تكفير الذنوب بالمرض والهم والشوكة | رياض الصالحين (37-38)

الدرس ١٣ من ١٦ في هذا البابنزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٣٢:٣٣

الْحَمْدُ للَّهِ فَالِقِ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَخَالِقِ الْعَبْدِ وَمَا نَوَى، الْمُطَّلِعِ عَلَى بَاطِنِ الضَّمِيرِ وَمَا حَوَى، بِمَشِيئَتِهِ رَشَدَ مَنْ رَشَدَ وَغَوَى مَنْ غَوَى، وَبِإِرَادَتِهِ فَسَدَ مَا فَسَدَ وَاسْتَوَى مَا اسْتَوَى، صَرَفَ مَنْ شَاءَ إِلَى الْهُدَى وَعَطَفَ مَنْ شَاءَ إِلَى الْهَوَى، أَحْمَدُهُ تعالى عَلَى صَرْفِ الْهَمِّ وَالْجَوَى، وأُصلي وأُسَلِّمُ على رسوله محمد وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ صَاحِبِهِ إِنْ رَحَلَ أَوْ ثَوَى، وَعَلَى الْفَارُوقِ الَّذِي وَسَمَ بِجِدِّهِ جَبِينَ كُلِّ جَبَّارٍ وَكَوَى، وعَلَى ذِي النُّورَيْنِ الصَّابِرِ عَلَى الشَّهَادَةِ سَاكِنًا مَا الْتَوَى، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي زَهِدَ فِي الدُّنَيْا فَبَاعَهَا وَمَا احْتَوَى. أما بعد: 

الحديث السابع والثلاثون

الحديث

قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: وَعنْ أَبي سَعيدٍ وأَبي هُرَيْرة رضيَ اللَّه عَنْهُمَا عن النَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلَّا كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه” متفقٌ عَلَيهِ. و”الْوَصَبُ”: الْمرضُ. 

الشرح والتعليق على هذا الحديث

وَعنْ أَبي سَعيدٍ وأَبي هُرَيْرة رضيَ اللَّه عَنْهُمَا (مرت ترجمتهما) عن النَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “مَا يُصِيبُ (ما نافية) (وفي رواية: ” مَا مِنْ مُصِيبَةٍ” وَأَصْلُ الْمُصِيبَةِ الرَّمْيَةُ بِالسَّهْمِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ فِي كُلِّ نَازِلَةٍ وَقَالَ الرَّاغِبُ أَصَابَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَة الْآيَةَ قَالَ وَقِيلَ الْإِصَابَةُ فِي الْخَيْرِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الصَّوْبِ وَهُوَ الْمَطَرُ الَّذِي يَنْزِلُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَفِي الشَّرِّ مَأْخُوذَةٌ مِنْ إِصَابَةِ السَّهْمِ وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ الْمُصِيبَةُ فِي اللُّغَةِ مَا يَنْزِلُ بِالْإِنْسَانِ مُطْلَقًا وَفِي الْعُرْفِ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ مَكْرُوهٍ خَاصَّةً وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا) الْمُسْلِمَ (وفي رواية مسلم: مَا مِنْ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُ. وفي رواية أحمد: مَا مِنْ وَجَعٍ أَوْ مَرَضٍ يُصِيب الْمُؤمن وَفي رواية لابْن حبَان: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا.اهـ وفي رواية عند مسلم أيضًا: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ».) (وورود الحديث مرة بلفظ مؤمن ومرة بلفظ مسلم يدل على أن المؤمن عند الإطلاق شرعًا يراد به المسلم فالمؤمن مسلم والمسلم مؤمن عند الإطلاق من حيث الشرعُ لا فرق بينهما، فلا يجوز أن يقال عن شخص إنه مؤمن وليس مسلما، بل المسلم مؤمن والمؤمن مسلم كما جاء في كتاب الله حيث قال عز وجل حكاية عن الملائكة الذين أرسلوا لقوم لوط عليه السلام: ” فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ” فوصف الخارجين منها مرة بأنهم مؤمنين ومرة بأنهم مسلمين، وقال تعالى: “فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ” وقال تعالى: “فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا” فمؤدَّاهما واحد فهما شيء واحد لا فرق بينهما من حيث الإطلاق الشرعي، وكذلك فإن نقيضهما أي عكسهما واحد فنقيض الإيمان الكفر ونقيض الإسلام الكفر، وكذلك قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يَكونُ إيمانٌ بلا إسلامٍ، وَلا إسلامٌ بِلا إيمان، فَهُما كالظَّهرِ مَع البطن.اهـ أي الإيمانُ والإسلامُ متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر كما لا ينفك الظهرُ عن البطن، والبطنُ عن الظهر. أما من حيث اللغةُ فيوجد اختلاف في معناهما، فالإيمان لغة التصديق، قال إخوة يوسف لأبيهم يعقوب عليه السلام: “وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا” أي وما أنت بمصدق لنا. والإسلام لغة يطلق على الاستسلام والخضوع، وفي هذا المعنى يقول عز وجل: “وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ” أي استسلموا وخضعوا وليس المعنى أنهم كلهم مسلمين، وفي معنى الإسلام لغة يقول الله عز وجل: ” قَالَتِ الأَعْرَابُ ءامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ” هذه الآية نزلت في بني أسد الذين أظهروا الإسلام في سَنَةٍ مُجدِبَة طالبين الصدقة ولم تكن قلوبهم مطمئنة بالإيمان أظهروا الإسلام وكانوا يؤدون صورة الصلاة وراء النبي والنبي لم يُكشف له أمرُهم إلا بعد نزول الآية فأخبرهم الله تعالى بأن الإيمان ليس بالقول فحسب إنما هو بالقلب فما ءامنتم ولكن قولوا أسلمنا أي انقدنا واستسلمنا، فمن هنا لا يجوز أن يَتوهمَ متوهمٌ أن الآية في سورة الحجرات تعطي معنى أن الإسلام والإيمان من حيث الشرع مختلفان والصواب أن الإسلام في الآية معناه الانقياد ظاهرا وهذا معناه اللغوي، وأما من حيث الشرع فقد عرفنا معنى الإسلام ومعنى الإيمان ولذلك قال علماء الأمة: إن من قال يصح أن يكون العبدُ عند الله مسلما غيرَ مؤمن أو مؤمنا غير مسلم فهو ضال من الضالين الجاهلين باللغة والدين. قال أبو حيّان الأندلسي قال في «النهر الماد من البحر المحيط» ما نصه: “ قَالَتِ الأَعْرَابُ ءامَنَّا” قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة قبيلة تجاور المدينة أظهروا الإسلام وقلوبهم دخِلَة إنما يحبون المغانم وعَرَض الدنيا فردّ الله عليهم بقوله: “ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا” كذبهم الله تعالى في دعوى الإيمان وهذا في أعرابٍ مخصوصين “وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا” فهو اللفظ الصادق من قولكم وهو الانقياد والاستسلام ظاهرا، فلذلك قال الله تعالى: “ وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ” وجاء النفي بـ “لَمَّا” الدالّةِ على انتفاءِ الشىء إلى زمان الإخبار به» اهـ. وقال القرطبي: وَمَعْنَى «وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا» أَيِ اسْتَسْلَمْنَا خَوْفَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ، لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا فِي ظاهر إيمانهم ولم تؤمن قُلُوبُهُمْ) مِنْ نَصَبٍ (من تَعب مهما كان قليلا) وَلَا وَصَبٍ (وَهُوَ الْمَرَض مهما كان قليلا) (قال النووي: الْوَصَبُ الْوَجَعُ اللَّازِمُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: “ولهم عذاب واصب” أي لازم ثابت والنَّصَبُ التَّعَبُ وَقَدْ نَصِبَ يَنْصَبُ نَصَبًا كَفَرِحَ يَفْرَحُ فَرَحًا ونَصَبَه غيره وأنصَبَه) وَلَا هَمٍّ (وَالْهَمُّ الَّذِي يُهِمُّ الرَّجُلَ أَيْ: يُذِيبُهُ، مِنْ هَمَمْتُ الشَّحْمَ إِذَا أَذَبْتُهُ) وَلَا حَزَنٍ (قال ملا علي القاري: الْحَزَنُ هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُ فِي الْقَلْبِ خُشُونَةٌ يُقَالُ: مَكَانُ حُزْنٍ أَيْ: خَشِنٌ، فَالْهَمُّ أَخَصُّ، وَالْغَمُّ هُوَ الْحَزَنُ الَّذِي يَغُمُّ الرَّجُلَ أَيْ: يُصِيرُهُ بِحَيْثُ يَقْرُبُ أَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ، فَالْهَمُّ وَالْحَزَنُ مَا يُصِيبُ الْقَلْبَ مِنَ الْأَلَمِ بِفَوْتِ مَحْبُوبٍ، إِلَّا أَنَّ الْغَمَّ أَشَدُّهَا، وَالْحَزَنَ أَسْهَلُهَا) وَلَا أَذًى (لَا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ فِي كُلِّهَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْأَذَى كُلُّ مَا لَا يُلَائِمُ النَّفْسَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَا يَتَأَذَّى الْإِنْسَانُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا} وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: ” «كُلُّ مُؤْذٍ فِي النَّارِ» “) وَلَا غمٍّ (وَالْغَمُّ كربٌ يحدثُ للقلب بِسَبَب مَا حصل، والحَزَنُ يحدث لفقدِ مَا يشقُّ على الْمَرْءِ فَقدُه، وَقيل: الْغمُّ والحَزَن بِمَعْنى وَاحِد، وَقَالَ الْكِرْمَانِي: الْغمُّ يَشْمَل جَمِيع المكروهاتِ لِأَنَّهُ إِمَّا بِسَبَب مَا يَعرِضُ للبدنِ أَو للنَّفسِ)، حَتَّى الشَّوْكَةُ (قال ابن حجر في رواية: “مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ حَتَّى الشَّوْكَةُ”: جَوَّزُوا فِيهِ الْحَرَكَاتِ الثَّلَاثَ فَالْجَرُّ بِمَعْنَى الْغَايَةِ أَيْ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الشَّوْكَةِ أَوْ عَطْفًا عَلَى لَفْظِ مُصِيبَةٍ وَالنَّصْبُ بِتَقْدِيرِ عَامل أَي حَتَّى وجد أَنه الشَّوْكَةَ وَالرَّفْعُ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي تُصِيبُ) يُشَاكُها (أَيْ يَشُوكُهُ غَيْرُهُ بِهَا والأَصْل يشاك بهَا وقد يكون المعنى أَنْ يُدْخِلَهَا غَيْرُهُ بهِ ) إِلَّا كَفَّر اللَّهُ بهَا مِنْ خطَايَاه (فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ إِلَّا كَانَ كَفَّارَةً لِذَنْبِهِ أَيْ يَكُونُ ذَلِكَ عُقُوبَةً بِسَبَبِ مَا كَانَ صَدَرَ مِنْهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لمغفرة ذَنبه وَوَقع فِي رِوَايَة بن حِبَّانَ: إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً وَهَذَا يَقْتَضِي حُصُولَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا حُصُولَ الثَّوَابِ وَرَفْعَ الْعِقَابِ وَشَاهِدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: مَا ضُرِبَ عَلَى مُؤْمِنٍ عِرْقٌ قَطُّ إِلَّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ حَسَنَةً وَرَفَعَ لَهُ دَرَجَةً. وَيَكُونُ الْمَعْنَى إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ خَطَايَا أَوْ حَطَّ عَنْهُ خَطَايَا إِنْ كَانَ لَهُ خَطَايَا وَعَلَى هَذَا فالمعنى أَنَّ مَنْ لَيْسَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ يُزَادُ فِي رَفْعِ دَرَجَتِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَالْفَضْلُ وَاسِعٌ.)” 

أحبابي: إن من تفكر في معاني هذا الحديث تهون عليه مصائب الدنيا وما يقاسي فيها من آلام وكروب وهموم وغموم، فإنك لا تجد شيئا من ذلك وصبرت عليه طلبا للأجر والثواب من الله عز وجل إلا ولقيت ثواب صبرك عظيما يوم الدين فيهون عليه الألم والوجع والنكد والهم والغم عند ذلك، أما من تبع هواه ولم يصبر وتسخط على ما يجد من البلايا فإنه قد خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، قال ابن الجوزي: مَنْ فَعَلَ مَا يُحِبُّ (أي ما تميل إليه نفسه وتشتهيه) لَقِيَ مَا يَكْرَهُ (من العذاب يوم القيامة), وَمَنْ صَبَرَ عَلَى مَا يَكْرَهُ (أي على هموم هذه الدنيا وبلاياها) نَالَ مَا يُحِبُّ (من نعيم الله العظيم يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم), فإياك واتباع الهوى. 

الحديث الثامن والثلاثون

الحديث

وعن ابْن مسْعُود رضي اللَّه عنه قَالَ: دَخلْتُ عَلى النَبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم وَهُو يُوعَكُ فَقُلْتُ يَا رسُولَ اللَّه إِنَّكَ تُوعكُ وَعْكًا شَدِيدًا قَالَ: “أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُم”قُلْتُ: ذلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْريْن؟ قَالَ:”أَجَلْ ذَلك كَذَلك مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، شوْكَةٌ فَمَا فوْقَهَا إلا كَفَّر اللَّه بهَا سَيِّئَاتِهِ، وَحُطَّتْ عنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَحُطُّ الشَّجرةُ وَرقَهَا” متفقٌ عَلَيهِ. وَ”الْوَعْكُ”: مَغْثُ الحمَّى، وَقيلَ: الْحُمى.

راوي الحديث هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه وقد مر الكلام عليه سابقا.

الشرح والتعليق على هذا الحديث

وعن ابْن مسْعُود رضي اللَّه عنه قَالَ: دَخلْتُ عَلى النَبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم (وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يُكثِر الدخول على النبي صلى الله عليه وسلم حتى إن أبا موسى الأشعري قال لما جئت من اليمن كنت أظن عبد الله بنَ مسعود من آل بيت النبي لكثرة ما أراه يدخل عليه، وهذا يدل على عظيم محبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويدل على عظيم خلق النبي عليه الصلاة والسلام فإنه ما كان يطرد المؤمنين من بابه ولا من بيته ولا يتأفف لكثرة دخولهم عليه ولا ينزعج) وَهُو يُوعَكُ (قال ابن حجر: وَالْوَعْكُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْحُمَّى وَقَدْ تُفْتَحُ وَقِيلَ أَلَمُ الْحُمَّى وَقِيلَ تَعَبُهَا وَقِيلَ إِرْعَادُهَا الْمَوْعُوكَ وَتَحْرِيكُهَا إِيَّاهُ، وَلَعَلَّ الْحُمَّى سُمِّيَتْ وَعْكًا لِحَرَارَتِهَا) فَقُلْتُ يَا رسُولَ اللَّه إِنَّكَ تُوعكُ وَعْكًا شَدِيدًا قَالَ: “أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ (أَيْ: يَأْخُذُنِي الْوَعْكُ) كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ (يَعْنِي مِثْلَ أَلَمِ وَعْكِ رَجُلَيْنِ) مِنْكُم”قُلْتُ (أي عبدُ الله بن مسعود): ذلِكَ (أَيْ: وَعَكُ رَجُلَيْنِ) أَنَّ لَكَ أَجْريْن؟ (يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرَ) قَالَ:”أَجَلْ (قَوْلُهُ أَجَلْ أَيْ نَعَمْ حَقِيْقَةً وَمَعْنًى) ذَلك (قَوْلُهُ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى مُضَاعَفَةِ الْأَجْرِ بِشِدَّةِ الْحُمَّى) كَذَلك مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، شوْكَةٌ (بِالرَّفْع بدل من أَذَى) فَمَا فوْقَهَا  إلَّا كَفَّر اللَّه بهَا سَيِّئَاتِهِ (جمع مُضَاف فَيُفِيد الْعُمُوم فَيلْزم مِنْهُ تَكْفِير جَمِيع الذُّنُوب صَغِيرَة وكبيرة، نرجو ذَلِك مِنْك يَا أكْرم الأكرمين وَيَا أرْحم الرَّاحِمِينَ)، وَحُطَّتْ عنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَحُطُّ الشَّجرةُ وَرقَهَا (أَيْ تُلْقِيهِ مُنْتَثِرًا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَثْبَتَ أَنَّ الْمَرَضَ إِذَا اشْتَدَّ ضَاعَفَ الْأَجْرَ ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ تَنْتَهِي إِلَى أَنْ تُحَطَّ السَّيِّئَاتُ كُلُّهَا أَوِ الْمَعْنَى قَالَ نَعَمْ شِدَّةُ الْمَرَضِ تَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ وَتَحُطُّ الْخَطِيئَاتِ أَيْضًا حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا شَيْءٌ وفي رواية: حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ وفي رواية عِنْد أَحْمد وابن أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا مِنْ وَجَعٍ يُصِيبُنِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْحُمَّى إِنَّهَا تَدْخُلُ فِي كُلِّ مَفصِل من ابن آدم وَأَن الله يُعْطِي كُلَّ مَفْصِلٍ قِسْطَهُ مِنَ الْأَجْرِ) (قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ حَالَ الْمَرِيضِ وَإِصَابَةَ الْمَرَضِ جَسَدَهُ، ثُمَّ مَحْوَ السَّيِّئَاتِ عَنْهُ سَرِيعًا بِحَالَةِ الشَّجَرَةِ وَهُبُوبِ الرِّيَاحِ الْخَرِيفِيَّةِ، وَتَنَاثُرِ الْأَوْرَاقِ مِنْهَا، فَهُوَ تَشْبِيهٌ تَمْثِيلِيٌّ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ الْإِزَالَةُ الْكُلِّيَّةُ عَلَى سَبِيلِ السُّرْعَةِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ ; لِأَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ لَا يَخْلُو عَنْ كَوْنِهِ مُتَأَذِّيًا)” (والأنبياء هم أشد الناس بلاء، كما ثبت في حديث البخاري ومسلم وغيرهما، قال ابن حجر: وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ الْبَلَاءَ فِي مُقَابَلَةِ النِّعْمَةِ فَمَنْ كَانَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ كَانَ بَلَاؤُهُ أَشَدَّ، قَالَ ابن الْجَوْزِيِّ فِي الْحَدِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْقَوِيَّ يَحْمِلُ مَا حَمَلَ وَالضَّعِيفَ يُرْفَقُ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ كُلَّمَا قَوِيَتِ الْمَعْرِفَةُ بِالْمُبْتَلَى هَانَ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى أَجْرِ الْبَلَاءِ فَيَهُونُ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ وَأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ دَرَجَةُ مَنْ يَرَى أَنَّ هَذَا تَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ فَيُسَلِّمُ وَلَا يَعْتَرِضُ وَأَرْفَعُ مِنْهُ مَنْ شَغَلَتْهُ الْمَحَبَّةُ عَنْ طَلَبِ رَفْعِ الْبَلَاءِ وَأَنْهَى الْمَرَاتِبِ مَنْ يَتَلَذَّذُ بِهِ لِأَنَّهُ عَنِ اخْتِيَارِهِ نَشأ وَالله أعلم). 

ينبغي أن يُعلَمَ يا أحبابنا أن الأنبياء يصيبهم المرض كباقي البشر ولكن ليس مرضا منفرا يمنع من قبول الدعوة منهم، فوظيفتهم عليهم السلام تبليغ هذا الدين وهذا الشرع الذي يأتيهم عن طريق الوحي فلا يجوز أن يصابوا بمرض يمنع الناس من قبول الدعوة منهم كما ينقل بعض الجهال عن سيدنا أيوب عليه السلام، فإنه قد ثبت أنه مرض كما في القرآن الكريم ولكن مرضه ليس مرضا ينفر الناس عنه فقد أرسل لتبليغهم دين الإسلام، فالنّبيُّ أيُّوب لم يخرج منه الدُّود، وَالحِكْمَةُ تَقْتَضِي أَنْ يَكُوْنَ الأَنْبِيَاءُ لَا يُصَابُوْنَ بِأَمْرَاضٍ مُنَفِّرَةٍ لِأَنَّ هَذَا يُنَافِي التَّبْشِيْرَ، فَلَا يَجُوْزُ عَلَيْهِم أَنْ يُصَابُوا بِالجُذَامِ وَالبَرَصِ وَالجُنُوْنِ وَخُرُوْجِ الدُّوْدِ مِنْ أَجْسَادِهِم، لَكِنَّهُم أَكْثَرُ النَّاسِ بَلَاءً وَأَكْثَرُ النَّاسِ صَبْرًا عَلَى البَلَاءِ، فَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَتْ تُصِيبُه الحُمَّى كَحُمَّى رَجُلَيْنِ لِأَنَّ مَرْتَبتَهُ أَعْلَى وَصَبْرَهُ أَقْوَى وَرِضَاهُ بِقَضَاءِ اللهِ أَقوَى مِنْ غَيرِه، فَالأَنْبِيَاءُ يُشَدَّدُ عَلَيْهِم مِنْ أَلَم الجِسْمِ لِزِيادَةِ دَرَجَاتِهِم، فغير صحيح أنّ سيِّدنا أيُّوب خرج منه الدُّود وغير صحيح أنّه كان يأخذ الدُّود ويقول كلي ممّا رزقك اللّه: قال أهل التحقيق إنه لا يجوز أن يكون بصفةٍ يَستقذرُه الناسُ عليها لأن فِي ذلك تَنْفيرًا، فأمّا الفقرُ والمرَضُ (الذي لا يُنفِّرُ) وذهابُ الأَهل فيجوز أن يَمتحِنَهُ اللهُ تعالَى بذلك. وفِي هداية المريد للقّانِّي (ت 1024 هـ) أنه « يجوز على الأنبياء عليهم السلام كل عرض بشري ليس محرّمًا ولا مكروها ولا مباحا مزريا ولا مُزمِنًا ولا مِما تعافه الأنفس ولا مِما يؤدي إلَى النُفْرة »، ثم قال بعد وَرَقتيْن: « واحترزنا بقولنا ولا مُزمِنًا ولا مِما تعافه الأنفس عما كان كذلك كالبرص والجُذام والعمى والجنون » (أي أن ينبّأ وهو أعمى لا العمى الطارئ لمدة كما حصل ليعقوب).

ذِكْرُ بعضِ ما يجوز على الأنبياء وما لا يجوز:

  • يَجُوْزُ خُرُوْجُ الْمَنِيِّ مِنَ النَّبِيِّ عِنْدَ الجِمَاعِ، وَفِي ذَلِكَ أَثَرٌ وَرَدَ فِي البُخَارِيِّ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَحُكُّ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ النَّبِي.
  • لَا يَجُوْزُ أَنْ يَتَلَاعَبَ الشَّيْطَانُ بِالنَّبِيِّ فَيَحْتَلِمَ، إِنَّمَا قَدْ يَخْرُجُ مِنَ النَّبِيِّ مَنِيٌّ مِنَ امْتِلَاءِ الوِعَاءِ.
  • يَجُوْزُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ مَا أَصَابَ سَيِّدَنَا يَعْقُوْبُ مِنَ العَمَى الطَّارِئِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّهُ عَمِيَ مِنْ شِدَّةِ حُزْنِهِ عَلَى يُوْسُفَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَلَيْسَ هَذَا العَمَى الَّذِي يَمْتَنِعُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ، إِنَّمَا العَمَى الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهِم هُوَ مَا يَكُوْنُ فِي الابْتِدَاءِ مَعَ البِعْثَةِ، أَمَّا الطَّارِئُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِم.
  • لَا يَجُوْزُ أَنْ يُخْطِئَ النَّبِيُّ فِيْمَا يَجْلِبُ عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ ضَرَرًا، لَكِنْ يَجُوْزُ عَلَيْهِ الخَطَأُ فِي بَعْضِ الأُمُوْرِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ، فَقَالَ: “لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ“، فَخَرَجَ شِيْصًا أَيْ رَدِيْئًا لَا يَشْتَدُّ نَوَاهُ، فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ: “مَا لِنَخْلِكُمْ؟“، قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: “أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُم“، وَفِي رِوَايَةٍ: “إِذَا أَمَرْتُكُم بِشَىْءٍ مِنْ دِيْنِكُم فَخُذُوْا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُم بِشَىْءٍ مِنْ رَأْيٍ – أَيْ أَمْرِ دُنْيَاكُم – فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ“.
  • لَا يَجُوْزُ عَلَى النَّبِيِّ أَنْ يُخْطِئَ فِي الاجْتِهَادِ وَالتَّشْرِيْعِ، وَمَنْ قَالَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ، لِأَنَّهُ يَكُوْنُ كَذَّبَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾. وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الأُصُوْلِ: النَّبِيُّ إِنْ أَذِنَ اللهُ لَهُ يَجْتَهِدُ فِي أُمُوْرِ التَّشْرِيْعِ وَلَا يُخْطِئَ إِذَا اجْتَهَدَ.
  • يَجُوْزُ حُصُوْلُ النِّسْيَانِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ لَكِنَّهُ قَلِيْلٌ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِم، أَمَّا أنَّهُ هَلْ يَنْسَى النَّبِيُّ شَيْئًا مِنَ القُرْءَانِ، فَالقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ بَعْدَمَا يُبَلِّغُ أُمَّتَهُ يَجُوْزُ أَنْ يَنْسَى شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَتَذَكَّرَ، يَعْنِي بَعْدَمَا يُبَلِّغُ قَدْ يُسْقِطُ ءَايَةً أَوْ ءَايَتَيْنِ فِي أَثْنَاءِ سُوْرَة ثُمَّ يَتَذَكَّرُ، فَفِي البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ، فَقَالَ: “يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا ءَايَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا(1) مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا” معناه أَنْسَانِيْ اللهُ.
  • لَا يَجُوْزُ فِي حَقِّ الأَنْبِيَاءِ أَنْ يُشَجِّعُوا النَّاسَ عَلَى الحَرَامِ، فَلَا صِحَّةَ لِمَا يُرْوَى عَنْ عِيْسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: “مَنْ ضَربَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنَ فَأَدِرْ لَهُ خَدَّكَ الأَيْسَر” فَلَا يَصِحُّ مِنْ نَبِيٍّ أَنْ يَأْمُرَ بِإِعَانَةِ الضَّارِبِ بِغَيْرِ حَقٍّ عَلَى مَعْصِيَتِهِ.
  • تَخيُّلُ العَيْنِ يَجُوْزُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ، كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَ حِكَايَةً عَنْ حَالِ مُوْسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى. قَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ النَّسَفِيُّ: رُوِيَ أَنَّهُم لَطَّخُوْا حِبَالَهُم بِالزِّئْبَقِ، فَلَمَّا ضَرَبَتْ عَلَيْهَا الشَّمْسُ اضْطَرَبَتْ وَاهْتَزَّتْ فَخُيِّلَتْ إِلَيْهِ ذَلِكَ.
  • يَجُوْزُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ أَنْ يَقُوْلُوا فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ أَيْ فِي غَيْرِ الضَّرُوْرِيَّاتِ “لَا أَدْرِي”، فَقَدْ رَوَى البَيْهَقِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أِيُّ الْبِقَاعِ خَيْرٌ؟ قَالَ: “لَا أَدْرِي“، قَالَ: فَأِيُّ الْبِقَاعِ شَرٌّ؟، قَالَ: “لَا أَدْرِي“.
  • لَا يَجُوْزُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ هُرُوْبُ الجُبْنِ، أَمَّا الهُرُوْبُ مِنَ الشَّرِّ أَيِ الفِرَارُ مِنَ الأَذَى لَا لِلْجُبْنِ فَيَجُوْزُ عَلَيْهِم، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى  حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ مُوْسَى: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ.
  • لَا يَجُوْزُ أَنْ يُؤَثِّرَ سِحْرٌ فِي عَقْلِ النَّبِيِّ وَلَا أَنْ يَخْتَلَّ فِكْرَهُ بِسَبَبِهِ أَوْ بِسَبَبِ أَمْرٍ ءَاخَرَ.
  • يَجُوْزُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ الإِغْمَاءُ، فَالرَّسُوْلُ كَانَ يُغْمَى عَلَيْهِ فِي مَرَضِ وَفَاتِهِ مِنْ شِدَّةِ الأَلَمِ، وَلَكِنْ لَا يَجُوْزُ عَلَيْهِمُ الجُنُوْنُ، لِأَنَّ النُّبُوةَ تُنَافِي الجُنُوْنَ.

الحاشية

  1. مِنْ بَابِ الأَدَبِ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ التَّحْرِيْم، لَا يُقَالُ: نَسِيْتُ كَذَا مِنَ القُرْءَانِ، بَلْ نَقُوْلُ: أُنْسِيْتُ كَذَا مِنَ القُرْءَانِ.