الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاء مُزَيَّنَةً بِزِينَةِ النُّجُومِ، وَثبَّتَ الأَرْض بِجِبَالٍ فِي أَقَاصِي التُّخُومِ، عَلِمَ الأَشْيَاء كلَّها وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمَعْلُومُ، وقدَّر الْمَحْبُوب وَالْمَكْرُوه وَالْمَحْمُود وَالْمَذْمُوم، واطَّلَعَ عَلَى بَوَاطِنِ الأَسْرَارِ وخَفَايَا الْمَكْتُومِ، جَلَّ أَنْ تُحِيطَ بِهِ الأَفْكَارُ أَوْ أن تَتَخَيَّلَهُ الْوُهُومُ، وَقَضَى ما يكون فَقَضَاؤُهُ مَحْتُومٌ، وَبِتَقْدِيرِهِ مَعْصِيَةُ الْعَاصِي وَعِصْمَةُ الْمَعْصُومِ ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ والصلاة والسلامُ على رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلاةً تَبْلُغُهُ عَلَى الْمَرُومِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَلَى السَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، وَعَلَى عُمَرَ الْمُنْتَصِفِ بَيْنَ الظَّالِمِ وَالْمَظْلُومِ، وَعَلَى عُثْمَانَ الْمُتَهَجِّدِ إِذَا رَقَدَ النَّئُومُ، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي حَازَ الشَّرَفَ وَالْعُلُومَ، أما بعد:
الحديث الخامس والخمسون
الحديث
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الثاني: عن أبي محمدٍ الحسنِ بنِ عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهما، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ؛ فإنَّ الصِّدْقَ طُمَأنِينَةٌ، وَالكَذِبَ رِيبَةٌ». رواهُ الترمذيُّ، وَقالَ: «حديثٌ صحيحٌ». قولُه: «يَريْبُكَ» هُوَ بفتحِ الياءِ وضمِّهَا: ومعناهُ اترُكْ مَا تَشُكُّ في حِلِّهِ وَاعْدِلْ إِلَى مَا لَا تَشُكُّ فِيْهِ.
ترجمة راوي الحديث الحسنِ بنِ عليٍّ رضي الله عنهما
هو الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ، الإِمَامُ السَّيِّدُ، رَيْحَانَةُ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَسِبْطُهُ، وَسَيِّدُ شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ، أَبُو مُحَمَّدٍ القُرَشِيُّ، الهَاشِمِيُّ، المَدَنِيُّ، الشَّهِيْدُ.
مَوْلِدُهُ: فِي شَعْبَانَ، سَنَةَ ثَلاَثٍ مِنَ الهِجْرَةِ. وَقِيْلَ: فِي نِصْفِ رَمَضَانِهَا. وَعَقَّ عَنْهُ جَدُّهُ صلى الله عليه وسلم بِكَبشٍ، وَحَفِظَ عَنْ جَدِّهِ أَحَادِيْثَ، وَعَنْ أَبِيْهِ وَأُمِّهِ. حَدَّثَ عَنْهُ: ابْنُه؛ الحَسَنُ بنُ الحَسَنِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَصْبَغُ بنُ نُبَاتَةَ، وَالمُسَيَّبُ بنُ نَجَبَةَ.
وَكَانَ يُشْبِهُ جَدَّهُ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وروي عَنْ أَبِي الحَوْرَاءِ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: مَا تَذكُرُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: أَذْكُرُ أَنِّي أَخذْتُ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلتُهَا فِي فِيَّ، فَنَزَعهَا رَسُوْلُ اللهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِلُعَابِهَا، فَجَعَلَهَا فِي التَّمْرِ. فَقِيْلَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! وَمَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ هَذِهِ التَّمْرَةِ لِهَذَا الصَّبيِّ؟ قَالَ: (إِنَّا – آلَ مُحَمَّدٍ – لاَ تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ).
قَالَ: وَكَانَ يَقُوْلُ: (دَعْ مَا يَرِيْبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيْبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِيْنَةٌ، وَالكَذِبَ رِيْبَةٌ). وَكَانَ يُعلِّمُنَا هَذَا الدُّعَاءَ: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيْمَنْ هَدَيْتَ وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنه لايذل من واليت“، وربما قال ” تباركت ربنا وتعاليت).
وروي عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: لَمَّا وُلِدَ الحَسَنُ، جَاءَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: (أَرُوْنِي ابْنِي؛ مَا سَمَّيْتُمُوْهُ؟) . قُلْتُ: حَرْبًا. قَالَ: (بَلْ هُوَ حَسَنٌ) فلمْا وُلِدَ الحُسينُ سمَّيتُهُ حَرْبًا، فجاءَ النبيُّ، فقالَ: «أَرُونِي ابْنِي، ما سمَّيتُموهُ»؟ قلنا: حربًا، قالَ: «بَلْ هُو حُسَينٌ». وفي رواية قَالَ عَلِيٌّ: كُنْتُ رَجُلًا أُحبُّ الحَرْبَ، فَلَمَّا وُلِدَ الحَسَنُ، هَمَمْتُ أَنْ أُسَمِّيَهُ حَرْبًا. فَسَمَّاهُ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الحَسَنَ. فَلَمَّا وُلِدَ الحُسَيْنُ، هَمَمْتُ أَنْ أُسَمِّيَهُ حَرْبًا، فَسَمَّاهُ: الحُسَيْنَ.
وروي أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَذَّنَ فِي أُذُنِ الحَسَنِ بِالصَّلاَةِ حِيْنَ وُلِدَ. ولَمَّا وَلدَتْ فَاطِمَةُ حَسَنًا، قَالَتْ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! أَلاَ أَعُقُّ عَنِ ابْنِي بِدَمٍ؟ قَالَ: (لاَ، وَلَكِنِ احْلِقِي رَأْسَهُ، وَتَصَدَّقِي بِوَزْنِ شَعْرِهِ فِضَّةً عَلَى المَسَاكِيْنِ). فَفَعَلْتُ.
وروى البخاري عَنْ عُقْبَةَ بنِ الحَارِثِ، قَالَ: صَلَّى بِنَا أَبُو بَكْرٍ العَصرَ، ثُمَّ قَامَ وَعَلِيٌّ يَمْشيَانِ، فَرَأَى الحَسَنَ يَلعبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَحَمَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ، وَقَالَ: بأَبِي شَبِيْهٌ بالنَّبِيّ … لَيْسَ شَبِيْهًا بِعَلِيّ. وَعَلِيٌّ يَتبسَّمُ.
وروي عَنِ البَهِيِّ، قَالَ: دَخَلَ عَلَيْنَا ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ الحَسَنَ يَأْتِي النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ سَاجِدٌ، يَرْكَبُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَيَأْتِي وَهُوَ رَاكعٌ، فَيَفْرِجُ لَهُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الجَانبِ الآخَرِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ أَنَسٌ: كَانَ أَشْبَهَهُم بِالنَّبِيِّ – عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ – الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ. وروى الترمذي عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: الحَسَنُ أَشْبَهُ النَّاسِ بِرَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَا بَيْنَ الصَّدْرِ إِلَى الرَّأْسِ، وَالحُسَيْنُ أَشْبَهُ بِهِ مَا كَانَ أَسفلَ مِنْ ذَلِكَ.
وروى البخاري عن أُسَامَةَ قال: كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَأخُذُنِي وَالحَسَنَ، وَيَقُوْلُ: (اللَّهُمَّ إِنِّيْ أُحِبُّهُمَا، فَأَحِبَّهُمَا)، وفي رواية عند الترمذي قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِلْحَسَنِ: (اللَّهُمَّ إِنِّيْ أُحِبُّهُ، فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ)، وفي رواية عند أبي نعيم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَزَادَ: قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ الحَسَنَ إِلاَّ دَمَعَتْ عَيْنِي. وفي البخاري قَالَ أَبُو بَكْرَةَ: رَأَيتُ رَسُولَ الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى المِنْبَرِ، وَالحَسَنُ إِلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ يَقُوْلُ: (إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ. وفي حديث عند الترمذي وصححه عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ، مَرْفُوعًا: (الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ)، وَحَسَّنَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيْثِ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَيْلَةً وَهُوَ مُشتمِلٌ عَلَى شَيْءٍ. قُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَكَشَفَ، فَإِذَا حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ عَلَى وَرِكَيْهِ، فَقَالَ: (هَذَانِ ابْنَايَ وَابْنَا بِنْتِي، اللَّهُمَّ إِنِّيْ أُحِبُّهُمَا، فَأَحِبَّهُمَا، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا)، وَحَسَّنَ أَيْضًا لِيُوْسُفَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ، عَنْ أَنَسٍ: سُئِلَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ أَهْلِ بَيْتِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: (الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ) . وَكَانَ يَشَمُّهُمَا، وَيَضُمُّهُمَا إِلَيْهِ. وفي رواية حسنها الترمذي كذلك عَنْ حُذَيْفَةَ: سَمِعَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُوْلُ: (هَذَا مَلَكٌ لَمْ يَنْزِلْ قَبْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيَّ، وَيُبَشِّرَنِي بِأَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَأَنَّ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ) .
وَقَدْ كَانَ الحسن بن علي سَيِّدًا، وَسِيمًا، جَمِيْلًا، عَاقِلًا، رَزِينًا، جَوَادًا، مُمَدَّحًا، خَيِّرًا، دَيِّنًا، وَرِعًا، مُحتشِمًا، كَبِيرَ الشَّأْنِ. وَكَانَ مِنْكَاحًا، مِطْلاَقًا، تَزَوَّجَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِيْنَ امْرَأَةً، وَقَلَّمَا كَانَ يُفَارِقُهُ أَرْبَعُ ضَرَائِرَ. وروى أبو نعيم عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ: أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: يَا أَهْلَ الكُوْفَةِ! لاَ تُزَوِّجُوا الحَسَنَ، فَإِنَّهُ مِطْلاَقٌ. فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ لَنُزَوِّجَنَّهُ، فَمَا رَضِيَ أَمْسَكَ، وَمَا كَرِهَ طَلَّقَ. وفي مستدرك الحاكم قَالَ ابْنُ سِيْرِيْنَ: تَزَوَّجَ الحَسَنُ امْرَأَةً، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِمائَةِ جَارِيَةٍ، مَعَ كُلِّ جَارِيَةٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَكَانَ يُعطِي الرَّجُلَ الوَاحِدَ مائَةَ أَلْفٍ. وَقِيْلَ: إِنَّهُ حَجَّ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، وَحَجَّ كَثِيْرًا مِنْهَا مَاشيًا مِنَ المَدِيْنَةِ إِلَى مَكَّةَ، وَنَجَائِبُهُ تُقَادُ مَعَهُ. وفي رواية عند أحمد عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – جَلَّلَ حَسَنًا وَحُسَيْنًا وَفَاطِمَةَ بِكسَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: (اللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْلُ بَيْتِي وَخَاصَّتِي، اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ، وَطَهِّرْهُم تَطْهِيْرًا)، وروى الحاكم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي صَلاَةِ العِشَاءِ، فَكَانَ إِذَا سَجدَ، رَكبَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَإِذَا رَفعَ رَأْسَهُ، رَفَعَهُمَا رَفْعاً رَفِيقاً، ثُمَّ إِذَا سَجدَ، عَادَا. فَلَمَّا صَلَّى، قُلْتُ: أَلاَ أَذْهبُ بِهِمَا إِلَى أُمِّهِمَا؟ قَالَ: فَبَرقَتْ بَرْقَةٌ، فَلَمْ يَزَالاَ فِي ضَوئهَا حَتَّى دَخَلاَ عَلَى أُمِّهِمَا، وفي الترمذي قال عَبْدُ اللهِ بنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَخطُبُ، فَأَقْبَلَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ، عَلَيْهِمَا قَمِيْصَانِ أَحْمَرَانِ، يَعْثُرَانِ وَيَقُوْمَانِ، فَنَزَلَ، فَأَخَذَهُمَا، فَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ ثُمَّ قَالَ: (صَدَقَ اللهُ: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُم وَأَوْلاَدُكُم فِتْنَةٌ} [التَّغَابُنُ: 15] رَأَيْتُ هَذَيْنِ، فَلَمْ أَصْبِرْ) . ثُمَّ أَخَذَ فِي خُطبتِهِ.
وروى الطبراني عن جابر بن عبد الله قال: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ، وَعَلَى ظَهْرِهِ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ، وَهُوَ يَقُوْلُ: (نِعْمَ الجَمَلُ جَمَلُكُمَا، وَنِعْمَ العِدْلاَنِ أَنْتُمَا). وفي مسند أحمد عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ شَدَّادٍ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَهُوَ حَامِلٌ حَسَناً أَوْ حُسَيْناً، فَتَقَدَّمَ، فَوَضَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ فِي الصَّلاَةِ، فَسَجَدَ سجدَةً أَطَالَهَا، فَرفعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِهِ، فَرَجعْتُ فِي سُجُودِي. فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ، قَالُوا: يَا رَسُوْلَ اللهِ، إِنَّكَ أَطَلْتَ! قَالَ: (إِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ)، وفي مسند الطيالسي عَنْ أَبِي فَاخِتَةَ: قَالَ عَلِيٌّ: زَارَنَا رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَبَاتَ عِنْدَنَا، وَالحَسَنُ وَالحُسَيْنُ نَائِمَانِ، فَاسْتَسقَى الحَسَنُ، فَقَامَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى قُرْبَةٍ، وَسَقَاهُ. فَتنَاوَلَ الحُسَيْنُ لِيَشْرَبَ، فَمَنَعَهُ، وَبدَأَ بِالحَسَنِ. فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! كَأَنَّهُ أَحَبُّهُمَا إِلَيْكَ. قَالَ: (لاَ، وَلَكِنْ هَذَا اسْتَسقَى أَوَّلاً) . ثُمَّ قَالَ: (إِنِّيْ وَإِيَّاكِ وَهَذَيْنِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ) . قال الراوي: وَأَحسِبُهُ قَالَ: (وَعَلِيّاً).
وروى الطبراني عَنْ جَابِرٍ: عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ قَالَ لِلْحَسَنِ: (إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، يُصْلِحُ اللهُ بِهِ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ)، (اللهُ تعالى أَوْحَى إِلَيْهِ أَنَّ الحَسَن سيُصْلِحُ اللهُ تعالى بِهِ بينَ فِئَتَيْنِ مِنَ المسْلِمين تَهُمّانِ بِالقِتال وهٰذا تَحقَّقَ بَعْدَ خِلافَةِ سيِّدِنا عَلِيّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، تَوَلَّى الخِلافَةَ الحَسَنُ بنُ عَلِيّ مدَّةَ سِتَّةِ أَشْهُر، تَوَلَّى الخِلافَة ثُمَّ بَعْدَ تمامِ سِتَّةِ أَشْهُر اكْتَمَلَ ثلاثونَ سَنَة أَخْبَرَ عَنْها ﷺ، بِأَنَّها تَكُونُ عَلَى مِنْهاجِ النُّبُوَّة، يَعْنِى خِلافَة فِيها العَدْل وَفِيها الحُكْمُ بِشَرْعِ الله كَما يُحِبُّ الله وَيُحِبُّ الرّسُولُ ﷺ. قالَ ﷺ: “الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ سَنَة ثُمَّ يَكُونُ مُلْكٌ عَضُوضا“، يَعْنِى مُلْكٌ ظالِم! يَحْصُلُ ظُلْم فِيما بَعْدَ هٰذه الثّلاثِين سَنَة يَحْصُلُ ظُلْم فِى هٰذه الأُمَّة، مَنْ يَتَوَلَّى الخِلافَة لا يَكُونُ كَالذِينَ سَبَقُوا كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمانَ وَعَلِيّ وَالحَسَنِ بْنِ عَلِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم ونَفَعَنا بِهِم جَمِيعًا. فَلِذلِك حِينَ تَمَّت الثَّلاثُونَ سنَة بِخِلافَةِ الحَسَنِ بنِ عَلِيّ مُدَّةَ سِتَّةِ أَشْهُر، حَصَلَ أَنْ أَرادَ مُعاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيان قِتالَ سَيِدِنا الحَسَن بْنِ عَلِيّ، فَكانَ الحَسَنُ بنُ عَلِيّ تَحْتَ يَدِهِ نَحو أَرْبَعِينَ أَلْف مِنَ المسْلِمين يَعْنِى كانَ تَحْتَ يَدِهِ جَيْش كَبير كبير، لَوْ طَلَبَ مِنْهُم قِتالَ مُعاوِيَةَ لَلَبُّوا أَمْرَهُ! وَأَرادَ مُعاوِيَةُ قِتالَهُ. فاجْتَمَعُوا فِى مَكان. تَلاقَى الجَيْشان فِى مَكان. فَنَظَرَ الحَسَنُ بنُ عَلِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قالَ فِى نَفْسِهِ إِنْ نَشَبَتِ الحَرْبُ لا بُدَّ أَنَّ هُناكَ غالِبٌ وَمَغْلُوب! الغالِبُ سيُقْتَلُ مِنْهُ عَدَدٌ كَبير مِنَ المسْلِمين وَالمَغْلُوبُ سيُقْتَلُ مِنْهُ عَدَدٌ كَبِير مِنَ المسْلِمين! فرأى أَنْ يَتَنازَلَ عَنِ الخِلافَة لِمُعاوِيَة وَقَدَّمَ الحَسَنُ شُرُوطًا وافَقَ عَلَيْها كُلَّها مُعاوِيَةُ. وافَقَ عَلَى كُلِّ شُروطِ الحَسَن، عَلَى أَنْ يَتَنازَلَ الحَسَنُ بنُ عَلِيّ بالخِلافَةَ لِمُعاوِيَة وَهذا الذي حَصَل! فَحَقْنًا لِدِماءِ المسلِمين مِنْ أَنْ تُسْفَكَ، اجْتَهَدَ سيِّدُنا الحَسَن فَرَأى أَنَّ المصْلَحَةَ أَنْ يَتَراجَعَ عَنْ قِتالِ مُعاوِيَة وَأَنْ يَتَخَلَّى عَنِ الخِلافَة لِمُعاوِيَة. فَأَصْلَحَ اللهُ تعالى بِهِ بيْنَ طائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المسلِمين وَتَحَقَّقَ ما أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ فِى حالِ حَياتِهِ، فَكانَ الحسَن بن عَلِيّ حِينَ تُوُفِّيَ الرّسُول ابنَ سبعِ سنين. وَمَعَ ذلِكَ الرّسُول فِى ذلِكَ الوَقت حَدَّثَ أَنَّ اللهَ تعالى سيُصْلِحُ بِالحَسَن بيْنَ طائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المسلمين وَحَصَلَ ذلِكَ بَعْدَ خِلافَةِ سيِّدِنا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فِى زَمَن خِلافَةِ الحسَن بنِ عَلِيّ، ثُمّ الحَسَنُ بنُ عَلِيّ لَمْ يَكُن جَبانًا عَنْ مُواجَهَةِ مُعاوِيَة وَلِكن الذي حَمَلَهُ عَلَى أَنْ تَرْكِ قِتالِهِ الحِرْصُ عَلَى أَنْ لا يَكْثُرَ التَّقْتِيلُ بَينَ أَفْرادِ هٰذه الأُمَّةِ المحمَّدِيّة وهذا مَقْصِدٌ حَسَن. لأَنَّ بَعْضُ الناسِ يَزْعُمُ أَنَّهُ جَبُنَ عَنْ مُواجَهَةِ مُعاوِيَة بْنِ أَبِي سُفيان!! وَالحَقِيقَةُ لَيْسَت كَذلِك! كانَ تَحْتَهُ نَحو أَرْبَعِينَ أَلْفًا يَأْتَمِرُونَ بِأَمْرِهِ مِنْ أَهْلِ العِراق وَالكُوفَة وَالبَصْرَة).
وروي عن مُوْسَى بنِ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيْهِ: أَنَّ عُمَرَ لَمَّا دَوَّنَ الدِّيْوَانَ، أَلْحقَ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ بِفَرِيضَةِ أَبِيهِمَا؛ لِقَرَابَتِهِمَا مِنْ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَرَضَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا خَمْسَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ.
وفي حلية الأولياء لأبي نعيم قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا نَدِمْتُ عَلَى شَيْءٍ فَاتَنِي فِي شَبَابِي إِلاَّ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ مَاشياً، وَلَقَدْ حَجَّ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ خَمْساً وَعِشْرِيْنَ حَجَّةً مَاشِياً، وَإِنَّ النَّجَائِبَ لَتُقَادُ مَعَهُ، وَلَقَدْ قَاسَمَ اللهَ مَالَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، حَتَّى إِنَّهُ يُعطِي الخُفَّ وَيُمْسِكُ النَّعْلَ. وكَانَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَرَأَ الكَهْفَ. قَالَ سَعِيْدُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ: سَمِعَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ رَجُلاً إِلَى جَنْبِهِ يَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرزُقَهُ عَشْرَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ، فَانْصَرَفَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ.
وكَانَ رضي الله عنه مُبَادراً إِلَى نُصْرَةِ عُثْمَانَ، كَثِيرَ الذَّبِّ عَنْهُ، بَقِيَ فِي الخِلاَفَةِ بَعْدَ أَبِيْهِ سَبْعَةَ أَشهُرٍ. وروي عَنْ سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ، قَالَ: كَانَتِ الخَثْعَمِيَّةُ تَحْتَ الحَسَنِ، فَلَمَّا قُتلَ عَلِيٌّ، وَبُوْيِعَ الحَسَنُ، دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: لِتَهْنِكَ الخِلاَفَةُ. فَقَالَ: أَظْهَرتِ الشَّمَاتَةَ بِقَتْلِ عَلِيًّ! أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً. فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا أَردْتُ هَذَا. ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهَا بِعِشْرِيْنَ أَلْفاً، فَقَالَتْ: مَتَاعٌ قَلِيلٌ مِنْ حَبِيْبٍ مُفَارقِ.
وروي عَنِ الحرْمَازِيِّ: خَطبَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ بِالكُوْفَةِ، فَقَالَ: إِنَّ الحِلْمَ زِينَةٌ، وَالوَقَارَ مُرُوءةٌ، وَالعَجَلَةَ سَفَهٌ، وَالسَّفَهَ ضَعْفٌ، وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الدَّنَاءةِ شَيْنٌ، وَمُخَالَطَةَ الفُسَّاقِ رِيْبَةٌ. وروي عَنْ عَمْرِو بنِ الأَصَمِّ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: إِنَّ الشِّيْعَةَ تَزْعُمُ أَنَّ عَلِيّاً مَبْعُوْثٌ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ. قَالَ: كَذَبُوا وَاللهِ، مَا هَؤُلاَءِ بِالشِّيْعَةِ، لَوْ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَبْعُوْثٌ مَا زَوَّجْنَا نِسَاءهُ، وَلاَ اقْتسَمْنَا مَالَهُ.
قَالَ جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ: قُتِلَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ أَهْلُ الكُوْفَةِ الحَسَنَ، وَأَحبُّوهُ أَشَدَّ مِنْ حُبِّ أَبِيْهِ. وَقَالَ الكَلْبِيُّ: بُوْيِعَ الحَسَنُ، فَوَلِيَهَا سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَأَحَدَ عَشَرَ يَوْماً، ثُمَّ سَلَّمَ الأَمْرَ إِلَى مُعَاوِيَةَ. وروي أَنَّ أَهْلَ العِرَاقِ لَمَّا بَايَعُوا الحَسَنَ، قَالُوا لَهُ: سِرْ إِلَى هَؤُلاَءِ الَّذِيْنَ عَصَوُا اللهَ وَرَسُوْلَهُ وَارتَكَبُوا العَظَائِمَ، فَسَارَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ، وَأَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ حَتَّى نَزَلَ جِسرَ مَنْبِجٍ، فَبَيْنَا الحَسَنُ بِالمَدَائِنِ، إِذْ نَادَى مُنَادٍ فِي عَسْكَرِهِ: أَلاَ إِنَّ قَيْسَ بنَ سَعْدٍ قَدْ قُتِلَ. فَشَدَّ النَّاسُ عَلَى حُجْرَةِ الحَسَنِ، فَنَهَبُوْهَا حَتَّى انْتُهِبَتْ بُسطُهُ، وَأَخَذُوا رِدَاءهُ، وَطَعَنَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ فِي ظَهرِهِ بِخِنْجَرٍ مَسْمُوْمٍ فِي أَلْيَتِهِ، فَتحوَّلَ، وَنَزَلَ قَصرَ كِسْرَى الأَبْيَضَ، وَقَالَ: عَلَيْكُم لَعنَةُ اللهِ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ، قَدْ عَلِمْتُ أَنْ لاَ خَيرَ فِيْكُم، قَتلتُم أَبِي بِالأَمسِ، وَاليَوْمَ تَفْعَلُوْنَ بِي هَذَا. ثُمَّ كَاتَبَ مُعَاوِيَةَ فِي الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يُسِلِّمَ لَهُ ثَلاَثَ خِصَالٍ: يُسلِّمَ لَهُ بَيْتَ المَالِ فَيَقْضِي مِنْهُ دَيْنَهُ وَمَوَاعِيدَهُ وَيَتحمَّلَ مِنْهُ هُوَ وَآلُهُ، وَلاَ يُسَبَّ عَلِيٌّ وَهُوَ يَسَمَعُ، وَأَنْ يُحملَ إِلَيْهِ خَرَاجُ فَسَا وَدَرَابْجِرْدَ كُلَّ سَنَةٍ إِلَى المَدِيْنَةِ. وَعَاشَ الحَسَنُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ سِنِيْنَ.
وروي عَنْ حَارِثَةَ بنِ مُضَرِّبٍ: سَمِعَ الحَسَنَ يَقُوْلُ: وَاللهِ لاَ أُبَايعُكُم إِلاَّ عَلَى مَا أَقُوْلُ لَكُم. قَالُوا: مَا هُوَ؟ قَالَ: تُسَالِمُوْنَ مَنْ سَالَمْتُ، وَتُحَارِبُوْنَ مَنْ حَارَبْتُ. وَفِي مُجْتَنَى ابْنِ دُرَيْدٍ: قَامَ الحَسَنُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيْهِ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا ثَنَانَا عَنْ أَهْلِ الشَّامِ شَكٌّ وَلاَ نَدَمٌ، وَإِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُهُم بِالسَّلاَمَةِ وَالصَّبرِ، فَشِيبَتِ السَّلاَمَةُ بِالعَدَاوَةِ، وَالصَّبرُ بِالجَزعِ، وَكُنْتُم فِي مُنتدَبِكُم إِلَى صِفِّيْنَ؛ دِيْنُكُم أَمَامَ دُنْيَاكُم، فَأَصْبَحْتُم وَدُنْيَاكُم أَمَامَ دِيْنِكُم، أَلاَ وَإِنَّا لَكُم كَمَا كُنَّا، وَلَسْتُم لَنَا كَمَا كُنْتُم، أَلاَ وَقَدْ أَصْبَحْتُم بَيْنَ قَتِيْلَيْنِ؛ قَتيلٍ بِصِفِّيْنَ تَبكُوْنَ عَلَيْهِ، وَقَتيلٍ بِالنَّهْرَوَانِ تَطلُبُوْنَ بِثَأْرِهِ، فَأَمَّا البَاقِي، فَخَاذِلٌ، وَأَمَّا البَاكِي، فَثَائِرٌ. أَلاَ وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ دَعَانَا إِلَى أَمرٍ ليسَ فِيْهِ عِزٌّ وَلاَ نَصَفَةٌ؛ فَإِنْ أَردْتُمُ الموتَ، رَدَدْنَاهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَردْتُمُ الحَيَاةَ قَبِلنَاهُ. قَالَ: فَنَادَاهُ القَوْمُ مِنْ كُلِّ جَانبٍ؛ التَّقِيَّةَ التَّقِيَّةَ. فَلَمَّا أَفْردُوْهُ، أَمْضَى الصُّلْحَ.
وروي عَنْ هِلاَلِ بنِ يِسَافٍ: سَمِعْتُ الحَسَنَ يَخطُبُ، وَيَقُوْلُ: يَا أَهْلَ الكُوْفَةِ! اتَّقُوا الله فِيْنَا، فَإِنَّا أُمَرَاؤُكُم، وَإِنَّا أَضْيَافُكُم، وَنَحْنُ أَهْلُ البَيْتِ الَّذِيْنَ قَالَ اللهُ فِيهِم: {إِنَّمَا يُرِيْدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ}، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ قَطُّ بَاكِياً أَكْثَرَ مِنْ يَوْمَئِذٍ.
وروي عَنْ أَنَسِ بنِ سِيْرِيْنَ، قَالَ: قَالَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ: مَا بَيْنَ المشرق والمغرب رَجُلٌ جَدُّهُ نَبِيٌّ غَيرِي وَغَيرَ أَخِي، وَإِنّي رَأَيْتُ أَنْ أُصلِحَ بَيْنَ الأُمَّةِ، أَلاَ وَإِنَّا قَدْ بَايعنَا مُعَاوِيَةَ، وَلاَ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُم وَمَتَاعٌ إِلَى حِيْنَ. وروي عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ الحَسَنَ خَطبَ، فَقَالَ: إِنَّ أَكْيَسَ الكَيْسِ التُّقَى، وَإِنَّ أَحْمَقَ الحُمْقِ الفُجُورُ، أَلاَ وَإِنَّ هَذِهِ الأُمُوْرَ الَّتِي اخْتَلفتُ فِيهَا أَنَا وَمُعَاوِيَةُ، تَركْتُ لِمُعَاوِيَةَ إِرَادَةَ إِصلاَحِ المُسْلِمِيْنَ وَحَقْنِ دِمَائِهِم. وفي الترمذي أنه بعد ذلك عَرضَ لِلْحَسَنِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا مُسَوِّدَ وُجُوهِ المُؤْمِنِيْنَ! قَالَ: لاَ تَعْذُلْنِي، فَإِنَّ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أُرِيهِم يَثِبُوْنَ عَلَى مِنْبَرهِ رَجُلاً رَجُلاً، فَأَنْزَلَ اللهُ -تَعَالَى -: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ} . قَالَ: أَلْفُ شَهْرٍ يَملِكُونَهُ بَعْدِي -يَعْنِي: بَنِي أُمَيَّةَ -. وَقَالَ لَهُ آخَرُ: يَا مُذِلَّ المُؤْمِنِيْنَ! فَقَالَ: لاَ، وَلَكِنْ كَرِهتُ أَنْ أَقتلَكُم عَلَى المُلْكِ.
وروى أبو نعيم عَنْ عُمَيْرِ بنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ نَعُوْدُهُ، فَقَالَ لِصَاحِبِي: يَا فُلاَنُ! سَلْنِي. ثُمَّ قَامَ مِنْ عِنْدِنَا، فَدَخَلَ كَنِيْفاً، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: إِنِّيْ -وَاللهِ – قَدْ لَفظْتُ طَائِفَةً مِنْ كَبِدِي قَلَبْتُهَا بِعُوْدٍ، وَإِنِّي قَدْ سُقِيْتُ السُّمَّ مِرَاراً، فَلَمْ أُسْقَ مِثْلَ هَذَا. فَلَمَّا كَانَ الغَدُ، أَتيتُهُ وَهُوَ يَسُوْقُ، فَجَاءَ الحُسَيْنُ، فَقَالَ: أَيْ أَخِي! أَنْبِئنِي مَنْ سَقَاكَ؟ قَالَ: لِمَ! لِتَقْتُلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَا أَنَا مُحدِّثُكَ شَيْئاً، إِنْ يَكُنْ صَاحِبِي الَّذِي أَظُنُّ، فَاللهُ أَشَدُّ نِقْمَةً، وَإِلاَّ – فَوَاللهِ – لاَ يُقتلُ بِي بَرِيْءٌ. وقال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيْهِ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: يَقُوْلُوْنَ: إِنَّك تُرِيْدُ الخِلاَفَةَ. فَقَالَ: كَانَتْ جَمَاجِمُ العَربِ فِي يَدِي، يُسَالِمُوْنَ مَنْ سَالَمْتُ، وَيُحَاربُوْنَ مَنْ حَاربْتُ، فَتركْتُهَا للهِ، ثُمَّ أَبْتَزُّهَا بِأَتْيَاسِ الحِجَازِ؟ وقال عبد الله بن عمر: حَضَرْتُ مَوْتَ الحَسَنِ، فَقُلْتُ لِلْحُسَيْنِ: اتَّقِ اللهَ، وَلاَ تُثِرْ فِتْنَةً، وَلاَ تَسفِكِ الدِّمَاءَ، ادفُنْ أَخَاكَ إِلَى جَنْبِ أُمِّهِ، فَإِنَّهُ قَدْ عَهِدَ بِذَلِكَ إِلَيْكَ. وفي رواية عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: لَمَّا حُضِرَ الحَسَنُ، قَالَ لِلْحُسَيْنِ: ادفِنِّي عِنْد أَبِي -يَعْنِي: النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلاَّ أَنْ تَخَافُوا الدِّمَاءَ، فَادْفِنِّي فِي مَقَابرِ المُسْلِمِيْنَ. فَلَمَّا قُبِضَ، تَسَلَّحَ الحُسَيْنُ، وَجَمعَ مَوَالِيهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللهَ وَوَصِيَّةَ أَخِيْكَ، فَإِنَّ القَوْمَ لَنْ يَدَعُوْكَ حَتَّى يَكُوْنَ بَيْنَكُم دِمَاءٌ. فَدفَنَهُ بِالبَقِيْعِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَرَأَيْتُم لَوْ جِيْءَ بِابْنِ مُوْسَى لِيُدفَنَ مَعَ أَبِيْهِ، فَمُنِعَ، أَكَانُوا قَدْ ظَلمُوْهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَهَذَا ابْنُ نَبِيِّ الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَدْ جِيْءَ لِيُدْفَنَ مَعَ أَبِيْهِ. وَعَنْ رَجُلٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَرَّةً يَوْمَ دُفِنَ الحَسَنُ: قَاتَلَ اللهُ مَرْوَانَ. قَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ لأَدَعَ ابْنَ أَبِي تُرَابٍ يُدفَنُ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَدْ دُفنَ عُثْمَانُ بِالبَقِيْعِ. وقال مُسَاوِرٌ السَّعْدِيُّ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَائِماً عَلَى مَسجدِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَوْمَ مَاتَ الحَسَنُ؛ يَبْكِي، وَيُنَادِي بِأَعلَى صَوْتِهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! مَاتَ اليَوْمَ حِبُّ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَابْكُوا.
قَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ: عَاشَ الحَسَنُ سَبْعاً وَأَرْبَعِيْنَ سَنَةً. وقيل غير ذلك، وروي مِنْ وُجُوْهٍ: أَنَّ الحَسَنَ لَمَّا احتُضِرَ، قَالَ لِلْحُسَيْنِ: يَا أَخِي! إِنَّ أَبَاكَ لَمَّا قُبِضَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – اسْتَشْرَفَ لِهَذَا الأَمْرِ، فَصَرَفَهُ اللهُ عَنْهُ، فَلَمَّا احْتُضِرَ أَبُو بَكْرٍ، تَشَرَّفَ أَيْضاً لَهَا، فَصُرِفَتْ عَنْهُ إِلَى عُمَرَ، فَلَمَّا احتُضِرَ عُمَرُ، جَعَلَهَا شُوْرَى، أَبِي أَحَدُهُم، فَلَمْ يَشُكَّ أَنَّهَا لاَ تَعْدُوْهُ، فَصُرِفَتْ عَنْهُ إِلَى عُثْمَانَ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ، بُوْيِعَ، ثُمَّ نُوزِعَ حَتَّى جَرَّدَ السَّيْفَ وَطَلَبَهَا، فَمَا صَفَا لَهُ شَيْءٌ مِنْهَا، وَإِنِّي -وَاللهِ – مَا أَرَى أَنْ يَجْمَعَ اللهُ فِيْنَا – أَهْلَ البَيْتِ – النُّبُوَّةَ وَالخِلاَفَةَ؛ فَلاَ أَعْرِفَنَّ مَا اسْتَخَفَّكَ سُفَهَاءُ أَهْلِ الكُوْفَةِ، فَأَخرَجُوكَ، وَقَدْ كُنْتُ طَلَبتُ إِلَى عَائِشَةَ أَنْ أُدفَنَ فِي حُجرَتِهَا؛ فَقَالَتْ: نَعَمْ، وَإِنِّي لاَ أَدْرِي لَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهَا حَيَاءً، فَإِذَا مَا مِتُّ، فَاطلُبْ ذَلِكَ إِلَيْهَا، وَمَا أَظنُّ القَوْمَ إِلاَّ سَيَمنعُوْنَكَ، فَإِنْ فَعَلُوا، فَادْفِنِّي فِي البَقِيْعِ. فَلَمَّا مَاتَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: نَعَمْ، وَكرَامَةٌ. ولكن مروان منعهم من ذلك. روي له عن النبي ثلاثة عشر حديثاً، وروى له أصحاب السنن الأربعة.
أما بنُو الحَسَنِ هُم: الحَسَنُ، وَزَيْدٌ، وَطَلْحَةُ، وَالقَاسِمُ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَبْدُ اللهِ – فَقُتِلُوا بِكَرْبَلاَءَ مَعَ عَمِّهِمُ الشَّهِيْدِ – وَعَمْرٌو، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَالحُسَيْنُ، وَمُحَمَّدٌ، وَيَعْقُوْبُ، وَإِسْمَاعِيْلُ، فَهَؤُلاَءِ الذُّكُورُ مِنْ أَوْلاَدِ السَّيِّدِ الحَسَنِ. وَلَمْ يُعْقِبْ مِنْهُم سِوَى الرَّجُلَيْنِ الأَوَّلَيْنِ؛ الحَسَنِ، وَزَيْدٍ. فَلِحَسَنٍ خَمْسَةُ أَوْلاَدٍ أَعْقَبُوا، وَلزِيدٍ ابْنٌ وَهُوَ الحَسَنُ بنُ زَيْدٍ، فَلاَ عَقِبَ لَهُ إِلاَّ مِنْهُ، وَلِي إِمْرَةَ المَدِيْنَةِ، وَهُوَ وَالِدُ السِّتِّ نَفِيْسَةَ، وَالقَاسِمِ، وَإِسْمَاعِيْلَ، وَعَبْدِ اللهِ، وَإِبْرَاهِيْمَ، وَزَيْدٍ، وَإِسْحَاقَ، وَعَلِيٍّ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُم – .
الشرح
عن أبي محمدٍ الحسنِ بنِ عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهما (حَتّى نُبَيِّنَ مَنْ هُوَ أَبُو مُحَمَّد قال بعدها الحسن بن علي. مِثْلُ هذا يُسَمُّونَهُ عَطْفُ بَيان. كقولهم: “أَقْسَمَ باللهِ أَبُو حَفْصٍ عُمَر” هذا قِسْم مِنْ بَيْت شِعْر مَشْهُور. مَنْ هُوَ أَبُو حَفْص؟ عُمَر! فَيَكُونُ عُمَر عَطْفُ بَيان، عَطَفْنا عُمَر أَي قائِل بيت الشِّعر جاءَ بِكَلِمَةِ “عُمَر” بَعْدَ أَبِي حَفْص لِيُبَيِّنَ مَنْ هُوَ أَبُو حَفْص. مِثْلُ هذا يُقالُ لَهُ عَطْفُ بَيان. كَذلِكَ هُنا: عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُما أَبُو مُحَمَّد هُوَ الحَسَن، الحَسَن هُوَ أَبُو مُحَمَّد. بَعْدَما قالَ: “عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ”، حَتّى يُبَيِّنَ مَنْ هُوَ أَبُو مُحَمَّد، عَطَفَ الحَسَن عَلَى أَبِي محمَّد فَالحَسَن يَكُونُ عَطْفَ بَيان وَيُقالُ “بَدَل” أَيْضًا لأَنَّ أَبا مُحَمَّد هُوَ الحَسَن، الحَسَن هُوَ أَبُو مُحَمَّد. كقولهم: جاءَ زَيْدٌ أَخِي. نَقُول: أَخِي بَدَل مِنْ زَيْد، لماذا؟ لأَننا نستَطِيعُ أَن نَضع أيّ واحِدَة مِنْهُما بَدَل الثّانِيَة. نَسْتَطِيعُ أَنْ نَقُول جاءَ زَيْدٌ وَنَسْتَطِيعُ أَنْ نَقُول جاءَ أَخِي. كُلًّا مِنْهُما هُوَ الآخَر) (وهو سِبْطُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّم أَيْ ابْنُ بِنْتِهِ. الحَسَن هُوَ حَفِيدُهُ. السِّبْطُ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ كانَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الشَّخْص. ذُرِّيَّةُ الشَّخْص: الأَسْباط. أَسْباطُ فُلان أَيْ ذُرِّيَّتُهُ. فَالحَسَنُ اشْتَهَرَ بِهذا اللَّقَب “سِبْط رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّم” لأَنَّهُ ابنُ بِنْتِهِ ﷺ، “وَهو رَيْحَانَتِهِ” أَي لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَتَرَوَّحُ بِهِ وَبِأَخِيهِ. يَعْنِى يسْتَرِيحُ قَلْبُهُ إِلَيْهِ وَإِلَى أَخِيهِ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُما. هذا مَعْنَى “رَيْحانَتُهُ”، لِذا قالَ ﷺ: “هُما رَيْحانَتايَ مِنَ الدُّنْيا”، “الحَسَن وَالحُسَيْن رَيْحانَتايَ مِنَ الدُّنْيا”، أَوْ كما قال ﷺ. الواحِدُ مِنّا، إِذا شَمَّ الرَّيْحان، النَّبات الذي رائِحَتُهُ جَمِيلَة، طَيِّبَة، إِذا شَمَّ الرَّيْحان، يَرْتاحُ إِلَى ذٰلِك. وَكانَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُما رَيْحانَتَي رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الدُّنْيا، فَكَأَنَّ الرسُولَ وَصَفَ الحَسَن وَالحُسين بِأَنَّهُما كَالرَّيْحانِ بالنِّسْبَةِ لهُ مَعْناهُ يَمِيلُ إِلَيْهِما تَعَلُّقًا بِهِما وَحُبًّا بِهِما كَما يتَعَلَّقُ الشَّخْصُ بِالرَّيْحانِ ذِي الرِّيحِ الطّيبَة. هٰذا احْتِمال فِى بيانِ هذا المَعْنَى. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ رَسولِ الله ﷺ، وهٰذا جاءَ فِى بَعْضِ الآثارِ وَالرِّوايات، أَنَّهُ ﷺ، كانَ يَشَمُّ الحَسَنَ وَالحُسين حَقِيقَةً لأَنَّ رِيحَهُما كانت طَيِّبَة وَعادَةً الأَبُ أَوِ الأُمُّ إِذا تَعَلَّقَ قَلْبُهُما بِالوَلَد، تَجِدُ الأبَ أَحيانًا يَشَمُّ وَلَدَهُ والأُمَّ تَشَمُّ وَلَدَها لِتَعَلُّقِ قَلْبِها بِهِ)، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُول الله – صلى الله عليه وسلم (قالَ حَفِظْتُ ما قالَ لأَنَّ النّبِيَّ ﷺ تُوُفِّيَ وَالحَسَنُ صَغِير كان الحسن ابنَ سبعِ سنين فَلَمْ يَحْفَظ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَشْياءَ كَثِيرَة، أَحادِيثَ كَثِيرَة! لَكِنْ قالَ: مِنْ جُمْلَةِ ما حَفِظْتُ هٰذه المقالَة التي سيُذْكُرُها، وَقَدْ يَكُونُ حِينَ سَمِعَ هذا الحَدِيث فِى عُمُر سَبْعِ سِنين أَوْ ما يُقارِبُ سَبعَ سنين، مَعناهُ هُوَ صَبِيٌّ صَغِير لِيُأَكِّدَ سَماعَهُ لِهذه الجُمْلَة مِنْ كَلامِ رَسولِ الله ﷺ فِى أَذْهانِ مَنْ يُحَدِّثُهُم لِما سَمِعَ مِنَ الرّسُول، قالَ: “حَفِظْتُ”، مَعناهُ أَنا أَرْوِي لَكُم شيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ وَأَنا حافِظٌ لَهُ. معْناهُ لا يَقُولوا أَنا كُنْتُ صَبِيًّا صَغِيرًا فَلَعَلِّي لا أَضْبِطُ ما سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ الله!! لِذلِكَ جاَءَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِلَفْظَةُ : “حَفِظْتُ”): «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ؛ فإنَّ الصِّدْقَ طُمَأنِينَةٌ، وَالكَذِبَ رِيبَةٌ». رواهُ الترمذيُّ، وَقالَ: «حديثٌ صحيحٌ». قولُه: «يَريْبُكَ» هُوَ بفتحِ الياءِ وضمِّهَا: ومعناهُ اترُكْ مَا تَشُكُّ في حِلِّهِ وَاعْدِلْ إِلَى مَا لَا تَشُكُّ فِيْهِ.
أما معاني هذا الحديث العظيم، فإننا سنتكلم فيه الدرس القادم بمشيئة الله تعالى فإن معانيه كثيرة ونفعه عظيم، وهو من قواعد الدين.
الْحَمْدُ للَّهِ الْخَالِقِ بِقُدْرَتِهِ مَا دَبَّ وَدَرَج، الدَّالِّ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ بِالْبَرَاهِينِ وَالْحُجَجِ، أَنْشَأَ الأَبْدَانَ مِنَ النُّطَفِ وَحَفِظَ فِيهَا الْمُهَجَ، وَأَنْطَقَ اللِّسَانَ فَأَبَانَ سُبُلَ الْمُرَادِ وَنَهَجَ، “وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ” خَلَقَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمَرَجَ، وَعَلِمَ مَا ظَهَرَ فِي الأَرْضِ ومَا فِيهَا وَلَجَ، بَصِيرٌ يَرَى جَرَيَانَ الدِّمَاءِ فِي بَاطِنِ الْوَدَجِ، سَمِيعٌ لا يخفى عليه صَوْت الْبَاكِي إِذَا نَشَجَ، ولا يَخْفَى عَلَى بَصَرِهِ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ سَوَادُ الثَّبَجِ، وَلا يَعْزُبُ عَنْ سَمِعْهِ أَنِينُ الْمُدْنِفِ يَرْجُو الْفَرَجَ، أَنْزَلَ كتابًا مَنْ استقى منه ارْتَوَى وَابْتَهَجَ، قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ. أَحْمَدُهُ تعالى حَمْدَ مَنْ جَمَعَ الْمَحَامِدَ فِي حَمْدِهِ وَدَرَجَ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي إِلَى السماء عَرَجَ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الَّذِي لا يَبْغَضُهُ إِلا الرُّعَاعُ الْهَمَجُ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي يَفُوحُ مِنْ ذِكْرِهِ أَذْكَى الأَرَجِ، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي جَمَعَ الإِنْفَاقَ إِلَى الصِّهْرِ فَازْدَوَجَ، وَعَلَى عَلِيٍّ الْمُجْمَعِ عَلَى حُبِّهِ فَإِنْ خَرَجَ شَخْصٌ مِنَ الإِجْمَاعِ خَرَجَ، أما بعد:
فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الحديث الخامس والخمسون: الثاني: عن أبي محمدٍ الحسنِ بنِ عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهما، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُول الله – صلى الله عليه وسلم: (وصلنا في شرحنا لهذا الحديث العظيم إلى هذا الموضع) قال: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ (“دَعْ” يَعْنِى اتْرُك! “مَا يَرِيبُكَ“، وَيَصِحُّ أَنْ يُقال: “يُرِيبُكَ” بِضَمِّ الياء، لَكِنَّ الأَفْصَحَ وَالأَصَحَّ “يَرِيبُكَ” بِفَتْحِ الياء، مِنْ رابَ/يَرِيبُ، إِذا تَرَدَّدَ أَوْ شَكَّ. يُقالُ: “رابَنِي أَمْرُ فُلان” وَ”أَرابَنِي أَمْرُ فُلان”، بالأَلف يَعْنِى تَرَدَّدْتُ وَشَكَكْتُ فِى حالِهِ. فَرَسُولِ الله ﷺ، قال: “دَعْ” يَعْنِى اتْرُك! “مَا يَرِيبُكَ” يَعْنِى ما تَشُكُّ فِيهِ هَلْ هُوَ حَلالٌ أَمْ حَرام، هَلْ هُوَ مُتَيَقَّنُ الحِلِّيَّة أَمْ فِيهِ شُبْهَة؟ اشْتَبَهَ عَلَيْكَ أَمْرُهُ. فَالاحْتِياطُ فِى الدِّين أَنْ تَتْرُكَ الذي اشْتَبَهَ عَلَيْكَ أَمْرُهُ وَأَنْ تَلْزَمَ جانِبَ السَّلامَةِ فِى دِينِك. جانِبُ السلامة أَنْ تَلْزَمَ تَرْكَ المشْكُوكِ فِيهِ، الذي اشْتَبَهَ عَلَيْكَ أَمْرُهُ، فَإِذا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ أَمْرٌ بينَ كَوْنِهِ حَلالًا أَوْ حَرامًا، لا تَفْعَلْهُ طَلَبًا للبُعْدِ مِنَ الحَرام! لأَجْلِ أَنَّهُ احْتَمَلَ عِنْدَكَ أَنَّهُ حَرام وَاحْتَمَلَ عِنْدَكَ أَنَّهُ حَلال، فَالاحْتِياطُ فِى الدِّين أَنْ لا تُبادِرَ بِفِعْلِ هذا الأمر الذي اشْتَبَهَ عَلَيْكَ حُكمُهُ، “دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُك“. اتْرُك ما يَرِيبُك، ما تَشُكُّ فِيهِ وَتَتَرَدَّد وانْتَقِل إِلَى ما لا يَرِيبُك. ما لا تَشُكُّ فِيهِ وَلا تَتَرَدَّد. رابَنِي الشىء وَأَرابَنِي، كِلاهُما بِمَعْنًى، يَعْنِى شَكَكْتَ فِي هٰذا الأَمْر.
نَقُولُ: رابَنِي هذا الأَمْر، مَعناهُ شَكَكْتَ فِيه. وَنَقُولُ: أَرابَنِي. رابَنِي مَعْناهُ: إِذا شَكَكْتَ فِي أَمْرٍ، هَلْ هُوَ حَلال أَوْ هُوَ حَرام، حَسَن أَوْ قَبيح، سُنَّة أَوْ بِدْعَة، مَأْمُورٌ بِهِ أَوْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فاتْرُكْهُ وَانْتَقِل إلَى شىءٍ تَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ فِى شَرْعِ اللهِ تعالى. وَهٰذا بابٌ مِنَ الوَرَع عَظِيم. كانَ بَعْضُ الأَكابِر، يوسُف بنُ أَسْباط، كانَ يَقُول: “مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَة ما شَكَكْتُ فِى شَىء إِلّا تَرَكْتُه“. يعني إِذا تَرَدَّدْتُ فِى شَىء أَتْرُكُهُ! وَكَذلِك رُوِيَ عَنْ غَيرِهِ. عَنْ حَسّان بنْ أَبِي سِنان قالَ: “الوَرَعُ سَهْل! إِذا شَكَكْتُ فِى شىء، تَرَكْتُهُ!” وَهٰكذا رُوِيَ عَنْ سُفْيان الثَّوْرِيّ أَنَّهُ قال: “ما شَكَكْتُ فِى شىء إِلّا تَرَكْتُه!” ولكِنْ هٰذا بالنِّسْبَةِ لَهُما! مَنْ كانَ مثْلَهُما، قَدْ يَعُدُّهُ سَهْلًا أَمّا غَيْرُهُما فَقَدْ يَعُدُّ هذا أَصْعَبَ مِنْ نَقْلِ الجِبال. يَكُونُ أَثْقَل عَلَى نَفْسِهِ وَأَصْعَبَ مِنْ نَقْلِ جَبَلٍ مِنْ مَكانٍ إِلَى مَكان. لٰكِن كَثِير مِنْ هؤلاءِ الأَكابِر، كَثِير مِنْهُم هٰكذا كانَ يَقُول. وَجاءَ عَنْ بَعض السَّلَف وَهُوَ سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَة قال: “لا يَبْلُغُ الإِنْسان كَمالَ الإِيمان، لا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الكَمال حَتَّى يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحَرام حاجِزًا مِنَ الحَلالِ لا يَقْرَبُهُ“، يَعْنِى حَتَّى يَصِيرَ مِنْ أَهْلِ الكَمال، لا بُدَّ أَنْ يَتَوَرَّعَ عَنْ شىءٍ مِنَ الحلال، أَنْ يَتْرُكَ شيْئًا مِمّا يَحِلّ. سُفْيانُ بْنُ عُيَينَة قال: حَتَّى يَصِلَ الإِنْسان إِلَى دَرَجاتِ أَهْلِ الكَمال، لا بُدَّ أَنْ يَتْرُكَ هذه الأَشْياء الجائِزَة، التي الأَحْسَنُ تَرْكُها، التي يُكْرَه إِتْيانُها. يَقُولُ سُفيانُ بنُ عُيَينة: “حَتّى يَصِيرَ الإِنْسان مِنْ أَهْلِ الدَّرَجاتِ العُلْيا، يَحْتاج أَنْ يبْتَعِدَ عَنْ مِثْلِ هٰذه الأُمُور حَتّى يَكُونَ عَنِ الحَرامِ أَبْعَد“، إِذا كانَ عَنْ مِثْلِ هٰذه الأَشْياء التي تَجُوزُ، هُوَ يَتْرُكُها وَيَبْتَعِد، فَكَيْفَ الحَرام، المَعْرُوف أَنَّ اللهَ تعالى قَدْ حَرَّمَهُ؟ يَكُونُ أَبْعَدَ عَنْ ذلِك. وَمِنْ هٰذا الباب، كذلِكَ ما يُرْوَى مَثَلًا عَنْ أَبِي إِسْحاق الشِّيرَازِيّ رَحِمَهُ الله تعالى صاحِب كِتاب التَّنْبِيه، الفَقِيه الشّافِعِيّ الْمَعْروف. كانَ فِى المسْجِد مَعَهُ دِينار. خَرَجَ مِنَ المسْجِد وَقَدْ تَرَكَ الدِّينار فِى المسْجِد. بَعْدَما مَشَى مَسافَة، تَذَكَّر أَنَّهُ نَسِيَهُ فِى المسْجِد رَجَعَ إِلَى المسْجِد، وَصَلَ إِلَى الدِّينار ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ شيْئًا ما، فَقال: لَعَلَّ هٰذا ليسَ دِينارِي! لَعَلَّهُ وَقَعَ مِنْ غَيْرِي، فَتَرَكَهُ وَخَرَج! “دَعْ ما يَرِيبُك إِلَى ما لا يَرِيبُك“، الحسَنُ بْنُ عَلِيٍّقَالَ: “حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: “دَعْ ما يَرِيبُك إِلَى ما لا يَرِيبُك“. بَعْضُ السَّلَف كانَ يُكَلِّمُ البَعْض فَقال: “فُلان (أَيَضًا كانَ مِنَ السَّلَف الأَكابِر) قال: كُنْتُ أَعْرِفُهُ، تَرَكَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنَ المال (أَرْبعِونَ أَلْفًا فِى زَماننا قريب الملْيار دُولار) قال: فِيما أَنْتُم لا تَرَوْنَ أَنْتُم فِيهِ بَأْسا!! مِنْ أَيِّ باب؟؟ مِنْ بابِ الوَرَع. حَتّى يَدَعَ ما يَرِيبُهُ إِلَى ما لا يَرِيبُهُ.
ولهذا أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، وهي مثلُ الأُمُورِ المشْتَبِهَة الواردِ ذكرُها في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: “فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ“. وهذا الحديث الذي ذكرناه عن الحسن بن علي رضي الله عنهما يبين أن وَأَنَّ الوَرَعَ هو تَرْكُ هذه الأُمُور المشْتَبِهَة.
وأبين بعض ألفاظ هذا الحديث ليحصل فهم المقصود على التمام فهما مترابطان ومؤداهما واضح، فقوله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ” أَي مُتَّضِحٌ ظاهِرٌ قامَت عَلَيْهِ دَلائِلُ الكِتابِ وَالسُّنّة، تُظْهِرُ وَتُبَيِّنُ حِلِّيَّتَهُ، أَنَّهُ حَلال جائِز وَذَلِكَ كَالبَيْعِ وَكَالصَّلاة وَالصَّداق، فَإِنَّ هذه أُمُور فِى أَصْلِ حُكْمِها جائِزَة، نَعم، أَحْيانًا تَعْتَرِيها أَحْكامٌ أُخْرَى غَيرُ الجَواز، لَكِنْ الأَصْلُ فِى حُكْمِها أَنَّها جائِزَة، أَنَّ اللهَ تعالى قالَ فِى البيْع ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾[سورة البقرة: 275] فَهِيَ مِنْ قَبيلِ الحَلالِ البَيِّن. وقوله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ الْحَرامَ بَيِّنٌ” أَيْ أَيْضًا مُتَّضِح، جاءَ فِى الشَّرْعِ ما يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ دِلالَةً واضِحَةً صَرِيحَةً وَذلِكَ كَقَوْلِهِ تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾[سورة النساء:23]الآية وَمِنْها قَوْلُهُ تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ الآيَةَ، فَهُنا، لَفْظُ التَحْرِيمِ بِهذه المَذْكُوراتِ لَفْظٌ بَيِّنٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المذْكُورَ حَرامٌ صُراحا، قامَ عَلَيْهِ دَلِيلُ كِتابِ الله ثُمَّ قالَ ﷺ: “وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ“، بَيْنَ الحَلالِ البَيِّن وَبَيْنَ الحرام البَيِّن أُمُورٌ مُشْتَبِهات. “مُشْتَبِهَاتٌ” جَمعُ مُشْتَبِه وَهُوَ الذي ليسَ بَيِّنُ الحُرْمَة ولا بَيِّنَ الإِباحَة إِنَّما مُعناهُ تَجاذَبَتْها وَتَنازَعَتْها أَدِلَّةٌ مِنَ الكَتابِ وَالسُّنّة. مَعانِيها ليسَتْ وَاضِحَة، بَلْ هِيَ مُحْتَمِلَة لأَشْياءَ كَثِيرَة، دَلِيلُ حُرْمَتِها لَيسَ وَاضِحًا وَدَلِيلُ حِلِّيَّتِها ليسَ وَاضِحًا بَيِّنًا، فَهذه الأُمُور تُعَدُّ مِنَ الأُمُور الْمُشْتَبِهَة، التي هِيَ ليسَت مِنْ قَبيلِ الحَلالِ البَيِّن وَلا مِنْ قَبيلِ الحرام البَيِّن إِنَّما اشْتَبَهَ حُكْمُها وَتَجاذَبَتْها أَدِلَّةُ الكَتابِ، دَلِيلٌ يَجْذِبُها نَحْوَ الحُرْمَة دَلِيلٌ آخَر يَجْذِبُها نَحْوَ الحِلِّيَّةِ والإِباحَة. مِثْلُ هذه الأُمُور تُسَمّى مُشْتَبِهات. وَهذه الأُمُور الْمُشْتَبِهَة، إِنَّما هِيَ مَجالُ نَظَرِ الأَئِمَّةِ المجْتَهِدينَ، الأَئِمَّةُ المجْتَهِدونَ كَالإِمامِ أَبِي حَنِيفَة والإِمامِ الشافِعِيّ والإِمامِ مالِك والإِمامِ أَحْمَد والإِمامِ الأَوْزاعِيّ والإِمامِ سُفيانِ بْنِ عُيَيْنَة وَغَيْرِهِم مِنْ مُجْتَهِدِي هذه الأُمَّة، هُمُ الذينَ لَهُمُ أَهْلِيَّةُ النَّظَر بِهذه الأُمُور الْمُشْتَبِهَة لِيُعْطِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنْ هؤلاء الأَئِمَّةِ المجْتَهِدينَ حُكْمًا عَلَى هذه الأُمُور الْمُشْتَبِهَة بِدَليلٍ يَراهُ يَتَّفِقُ مَعَ حُكْمِ هذا الأَمْر المشتَبِه. وَلذلِك نَرَى أَنَّ الأُمورَ التي هِيَ مِنَ المشتَبِهاتِ، تَكَلَّمَ فِيها الأَئِمَّةُ المجْتَهِدونَ، فَقَدْ نَجِدُ مَثَلًا أَنَّ قَوْلَ الإِمامِ أَبِي حَنِيفَة خالَفَ فِى مَسأَلَةٍ مُشْتَبِهَةٍ قَوْلَ الإِمامِ الشّافِعِيّ. وَقَدْ نَجِدُ مَثَلًا الإِمامَ مالِكًا خالَفَهُما مَعًا لأَنَّ الأَمْرَ مُحْتَمِلٌ لِعِدَّةِ أُمُور. وَهناكَ أَمثِلَة كَثِيرَة عَنْ هذا الأَمر. نَعرِفُ أَنَّ المرأَةَ إِذا طَلَّقَها زَوْجُها، فَعِدَّتُها ثَلاثَةُ “قُرُوء” يَعْنِى ثَلاثَةُ أَطْهار عَلَى ما قالَ الإِمامُ الشّافِعِيّ أوْ ثَلاثَةُ أَحْياض عَلَى ما قالَهُ الإِمامُ أَبُو حَنِيفَة. يلزَمُ هذه المرأَة أَنْ تَعْتَدّ، أَنْ تَمْتَنِعَ عَنِ الزِّواج بِغَيْرِ زَوْجِها. أَمّا زَوْجُها إِنْ طَلَّقَها طَلاقًا رَجْعِيًّا، يَعْنِى طَلاقًا أَوْ طَلاقَين، يَجُوزُ لهُ أَنْ يُرْجِعَها ضِمْنَ العِدّة بِقَوْلِهِ: “أَرْجَعْتُكِ إِلَى نِكاحي”، لَكِنْ إِذا مَضَتِ العِدَّة، لا يَجُوزُ لِزَوْجِها الذي فارَقَها وَطَلَّقَها أَنْ يَرْجِعَ لَها إِلّا بِعَقْدٍ جَدِيد. إِذًا المرأةُ الْمُطَلَّقَةُ عَلَيْها عِدَّة إِذا كانَ طَلاقُها بَعْدَ الدُّخُولِ بِها. اللهُ تَعالى ذَكَرَ عِدَّةَ المطَلَّقَةِ فقال ﴿ثَلاثَةِ قُرُوء﴾ [سورة البقرة/الآية 228]. نَأْتِي إِلَى كَلِمَةِ “قُرُوء” فِى اللغَةِ العَرَبِيّة، نَجِدُ أَنَّ كَلِمَةَ “القُرْء” وَيُقالُ “القَرْءُ” بِفَتْحِ القافِ وَضَمَّ القافِ وَجَمْعُها القُروء مُحْتَمِلَةٌ للطُّهْرِ مُحْتَمِلَةٌ للحَيْض وَهِيَ لَفْظَةٌ منَ الأَضْداد وَمَعْنَى الأَضْداد أي تَحْتَمِلُ المعْنَى وَتَحْتَمِلُ ضِدَّهُ. يُقالُ للطُّهْرِ “قُرْء” وَيُقالُ للْحَيْضِ “قُرْء” لِذلك الإِمامُ الشافِعِيّ يَقُولُ ﴿ثَلاثَةِ قُرُوء﴾ يَعْنى ثَلاثَةَ أَطْهار وَقالَ وَدَليلُ حَمْلِي القُرْءِ عَلَى هذا المَعْنَى “الطُّهُر” كَذا وَكذا وَكَذا. وَقالَ الإِمامُ أَبُو حَنيفَة بِما أَنَّ القُرْءَ فِى اللغَة أَيْضًا يَأْتِي بِمَعْنَى الحيْض، إِذًا عِدَّةُ المطَلَّقَةِ أَيْ يَأْتِي عَلَيْها ثَلاث حَيْضات، لأَنَّ اللهَ قالَ ﴿ثَلاثَةِ قُرُوء﴾. حَمَلَ الإمامُ أَبُو حَنيفة القُروءِ عَلَى الأَحياض بِدَليلٍ رَآهُ فِى السُّنَّة وَفِى الأَثَر، فَتَجاذَبَت كَلِمَة “القُرُوء” الدَّلائِل بينَ الإِمامِ الشافِعِيّ وَبَينَ الإِمامِ أبي حنيفة فَصارَ أَمْرُ عِدَّةِ المطَلَّقة أَمْرًا مُشْتَبِهًا، كُلٌّ مِنَ المجتَهِدِين قالَ بِقَوْلٍ خالَفَ فِيهِ قَوْلَ إِمامٍ ءاخَر. قَوْلُ الإِمامِ الشافِعِيّ خالَفَ قَوْلَ الإِمامِ أبي حَنيفة.
ثُمَّ إِنَّ قَوْلَهُ ﷺ: “وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ“، يَعْنِى عَمِلَ هذه الأُمُور الْمُشْتَبِهِ حُكْمُها،قالَ الرّسُولُ: “وَقَعَ فِي الْحَرَامِ“، مَعناهُ هذه المشْتبِهات، إِذا فَعَلَها الإِنْسانُ، يَكُونُ واقِعًا فِى الحَرام، كَما قالَ قِسْمٌ مِنَ العُلَماء. وَقِسْمٌ ءاخَرونَ قال: هذه المشْتبِهات لا نَقُولُ إِنها حَرام وَلا نَقُولُ إِنَّها حلال، إِنّما نَتَوَقَّفُ. يَعنى لا نُعْطِي حُكْمًا عَلَى هذه المشْتبِهات. لا نَقُولُ فِيها حَرامٌ جزْمًا وَلا نَقُولُ هِيَ حلالٌ جزْمًا، بَلْ نَتَوَقَّفُ فِى إِعْطاءِ الحُكمِ عَلَيْها لأَنَّ الرَّسُول ﷺ قالَ: “كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ“. حِينَ قالَ “يُوشِكُ” يَعنى قارَبَ الوُقوعَ فِى الحَرام لأَنَّ “يُوشِكُ” مِنْ أَفْعالِ المقارَبَة، يعْنى الفِعْل الذي يَدُلُّ عَلَى قُرْبِ وُقُوعِكَ فِى الشّىء. فَقَوْلُ الرسُول ﷺ قالَ: “يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ” معناهُ قارَبَ أَنْ يَقَع فِى الحَرام إِذًا هُوَ ليسَ حَرامًا. ليسَ لَنا أَنْ نَجْزِمُ أَنَّهُ حَرام وَلا أَنْ نَجْزِمُ أَنَّهُ حَلال لِكَوْنِهِ مُشْتَبِهًا، بَلْ نَتَوَقَّفُ فِى حُكْمِهِ. هناكَ أُمُور، عَلَّمَنا الرّسُولُ الوَرَعَ فِيها وَإِذا اشْتَبَهَ عَلَيْنا حُكْمُها، أَنْ نتْرُكَ الوُقُوعَ فِيها، طَلَبًا لِبَراءَةِ دِينِنا وَمَعنى “لِبَراءَةِ دِينِنا” لِسَلامَةِ دِينِنا، نَبْتَعِدُ عَنِ الأُمُورِ التي اشْتَبَهَ عَلَيْنا حُكْمُها، ليسَت هِيَ بَيِّنَةَ الحُرْمَة وَلا هِيَ بَيِّنَةَ الحِلِّيَّةِ والإِباحَة.
مِثالٌ ءاخَر عَنْ هذه الأُمُور التي هِيَ مُشْتَبِهَةٌ ما رَواهُ البُخارِيُّ أَيْضًا وَمُسلِمٌ فِى صَحِيحَيْهِما مِنْ حَدِيثِ عَدِيّ بْنِ حاتِم أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِم جاءَ إِلَى الرسُول فقالَ لَهُ: “يا رَسُولَ الله، إِنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي وَأُسَمِّي عَلَيْهِ“، كَلْب للصِّيد، فَإِذا أَطْلَقَ الكَلْبَ لِيصْطاد، يَنْبَغِي أَنْ يُسَمِّيَ عَلَيْهِ، يَقُولَ: “بِسمْ الله” عِنْدَ إِرْسالِهِ. “يا رَسُولَ الله، إِنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي وَأُسَمِّي عَلَيْهِ فَأَجِدُ مَعَهُ عَلَى الصّيدِ كَلْبًا ءاخَر” يَعنِى بِكُون فِي صَيْد فِى احْتِمال أَنْ يكون كلب عَدِيّ هُوَ الذي اصطادَه وهُناكَ احْتِمال أَنْ يَكون الكَلب الآخَر الذي وَجَدَهُ مَعَ كَلْبِهِ أنْ يَكُونَ هُوَ الذي اصْطادَهُ وَلا يَدرِي هل هذا الكلب الآخَر سَمّى عَلَيْهِ صاحِبُهُ عِنْدَ إِرْسالِهِ أَمْ لا. لا يَدرِي! فَبِما أَنَّهُ تَشابَهَ حُكْمُ هذا الصَّيْد عَلَى عَدِيّ بْنِ حاتِم، جاءَ إِلَى الرسُول يَسأُلُهُ، فَقالَ لَهُ الرّسُولُ: “لا تَأْكُل، إِنّما سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِك وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيرِهِ” فَبِما إِنَّهُ يُوجَد اِحْتِمال أَنْ يَكُونَ كَلْبُ غَيرِكَ هُوَ الذي اصْطاد مَعَ احْتِمال أَنَّ مَنْ أَرْسَلَ هذا الكلبَ الآخَر لَمْ يُسَمِّ عَلَيْهِ صاحِبُهُ، الرَّسُولُ نَهاهُ عَنِ الأَكْلِ مِنْ هذه الطَّرِيدَة، لِماذا لأَنَّهُ اشْتَبَهَ حُكمُ هذه الطَّريدَة فَأُلْحِقَت هذه الطَّريدَة لأجْلِ الشَّكِّ وَالشَّبَه بِما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ. ثُمَّ قالَ: “فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ“، مَعْناهُ الذي يَجْتَنِبُ وَيَبْتَعِدُ عَنِ الشُّبُهات يَكونُ نالَ البَراءَةَ وَحَظِيَ بِالسَّلامَة بِأَمْرِ دِينِهِ وَأَمْرِ عِرْضِهِ. مَعناهُ يَكُونُ فِى أَمانٍ وَحِفْظٍ وَصِيانَةٍ مِنَ الوُقُوعِ فِى الحَرام. لِماذا؟ لأَنَّهُ ابْتَعَدَ عَنْ هذه الشُّبُهات طَلَبًا لِصِيانَةِ دِينِهِ وَعِرْضِهِ. هُناكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَة يَنْبَغِي عَلَى الإِنْسانَ أَنْ يَتَجَنَّتَها وَأَنْ يَبْتَعِدَ عَنْها طَلَبًا لِصِيانَةِ دِينِهِ وَحِفْظِ عِرْضِهِ وَلِذا نَجِدُ أَنَّ اللهَ تعالى قالَ فِى القُرءان ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[سورة البقرة:35] عَنْ ءادَمَ وَحَوّاء. رَبُّنا سبْحانَهُ وَتَعالى نَهَى ءادَمَ وَحَوّاءَ عَلَيْهِما السّلام مِنَ الاقْتِراب مِنْ نَوْعِ شَجَرَة فِى الجَنّة. قالَ تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ مَعْناهُ لا تَكُونا قَرِيبَيْنِ مِنْها لأَنَّ الْمُقارَبَةَ مِنْ مَواطِنِ الحَرام التي مُنِعْنا مِنَ الوُقُوعِ فِيه، قَدْ تَدْعُو الإِنسانَ إِلَى الوُقُوعِ فيه. إِذا كانَ الإِنْسانُ قَرِيبًا مِنَ المَواطِنِ التي يُفْعَلُ فِيها الحَرام أَوْ نُهِينا عَنْ فِعْلِها، قَدْ يَكُونُ ذلِكَ سَبَبًا فِى مُواقَعَتِها. لِذلِكَ النَّظْرَةُ المحَرَّمَةُ قَدْ تَجُرُّ صاحِبَها إِلَى الخَلْوَةِ بِهذِهِ الأَجْنَبِيّة. وَالخَلْوَةُ بِهذِهِ الأَجْنَبِيّة قَدْ تَجُرُّهُ إِلَى الفُجُورِ بِها، فَهذه الْمُقارَبَة قَدْ تَكُونُ سبَبًا لِلْمُواقَعَة. وَلِذلِكَ يَقُولون: المعاصِي بَرِيدُ الكُفْرِ. إِذا وَقَعَ الإِنسانُ فِى مَعصِيَةٍ صَغِيرَة، قَدْ تَجُرُّهُ هذه المَعصِيَةُ الصَغِيرَةُ إِلَى الوُقُوعِ فِى ذَنْبٍ كَبير، ثُمَّ إِذا وَقَعَ فِى ذَنْبٍ كَبير، واسْتَرسَلَ فِى الوُقوع فِى المعاصِي الكَبيرَة واعْتادَ عَلَى فِعْلِها، أَظْلَمَ قَلْبُهُ وَإِذا أَظْلَمَ قَلْبُهُ، سَهُلَ بَعْدَ هذا عَلَيْهِ وَالعِياذُ بالله أَنْ يَقَعَ فِى الكُفُر! لِذلكَ يَقُولون: المعاصِي بَريدُ الكُفُر يَعْنِى بِسَبَبِ المعاصِي وَكَثْرَةِ مُواقَعَتِها، قَدْ تَسُوقُ صاحِبَها بِسَبَبِ تَساهُلِهِ فِى الوُقوعِ بِالمعاصِي إِلَى أَنْ يَتَساهَلَ فَيَقَعَ فِى الكُفُر وَالعِياذُ بالله، كَما قالُوا أَيْضًا: “الحُمّى بَرِيدُ الْمَوْت“، مَعناهُ إِذا أَصابَ الإِنْسانَ حُمّى شَدِيدَة، حرارَة شَدِيدَة، فِى الماضِي، نادِرًا مَنْ كانَ يَنْجُو مِنَ الهَلاكِ وَالْمَوْتِ بِسَبَبِها. فِى أَيامِنا الآن، سَهْل، يُعالَجُ المرِيض بالأَدوِيَة وَنحو ذلِك فالاِقتِراب مِنَ الحَرام قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْوُقوعِ فِيهِ فَلا يَنْبَغِي للإِنسان أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنْ مَواطِنِ الشُّبُهات التي إِذا اعْتادَ عَلَيْها وَتَساهَلَ مُلاصَقَتَها، قَدْ يَقَعُ فِى الذُّنُوبِ وَالمعاصِي. لِذلِكَ نَهَى الله ءادَمَ وَحوّاءَ مِن الاقْتِرابِ مِنْ تِلْكَ الشجَرَة فقالَ ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ معناهُ لا تَكُونا قَرِيبَيْنِ مِنْ هذه الشَّجَرَة حَتّى لا تُوَلِّف نُفُوسُكُما أَوِ الشيطانُ لَكُما بِالأَكْلِ مِنْ هذه الشَّجَرَة وَلِذا قالَ تعالى أَيْضًا ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾[سورة الإسراء:32] فِى هذا الموْضِع، اللهُ لَمْ يَقُلْ لا تَزْنُوا، إِنّما قال ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ مَعناهُ لا تَكُونُوا قِريبِين مِنَ المواضِع التي يسْهُلُ عَلَى الإِنسانِ بَعدَها أَنْ يَقَعَ فِى الزِّنا. قَدْ تَتَأَتَّى ظُروف وَأَسْباب إِذا كَان قَرِيبًا لهذه الظُروف وَالأَسْباب كَالخَلْوَةِ بالأَجنَبِيّة، وَبِمُخالَطَةِ الزّانِيات، قَدْ يَقَعُ وَالعِياذُ باللهِ فِى الزِّنَى!! إِذًا السلامَة أَنْ يَبْتَعِدَ عَنْ هذه المواطِن وَأَنْ لا يَقْرُبَ مِنْها حَتّى لا يَقْعَ فِيها والعياذُ بالله.
لِذلِكَ لا بُدَّ مِنَ الإِنسان أَنْ يَبْتَعِدَ مِنَ الشُّبُهات وَأَنْ يَتَجَنَّبَها حَتّى لا يَقَعَ فِى الأُمُورِ المحَرَّمَةِ يَقِينًا. لأَنَّ النَّفْسَ إِنْ لَمْ تُمْسِكْها بِزِمامِ الخَوْفِ مِنَ الله، وَتَقْوَى الله وَتَجَنُّبِ هذه الشُّبُهات، تُحِبُّ أَنْ تَسْتَرْسِلَ وَأَنْ تَنْطَلِقَ فِى المَلَذّاتِ وَالشَّهَوات فَلا يستَطِيعُ بَعْدَ ذلِكَ هَذا الإِنسان أَنْ يُمْسِكَ زِمامَها. ما عادَ سَهلا عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ زِمامَها بَعْدَ ذلِكَ لأَنَّها راضَت وَاعتادَت عَلَى الميْلِ إلَى الشَّهَوات والتَّلَطُّخِ بِها والوقوع فِى الذُّنُوب والتَّلَطُّخِ بِها.
وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك”، أي الذي تشك في حله واشتبه عليك أمره اتركه لا تفعله، وهذا هو الورع وطريق السلامة.
أَهْلُ العِلْمِ يَقُولُون: إِذا أَصابَ ثَوْبَكَ نَجاسَة ثُمَّ شَكَكْتَ، هَلْ هٰذه النَّجاسَة أَصابَت مُقَدَّمَ ثَوْبِكَ أَمْ مُؤَخَّرَ ثَوْبِك؟ عِنْدَكَ احْتِمال أَنْ تَكُونَ النَّجاسَةُ أَصابَت مُقَدَّمَ ثَوْبِكَ وَعِنْدَكَ احْتِمال أَنْ تَكُونَ النَّجاسَةُ أَصابَت مُؤَخَّرَ ثَوْبِك. هَلْ يَكْفِيكَ أَنْ تَغْسِلَ مُقَدَّمَ ثَوْبِك وَتَقُول: أنا أَكْتَفِي بِهذا، أقْتَصِرُ عَلَى هذا؟ مَع احْتِمالِ أَن تَكُونَ النَّجاسَةُ فِى مُؤَخَّرِ ثَوْبِكَ، لا يَكْفِيك! وهَلْ يَكْفِيكَ أَنْ تَغْسِلَ مُؤَخَّرَ ثَوْبِك مع احْتِمال أَنْ تَكُونَ النَّجاسَة فِى مُقَدَّمِ ثَوْبِكَ؟ لا يَكْفِيك! بِما أَنَّكَ تَرَدَّدْتَ، أَهْلُ العِلْمِ يَقُولون: إِلْزَمِ اليَقِين، الذي لا تَرَدُّدَ فِيهِ! ما هُوَ هذا اليَقِين، الذي يَنْبَغِى عَلَيْكَ أَنْ تَفْعَلَه؟؟ أَنْ تَغْسِلَ مُقَدَّمَ وَمُؤَخَّرَ ثَوْبِك. “دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ“. “إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ” يَعْنِى أُتْرُكِ الذي تتَرَدَّدُ فِى حُكْمِهِ والْزَمِ الشىء الْمُتَيَقَّن الذي “لاَ يَرِيبُكَ” الذي لا ترَدُّدَ فِى حُكْمِهِ لِتَطْلُبَ السّلامَةَ فِى دِينِك.
النَّبيُّ ﷺ كانَ يَدْخُلُ دارَهُ فَيَجِدُ التَّمْرَةَ ساقِطَةً عَلَى فِراشِه، عَلَى فِراشِهِ وَفِى بيْتِهِ! أَوَّلُ شىء يَخْطُرُ عَلَى البال أَنَّها مِلْكٌ لَهُ. قالَ ﷺ: “فَأُهْوِي“، يَعْنِى أَمُدُّ يَدِي “لأَتَناوَلَها“، يَعْنِى لآكُلَها، “فَأَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقة فَأُلْقِيها“! مَعَ أَنَّ كُلّ الدَّواعِي يَقُول أَنَّ هذه التَّمْرَة ملك النّبِيّ. سَقَطَت مِنْ وِعائِهِ إِلَى فِراشِهِ وَلَمْ يُتَنَبَّه لَها، لَكِنَّ النّبِيّ حِينَ احْتَمَلَ عِنْدَهُ وَلَوْ كانَ هذا الاحْتِمالُ ضَعِيفًا. حِينَ احْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنْ تَكُونَ هذه التَّمْرَةُ سَقَطَت مِنْ مالِ الصَّدَقَة، يَعْنِى الزَّكاة، أُعْطِيَها ﷺ، لِيَدْفَعَها للمُسْتَحِقِّين فَسَقَطَت مِنْ مالِ الصَّدَقة التَّمْرَة، لَمْ يُتَنَبَّه لَها! وَرَسُول الله ﷺ، كانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ الصَّدَقة، سَواءٌ كانَت هٰذه الصَّدَقَةُ واجِبَةً مَفْرُوضَةً (أَيِ الزَّكاة) أَوْ كانَت هٰذه الصَّدَقة صَدَقَة تَطَوُّع، الرَّسُولِ ﷺ كانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ صَّدَقة التَطَوُّع وَأَنْ يَأْكُلَ الزَّكاة الواجِبَة. كانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ كِلا الأَمْرَين. فَلأَجْلِ احْتِمالِ أَنْ تَكُونَ هذه التمرَةُ مِنْ مال الصَّدَقَة، الرّسُولُ أَلْقاها بَعْدَ أَنْ هَمَّ بِأَكْلِها! “دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ“. جانِبُ السّلامَة وَاليَقِين هُوَ الأَحْوَطُ لِدِينِك!
أَضْرِبُ مِثالًا حَصَلَ مَعَ الإِمامِ أَبِي حَنِيفَة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضاه والإِمامُ أَبِي حَنيفَة كانَ خَيّاطًا فِى فَتْرَة مِنْ حَياتِهِ قَبْلَ تَفَرُّغِهِ للتَّدْرِيس واشْتِغالِهِ بِتَدْرِيسِ النّاسِ وَتَعْلِيمِهِ، كانَ يَخْرُجُ للعَمَل. فَكانَ يَشْتَغِلُ بَزّازًا. بَزّازًا يَعْنِى خَيّاطًا، يَبِيعُ الثِّياب. البَزُّ الثِّياب. فَحَصَلَ أَنْ كانَ فِى ثَوْبٍ مِنْ هذه الثِّياب الذي يَبِيعُها عَيْب، يَنْقُصُ مِنْ قِيمَةِ هذا الثَّوْب، فَوَضَعَ هذا الثَّوْبَ المَعِيبَ جانِبًا. حِينَ ذهَبَ لِقَضاءِ حاجَة، غُلامُهُ الذي يَعْمَلُ عِنْدَهُ فِى الدُّكّان، باعَ هذا الثَّوْبَ المعِيب كَأَنَّهُ صالِح بِلا عَيْب، يَعْنِى بِالثَّمَن الذي هُوَ صَحيحٌ بِلا عيب وَالحَقيقة أَنَّهُ مَع العيب يكونُ ثَمَنُهُ أَنْقَص. كانَ يَكْفِى الإِمامَ أَبا حَنِيفَة أنْ يَتَصَدَّقَ بالفارِق. هُوَ ما عاد يَعْرِفُ مَنْ هُوَ هذا المشْتَرِي وَإِلّا كانَ ذَهَبَ إِلَيْهِ فَأَعْلَمَهُ. عِنْدَما أَيِسَ مِنْ مَعْرِفَةِ صاحِبِهِ، بَدَلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالفارِق، تَصَدَّقَ بِثَمَنِ كُلِّ الثَّوْب! وَهٰذا الذي يَنْبَغِى أَنْ يَكُونُ عَلَيْهِ الواحِدُ مِنّا، أَنْ يَلْزَمَ السّلامَةَ فِى أَمْرِ دِينِه!
وَفِى مَسائلِ الفِقْه ما يشْهَدُ لِذلِكَ أَيْضًا. إِذا شَكَكْتَ أَنْتَ فِى الرَّكْعَةِ الثالِثَة أَمْ فِى الرَّكْعَةِ الرّابِعَة مِنْ صَلاةِ العِشاء؟ ماذا يَنبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تَفْعَل؟ تَفْعَلُ الشىءَ الْمُتَيَقَّن. ما هُوَ الشىء الذي لا يَرِيبُك؟؟ تَقُولُ فِى نَفْسِك: أَنا فِى الرَّكْعَةِ الثالِثَة لأَنَّها هِيَ المتَيَقَّنَة وَتَأْتِي بِرَكْعَةٍ أُخْرَى. فَإِنْ كُنْتَ حَقيقَةً فِى الثالِثَة، تَمَّت صَلاتُكَ بِهذه الرَّكْعَة التى أَتَيْتَ بِها وَإِنْ كُنْتَ حَقيقَةً فِى الرّابِعَة فَتَكُونُ هذه الرَّكْعَة التى أَتَيْتَ بِها أَرْغَمَت أَنْفَ الشَّيْطان، كَما عَلَّمَنا النبيّ ﷺ! فَلِذلِكَ تَأْخُذُ بِاليَقِين الذي هُوَ الأَقَلّ فَتَقُولُ: أَنا فِى الرَّكْعَةِ الثالِثَة. “دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ“، الإِمامُ أَبُو بَكْرٍ الصديق رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كانَ لَهُ غُلامٌ وَهذا الغُلامُ، كانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنَ خَراجِهِ. الخَراج هُوَ ما يَجْمَعُهُ هذا الغُلامُ، هذا العَبْد المملُوك، لأَبي بَكْرٍ مِنْ بُسْتانِ أَبِي بكر، أَبُو بَكر كانَ لَهُ بُسْتان فَكانَ يَجْمَعُ لَهُ الثِّمار، فَيَأْكُلُ أَبِو بَكرٍ مِنْ غَلَّةِ وَخَراجِ هذا الغُلام. ثُمَّ إِنَّهُ جاءَهُ ذاتَ يَوْمٍ بِطَعام وَكانَ أَبُو بَكْرٍ عادَة أَنَّهُ يَأْتِيهِ مِنْ ثِمارِ بُسْتانِهِ، فَجاءَ لَهُ ذاتَ يَوْمٍ بِطَعامٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبو بَكْرٍ ثُمَّ قالَ هذا الغلامُ لأَبِي بَكْرٍ: “أَتَدْرِي ما هذا الذي أَكَلْتَ؟” يَسْأَلُ أَبا بَكْرٍ فقل: “وَما هُوَ؟” قال: “إِنِّي تَكَهَّنْتُ بِرَجُلٍ فِى الجاهِلِيَّةِ وَما أُحْسِنُ الكَهانَة إِلّا أَنِّي خَدَعْتُهُ!” الكَهانَة حَرام، إِخْبارُ بالأَشياء التي يَزْعُمُ بَعْضُ الكُهّانِ أَنَّها تَحْدُثُ فِى المسْتَقْبَل، ضحك عليه وَأَخْبَرَهُ بِأَشْياء زَعَمَ أَنَّها يَحْدُثُ فِى المسْتَقْبَل فَأَعْطاهُ الحُلْوَان، أَعْطاهُ مالًا. مِنْ هذا المال اشْتَرَى طَعامًا فَأَطْعَمَ مِنْهُ أَبا بَكْرٍ الصِّدِّيق. وَهذا حُلْوان الكاهِن نُهِينا عَنْهُ كَما ثَبَتَ فِى حَدِيثِ رَسُولِ الله أَنَّ الصَّحِابِيَّ قال: “نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ مَهْرِ البَغِيِّ وَثَمَنِ الكَلْبِ وَحُلْوانِ الكاهِن“. فهذا غُلامُ أَبي بَكْرٍ كانَ تَكَهَّنَ لِرَجُلٍ فَخَدَعَهُ، فَأَعْطاهُ ذاكَ الحُلْوان، الأُجْرَة وَأَطعَمَ أَبَا بَكر مِنْ هذا. حِينَ طَعِمَ أَبُو بَكْرٍ لمْ يَعْرِف يَعْرِف وَبالتّالِي ليسَ عَلَيْهِ مَعْصِيَة، لأَنَّهُ ما كانَ يَعرِف أَنَّ هذا الطّعامَ الذي أَطْعَمَهُ إِيّاه ذاكَ الغُلام أَنَّهُ حَرام، ما كانَ يَعْرِف فلا مَعصِيَةَ عَلَى سيّدِنا أَبِي بَكْرٍ وَمَعَ ذلِك، بَعْدَ أَنِ اسْتَفادَ مِنْ هذا الطّعام فَوَصَلَ إِلَى مَعِدَتهِ أَبَى سيِّدُنا أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَبْقَى هذا الطّعامُ فِى جَوْفِهِ فَأَدْخَلَ إِصْبَعَهُ فِى فَمِهِ واسْتَقاءَ كُلَّ ما طَعِم. قالَ بَعْضُ مَنْ شَهِدَ هذه الحادِثَة: “خَشِيتُ أَنْ تَخْرُجَ روحُهُ مَعَ هذا الاسْتِيقاء” يَعْنِى مِنْ شِدَّةِ ما كانَ يُقاسِي وَيُعانِي حَتّى يُخْرِجَ كُلَّ ما فِى جَوْفِهِ! إِنّما هذا مِنْ سيِّدِنا أَبِي بَكْرٍ وَرَع وإِبْعاد جَسَدِهِ عَنْ هذا الحَرام مَعَ كَوْنِهِ ليسَ عَلَيْهِ مَعَصِيَة لأَنَّهُ ما كانَ يَدْرِي لَكِنَّهُ ما أَحَبَّ أَنْ يَنْمُوَ جَسَدُهُ عَلَى هذا الحَرام أَوْ أَنْ يَنْوُي اللَّحْمُ عَلَى بَدَنِهِ مِنْ طَعامٍ حرام! وَكُلُّ هذا مِنْ بابِ الابْتِعادِ عَنِ الشُّبُهاتِ واجْتِنابِها. وهناك قصة حَصَلَت مَعَ سيِّدِنا أَبِي حَنِيفَة رَضِيَ اللهُ عنه. يُحْكَى أَنَّ سيِّدَنا الإمامَ أَبا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أُخْبِرَ أَنَّهُ فِى بَلَدِهِ التِى هُوَ فِيها، أَنَّ سارِقًا تَسَلَّطَ عَلَى الغَنَم، صارَ يَسْرِقُ الغَنَمَ مِنْ أَصْحابِها فَفُقِدَت شاة ذاتَ يَوْمٍ فَخَشِيَ أَبو حَنِيفَة أَنْ يَكونَ هذا السّارِقُ سَرَقَ هذه الشّاةَ وَباعَها للجَزّار أَو ذَبَحَها وَباعَ لَحمَها للنّاس. أَبو حَنِيفَة مِنْ بابِ الوَرَع، سَأَل أَهْلَ الخُبرَة كَمْ تَعِيش الشاة عادَةً إِنْ لَم تُذْبَح؟؟ قالُوا سِتِ أَوْ سَبْعِ سِنِين، فَتَرَكَ أَكْلَ لَحْمِ الغَنَم سَبْعَ سِنِين فِى بَلَدِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ هذا السّارِقُ سَرَقَ هذه الشّاةَ وَذَبَحَها وباعَها وَقَدْ يَكُونُ مِنْ لَحْمِ هذه الشّاة أُدْخِلَ عَلَى بيتِ أَبِي حَنِيفَة فَطَعِمَ وَهُوَ لا يَدْرِي. هُوَ إِنْ أَكَلَ وَلَمْ يَشُكَّ فِى هذا اللَّحْم، لا يَكُونُ أَكَلَ الحَرام، لا يَكونُ عَلَيْهِ مَعْصِيَة، لَكِنْ مَا أَدّى الإِمامَ أَبا حَنِيفَة إِلَى أَنْ يَترُكَ أَكْلِ لَحْمِ الغَنَم؟؟ الوَرَع والابْتِعاد عَنْ الشُّبُهات مَعَ كَوْنِهِ لَوِ اشْتَرَى لَحْمًا مِنْ غَيرِ أَنْ يُدَقِّق مِنْ أَيْنَ هذا اللحم بِحَيثُ لَمْ يَشُكَّ أَنَّ هذا اللحْمَ حَرام، يجوزُ لَهُ أَنْ يأْكُلَ مِنْ هذا اللحم ولا مَعْصِيَةَ عَلَيْهِ لَكِنَّ الابْتِعادَ عَنِ الشّبهات الْتِزامَ الورَع فى المطعُومات شىءٌ يُحِبُّه الله تعالى وكُلُّكم يعْرِفُ أَنَّ أَوَّلَ ما يَنْتِنُ فِى القَبْرِ هُوَ البطن لذلك مَنْ حَفِظَ بَطْنَهُ مِنَ الحَرام مُتَيَقَّن أَوْ الشُّبهات الذي يَحتَمِلُ أن يَكونَ مَطعومُهُ حرامًا ها جنَّبَ نفسَهُ وجنَّبَ بَطنَهُ البِلَى فِى القَبرِ بِإِذْنِ اللهِ تعالى)؛ فإنَّ الصِّدْقَ طُمَأنِينَةٌ، وَالكَذِبَ رِيبَةٌ (قال ابن علان: فإن نفس المؤمن جبلت على أنها تطمئن إلى الصدق وتنفر من الكذب وإن لم تعلم أن الذي اطمأنت إليه كذلك في نفس الأمر، وإذا جبلت على ذلك فعليك أن تأخذ برغبتها ورهبتها إذا جربت منها الإصابة كما هو شأن كثير من النفوس الصافية، لأن الله أطلعهم على حقائق الوجود وهم في أماكنهم بإلغاء ما يحبّ. قال بعضهم: لما علم الله أن قلب المؤمن الكامل ذي النفس الزكية المطهرة من رديء أخلاقها يميل ويطمئن إلى كل كمال، ومنه كون القول أو الفعل صدقاً أو حقاً، وينفر من كون أحدهما كذباً أو باطلاً، جعل ميله وطمأنينته علامة واضحة على الحل. وانزعاجه ونفرته علامة على الحرام وأمر في الأول بمباشرة الفعل، وفي الثاني: بالإعراض عنه ما أمكن اهـ ». رواهُ الترمذيُّ، وَقالَ: «حديثٌ صحيحٌ». قولُه: «يَريْبُكَ» هُوَ بفتحِ الياءِ وضمِّهَا: ومعناهُ اترُكْ مَا تَشُكُّ في حِلِّهِ وَاعْدِلْ إِلَى مَا لَا تَشُكُّ فِيْهِ.