الْحَمْدُ للَّهِ الْقَدِيمِ فَلا يُقَالُ مَتَى كَانَ، الْعَظِيمِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَن، رَفَعَ إِدْرِيسَ إِلَى أَعَالِي الْجِنَانِ، وَنَجَّى نُوحًا وَأَهْلَكَ كَنْعَانَ، وَسَلَّمَ الْخَلِيلَ بِلُطْفِهِ يَوْمَ النِّيرَانِ، وَيُوسُفَ مِنَ الْفَاحِشَةِ حِينَ الْبُرْهَانِ، وَبَعَثَ شُعَيْبًا إِلَى مَدْيَنَ يَنْهَى عَنِ الْبَخْسِ وَالْعُدْوَانِ، وَيُنَادِيهِمْ فِي نَادِيهِمْ وَلَكِنْ صُمَّتِ الآذَانُ {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ} أَحْمَدُهُ حَمْدًا يَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ محمدٍ الَّذِي فَاقَ دِينُهُ الأَدْيَانَ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أبي بَكْرٍ أَوَّلِ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ، وَعَلَى عُمَرَ الْفَارُوقِ الَّذِي كَانَ يَخافُ مِنْهُ الشَّيْطَانُ، وَعَلَى زَوْجِ الابْنَتَيْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلَى عَلِيٍّ بَحْرِ الْعُلُومِ وَسَيِّدِ الشُّجْعَانِ، وسَلَّمَ تسليمًا كثيرا، أما بعد:
الحديث
فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الثَّانِي: عَنْ ابْن عبَّاس رضي اللَّه عنهما أيْضاً أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كانَ يقُولُ: “اللَّهُم لَكَ أسْلَمْتُ وبِكَ آمنْتُ، وعليكَ توَكَّلْتُ، وإلَيكَ أنَبْتُ، وبِكَ خاصَمْتُ. اللَّهمَّ إِنِّي أعُوذُ بِعِزَّتِكَ، لا إلَه إلَّا أنْتَ أنْ تُضِلَّنِي أنْت الْحيُّ الَّذي لَا تمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يمُوتُونَ” متفقٌ عَلَيهِ. وَهَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَاخْتَصرهُ الْبُخَارِيُ.
الشرح
هذا الحديث: الثَّانِي (أي الثاني من كتاب اليقين والتوكل، وهو الحديث الخامس والسبعون من كتاب رياض الصالحين): عَنْ ابْن عبَّاس رضي اللَّه عنهما أيْضاً أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كانَ يقُولُ: “اللَّهُم (أي يا الله) لَكَ (أَيْ: لَا لِغَيْرِكَ) أسْلَمْتُ (أَيِ: انْقِيَادًا ظَاهِرًا، فالإسلام من حيث اللغة معناه الانقياد الظاهري، فيقال: أسلم على معنى انقاد ظاهرا) وبِكَ آمنْتُ (أَيْ: تَصْدِيقًا بَاطِنًا، فالإيمان من حيث اللغة هو التصديق القلبي، فمن حيث اللغة يوجد فرق بين الإيمان والإسلام، قال أبو حنيفة رضي الله عنه: «ففي طريقِ اللُّغةِ فَرْقٌ بينَ الإيمانِ والإْسلامِ». قال الفقيه القاري في تفسيره قول أبي حنيفة رضي الله عنه: والإسلام هو التسليم أي باطنًا، والانقياد لأوامر الله تعالى أي ظاهرًا، ففي طريق اللغة، وفي نسخة: فمن طريق اللغة فرق بين الإيمان والإسلام، فإن الإيمان في اللغة هو التصديق كما قال الله تعالى حكاية عن إخوة يوسف عليه السلام: “وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا” أي بمصدق لنا في هذه القصة، والإسلام مطلق الانقياد، ومنه قوله تعالى: “وَلَهُ أَسْلَمَ” أي انقاد “مَنْ فِيْ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا” أي الملائكة والمسلمون “وَكَرْهًا” أي الكفرة حين اليأس. اهـ
قال أبو منصور السمرقندي في تفسير قول أبي حنيفة رضي الله عنه : ولا يوجد إسلامٌ بلا إيمانٍ لأن الإسلام هو التسليم والانقياد لأوامر الله تعالى، وذلك لا يوجد إلا بعد التصديق والإقرار، فلا يعقل بحسب الشرع مؤمن ليس بمسلم أو مسلم ليس بمؤمن، وهذا مراد القوم بترادف الاسمين واتحاد المعنى، وهما كالظهر مع البطن، أي الإيمان والإسلام متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر كما لا ينفك الظهر عن البطن، والبطن عن الظهر، والدين اسم واقع على الإيمان والإسلام والشرائع كلها، يعني أن لفظ الدين قد يطلق ويراد به شريعة محمد ﷺ، وقد يطلق ويراد به شريعة موسى عليه السلام، وقد يطلق ويراد به شريعة عيسى عليه السلام أو غيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام.
أما قول الله تعالى: “قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا، قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ“، هذه الآية نزلت في بني أسد الذين أظهروا الإسلام في سنة مجدبة طالبين الصدقة ولم تكن قلوبهم مطمئنة بالإيمان أظهروا الإسلام وكانوا يؤدون صورة الصلاة وراء النبي والنبي لم يُكشف له أمرهم إلا بعد نزول الآية فأخبرهم الله تعالى بأن الإيمان ليس بالقول فحسب إنما هو بالقلب فما ءامنتم ولكن قولوا أسلمنا أي انقدنا واستسلمنا، فمن هنا لا يجوز أن يتوهم متوهم أن الآية في سورة الحجرات تعطي معنى أن الإسلام والإيمان من حيث الشرع مختلفان وقد مر معنا أن الإسلام في الآية معناه الانقياد ظاهرا وهذا معناه اللغوي، وأما من حيث الشرع فقد عرفنا معنى الإسلام ومعنى الإيمان ولذلك قال علماء الأمة: إن من قال يصح أن يكون العبد عند الله مسلما غير مؤمن أو مؤمنا غير مسلم فهو ضال من الضالين الجاهلين باللغة والدين. وقد ذكر كثير من المفسرين المعنى المراد من هذه الآية فمنهم أبو حيّان الأندلسي قال في «النهر الماد من البحر المحيط» ما نصه: “قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا” قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة قبيلة تجاور المدينة أظهروا الإسلام وقلوبهم دخلة أي فيه شك وريبة إنما يحبون المغانم وعرض الدنيا فردّ الله عليهم بقوله: “قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوْا” كذبهم الله تعالى في دعوى الإيمان وهذا في أعراب مخصوصين “وَلَكِنْ قُوْلُوْا أَسْلَمْنَا” فهو اللفظ الصادق من قولكم وهو الانقياد والاستسلام ظاهرا، فلذلك قال الله تعالى: “وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيْمَانُ فِيْ قُلُوْبِكُمْ” وجاء النفي بـ “وَلَمَّا” الدالّةِ على انتفاء الشىء إلى زمان الإخبار به» اهـ.
وقال الإمام علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي المعروف بالخازن المتوفى سنة 725هـ في كتابه تفسير الخازن ما نصه: “قَالَتِ الْأَعْرَابُ” الآية نزلت في نفر من بني أسد قدموا على رسول الله ﷺ في سنةٍ مجدبة فأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر فأفسدوا طرق المدينة بالقذارات وأغلوا أسعارها وكانوا يغدون ويروحون إلى رسول الله ﷺ فيقولون: أتتك الأعراب بأنفسهم على ظهور رواحلها وجئناك بالأثقال والعيال والذراري ولم نقاتلك كما قاتلتك بنو فلان وبنو فلان، يمنّون على رسول الله بذلك ويريدون الصدقة، ويقولون: أعطنا، فأنزل الله فيهم هذه الآية: “قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا” أي صدقنا، “قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوْا” أي لم تصدقوا بقلوبكم “وَلَكِنْ قُوْلُوْا أَسْلَمْنَا” أي استسلمنا وانقدنا مخافة القتل والسبي “وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيْمَانُ فِيْ قُلُوْبِكُمْ” أخبر أن حقيقة الإيمان هو التصديق بالقلب، وأن الإقرار باللسان وإظهار شرائعه بالأبدان لا يكون إيمانا دون التصديق بالقلب والإخلاص فالمؤمن والمسلم واحد عند أهل السنة» اهـ.
ومن أقوى الأدلة على أن الإسلام والإيمان هما شىء واحد قول الله تعالى في سورة الذاريات: “فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ” قال النسفي فيها: «وفيه دليل على أن الإسلام والإيمان واحد لأن الملائكة سمّوهم مؤمنين ومسلمين هنا» اهـ)، وعليكَ توَكَّلْتُ (أَيِ: اعْتَمَدْتُ فِي أُمُورِي أَوَّلًا وَآخِرًا، أَوْ مَعْنَاهُ أَسْلَمْتُ جَمِيعَ أُمُورِي لِتُدَبِّرَهَا فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ نَفْعَهَا وَلَا ضُرَّهَا، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو سيد المتوكلين ومعلمهم وإمامهم وقد روي أنه مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ التَّوْفِيقَ لِمَحَابِّكَ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَصِدْقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْكَ، وَحُسْنَ الظَّنِّ بِكَ»، وروي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ تَوَكَّلَ عَلَيْكَ فَكَفَيْتَهُ، وَاسْتَهْدَاكَ فَهَدَيْتَهُ، وَاسْتَنْصَرَكَ فَنَصَرْتَهُ». وذَكَرَ ابْنُ قُسَيْمٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَلَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ بَلَغَنِي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: هَاتِ، رُبَّ حَدِيثٍ حَسَنٍ جِئْتَ بِهِ. قَالَ: «أَرْبَعٌ لَا يُعْطِيهِنَّ اللَّهُ إِلَّا مَنْ أَحَبَّ» . قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: مَا هُنَّ؟ قَالَ: «الصَّمْتُ، وَهُوَ أَوَّلُ الْعِبَادَةِ، وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ، وَالتَّوَاضُعُ، وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا»، وقَالَ عَلِيٌّ: ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ، وَثِقُوا بِهِ؛ فَإِنَّهُ يَكْفِي مِمَّنْ سِوَاهُ.اهـ وروي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: «يَا بُنَيَّ، الدُّنْيَا بَحْرٌ غَرِقَ فِيهِ أُنَاسٌ كَثِيرٌ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ سَفِينَتُكَ فِيهَا الْإِيمَانَ بِاللَّهِ، وَحَشْوُهَا الْعَمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَشِرَاعُهَا التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ؛ لَعَلَّكَ تَنْجُو»، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ، فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ»، وروي عَنِ الْحَسَنِ البصري قَالَ: «الْعِزُّ وَالْغِنَى يَجُولَانِ فِي طَلَبِ التَّوَكُّلِ، فَإِذَا ظَفِرَا أَوْطَنَا».اهـ
وروي عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ فِي بُسْتَانٍ بِمِصْرَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مُكْتَئِبًا، مَعَهُ شَيْءٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، إِذْ رَفَعَ رَأْسَهُ، فإذا بآخر عند رأسه فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، مَا لِي أَرَاكَ مُكْتَئِبًا حَزِينًا؟ قَالَ: فَكَأَنَّهُ ازْدَرَاهُ. فَقَالَ: لَا شَيْءَ. فَقَالَ له صَاحِبُه: أَلِلدُّنْيَا؟ فَإِنَّ “ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَالْآخِرَةُ أَجْلٌ صَادِقٌ، يَحْكُمُ فِيهَا مَلِكٌ قَادِرٌ، يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، ح فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ كَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ. قَالَ: فَقَالَ لِمَا فِيهِ الْمُسْلِمُونَ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ سَيُنَجِّيكَ بِشَفَقَتِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَسَلْ، فَمَنْ ذَا الَّذِي سَأَلَ اللَّهَ فَلَمْ يُعْطِهِ، وَدَعَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، وَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكْفِهِ، أَوْ وَثِقَ بِهِ فَلَمْ يُنَجِّهِ. قَالَ: فَعَلَّقْتُ الدُّعَاءَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْنِي، وَسَلِّمْ مِنِّي، فَتَجَلَّتْ، وَلَمْ تُصِبْ مِنْهُ أَحَدًا”.
وسُئِلَ الْحَسَنُ عَنِ التَّوَكُّلِ، فَقَالَ: «الرِّضَا عَنِ اللَّهِ». نسأل الله أن يجعلنا من المتوكلين عليه حق التوكل)، وإلَيكَ أنَبْتُ (أَيْ: بِتَوْفِيقِكَ آمَنْتُ بِجَمِيعِ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ فِي سَائِرِ أُمُورِي)، وبِكَ (بِإِعَانَتِكَ) خاصَمْتُ (أي حَارَبْتُ أَعْدَاءَكَ). اللَّهمَّ إِنِّي أعُوذُ بِعِزَّتِكَ (أَيْ: بِغَلَبَتِكَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا. فالله تعالى هو العزيز ومعناه أنه هوَ القويُّ الذي لا يُغلَبُ لأنَّه تعالى غَالِبٌ على أمرِهِ. فهوَ العزيزُ الذي لا غالبَ ولا قاهرَ لهُ سبحانَه، فاللهُ تعالى غيرُ مغلوبٍ فلذلكَ قالَ أهلُ السنةِ: اللهُ تعالى لا يجبُ عليهِ شيء لأنَّه لا غالبَ لهُ، فَمَنْ جَعَلَ اللهَ يجبُ عليهِ شىءٌ فهذا ليسَ مسلمًا، أمَّا قولُه تعالى: “وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِيْنَ” أيْ وعدًا منَّا، فاللهُ تعالى لا يجبُ عليهِ شىءٌ ولا يقالُ عنْ شىءٍ هذا حرامٌ على اللهِ تعالى، أمَّا مَا وردَ في الحديثِ القدسيِّ: ((إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي)) فمَعناهُ: إنِّي تنزهتُ عنِ الظلمِ، إنِّي منزهٌ عنِ الظلمِ. فالتحريمُ في اللغةِ معناهُ المنعُ، أيْ أنَا لا أَتَّصِفُ بالظلمِ، لأَنَّ الظلمَ في لغةِ العربِ يطلقونَه على أحدِ أمرينِ: إمَّا مجاوزةِ الحدِّ أو التصرفِ في ملكِ الغيرِ بغيرِ إذنِه، قالَ البيهقيُّ: “حقيقةُ الظلمِ هوَ تعدي الحدِّ والرسمِ الذي يَرْسُمُهُ الآمرُ الذي لَا آمِرَ فوقَهُ”. اهـ
يقول الله تعالى: ” يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ” قالَ أبو حيَّانَ: ولما سمعَ عبدُ اللهِ ولدُ عبدِ اللهِ بنِ أبيٍّ هذهِ الآيةَ جاءَ إلى أبيهِ فقالَ: أنتَ واللهِ يا أَبَتِ الذليلُ، ورسولُ اللهِ ﷺ العزيزُ، فلمَّا دَنَا مِنَ المدينةِ جَرَّدَ السيفَ عليهِ ومَنَعَهُ الدخولَ حتى يأذنَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ، وكانَ فيما قالَ لهُ: وراءَكَ لا تدخلْها حتى تقولَ: رسولُ اللهِ ﷺ الأعزُّ وأنَا الأذلُّ، فلم يزلْ حبيسًا في يدِهِ حتى أذنَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ بتخليتِهِ. وفي هذا الحديثِ أنَّهُ قالَ لأبيهِ: لئنْ لم تشهدْ للهِ ولرسولِه بالعزةِ لأضربنَّ عنقَكَ، قالَ: أفاعلٌ أنتَ؟ قالَ: نَعَمْ، فقالَ: أشهدُ أنَّ العزةَ للهِ ولرسولِه وللمؤمنينَ.
وقيلَ للحسنِ بنِ عليٍّ رضيَ اللهُ تعالى عنهمَا: إنَّ فيكَ تِيهًا أي تكبرا، فقالَ: ليسَ بتيهٍ ولكنَّه عزةٌ وتلا هذهِ الآيةَ.اهـ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ
واللهُ يعزُّ مَنْ يشاءُ ويُذِلُّ مَنْ يشاءُ فاللهُ تعالى أعزَّ أناسًا بالإيمانِ وأذلَّ آخرينَ بالكفرِ، فبالطاعةِ تصيرُ عزيزًا وبالمعصيةِ تصيرُ ذليلًا، يومَ القيامةِ ينادى في الناسِ أينَ الذينَ تتجافَى جنوبُهم عنِ المضاجعِ، فيكونونَ عزيزينَ في ذلكَ اليومِ، وأما حالُ الذينَ يظنُّونَ أنفسَهم أعزاءَ في الدنيا بكفرِهم فيكونونَ أذلةً يُسحَبونَ على وجوهِهِم إلى نارِ جهنمَ، فالمؤمنونَ عزيزونَ بطاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، كانَ بعضُ الصحابةِ في الجاهليةِ على ذلٍّ وهوانٍ مِنَ الناسِ، وبعدَ الإسلامِ أكرمَهم اللهُ بهذا الدينِ وبأنْ ذلَّل لهم رقابَ الكافرينَ حتى دانتْ لهم أكبرُ ممالكِ الأرضِ، ولم يكنْ كلُّ هذا بسببِ كثرةِ الأموالِ أو العُدةِ والعَتادِ بلْ بصدقِ توكلِهم على اللهِ عزَّ وجلَّ، وبتمكنِ هذا الدينِ في قلوبِهم فصاروا أعزةً كِرامًا، فقدْ روى الحاكمُ عن طارقِ بنِ شهابٍ قالَ: خرجَ عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه إلى الشامِ ومعه أبو عبيدةَ بنُ الجراحِ رضي الله عنه فَأَتَوا على مخاضةٍ وعمرُ رضي الله عنه على ناقةٍ لهُ، فنزلَ عنها وخلعَ خُفَّيْهِ فَوضَعَهُما على عاتِقِه وأخذَ بزمامِ ناقَتِهِ، فخاضَ بها المخاضةَ، فقالَ أبو عبيدةَ رضي الله عنه: يا أميرَ المؤمنينَ أَأَنتَ تفعلُ هذا تخلعُ خفيَّكَ وتضعُهما على عاتِقِك وتأخذُ بزمامِ ناقتِك وتخوضُ بها المخاضةَ، ما يسرُّني أنَّ أهلَ البلدِ استَشْرَفُوكَ، فقالَ عمرُ: أَوَّهْ لو يقلْ ذا غيرُك أبا عبيدةَ جعلتُه نكالًا لأمةِ محمدٍ، إنَّا كنَّا أذلَّ قومٍ فأعزَّنا اللهُ بالإسلامِ، فمهْمَا نطلبُ العزَّ بغيرِ مَا أعزَّنَا اللهُ بهِ أذلنَا اللهُ.اهـ)، لا إلَه إلَّا أنْتَ (أي لا خالق إلا الله، وقال بعض الفقهاء في شرح معنى الشهادة الأولى: وَمَعْنَى أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَعْلَمُ وَأَعْتَقِدُ وَأُصَدِّقُ بِقَلْبِى وَأَعْتَرِفُ بِلِسَانِى أَنْ لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ أَىْ لا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ أَنْ يُعْبَدَ أَىْ أَنْ يُتَذَلَّلَ لَهُ نِهَايَةُ التَّذَلُّلِ إِلَّا اللَّهُ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْعِبَادَةِ الَّتِى مَنْ صَرَفَهَا لِغَيْرِ اللَّهِ صَارَ مُشْرِكًا، ومن كان معبودا بحق كان موصوفا بصفات لائقة به عز وجل فهو الْوَاحِدُ الَّذِى لا شَرِيكَ لَهُ فِى الأُلُوهِيَّةِ الأَحَدُ الَّذِى لا يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ لِأَنَّهُ لَيْسَ جِسْمَا الأَوَّلُ الَّذِى لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ وَبِمَعْنَاهُ الْقَدِيمُ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى اللَّهِ الْحَىُّ أَىِ الْمُتَّصِفُ بِحَيَاةٍ أَزَلِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ أَىْ لا بِدَايَةَ وَلا نِهَايَةَ لَهَا لَيْسَتْ بِرُوحٍ وَلَحْمٍ وَدَمٍ الْقَيُّومُ الَّذِى لا يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ الدَّائِمُ الَّذِى لا يَلْحَقُهُ فَنَاءٌ الْخَالِقُ الَّذِى أَبْرَزَ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ أَىْ صَارَتْ مَوْجُودَةً بِإِيجَادِ اللَّهِ لَهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ الرَّازِقُ الَّذِى يُوصِلُ الأَرْزَاقَ إِلَى عِبَادِهِ وَالرِّزْقُ مَا يَنْفَعُ حِسًّا وَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا الْعَالِمُ أَىِ الْمُتَّصِفُ بِعِلْمٍ أَزَلِىٍّ أَبَدِىٍّ لا يَتَغَيَّرُ لا يَزْدَادُ وَلا يَنْقُصُ الْقَدِيرُ أَىِ الْمُتَّصِفُ بِقُدْرَةٍ تَامَّةٍ بِهَا يُوجِدُ وَيُعْدِمُ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ أَىْ أَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ لا يُعْجِزُهُ شَىْءٌ وَلا يُمَانِعُهُ أَحَدٌ وَلا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِعَانَةٍ بِغَيْرِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ أَىْ مَا أَرَادَ اللَّهُ وُجُودَهُ لا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ وَمَا لَمْ يُرِدِ اللَّهُ وُجُودَهُ لا يَدْخُلُ فِى الْوُجُودِ وَمَشِيئَةُ اللَّهِ لا تَتَغَيَّرُ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ دَلِيلُ الْحُدُوثِ وَالْحُدُوثُ أَىِ الْوُجُودُ بَعْدَ عَدَمٍ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ الَّذِى لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ أَىْ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ أَىْ بِحِفْظِهِ وَلا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ أَىْ أَنَّ الإِنْسَانَ لا يَسْتَطِيعُ تَجَنُّبَ الْمَعْصِيَةِ إِلَّا أَنْ يَحْفَظَهُ اللَّهُ وَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَ الْخَيْرَ وَالطَّاعَةَ إِلَّا أَنْ يُعِينَهُ اللَّهُ الْمَوْصُوفُ بِكُلِّ كَمَالٍ يَلِيقُ بِهِ أَىْ أَنَّ اللَّهَ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ اللَّائِقَةِ بِهِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ الْمُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ فِى حَقِّهِ أَىْ عَنْ كُلِّ مَا لا يَلِيقُ بِهِ تَعَالَى كَالْحَجْمِ وَاللَّوْنِ وَالشَّكْلِ وَالتَّحَيُّزِ فِى الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ وَكُلِّ مَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يُشْبِهُهُ شَىءٌ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ بِأَىِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ وَأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ فَـهُوَ الْقَدِيمُ الَّذِى لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ حَادِثٌ أَىْ وُجِدَ بَعْدَ عَدَمٍ وَهُوَ الْخَالِقُ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ فَكُلُّ حَادِثٍ دَخَلَ فِى الْوُجُودِ مِنَ الأَعْيَانِ أَىِ الأَحْجَامِ وَالأَعْمَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَغَيْرِ الِاخْتِيَارِيَّةِ فَهُوَ بِخَلْقِ اللَّهِ فَالأَعْيَانُ كُلُّهَا مِنَ الذَّرَّةِ وَهِىَ الْهَبَاءُ الَّذِى يُرَى فِى ضَوْءِ الشَّمْسِ الدَّاخِلِ مِنَ النَّافِذَةِ أَوْ مَا كَانَ أَصْغَرَ مِنْهَا وَهُوَ الْجَوْهَرُ الْفَرْدُ إِلَى الْعَرْشِ وَهُوَ أَكْبَرُ الْمَخْلُوقَاتِ حَجْمًا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ وَلَمْ يَتَّخِذْهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ وَكَذَلِكَ الأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ مِنَ كُلِّ حَرَكَةٍ لِلْعِبَادِ وَسُكُونٍ وَالأَعْمَالُ الْبَاطِنَةُ مِنَ النَّوَايَا وَالْخَوَاطِرِ الَّتِى تَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ بِلا إِرَادَةٍ فَهُوَ بِخَلْقِ اللَّهِ لَمْ يَخْلُقْهُ أَحَدٌ سِوَى اللَّهِ لا خَلَقَتْهُ طَبِيعَةٌ وَلا عِلَّةٌ وَالطَّبِيعَةُ هِىَ الصِّفَةُ الَّتِى جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا الأَجْرَامَ كَالنَّارِ طَبِيعَتُهَا الإِحْرَاقُ وَلا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ خَالِقَةً لِشَىْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ لِأَنَّهُ لا إِرَادَةَ لَهَا وَلا مَشِيئَةَ وَلا اخْتِيَارَ فَكَيْفَ تُخَصِّصُ الشَّىْءَ أَىِ الْمُمْكِنَ الْوُجُودِ بِالْوُجُودِ بَدَلَ الْعَدَمِ وَأَمَّا الْعِلَّةُ فَهِىَ مَا يُوجَدُ الْمَعْلُولُ بِوُجُودِهَا وَيُعْدَمُ بِعَدَمِهَا كَالإِصْبَعِ الَّذِى فِيهِ خَاتَمٌ فَإِنَّ حَرَكَةَ الإِصْبَعِ عِلَّةٌ لِحَرَكَةِ الْخَاتَمِ بَلْ دُخُولُهُ أَىِ الْحَادِثِ فِى الْوُجُودِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَعْدُومًا يَحْصُلُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ بِتَقْدِيرِهِ أَىْ بِإِيجَادِ اللَّهِ لَهُ عَلَى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ وَعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ وَيَحْصُلُ بِخَلْقِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْفُرْقَانِ ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أَىْ أَحْدَثَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَلَفْظَةُ شَىْءٍ فِى الآيَةِ شَامِلَةٌ لِكُلِّ مَا دَخَلَ فِى الْوُجُودِ فَلا خَلْقَ بِهَذَا الْمَعْنَى لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى سُورَةِ فَاطِرٍ ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أَىْ لا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ وَقَالَ الإِمَامُ عُمَرُ النَّسَفِىُّ صَاحِبُ الْعَقِيدَةِ النَّسَفِيَّةِ مَا مَعْنَاهُ فَإِذَا ضَرَبَ إِنْسَانٌ زُجَاجًا بِحَجَرٍ فَكَسَرَهُ فَالضَّرْبُ وَهُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَقَدْ يَحْصُلُ مِنْهُ انْكِسَارٌ وَقَدْ لا يَحْصُلُ وَالْكَسْرُ وَهُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ الَّذِى فَعَلَهُ فِى الزُّجَاجِ بِوَاسِطَةِ الرَّمْىِ بِالْحَجَرِ وَالِانْكِسَارُ وَهُوَ الأَثَرُ الْحَاصِلُ فِى الزُّجَاجِ مِنْ تَشَقُّقٍ وَتَنَاثُرٍ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى لا بِخَلْقِ الْعَبْدِ فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ مِنْ فِعْلِهِ هَذَا إِلَّا الْكَسْبُ وَهُوَ تَوْجِيهُ الْعَبْدِ قَصْدَهُ وَإِرَادَتَهُ نَحْوَ الْعَمَلِ أَىِ الِاخْتِيَارِىِّ فَيَخْلُقُهُ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ وَأَمَّا الْخَلْقُ أَىِ الإِبْرَازُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ فَلَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى سُورَةِ الْبَقَرَةِ ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أَىْ لِلنَّفْسِ جَزَاءُ مَا كَسَبَتْهُ مِنَ الْخَيْرِ أَىْ تَنْتَفِعُ بِذَلِكَ ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أَىْ وعَلَيْهَا وَبَالُ مَا اكْتَسَبَتْهُ مِنْ عَمَلِ الشَّرِّ أَىْ تَنْضَرُ بِذَلِكَ) أنْ تُضِلَّنِي (أي أَعُوذُ مِنْ أَنْ تُضِلَّنِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي وَوَفَّقْتَنِي لِلِانْقِيَادِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فِي حُكْمِكَ وَقَضَائِكَ وَالِالْتِجَاءِ فِي كُلِّ حَالٍ إِلَى عِزَّتِكَ وَنُصْرَتِكَ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}) (وهذا فيه إثبات عقيدة أهل السنة والجماعة أن الهداية والضلال بيد الله عز وجل يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لا يسئل عما يفعل وهم يسألون) أنْت الْحيُّ الَّذي لَا تمُوتُ (وَاللهُ تعالَى حَيّ بحياةٍ أزليّة لا بداية لها أبديّة لا نهاية لها، ليس كحياتنا بوجهٍ من الوجوه، فحياتنا بسبب روحٍ في جسدٍ من مُخٍّ وعظمٍ وعصبٍ ولحمٍ وغير ذلك، وأما حياة الله فليست مشابهة لحياة غيره، فهي حياة لا بروحٍ ولا بعظمٍ ولا بعصبٍ ولا بلحمٍ ولا بغيرها من لوازم الحدوث. ومعنَى “لوازم الحدوث” أي ما لا يستغني عنها الحادث في وجوده، كتحيُّز الجِسم وكونه إمّا ساكِن وإمّا متحرِّك، وغير ذلك)، وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يمُوتُونَ (أي كل فرد من الجن والإنس يجوز عليه الفناء والموت، وخُصَّا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا الْمُكَلَّفَانِ الْمَقْصُودَانِ بِالتَّبْلِيغِ فَكَأَنَّهُمَا الْأَصْلُ)”