الْحَمْدُ للَّهِ الْمَلِكِ الْجَلِيلِ , الْمُنَزَّهِ عَنِ النَّظِيرِ وَالْعَدِيلِ الْمُنْعِمِ بِقَبُولِ الْقَلِيلِ , الْمُتَكَرِّمِ بِإِعْطَاءِ الْجَزِيلِ , تَقَدَّسَ عَمَّا يَقُولُ أَهْلُ التَّعْطِيلِ , وَتَعَالَى عَمَّا يَعْتَقِدُ أَهْلُ التَّمْثِيلِ , نصب لِلْعَقْلِ عَلَى وُجُودِهِ أَوْضَحُ دَلِيلٍ , وَهَدَى إِلَى وُجُودِهِ أَبْيَنُ سَبِيلٍ , فَأَمَرَ بِبِنَاءِ بَيْتٍ وَجَلَّ عَنِ السكنى الجليل، ثُمَّ حَمَاهُ لَمَّا قَصَدَهُ أَصْحَابُ الْفِيلِ , فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ. أَحْمَدُهُ كُلَّمَا نَطَقَ بِحَمْدِهِ وَقِيلَ , وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ الْمُنَزَّهُ عَنْ مَا عَنْهُ افتُرِيَ قِيلَ , وَأُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ النَّبِيلِ , وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الَّذِي لا يُبْغِضُهُ إِلا ثَقِيلٌ , وَعَلَى عُمَرَ وَفَضْلُ عُمَرَ فَضْلٌ طَوِيلٌ , وَعَلَى عُثْمَانَ وَكَمْ لِعُثْمَانَ مِنْ فِعْلٍ جَمِيلٍ , وَعَلَى عَلِيٍّ وَجَحْدُ قَدْرِ عَلِيٍّ تَغْفِيلٌ , وَعَلَى عَمِّهِ الْعَبَّاسِ الْمُسْتَسْقَى بِشَيْبَتِهِ فَإِذَا السُّحُبُ تَسِيلُ، أما بعد:
الحديث
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الرابع (أي الحديث الرابع من باب الصدق من كتاب رياض الصالحين): عَنْ أبي ثَابِتٍ، وقِيلَ: أبي سعيدٍ، وقِيلَ: أبي الْولِيدِ، سَهْلِ بْنِ حُنيْفٍ، وَهُوَ بدرِيٌّ، رضي اللَّه عنه، أَن النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “مَنْ سَأَلَ اللهَ تعالَى الشِّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ” رواهُ مسلمٌ.
ترجمة راوي الحديث
هو سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ أَبُو ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ وقيل إنه أَبُو سَعْدٍ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ. الأَوْسِيُّ العَوْفِيُّ. وَالِدُ أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلٍ، وَأَخُو عُثْمَانَ بنِ حُنَيْفٍ. شَهِدَ بَدَرًا، وَالمَشَاهِدَ. وهو من أهل مسجد قباء الذين مدحهم الله في القرآن الكريم، حَدَّثَ عَنْهُ: ابْنَاهُ؛ أَبُو أُمَامَةَ وَعَبْدُ اللهِ؛ وَعُبَيْدُ بنُ السَّبَّاقِ، وَأَبُو وَائِلٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَبِي لَيْلَى، وَيُسَيْرُ بنُ عَمْرٍو؛ وَآخَرُوْنَ. وَكَانَ مِنْ أُمَرَاءِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. وآخى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سهل بْن حُنَيْف وعلي بْن أبي طَالِب. وشهد سهل بدْرًا وأحدًا وثبت مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أحد حين انكشف النّاس وبايعه على الموت وجعل ينضح يومئذٍ بالنبل عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نبلوا (أي أعطوه النبل) سهلًا فإنه سهل] . وشهد سهل أيضًا الخندق والمشاهد كلها مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال الزهري: لَمْ يُعْطِ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ أَحَدًا مِنَ الأَنْصَارِ إِلا سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ وَأَبَا دُجَانَةَ سِمَاكَ بْنَ خَرَشَةَ وَكَانَا فَقِيرَيْنِ. وكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: ادْعُوا لِي سَهْلا غَيْرَ حَزْنٍ. يَعْنِي سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ. وَقَدْ شَهِدَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ صِفِّينَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. رَحِمَهُ اللَّهُ. وقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ فَإِنَّا وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلا أَسْهَلَ إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ إِلا أَمْرَنَا هَذَا. وولاه علي بلاد فارس فأخرجه أهلها، فاستعمل عليهم زياد بن أبيه فصالحوه وأدوا الخراج.
وروى الحاكم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: دَخَلَ عَلِيٌّ بِسَيْفِهِ عَلَى فَاطِمَةَ، وَهِيَ تَغْسِلُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: خُذِيْهِ، فَلَقَدْ أَحْسَنْتُ بِهِ القِتَالَ. فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنْ كُنْتَ أَحْسَنْتَ، فَلَقَدْ أَحْسَنَ سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ). وروى الحاكم أيضًا عَنْ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ قال: اغْتَسَلْتُ فِي سَيْلٍ، فَخَرَجْتُ مَحْمُوْماً، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مُرُوا أَبَا ثَابِتٍ فَلْيَتَصَدَّقْ). وكان حسن الخلق ناعم الجسم، وروى مالك في الموطأ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلٍ، قَالَ: رَأَى عَامِرُ بنُ رَبِيْعَةَ سَهْلَ بنَ حُنَيْفٍ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا رَأَيْتُ كَاليَوْمِ وَلاَ جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ! فَلُبِطَ بِسَهْلٍ، فَأُتِيَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقِيْلَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! هَلْ لَكَ فِي سَهْلٍ، وَاللهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ. قَالَ: (هَلْ تَتَّهِمُوْنَ بِهِ أَحَداً؟)، قَالُوا: نَتَّهِمُ عَامِرَ بنَ رَبِيْعَةَ. فَدَعَاهُ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: (عَلاَمَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، أَلاَ بَرَّكْتَ؟ اغْتَسِلْ لَهُ) . فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَيَدَيْهِ، وَمِرْفَقَيْهِ، وَرُكْبَتَيْهِ، وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ مَا بِهِ بَأْسٌ. مَاتَ رضي الله عنه بِالكُوْفَةِ، فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلاَثِيْنَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عَلِيُّ بن أبي طالبٍ. وروى ابن سعد في طبقاته عن حَنَشِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ أَتَى بِهِ عَلِيٌّ فِي الرَّحَبَةِ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ سِتَّ تَكْبِيرَاتٍ فَكَانَ بَعْضُ الْقَوْمِ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَقِيلَ إِنَّهُ بَدْرِيُّ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْجَبَّانَةِ لَحِقَنَا قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ نَشْهَدِ الصَّلاةَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: صَلُّوا عَلَيْهِ. فَصَلَّوْا عَلَيْهِ وَكَانَ إِمَامُهُمْ قَرَظَة. وَحَدِيْثُهُ فِي الكُتُبِ السِّتَّةِ. يروى له عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أربعون حديثاً، اتفق الشيخان منها على أربعة، وانفرد مسلم باثنين، وخرّج له أصحاب السنن الأربع.
الشرح
هذا الحديث ذكره النووي رحمه الله ـ في باب الصدق، والشاهد منه قوله: ((من سأل الله تعالى الشهادة بصدق)) .
قال: عَنْ أبي ثَابِتٍ، وقِيلَ: أبي سعيدٍ، وقِيلَ: أبي الْولِيدِ (كما قلنا اختُلفَ في كنيته رضي الله عنه)، سَهْلِ بْنِ حُنيْفٍ، وَهُوَ بدرِيٌّ (أحيانا تطلق كلمة بدري على معنى أنه سكن بدرا وأحيانا تطلق على معنى أنه شهد بدرا وهذا المراد منها هنا)، رضي اللَّه عنه، أَن النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “مَنْ سَأَلَ (أي طلب من الله ودعاه بأن يرزقه الله ذلك) اللهَ تعالَى الشِّهَادَةَ (وقد ورد في فضل الشهادة شيء كثير: فمن ذلك قوله تعالى: {ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله} وقوله تعالى: {والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم. سيهديهم ويصلح بالهم. ويدخلهم الجنة عرّفها لهم} وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن للشهيد عند الله سبعَ خصال: أن يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلية الإِيمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار: الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوّج اثنين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه»، وقد ورد في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تعداد الشهداء ووصف عدد بأنهم شهداء ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ الْمَطْعُونُ ” المطعون الذي يموت بالطاعون” وَالْمَبْطُونُ ” أي الميت بمرض البطن” وَالْغَرِقُ ” الذي يموت بالغرق بأن يغمره الماء فيموت” وَصَاحِبُ الْهَدْمِ ” أي الذي يموت تحت الهدم” وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ” أي الذي قتل في جهاد الكفار”.اهـ وفي موطأ مالك عن جابر بن عتيك قال صلى الله عليه وسلم: وما تعدون الشهادة قالوا القتل في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد “قال ابن الأثير: ذَاتُ الجَنْب: هِيَ الدُّبَيْلَة والدُّمّل الكَبِيرة الَّتي تَظْهر فِي بَاطِنِ الجَنْب وتَنْفَجر إِلَى دَاخِل، وَقلّما يَسْلَم صَاحِبُهَا. وذُو الجَنْب الَّذِي يَشْتكي جَنْبَه بِسَبَبِ الدُّبَيْلَة، إلاَّ أنَّ ذُو للْمُذَكَّر وذَات لِلْمُؤَنَّثِ، وَصَارَتْ ذَاتُ الجَنْب عَلَماً لَها وَإِنْ كَانَتْ فِي الْأَصْلِ صِفَةً مُضَافة. والمَجْنُوب: الَّذِي أخَذَتْه ذاتُ الجَنْب. وَقِيلَ أَرَادَ بالمَجْنُوب: الَّذِي يَشْتَكي جَنْبَه مُطْلقا” والمبطون شهيد والحرق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيد ” أي التي تموت حاملا جامعة ولدها في بطنها أو هي البكر أو النفساء”.اهـ وفي رواية عند أحمد: من مات بالسل فهو شهيد.اهـ وفي رواية عند الترمذي عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ».اهـ وفي رواية عند النسائي عن سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلَمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ».اهـ وفي علل الترمذي عَن عِكرمَة، عَن ابن عَباس، عن النَّبي صَلى الله عَليه وسَلم، قال: موت الغريب شهادة.اهـ قال ابن حجر: وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا مَاتَ شَهِيدا.اهـ وفي رواية عند الطبراني عن عكرمة عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما لأصحابه ما تعدون الشهداء فيكم قالوا من يقتل في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر شهيد قال إن شهداء أمتي إذن لقليل المقتول في سبيل الله شهيد والمرء يموت على فراشه في سبيل الله شهيد والمبطون شهيد واللديغ شهيد والغريق شهيد والشريق شهيد والذي يفترسه السبع شهيد والخارُّ عن دابته شهيد وصاحب الهدم شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والنفساء يقتلها ولدها نحرها بسرره إلى الجنة.اهـ وفي سنن أبي داود عن أُمِّ حرام، عن النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلم- أنه قال: “المائدُ في البحر الذي يصيبُه القيء له أجرُ شهيدٍ، والغَرِقُ له أجرُ شهيدَين”.اهـ والمائد في البحر هُوَ الَّذِي يُدَارُ بِرأسِهِ مِنْ رِيحِ البَحْرِ واضْطِرَابِ السَّفِينَةِ بالأمْواج.اهـ وفي الترمذي عن مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ ، عن النبيِّ قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلاَثَ مرَّاتٍ: أَعُوذُ بالله السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. وَقَرَأَ ثَلاَثَ آيَاتٍ مِنّ آخِرِ سُورَةِ الحَشْرِ وَكَّلَ الله بهِ سَبعْينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِىَ، وَإِنْ مَاتَ في ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيداً، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِى كانَ بِتْلكَ المَنْزِلَةِ».اهـ وروى أبو نعيم عن ابن عمر، يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من صلى الضحى، وصام ثلاثة أيام من الشهر، ولم يترك الوتر في حضر ولا سفر، كتب له أجر شهيد.اهـ وعن أبي هريرة، وأبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا جاء الموت طالب العلم وهو على حالـه مات شهيدا ».اهـ وعند الخطيب الغدادي في تاريخ بغداد عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من عشق وكتم وعف وصبر غفر الله له وأدخله الجنة “.اهـ وفي رواية فهو شهيد.اهـ قال بعض شراح البخاري: والمراد بشهادة هؤلاء كلهم غير المقتول في سبيل الله أن يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء فضلا منه سبحانه وتعالى.اهـ وقال ابن حجر: قَالَ ابن التِّينِ هَذِهِ كُلُّهَا مِيتَاتٌ فِيهَا شِدَّةٌ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ جَعَلَهَا تَمْحِيصًا لِذُنُوبِهِمْ وَزِيَادَةً فِي أُجُورِهِمْ يُبَلِّغُهُمْ بِهَا مَرَاتِبَ الشُّهَدَاءِ قُلْتُ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمَذْكُورِينَ لَيْسُوا فِي الْمَرْتَبَةِ سَوَاءً.اهـ) بِصِدْقٍ (قال ابن علان: أي حال كونه صادقاً في سؤالها.اهـ قال ابن الجوزي في شرح هذا الحديث: اعْلَم أَن النِّيَّة قطب الْعَمَل وعَلَيْهَا يَدُور، وَقد يُفِيد مُجَرّد النِّيَّة من غير عمل، وَلَا يُفِيد عمل من غير نِيَّة. وَمن صدقت نِيَّته فِي طلب الشَّهَادَة فَكَأَنَّهُ استسلم للْقَتْل، فَلَا يضرّهُ بعد بذله بدنَه للْجِهَاد لعذر مَعَ صدق نِيَّته، كَمَا قَالَ الله عز وَجل: {وَمن يخرج من بَيته مُهَاجرا إِلَى الله وَرَسُوله ثمَّ يُدْرِكهُ الْمَوْت فقد وَقع أجره على الله}، وَكَذَلِكَ من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا، وَكَذَلِكَ لَو نوى قيام اللَّيْل فغلبه النعاس كتب لَهُ ثَوَاب نِيَّته. وَمن هَذَا الْجِنْس ما جاء في قوله تعالى: {يَا إِبْرَاهِيم. قد صدقت الرءيا}، لِأَن الْخَلِيل اجْتهد فِي أَن يذبح ولده كما أُمر والذبيح استسلم، وَلم يبْق للْفِعْل مَانع سوى جَرَيَان الْقدر، فَكَانَا كَأَنَّمَا فعلا) بَلَّغَهُ اللهُ (بنيته الصادقة) مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ (قال العيني: وَفِي (التَّوْضِيح) : الشُّهَدَاء ثَلَاثَة أَقسَام: شَهِيد فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَهُوَ الْمَقْتُول فِي حَرْب الْكفَّار بِسَبَب من الْأَسْبَاب، وشهيد فِي الْآخِرَة دون أَحْكَام الدُّنْيَا، وهم من ذكرُوا آنِفا. وشهيد فِي الدُّنْيَا دون الْآخِرَة، وَهُوَ من غل فِي الْغَنِيمَة وَمن قتل مُدبرا أَو مَا فِي مَعْنَاهُ.اهـ) (وقال العيني: وَمَعَ هَذَا: الشَّهِيد الْحَقِيقِيّ هُوَ قَتِيل المعركة وَبِه أثر. أَو قَتله أهل الْحَرْب أَو أهل الْبَغي أَو قطاع الطَّرِيق، سَوَاء كَانَ الْقَتْل مُبَاشرَة أَو تسبباً أَو قَتله الْمُسلمُونَ ظلما وَلم يجب بقتْله دِيَة، فَالْحكم فِيهِ أَن يُكفن وَيصلى عَلَيْهِ وَلَا يغسل ويدفن بدمه وَثيَاب إلاَّ مَا لَيْسَ من جنس الْكَفَن: كالفرو والحشو وَالسِّلَاح الْمُعَلق عَلَيْهِ، وَيُزَاد وَينْقص، هَذَا كُله عِنْد أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة. وَعند الشَّافِعِي: من مَاتَ فِي قتال أهل الْحَرْب فَهُوَ شَهِيد، سَوَاء كَانَ بِهِ أثر أَو لَا، وَمن قتل ظلما فِي غير قتال الْكفَّار أَو خرج فِي قِتَالهمْ وَمَات بعد انْفِصَال الْقِتَال، وَكَانَ بِحَيْثُ يقطع بِمَوْتِهِ فَفِيهِ قَولَانِ: فِي قَول: لم يكن شَهِيدا، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد، وَفِي (المغنى) : إِذا مَاتَ فِي المعترك فَإِنَّهُ لَا يغسل، رِوَايَة وَاحِدَة، وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم، وَلَا نعلم فِيهِ خلافًا إِلَّا عَن الْحسن وَابْن الْمسيب فَإِنَّهُمَا قَالَا: يغسل الشَّهِيد وَلَا يعْمل بِهِ، وَأما مَا عدا مَا ذَكَرْنَاهُمْ الْآن فهم شُهَدَاء حكما لَا حَقِيقَة، وَهَذَا فضل من الله تَعَالَى لهَذِهِ الْأمة بِأَن جعل مَا جرى عَلَيْهِم تمحيصاً لذنوبهم وَزِيَادَة فِي أجرهم بَلغهُمْ بهَا دَرَجَات الشُّهَدَاء الْحَقِيقِيَّة ومراتبهم، فَلهَذَا يغسلون وَيعْمل بهم مَا يعْمل بِسَائِر أموات الْمُسلمين.اهـ ) (وقال ابن حجر في شرح البخاري: اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَةِ الشَّهِيدِ شَهِيدًا فَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ لِأَنَّهُ حَيٌّ فَكَأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ شَاهِدَةٌ أَي حَاضِرَة وَقَالَ بن الْأَنْبَارِيِّ لِأَنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْجَنَّةِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ مَا أُعِدَّ لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ يُشْهَدُ لَهُ بِالْأَمَانِ مِنَ النَّارِ وَقِيلَ لِأَنَّ عَلَيْهِ شَاهدًا بِكَوْنِهِ شَهِيدًا وَقِيلَ لِأَنَّهُ لَا يَشْهَدُهُ عِنْدَ مَوْتِهِ إِلَّا مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ الَّذِي يَشْهَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِإِبْلَاغِ الرُّسُلِ وَقِيلَ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَشْهَدُ لَهُ بِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ وَقِيلَ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ تَشْهَدُ لَهُ بِحُسْنِ الِاتِّبَاعِ وَقِيلَ لِأَنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ لَهُ بِحُسْنِ نِيَّتِهِ وَإِخْلَاصِهِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ يُشَاهِدُ الْمَلَائِكَةَ عِنْدَ احْتِضَارِهِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ يُشَاهِدُ الْمَلَكُوتَ مِنْ دَارِ الدُّنْيَا وَدَارِ الْآخِرَةِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْأَمَانِ مِنَ النَّارِ وَقِيلَ لِأَنَّ عَلَيْهِ عَلَامَةً هي شَاهِدَةٌ بِأَنَّهُ قَدْ نَجَا وَبَعْضُ هَذِهِ يَخْتَصُّ بِمَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَبَعْضُهَا يَعُمُّ غَيْرَهُ وَبَعْضُهَا قَدْ يُنَازَعُ فِيهِ.اهـ) وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ (أي وإن لمت بسبب القتال في سبيل الله في المعركة فبمجرد النية يعطيه الله ثوابا يشبه ثواب المجاهدين الذين نالوا درجة الشهادة في سبيل الله وهي رتبة من أرفع وأعلى الرتب في الإسلام، فبمجرد صدق نيته وخلوصه ينال كل هذا الثواب العظيم) ” رواهُ مسلمٌ. قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: إذا سأل الشهادة بصدق أعطي من ثواب الشهداء وإن كان على فراشه، وفيه استحباب سؤال الشهادة واستحباب نية الخير. وقال ابن علان: في الحديث أن صدق القلب سبب لبلوغ الأرب، وأن من نوى شيئاً من عمل البرّ أثيب عليه وإن لم يتفق له عمله، كما تقدم في حديث: «إن بالمدينة لرجالاً، ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حبسهم العذر» .
قال الإمام تقي الدين السبكي رضي الله عنه: عن تَمَنِّي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ أي مرتبةِ الشهادةِ: جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ» وَفِيهِ أَيْضًا «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» وَاَلَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّ اللَّهَ يُعْطِيهِ مَرْتَبَةَ الشُّهَدَاءِ لِقَصْدِهِ وَسُؤَالِهِ وَعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْوُصُولِ إلَيْهَا وَلِلْمَرْءِ فِيمَا يَنْوِيهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٌ: أَحَدُهَا أَنْ يُمْكِّنَهُ الْفِعْلُ فَيُؤْجَرُ عَلَى نِيَّتِهِ أَجْرًا دُونَ أَجْرِ الْفِعْلِ (أي أنه بنيته يُعطى أجرا يشبه أجر الفعل ولا يساويه من كل الوجوه). الثَّانِيَةُ أَنْ يَتَقَدَّمَ لَهُ عَادَةٌ بِهِ فَكُتِبَ لَهُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعُذْرَ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَرَضِ أَوْ السَّفَرِ هُوَ الَّذِي مَنَعَهُ. الثَّالِثَةُ أَنْ لَا تَصِلَ قُدْرَتُهُ إلَيْهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّ طَالِبَ الشَّهَادَةِ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهَا فَقَدْ فَعَلَ مَا فِي وُسْعِهِ فَإِذَا قُطِعَ عَنْهُ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ سِعَةِ فَضْلِهِ ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَا يُسَمَّى بمجرد تمنيه شَهِيدًا فِي الْعُرْفِ. وَالْكَلَامُ فِي هَذَا كَالْكَلَامِ فِي «أَنَّ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أي أنه يعطى ثوابا يشبه ثواب من قرأ ثلث القرآن. وَقَدْ كَانَ عُمَرُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَوَفَاةً بِبَلَدِ رَسُولِكَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وفي رواية: شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ فِي مَدِينَةِ رَسُولِكَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الشَّهَادَةُ فِي الْمَدِينَةِ ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الذي سأل الشَّهَادَةَ فِي الْجِهَادِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ طَعْنَ أَبِي لُؤْلُؤَةَ قَائِمًا مَقَامَهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ مُطْلَقَ الشَّهَادَةِ فَحَصَلَ مَا سَأَلَهُ بِحَقِيقَتِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ شَهِيدٌ حَقِيقَةً فَقَدْ قَالَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «فَمَا عَلَيْكَ إلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ» وَالْمُرَادُ بِالشَّهِيدِ عُمَرُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – وَفِي رِوَايَةٍ شَهِيدَانِ وَالْمُرَادُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ فَشَهَادَتُهُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – حَقِيقِيَّةٌ بِطَعْنِ أَبِي لُؤْلُؤَةَ لَهُ وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الشَّهَادَاتِ تَالِيَةً لِشَهَادَةِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا فَإِنَّ أَبَا لُؤْلُؤَةَ كَافِرٌ مَجُوسِيٌّ إنَّمَا قَتَلَ عُمَر لِقِيَامِ عُمَرَ فِي دِينِ اللَّهِ أَعْظَمَ مِنْ قِيَامِ الْمُجَاهِدِينَ وَيَحْصُلُ لَهُ مَعَ ذَلِكَ أَجْرُ سُؤَالِهِ الشَّهَادَةِ وَمَعَ ذَلِكَ غُسِّلَ وَصُلِّي عَلَيْهِ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الشُّهَدَاءِ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّمَا هُوَ شَهِيدٌ فِي الْآخِرَةِ. وقد اسْتَشْكَلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ سُؤَالَ الشَّهَادَةِ وَهِيَ قَتْلُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ وَقَتْلُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ مَعْصِيَةٌ؟ وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ تَحْصُلُ فِي الْحَرْبِ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْقِتَالِ غَيْرِ تَعَمُّدِ الْكَافِرِ أَوْ قَتْلِهِ. وَالثَّانِي أَنَّ الشَّهَادَةَ لَهَا جِهَتَانِ: إحْدَاهُمَا حُصُولُ تِلْكَ الْحَالَةِ الشَّرِيفَةِ فِي رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ الْتي سألها عمر، وَالثَّانِيَةُ قَتْلُ الْكَافِرِ وَهُوَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَقْتُولٌ مِنْهُ فِي حِينِ جَاءَ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ. والتَّمَنِّي بِمِثْلِ ذَلِكَ جَائِزٌ بَلْ وقد ورد تَمَنِّي الشَّهِيدِ فِي الْآخِرَةِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا وَهُوَ دَلِيلٌ لِجَوَازِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لا يقع.
وهذا الحديث فيه حثٌّ للمسلمين أن ينوي الواحد منهم أن يفعل الله الطاعات، ويكون عازما على ذلك، فلو عزم المؤمن أن يتصدَّق بكذا وبكذا وهو الآن لا يملك مثل هذا المبلغ لكنه كان عازما بصدق على ذلك، فإنه يُكتَب له أجرٌ عظيم بمجرد نيته، وهذا الحديث يدل على ذلك، ويدل على عظيم فضل أن يكون الشخص على الإيمان فبمجرد نيته يكون حصَّل الأجر، فالإيمان شرط لقبول الأعمال الصالحة، ولو كان هذا العمل قليلا كنية صادقة ، فلْينوِ أيْ يعزمْ أيُّ واحد منا أن يتصدق لله تعالى على الفقراء والمساكين وأهل الحاجات ولسد ضرورات المسلمين، وليفعل ذلك، وليعزِمِ الواحد منا أيضا أن يقوم الليل وليفعل ذلك وليعزم على الإكثار من الصيام وليفعل ذلك، وليعزم على بر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان للمسلمين وحسن الخلق وغيرها من الطاعات والمبرات وغير ذلك، فإنك لا تدري ما هو الأجر الذي سيكتب لك بنيتك أو فعلك هذا ولا تدري أيُّ حسنة تلك التي ستكون سببا في عتق رقبتك من النار. نسأل الله أن يثبتنا عل طاعته.