَةٍ) وَهُوَ يُرِيدُ أَن يَبْنِيَ بِهَا (أَي: يدْخل عَلَيْهَا وتزف إِلَيْهِ) وَلَمَّا يَبْنِ بِها (أَيْ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا لَكِنَّ التَّعْبِيرَ بِلَمَّا يُشْعِرُ بِتَوَقُّعِ ذَلِكَ، وَفِي التَّقْيِيدِ بِعَدَمِ الدُّخُولِ مَا يُفْهِمُ أَنَّ الْأَمْرَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَلَا يَخْفَى فَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ رُبَّمَا اسْتَمَرَّ تَعَلُّقُ الْقَلْبِ لَكِنْ لَيْسَ هُوَ كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ غَالِبًا، وقيل: والغرض هنا من ذلك أن يتفرغ قلبه للجهاد ويقبل عليه بنشاط، لأن الذي يعقد عقده على امرأة يبقى متعلق الخاطر بها، بخلاف ما إذا دخل بها فإنه يصير الأمر في حقه أخف غالباً، ونظيره الاشتغال بالأكل قبل الصلاة)، وَلا أَحدٌ (أي ولا يتبعني أحد) بنَى بيُوتًا لَمْ يرفَع سُقوفَهَا (وَلَمْ يُكْمِلْ مَا يَتَعَلَّقُ بِضَرُورَةِ عِمَارَتِهَا)، وَلا أَحَدٌ اشْتَرى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ (جَمْعُ خَلِفَةٍ وَهِيَ الْحَامِلُ مِنَ النُّوقِ وَقد يُطلق على غير النوق وأو فِي قَوْلِهِ غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ لِلتَّنْوِيعِ) وهُو يَنْتَظرُ أوْلادَهَا (وفي رواية “ينتظر وِلادها” أي نتاجها). فَغزَا (أَيْ بِمَنْ تَبِعَهُ مِمَّنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِتِلْكَ الصِّفَةِ) فَدنَا مِنَ الْقَرْيةِ (هِيَ أَرِيحَا سَمَّاهَا الْحَاكِمُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ كَعْبٍ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَأَدْنَى لِلْقَرْيَةِ أَيْ قَرَّبَ جُيُوشَهُ لَهَا) صلاةَ الْعصْرِ (أَيْ: وَقْتَهَا، وَالْمُرَادُ آخِرُ أَجْزَائِهِ لقوله بعدها) أَوْ قَريبًا مِنْ ذلكَ، فَقَال للشَّمس (فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَلَقِيَ الْعَدُوَّ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ وَبَيَّنَ الْحَاكِمُ فِي رِوَايَته عَن كَعْبٍ سَبَبَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى الْقَرْيَةِ وَقْتَ عَصْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَكَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ وَيَدْخُلَ اللَّيْلُ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ مَعْنَى قَوْلِهِ وَأَنَا مَأْمُورٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَأْمُورِينَ أَنَّ أَمْرَ الْجَمَادَاتِ أَمْرُ تَسْخِيرٍ وَأَمْرَ الْعُقَلَاءِ أَمْرُ تَكْلِيفٍ وَخِطَابُهُ لِلشَّمْسِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ فِيهَا تَمْيِيزًا وَإِدْرَاكًا كَمَا جاء فِي سُجُودِهَا تَحْتَ الْعَرْشِ وَاسْتِئْذَانِهَا مِنْ أَن تطلع): إِنَّكِ مَأمُورةٌ وأَنا مأمُورٌ (قَالَ ابْن إِسْحَاق: لما مَاتَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَانْقَضَت الْأَرْبَعُونَ سنة بُعث يُوشَع بن نون نَبيا، فَأخْبر بني إِسْرَائِيل أَنه نَبِي الله، وَأَن الله قد أمره بِقِتَال الجبارين فصدقوه وَبَايَعُوهُ، فَتوجه ببني إِسْرَائِيل إِلَى أرِيحَا وَمَعَهُ تَابُوت الْمِيثَاق هذا الذي فيه سكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون كما جاء في القرآن، فأحاط بِمَدِينَة أرِيحَا سِتَّة أشهر فَلَمَّا كَانَ السَّابِع نفخوا فِي الْقُرُون ضج الشِّعب ضجة وَاحِدَة، فَسقط سور الْمَدِينَة، فَدَخَلُوهَا وَقتلُوا الجبارين، وَكَانَ الْقِتَال يَوْمَ الْجُمُعَة، فَبَقيت مِنْهُم بَقِيَّة، وكادت الشَّمْس تغرب وَتدْخل لَيْلَةُ السبت فخشي يُوشَع أَن يعْجَزُوا فَقَالَ: اللهم أردد الشَّمْس عَليّ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّك فِي طَاعَة الله، وَأَنا فِي طَاعَة الله، وَهُوَ معنى قَوْله: إِنَّك مأمورة وَأَنا مَأْمُور، يَعْنِي: إِنَّك مأمورة بالغروب وَأَنا مَأْمُور أَيْ: بِفَتْحِ الْقَرْيَةِ فِي النَّهَارِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَاتَلَ الْجَبَّارِينَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا أَدْبَرَتِ الشَّمْسُ خَافَ أَنْ تَغِيبَ قَبْلَ أَنْ يَفْرَغَ مِنْهُمْ، وَيَدْخُلَ السَّبْتُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ قِتَالُهُمْ فِيهِ فَدَعَا اللَّهَ)، اللهم احْبِسْهَا علَينا (فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئًا وَهُوَ مَنْصُوبٌ نَصْبَ الْمَصْدَرِ أَيْ قَدْرَ مَا تَنْقَضِي حَاجَتُنَا مِنْ فَتْحِ الْبَلَدِ وورد أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي رَابِعَ عَشَرَ حُزَيْرَانَ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ النَّهَارُ فِي غَايَةِ الطُّولِ)، فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عليْهِ) (قال ملا علي القاري: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اخْتَلَفُوا فِي حَبْسِ الشَّمْسِ، فَقِيلَ رُدَّتْ عَلَى أَدْرَاجِهَا، وَقِيلَ: وَقَفَتْ بِلَا رَدٍّ، وَقِيلَ: بَطَأَ تَحَرُّكُهَا. وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاتِ النُّبُوَّةِ) (قال القرطبي: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَالْحِكْمَةُ فِي حَبْسِ الشَّمْسِ عَلَى يُوشَعَ عِنْدَ قِتَالِهِ أَهْلَ أَرِيحَاءَ وَإِشْرَافِهِ عَلَى فَتْحِهَا عَشِيَّ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَإِشْفَاقِهِ مِنْ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ قَبْلَ الْفَتْحِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تُحْبَسْ عَلَيْهِ حَرُمَ عَلَيْهِ الْقِتَالُ لِأَجْلِ السَّبْتِ، فَكَانَ ذَلِكَ آيَةً لَهُ خُصَّ بِهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَابِتَةً بِخَبَرِ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ) (قال ابن حجر: وَقَدِ اشْتَهَرَ حَبْسُ الشَّمْسِ لِيُوشَعَ حَتَّى قَالَ أَبُو تَمَّامٍ فِي قَصِيدَةٍ فَوَاللَّهِ ما أَدْرِي أَأَحْلَامُ نَائِمٍ أَلَمَّتْ بِنَا أَمْ كَانَ فِي الرَّكْبِ يُوشَعُ.اهـ وقال ابن حجر أيضا: إن حصرَ الشمس مَحْمُولٌ عَلَى مَا مَضَى لِلْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تُحْبَسِ الشَّمْسُ إِلَّا لِيُوشَعَ وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أَنَّهَا تُحْبَسُ بَعْدَ ذَلِكَ لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لَمَّا نَامَ عَلَى رُكْبَةِ عَلِيٍّ فَفَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَرُدَّتِ الشَّمْسُ حَتَّى صَلَّى عَلِيٌّ ثُمَّ غَرَبَتْ وَهَذَا أَبْلَغُ فِي المعجزة) (وهذا دليل على عظمة الله عز وجل، وأنه هو مدبر الكون، وأنه سبحانه وتعالى يُجري الأمور أحيانا على غير طبائعها، إما لتأييد الرسول، وإما لدفع شر عنه، وإما لمصلحة في الإسلام)، فَجَمَعَ الْغَنَائِم فَجاءَتْ -يَعْنِي النَّارَ- لتَأكُلهَا فَلَمْ تطْعَمْهَا (أَي: فَلم تطعم النَّار الْغَنَائِم، وَإِنَّمَا قَالَ: فَلم تطعمها وَلم يقل فَلم تأكلها للْمُبَالَغَة، إِذْ مَعْنَاهُ: لم تذق طعمها، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَمن لم يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني})، فَقَالَ: إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا (وَهُوَ الْخِيَانَة فِي الْمغنم، وَكَانَ من خَصَائِص الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين أَن يجمعوا الْغَنَائِم فِي مربد فتأتي نَار من السَّمَاء فتُحرِقُها، فَإِن كَانَ فِيهَا غلُول أَو مَا لَا يحل لم تأكلها، وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي قرابينهم كَانَ المتقبل تَأْكُله النَّار، وَمَا لَا يُتَقَبَّل يبْقى على حَاله وَلَا تَأْكُله، ففضل الله هَذِه الْأمة وَجعلهَا خير أمة أخرجت للنَّاس وَأَعْطَاهُمْ مَا لم يُعْط أحدا غَيرهم، وَأحل لَهُم الْغَنَائِم)، فليبايعْنِي منْ كُلِّ قبِيلَةٍ رجُلٌ، فلِزقتْ (فِيهِ حَذْفٌ يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ أَيْ فَبَايَعُوهُ فَلَزِقَتْ) يدُ رَجُلٍ بِيدِهِ (قَالَ ابن الْمُنِيرِ جَعَلَ اللَّهُ عَلَامَةَ الْغُلُولِ إِلْزَاقَ يَدِ الْغَالِّ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهَا يَدٌ عَلَيْهَا حَقٌّ يُطْلَبُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهُ أَوْ أَنَّهَا يَدٌ يَنْبَغِي أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهَا وَيُحْبَسَ صَاحِبُهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ الْحَقَّ إِلَى الْإِمَامِ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ شَهَادَةِ الْيَدِ عَلَى صَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فَقَالَ: فِيكُم الْغُلولُ، فلتبايعنِي قبيلَتُك، فلزقَتْ يدُ رجُليْنِ أو ثلاثَةٍ بِيَدِهِ فقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَجاءوا برَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ الذَّهبِ، فوضَعها فَجَاءَت النَّارُ فَأَكَلَتها (قال القرطبي: كَانَتْ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِذَا غَنِمُوا نَارٌ بَيْضَاءُ فَتَأْكُلُ الْغَنَائِمَ، وَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى قَبُولِهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهَا غُلُولٌ لَمْ تَأْكُلْهُ، وَجَاءَتِ السِّبَاعُ وَالْوُحُوشُ فَأَكَلَتْهُ وَكَانَتْ نَارًا بَيْضَاءَ مِثْلَ الْفِضَّةِ لَهَا حَفِيفٌ أَيْ صَوْتٌ مِثْلُ صَوْتِ الشَّجَرِ وَجَنَاحِ الطَّائِرِ فِيمَا يَذْكُرُونَ،)، فلمْ تَحلَّ الْغَنَائِمُ لأحدٍ قَبلَنَا، ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنا الغَنَائِمَ (فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ إِنَّ اللَّهَ أَطْعَمَنَا الْغَنَائِمَ رَحْمَةً رَحِمَنَاهَا وَتَخْفِيفًا خَفَّفَهُ عَنَّا) فلمَّا رأَى ضَعفَنَا وعجزنَا فأحلَّها لنَا (فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ لَمَّا رَأَى مِنْ ضَعْفِنَا وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ إِظْهَارَ الْعَجْزِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى يَسْتَوْجِبُ ثُبُوتَ الْفَضْلِ وَفِيهِ اخْتِصَاصُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِحِلِّ الْغَنِيمَةِ وَكَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ وَفِيهَا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا فَأَحَلَّ اللَّهُ لَهُمُ الْغَنِيمَةَ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيح من حَدِيث ابن عَبَّاسٍ).
(قال ابن حجر: قَالَ الْمُهَلَّبُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ فِتَنَ الدُّنْيَا تَدْعُو النَّفْسَ إِلَى الْهَلَعِ وَمَحَبَّةِ الْبَقَاءِ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَوْ دَخَلَ بِهَا وَكَانَ عَلَى قُرْبٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ قَلْبَهُ مُتَعَلِّقٌ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا وَيَجِدُ الشَّيْطَانُ السَّبِيلَ إِلَى شَغْلِ قَلْبِهِ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الطَّاعَةِ وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْمَرْأَةِ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَهُوَ كَمَا قَالَ وَفِيهِ أَنَّ الْأُمُورَ الْمُهِمَّةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُفَوَّضَ إِلَّا لِحَازِمٍ فَارِغِ الْبَالِ لَهَا لِأَنَّ مَنْ لَهُ تَعَلُّقٌ رُبَّمَا ضَعُفَتْ عَزِيمَتُهُ وَقَلَّتْ رَغْبَتُهُ فِي الطَّاعَةِ وَالْقَلْبُ إِذَا تَفَرَّقَ ضَعُفَ فِعْلُ الْجَوَارِحِ وَإِذَا اجْتَمَعَ قَوِيَ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ مَضَى كَانُوا يَغْزُونَ وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَ أَعْدَائِهِمْ وَأَسْلَابَهُمْ لَكِنْ لَا يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا بَلْ يَجْمَعُونَهَا وَعَلَامَةُ قَبُولِ غَزْوِهِمْ ذَلِكَ أَنْ تَنْزِلَ النَّارُ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأْكُلَهَا وَعَلَامَةُ عَدَمِ قَبُولِهِ أَنْ لَا تَنْزِلَ وَمِنْ أَسْبَابِ عَدَمِ الْقَبُولِ أَنْ يَقَعَ فِيهِمُ الْغُلُولُ وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ وَرَحِمَهَا لِشَرَفِ نَبِيِّهَا عِنْدَهُ فَأَحَلَّ لَهُمُ الْغَنِيمَةَ وَسَتَرَ عَلَيْهِمُ الْغُلُولَ فَطَوَى عَنْهُمْ فَضِيحَةَ أَمْرِ عَدَمِ الْقَبُولِ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى نِعَمِهِ تَتْرَى، وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ قِتَالَ آخِرِ النَّهَارِ أَفْضَلُ مِنْ أَوَّلِهِ).
ومن فوائد الحديث: أن الأنبياء لا يعلمون الغيب ـ وهو واضح ـ إلا ما أطلعهم الله عليه، أما هم فلا يعلمون الغيب. والحمدُ لله الذي جعَلَنا مِنْ أمَّةِ سيّدِنا محمَّدٍ عليهِ الصلاةُ والسلامُ القائِلِ في حديثِهِ الشريفِ: « أنْتُمْ مُتِمّونَ سبعينَ أمَّةٍ أنتُمْ خيرُها وأَكْرَمُها على الله» رواه الطبراني في المعجم الكبير. فالله تعالى جَعَلَ شريعةَ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أيْسَرَ الشرائِعِ فعلى سبيل المثال الأمم السابقة كانت صلاتهم لا تَصِحُّ إلا في مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مَخْصوصٍ للصلاةِ إنْ بَعُدَ المكانُ أو قَرُبَ مِنْ مَنَازِلهِم، وفي ذلكَ مشقَّةٌ كبيرةٌ، مع التأكيد أنَّ الله ما فرضَ على عبادِهِ شيئًا لا يستطيعونَهُ. أمّا سيّدُنا محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم فقدْ جُعِلَ لَهُ ولأُمَّتِهِ المكانُ الذي أدركَتْهُمْ فيهِ الصلاةُ أيْ وقتُها مسجدًا لهُمْ وفي ذلكَ يُسْرٌ كبيرٌ. وأنْزَلَ الله على سيّدِنا محمَّدٍ التَيَمُّمَ بالترابِ عندَ فَقْدِ الماءِ أو العَجْزِ عنِ استعمالِهِ ولم يَكُنْ ذلكَ في شرائِعِ الأنبياءِ قبلَهُ بلْ كانوا يتوضَّأونَ ويُصَلّونَ فَإِنْ لم يَجِدوا ما يَتَوضَّأونَ بِهِ تَوَقَّفوا عنِ الصّلاةِ حتى يجِدوا الماءَ. وفي بعضِ الشرائعِ التي مَضَتْ كانَ الشَّخْصُ إذا عَمِلَ مَعْصِيَةً في اللّيلِ يَجِدُها مَكْتوبَةً على بابِ دارِهِ في النَّهارِ. ثمَّ إنَّ مَنْ قبْلَنَا مِن أمم الأنبياءِ كانَ مِقدارُ الزكاةِ في شرائعهم رُبُعَ أمْوالِهِمْ. وأمَّا في شريعةِ سيدنا محمد فقدْ جَعَلَ الله زكاةَ المال في النّقودِ مِنَ الأثمانِ رُبُعَ العُشْرِ. أما الوضوءُ فقد فُرِضَ عندَما فُرِضَتِ الصلاةُ وليسَ هُوَ مِنْ خصائِصِ هذِهِ الأمَّةِ بلْ كانَ قَبْلَ ذلِكَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ في غَيْرِ هذهِ الأُمّةِ الغُرَّةُ والتَّحجيلُ فإِنَّهُما مِنْ خَصائِصِ هذهِ الأمَّةِ. لذلكَ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّ أمَّتي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ غُرًّا مُحَجَّلينَ مِنْ أَثَرِ الوُضوءِ». أيْ أنَّهُمْ بِإطالَةِ الغُرَّةِ أيْ زِيادَةِ شىءٍ مِمَّا حَوْلَ الوَجْهِ في غَسْلِ الوَجْهِ في وُضوئِهِمْ، وزِيادَةِ شىءٍ مِمَّا فَوْقَ المِرْفَقَيْنِ والكَعْبَيْنِ في غَسْلِ أَيْديهِمْ وأَرْجُلِهِمْ تُنَوَّرُ لَهُمْ هَذِهِ المواضِعُ يوْمَ القيامةِ فَيَعْرِفُ رَسولُ الله مَنْ كانَ مِنْ أُمَّتِهِ بِهَذِهِ العلامةِ. ومنْ خَصَائِصِ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنَّه هُوَ أوَّلُ مَنْ يَأْخُذُ بِحَلْقَةِ باب الجَنَّةِ يَسْتَفْتِحُ فَيَقولُ المَلَكُ خازِنُ الجَنَّة الموَكَّلُ بِبَابِها: مَنْ ؟ فَيَقولُ: محمَّدٌ، فيقولُ المَلَكُ: «بِكَ أُمِرْتُ لا أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ». ومِنْ خصائِصِ هذهِ الأمَّةِ ما وَرَدَ في الصَّحيحِ مِنْ قَوْلِهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «نَحْنُ الآخِرونَ السَّابِقونَ» أيْ الآخِرونَ وُجودًا السَّابِقونَ دُخولا الجنَّة.