الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لا نِدَّ لَهُ فَيُبَارَى، ولا ضِدَّ لَهُ فَيُجَارَى، وَلا شَرِيكَ لَهُ فَيُدَارَى، وَلا مُعْتَرِضَ لَهُ فَيُمَارَى، بَسَطَ الأَرْضَ قَرَارًا، وَأَجْرَى فِيهَا أَنْهَارًا، وَأَخْرَجَ زَرْعًا وَثِمَارًا، وَأَنْشَأَ لَيْلا وَنَهَارًا، خَلَقَ آدَمَ وَأَسْكَنَهُ الْجَنَّةَ دَارًا، وَأَقَامَهُ خَلِيفَةً في الأرضِ وَيَكْفِيهِ افْتِخَارًا، ثُمَّ ابْتَعَثَ الأَنْبِيَاءَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَنَصَبَ لَهُمْ مِنْ أَدِلَّتِهِ مَنَارًا، أَحْمَدُهُ سِرًّا وَجِهَارًا، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي أَصْبَحَ وَادِي النُّبُوَّةِ بِرِسَالَتِهِ مِعْطَارًا، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الْمُنْفِقِ سِرًّا وَجِهَارًا، وَعَلَى عُمَرَ الْفَارُوقِ الَّذِي حمى الإِسْلامَ ليلا ونهارا، وعلى عثمان الذي صرف على جَيْشِ الْعُسْرَةِ بِإِنْفَاقِهِ إِعْسَارًا، وعَلَى عَلِيٍّ أَخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ الَّذِي لا يَتَمَارَى. وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
الحديث
فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الثَّالِثُ: عن ابْنِ عَبَّاس رضي اللَّه عنهما أيضًا قَالَ: “حسْبُنَا اللَّهُ ونِعْمَ الْوكِيلُ” قَالَهَا إبْراهِيمُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم حينَ أُلْقِى في النَّارِ، وَقالهَا مُحمَّدٌ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم حيِنَ قَالُوا: “إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وقَالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوكِيلُ” رواه البخاري. وفي رواية لَهُ عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللَّه عنهما قَالَ: “كَانَ آخِرَ قَوْل إبْراهِيمَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم حِينَ ألْقِي في النَّارِ” حسْبي اللَّهُ وَنِعمَ الْوَكِيلُ”.
الشرح
هذا الحديث: الثَّالِثُ (وهو الحديث الثالث من كتاب اليقين والتوكل والحديث السادس والسبعون من كتاب رياض الصالحين): عن ابْنِ عَبَّاس رضي اللَّه عنهما أيضًا قَالَ: “حسْبُنَا اللَّهُ ونِعْمَ الْوكِيلُ (قالَ المناويُّ: حسبيَ اللهُ مبتدأٌ وخبرٌ أيْ كافيني وكافلني هوَ اللهُ مِنْ أَحْسَبَهُ الشَّىءَ كفاهُ (وَنِعْمَ) كلمةُ مبالغةٍ تجمعُ المدحَ كلَّهُ وقالَ الراغبُ: كلمةٌ تستعملُ في المدحِ بإزاءِ بئسَ (الوَكِيْلُ) أيْ نِعْمَ الموكولُ إليهِ وهو اللهُ. اهـ
روى السيوطيُّ قالَ: “قالَ النَّبِيُّ ﷺ لفاطمةَ رضيَ اللهُ عنها: ((إِذا أَخَذْتِ مَضْجَعَكِ فَقُولُي: الْحَمْدُ للهِ الْكَافي، سُبْحَانَ اللهِ الأَعْلَىٰ، حَسْبِيَ اللهُ وَكَفَىٰ، مَا شَاءَ اللهُ قَضَىٰ، سَمِعَ اللهُ لِمَنْ دَعَا، لَيْسَ مِنَ اللهِ مَلْجَا، وَلا وَرَاءَ اللهِ مُلْتَجَا، تَوَكَّلْتُ عَلَى رَبي وَرَبِّكُمْ، مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِدٌ بِنَاصِيَتِهَا، إِنَّ رَبي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، الْحَمْدُ للهِ الَّذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيْرًا، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَقُولُهَا عِنْدَ مَنَامِهِ ثُمَّ يَنَامُ وَسَطَ الشَّيَاطِينِ وَالْهَوَامِّ فَتَضُرُّهُ))، وَقدْ جاءَ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكَفَانَا وَآوَانَا فَكَمْ مِمَّنْ لا كَافِيَ لَهُ وَلا مُؤْوِي))، فكمْ مِنَ الناسِ لا كافيَ لهُ ولا مؤويَ إلَّا اللهُ تعالى، كمْ مِنْ إخوانِنا المسلمينَ في هذهِ الأيامِ تَشَرَّدَ وجاعَ هوَ وعيالُه بسببِ الفتنِ والحروبِ التي في الأمةِ الإسلاميةِ ولا كافيَ لهؤلاءِ إلا اللهُ تعالى، ورويَ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ لبعضِ أصحابِه أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلٍ لأَدَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْكَ قُلْ: ((اللهُمَّ اكْفِنِي بِحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ))، وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ قَالَ فِي كُلِّ يَوْمٍ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: حَسْبِيَ اللهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ كَفَاهُ اللهُ تَعَالَى مَا أَهَمَّهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)). ومما يقالُ لتفريجِ الكربِ وللشفاءِ مِنَ الأمراضِ، والنصرِ على العدوِ: “بِسْمِ اللهِ رَبِّيَ اللهُ، حَسْبِيَ اللهُ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ اعْتَصَمْتُ بِاللهِ فَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَى اللهِ، مَا شَاْءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ”، وروي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ، قَالَ: كَتَبَ عَامِلُ إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَشْكُو إِلَيْهِ الْهَوَامَّ وَالْعَقَارِبَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: “ وَمَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِذَا أَمْسَى وَأَصْبَحَ أَنْ يَقُولَ: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ} [إبراهيم: 12] ” قَالَ زُرْعَةُ: «وَهِيَ تَنْفَعُ مِنَ الْبَرَاغِيثِ»، وروي عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، قَالَ: “ لَمَّا أُلْقِيَ يُوسُفُ فِي الْجُبِّ قَالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَكَانَ الْمَاءُ آجِنًا: أي تغيَّر طعمُه ولونُه ورائحتُه. فَصَفَا، وَكَانَ مَالِحًا فَعَذُبَ “، وذَكَرَ بَهِيمٌ أَبُو بَكْرٍ الْعِجْلِيُّ عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ: ” بَيْنَا أَنَا فِي، بُسْتَانٍ لِي، إِذْ خُيِّلَ لِي رُؤْيَةُ شَخْصٍ أَسْوَدَ، فَفَزِعْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَسَاخَ فِي الْأَرْضِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ وَرَائِي يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} [الطلاق: 3] ، فَالْتَفَتُّ، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا “، وروى ابن أبي الدنيا عَنْ وُهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ، أَنَّ رَجُلَيْنِ كُسِرَتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ فِي الْبَحْرِ، فَوَقَعَا إِلَى الْأَرْضِ، فَأَتَيَا بَيْتًا مَبْنِيًّا مِنْ شَجَرٍ فَكَانَا فِيهِ، فَبَيْنَمَا هُمَا ذَاتَ لَيْلَةٍ، أَحَدُهُمَا نَائِمٌ وَالْآخَرُ يَقْظَانُ، إِذْ جَاءَتِ امْرَأَتَانِ، فَوَقَفَتَا عَلَى الْبَابِ، بِهِمَا مِنْ قُبْحِ الْهَيْئَةِ شَيْءٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا لِلْأُخْرَى: ادْخُلِي. فَقَالَتْ: وَيْحَكِ، إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَتْ: وَيْحَكِ، لِمَهْ؟ قَالَتْ: أَوَمَا تَرَيْنَ مَا فِي الْبَيْتِ؟ فَإِذَا لَوْحٌ فِي الْبَيْتِ فِيهِ كِتَابٌ: «حَسْبِيَ اللَّهُ وَكَفَى، سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ دَعَا، لَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ مُنْتَهَى»، وكَانَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ يَقُولُ: «أَسْأَلُكَ خَوْفَ الْعَالَمِينَ بِكَ، وَعِلْمَ الْخَائِفِينَ لَكَ، وَتَوَكُّلَ الْمُؤْمِنِينَ بِكَ، وَيَقِينَ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ، وَإِنَابَةَ الْمُخْبِتِينَ إِلَيْكَ، وَإِخْبَاتَ الْمُنِيبِينَ إِلَيْكَ، وَصَبْرَ الشَّاكِرِينَ لَكَ، وَشُكْرَ الصَّابِرِينَ لَكَ، وَإِلْحَاقًا بِالْأَحْيَاءِ الْمَرْزُوقِينَ عِنْدَكَ»، وقال مَنْبُوذٌ أَبُو هَمَّامٍ، حَدَّثَنِي أَبُو مَعْبَدٍ، – رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ – قَالَ: قَالَ لِي عَابِدٌ كَانَ بِالْبَحْرَيْنِ يَوْمًا: “ بِحَسْبِكَ مِنَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ قَلْبِكَ حُسْنَ تَوَكُّلِكَ عَلَيْهِ، وَكَمْ مِنْ عَبْدٍ مِنِ عِبَادِهِ قَدْ فَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَهُ، فَكَفَاهُ مِنْهُ مَا أَهَمَّهُ. ثُمَّ قَرَأَ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، وقال أَبُو قُدَامَةَ الرَّمْلِيُّ: قَرَأَ رَجُلٌ هَذِهِ الْآيَةَ: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ، وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 58] ، فَأَقْبَلَ عَلَى سُلَيْمَانَ الْخَوَّاصِ، فَقَالَ: يَا أَبَا قُدَامَةَ، مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يَلْجَأَ إِلَى أَحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ فِي أَمْرِهِ. ثُمَّ قَالَ: انْظُرْ كَيْفَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58]، فَأَعْلَمَكَ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ، وَأَنَّ جَمِيعَ خَلْقِهِ يَمُوتُونَ، ثُمَّ أَمَرَكَ بِعِبَادَتِهِ، فَقَالَ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} [الفرقان: 58] ، ثُمَّ أَخْبَرَكَ بِأَنَّهُ خَبِيرٌ بَصِيرٌ. ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ يَا أَبَا قُدَامَةَ، «لَوْ عَامَلَ عَبْدٌ اللَّهَ بِحُسْنِ التَّوَكُّلِ، وَصِدْقِ النِّيَّةِ لَهُ بِطَاعَتِهِ؛ لَاحْتَاجَتْ إِلَيْهِ الْأُمَرَاءُ فَمَنْ دُونَهُمْ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا مُحْتَاجًا، وَمَوْئِلُهُ وَمَلْجَؤُهُ إِلَى الْغَنِيِّ الْحَمِيدِ؟». قَالَهَا إبْراهِيمُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم (ومعنى إبراهيم: أب رحيم، لرحمته الأطفال، ولذلك جُعل هو وسارة كافلين لأطفال المؤمنين الذين يموتون إلى يوم القيامة، وكنيته أبو الضِيفان) (أما قومه عليه الصلاة والسلام، فيذكر أهل السير أن أهل بابل في العراق كانوا يتنعمون برغد العيش ويتفيئون ظلال النعم الكثيرة التي أنعمها الله عليهم، ولكنهم كانوا يتخبطون في دياجير الظلام ويتردّون في وهاد الضلال والكفر، فقد نحتوا بأيديهم الأصنام واتخذوها من دون الله ءالهةً وعكفوا على عبادتها، وكان عليهم حاكم ظالم مستبد يقال له نمرود بن كنعان وكان أحد الملوك الذين ملكوا الأرض وأحاط ملكه مشارق الأرض ومغاربها، فلما رأى ما هو عليه من الزعامة وما يتمتع به من سطوة الملك وقوة السلطان، ورأى ما أطبق على قومه من الجهل والفساد ادعى الألوهية ودعا قومه إلى عبادته، وقيل: كان قوم إبراهيم يعبدون الكواكب السبعة وكان لهم أصنام بشكل الشمس والقمر وأصنام بشكل الكواكب. في وسط هذه البيئة المنحرفة وفي زمن وعهد هذا الملك الجبار الكافر النمرود كان مولد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وفي موضع ولادته عليه السلام خلاف قيل: ولد بالسوس من أرض الاهواز، وقيل: ولد ببابل وهي أرض الكلدانيين، وقيل: بحران، وقيل: بغوطة دمشق في قرية يقال لها برزة في جبل يقال له قاسيون، والمشهور عند أهل السير والتواريخ أنه ولد ببابل.
قال أهل التواريخ والسير: انه لما أراد الله عز وجل أن يبعث إبراهيم عليه السلام وأن يجعله حجة على قومه ونبيًّا رسولًا إليهم، ولم يكن فيما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام من نبي قبله إلا هود وصالح عليهما السلام، ولما تقارب زمان إبراهيم أتى المنجمون إلى هذا الملك نمرود وقالوا له: اعلم أنا نجد في علمنا أنَّ غلامًا يولد في قريتك هذه يقال له إبراهيم، يفارق دينكم ويكسر أوثانكم في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا. فلما دخلت السنة التي وصف أصحاب النجوم لنمرود بعث نمرود هذا إلى كل امرأة حبلى بقريته فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم زوجة ءازر والد إبراهيم عليه السلام فانه لم يعلم بحبلها، وذلك أنها كانت جارية أي صغيرة لم يعرف الحبل في بطنها، فجعل هذا الملك الطاغية لا تلد امرأة غلامًا في ذلك الشهر من تلك السنة إلا أمر به فذبح، فلما وجدت أمُ إبراهيم عليه السلام الطلق خرجت ليلًا إلى مغارة كانت قريبة منها فولدت فيها إبراهيم عليه السلام وأصلحت من شأنه ما يُصنع بالمولود، ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها، كانت تزوره وتطالعه في المغارة لتنظر ما فعل، فكان يشب في اليوم ما يشب غيره في الشهر وكانت تأتي فتجده حيًّا يمص ابهامه، فقد جُعِلَ رزقُ إبراهيم عليه السلام في ابهامه فيما يجيئه من مصه، ولم يمكث إبراهيم عليه السلام في المغارة إلا خمسة عشر شهراً، ثم ترعرع وكبِر واصطفاه الله لحمل رسالته وابانةِ الحق ودعاءِ قومه إلى عبادة الله وحده وإلى العقيدة الصافية من الدنس والشرك، وإلى ترك عبادة الكواكب والأصنام وإلى الدخول في دين الإسلام الذي هو دين جميع الأنبياء.
اختار الله تبارك وتعالى إبراهيم عليه السلام وجعله نبيًا ورسولًا واصطفاه لهداية قومه ودعوتهم إلى دين الإسلام وتوحيد الله وترك عبادة الكواكب والأصنام التي لا تخلق شيئًا ولا تستحق العبادة، لأن الذي يستحق العبادة وحده هو الله تبارك وتعالى خالق كل شيء. وقد كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام كغيره من الأنبياء منذ صغره ونشأته مسلماً مؤمناً عارفاً بربه معتقداً عقيدة التوحيد منزهاً ربه عن مشابهة المخلوقات، ومدركاً أن هذه الأصنام التي يعبدها قومه لا تغني عنهم من الله شيئًا، وأنها لا تضر ولا تنفع لأن الضار والنافع على الحقيقة هو الله تعالى وحده. يقول الله تبارك وتعالى في حق إبراهيم: {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين} [سورة ءال عمران]، وقال الله تعالى: {ولقد ءاتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين} [سورة الأنبياء]. ولقد كان نبي الله إبراهيم عليه السلام مفعم النفس بالإيمان بربه وعارفاً به ممتلىء الثقة بقدرة الله وأن الله تعالى قادر على كل شيء لا يعجزه شيء، وكان غيرَ شاك ولا مرتاب بوجود الله سبحانه مؤمناً بما أوحي إليه من بعث الناس بعد موتهم يوم القيامة وحسابهم في الحياة الأخرى على أعمالهم وما قدموا في هذه الحياة الدنيا.
وذكر أهل التواريخ أن إبراهيم انطلق بزوجته سارة وابنِ أخيه لوطا فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين وهي بلاد بيت المقدس، فنزلوا حران وكان أهلُها يعبدون الكواكب السبعة، فقام الخليل إبراهيم عليه السلام يدعو قومه إلى دين الله وترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، وكان أولُ دعوته لأبيه ءازر الذي كان مشركاً يصنع الأصنام ويعبدها ويبيعها للناس ليعبدوها فدعاه إلى عبادة الله وحده وإلى دين الحق الإسلام بألطف عبارة وبأحسن بيان وبالحكمة والموعظة الحسنة، قال الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله: {واذكر في الكتاب إبراهيم انَّه كان صديقاً نبيًا* إذ قال لأبيه يا أبت لمَ تعبُدُ ما لا يسمعُ ولا يبصرُ ولا يغني عنك شيئًا* يا أبت اني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتَّبعني أهدِك صراطاً سوياً* يا أبت لا تعبدِ الشيطان انَّ الشيطان كان للرحمن عصياً* يا أبت اني أخاف أن يَمَسَّك عذابٌ من الرحمن فتكون للشيطان ولياً} [سورة مريم]، وقال تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه ءازرَ أتتخذُ أصنامًا ءالهةً اني أراك وقومَك في ضلال مبين} [سورة الأنعام].
ذكر الله تبارك وتعالى في هذه الآيات ما كان جرى بين إبراهيم وأبيه من المحاورة والجدال إلى عبادة الله وحده، وكيف دعا أباه إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وبيَّن له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه، فكيف تغني عنه شيئًا أو تفعل به خيراً من رزق أو نصر فهي لا تضر ولا تنفع، وأعلمه بأن الله قد أعطاه من الهدى والعلم النافع فدعاه إلى اتباعه وان كان أصغر سناً من أبيه لأن اتباعه ودخوله في الإسلام وعبادة الله وحده هو الطريق المستقيم السويّ الذي يفضي به إلى الخير في الدنيا والآخرة. ثم بيَّن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه أنه بعبادته للأصنام يكون منقاداً للشيطان الخبيث الفاجر الذي لا يحب للناس الخير، بل يريد لهم الهلاك والضلال ولا يستطيع أن يدفع عنه عذاب الله ولا يردّ عنه عقوبتَه وسخطَه يقول الله تعالى: {إنَّ الشيطان لكم عدوٌ فاتخذوه عدواً إنّما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [سورة فاطر]. لم يقبل ءازر نصيحة نبي الله إبراهيم ولم يستجب لدعوته، بل استكبر وعاند وتوعد وهدد ابنه إبراهيم بالشر والرجم والقتل وقال له ما أخبرنا الله تعالى عنه في القرءان: {قال أراغبٌ أنت عن ءالهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنَّك واهجرني ملياً} [سورة مريم] فعندها قال له إبراهيم ما حكاه الله عنه: {قال سلامٌ عليك سأستغفر لك ربي انَّه كان بي حفيا} [سورة مريم] أي سلام عليك لا يصلك مني مكروه ولا ينالك مني أذى، وزاده بأن دعا له بالخير فقال: {سأستغفر لك ربي انَّه كان بي حفياً} [سورة مريم]. امام هذه الغلظة والاستكبار من والد إبراهيم عليه السلام لم تقعده وتمنعه من متابعة دعوته إلى الله سبحانه وتعالى ولم يُثنه عدم استجابة أبيه لنصحه ودعوته إلى عبادة الله وحده عن متابعة دعوته لقومه إلى هذا الدين الحق وترك عبادة الكواكب والأصنام.
وأراد إبراهيم عليه السلام أن يبين لقومه أنّ عبادة الكواكب باطلة وأنها لا تصلح للعبادة أبدًا لأنها مخلوقة مسخرة متغيرة تطلع تارة وتغيب تارة أخرى، وأنها تتغير من حال إلى حال وما كان كذلك لا يكون إلهاً، لأنها بحاجة إلى من يغيرها وهو الله تبارك وتعالى الدائم والباقي الذي لا يتغير ولا يزول ولا يفنى ولا يموت، لا إله إلا هو ولا رب سواه، فبين إبراهيم لقومه أولًا أن الكوكب لا يصلح للعبادة ثم انتقل إلى القمر الذي هو أقوى ضوءًا منه وأبهى حسناً، ثم انتقل إلى الشمس التي هي أشد الأجرام المشاهدة ضياء ونورًا، فبين أنها ذات حجم وحدود وأنها متغيرة تشرق وتغرب وإذا كانت متغيرة فلا تصلح للألوهية لأنها بحاجة إلى من يغيرها ويحفظ عليها وجودها وهو الله تبارك وتعالى خالق كل شيء ومدبر أمر هذا العالم. وأما معنى قول سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن الكوكب حين رءاه {هذا ربي} فهو على تقدير الاستفهام الانكاري فكأنه قال: أهذا ربي كما تزعمون، لذلك لما غاب قال: {لا أحب الآفلين} أي لا يصلح أن يكون هذا الكوكب ربًا لأنه يأفل ويتغير فكيف تعتقدون ذلك، ولما لم يفهموا مقصوده وظلوا على ما كانوا عليه، قال حين رأى القمر مثل ذلك فلمّا لم يجد منهم بغيته أظهر لهم أنه بريء من عبادته أي من عبادة القمر لأنه لا يصلح للعبادة ولا يصلح للربوبية، ثم لما أشرقت الشمس وظهرت قال لهم مثل ذلك، فلما لم ير منهم بغيته أيضا وأنهم أصحاب عقول سقيمة وقلوب مظلمة مستكبرة أيِسَ منهم وأظهر براءته من هذا الإشراك الذي وقعوا به وهو عبادة غير الله تعالى.
وأما إبراهيم عليه السلام فهو رسول الله ونبيه فقد كان مؤمناً عارفا بربه كجميع الأنبياء لا يشك بوجود الله طرفة عين، وكان يعلم أن الربوبية لا تكون إلا لله وأنه لا خالق إلا الله ولا معبود بحق إلا الله. ولم يكن كما يفتري عليه بعض أهل الجهل والضلال من قولهم إنه مر بفترات وأوقات شك فيها بوجود الله، لأن الأنبياء والرسل جميعهم يستحيل عليهم الكفر والضلال قبل النبوة وبعدها، لأنهم بُعثوا هداة مهتدين ليعلموا الناس الخير وما أمرهم الله بتبليغه، فقد كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام قبل مناظرته لقومه وإقامة الحجة عليهم وقبل دعوتهم إلى الإسلام والإيمان يعلم علما يقيناً لا شك فيه أن له ربًا وهو الله تبارك وتعالى الذي لا يشبه شيئًا وخالق كل شيء، وأن الألوهية والربوبية لا تكون إلا لله خالق السموات والأرض وما فيهما وهو مالك كل شيء وقادر على كل شيء وعالم بكل شيء ونافذ المشيئة في كل شيء، والدليل على ذلك من القرءان قوله تعالى: {ولقد ءاتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين} [سورة الأنبياء]، وقوله تعالى: {وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه نرفعُ درجاتٍ من نشاء إنَّ ربك حكيم عليم} [سورة الأنعام]، وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم بعد أن أقام إبراهيم الحجة على قومه وأفحمهم: {إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} [سورة الأنعام] )
حينَ أُلْقِى في النَّارِ (أراد قوم إبراهيم عليه السلام أن ينتقموا من إبراهيم عليه السلام لما كسر أصنامهم وحطمها وأهانها، فلمَّا غلبهم بحجته القوية الساطعة أرادوا مع ملكهم هذا أن ينتقموا منه ويحرقوه في نار عظيمة فيتخلصوا منه قال تعالى مخبرًا عن قولهم: {قالوا ابنوا له بُنْياناً فألقوه في الجحيم} [سورة الصافات]، وقال: {قالوا حرّقوه وانصروا ءالهتكم إن كنتم فاعلين} [سورة الأنبياء]، فشرعوا يجمعون الحطب من جميع ما يمكنهم من الأماكن ليلقوه بها وجعلوا ذلك قربانًا لآلهتهم -على زعمهم- حتى قيل إن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملنَّ حطباً لحريق إبراهيم، وهذا يدل على عظم الحقد المتأجج في صدورهم ضد إبراهيم عليه السلام. ثم عمدوا إلى حفرة عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب وأضرموا النار فيها فتأججت والتهبت وعلا لها شرر عظيم لم ير مثله، وكانوا لا يستطيعون لقوة لهبها أن يتقدموا منها، ثم لما كانوا لا يستطيعون أن يمسكوا إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأيديهم ويرموه في هذه النار العظيمة لشدة وهجها، صنعوا المنجنيق ليرموه من مكان بعيد، فأخذوا يقيدون إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو عليه الصلاة والسلام متوكل على الله حق توكله، فلما وضعوه عليه السلام في كفة هذا المنجنيق مقيدًا مكتوفًا وألقوه منه إلى وسط النار قال: “حسبنا الله ونعم الوكيل” كما روى ذلك البخاري عن ابن عباس. فلما ألقي إبراهيم لم تحرقه النار ولم تصبه بأذى ولا ثيابه، لأن النار لا تحرق بذاتها وطبعها وإنما الله يخلق الإحراق فيها، قال الله: {قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم} [سورة الأنبياء]. فكانت هذه النار الهائلة العظيمة بردًا وسلامًا على إبراهيم فلم تحرقه ولم تحرق ثيابه، وقيل: لم تحرق سوى وثاقه الذي ربطوا به إبراهيم عليه السلام. ويروى عن بعض السلف أن جبريل عليه السلام عرض له في الهواء فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. ولما خبا سعير هذه النار العظيمة وانقشع دخانها وجدوا إبراهيم سليمًا معافى لم يصبه أي أذى فتعجبوا لأمره ونجاته، ومع أنهم رأوا هذه المعجزة الباهرة ظلوا على كفرهم وعنادهم ولم يؤمنوا بنبي الله إبراهيم عليه السلام، لقد أرادوا أن ينتصروا لكفرهم فخذلوا، يقول الله تبارك وتعالى: {وأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأخسرين} [سورة الأنبياء]، وقال: {قالوا ابنوا له بنيانًا فألقوه في الجحيم* فأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأسفلين})، وَقالهَا مُحمَّدٌ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم حيِنَ قَالُوا: “إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وقَالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوكِيلُ” (بعد غزوة أحد لما عزم المشركون على الرجوع إلى مكة أشرف على المسلمين أبو سفيان ثم ناداهم: موعدكم الموسم ببدر (يريد بزعمه أن يلاقي المسلمين ببدر حتى يثأر لما حصل في معركة بدر)، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «قولوا: نعم قد فعلنا»، قال أبو سفيان: فذلك الموعد، ثم انصرف هو وأصحابُه فلما كان ببعض الطريق تلاوموا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئًا، أصبتُم شوكتهم ثم تركتموهم وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم، فارجعوا حتّى نستأصل شأفتَهم، فبلغ ذلك رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – فنادى في الناس وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوِّهم، وقال: «لا يخرج معنا إلا من شهد القتال»، فقال له عبد الله بن أُبَي: أركب معك؟ قال: «لا»، فاستجاب له المسلمون على ما بهم من القَرح الشديد والخوف وقالوا: سمعًا وطاعةً، واستأذنه جابر بن عبد الله وقال: يا رسول الله، إني أحب أن لا تشهد مشهدًا إلا كنتُ معك، وإنما خلَّفني أبي على بناته، فأْذَنْ لي أسيرَ معك؛ فأذِنَ له فسار رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد، وأقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأسلم، فأمره أن يلحق بأبي سفيان فيُخَذِّلَه، فلحقه بالرَّوحاء ولم يعلم بإسلامه فقال: ما وراءك يا معبد؟ فقال: محمد وأصحابه قد تحرَّقوا عليكم وخرجوا في جمعٍ لم يخرجوا في مثله، وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم، فقال: ما تقول؟ قال: ما أرى أن ترتحل حتى يطلُعَ أولُ الجيش من وراء هذه الأكمة، فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم، قال: فلا تفعل فإني لك ناصح، فرجعوا على أعقابهم إلى مكة، ولقي أبو سفيان بعض المشركين يريد المدينة فقال: هل لك أن تُبْلِغَ محمدًا رسالةً وأُوقِرَ لك راحلتك زبيبًا إذا أتيت إلى مكة؟ قال: نعم، قال: أبلِغْ محمدًا أنا قد أجمعنا الكرةَ لنستأصله ونستأصل أصحابه، فلما بلغهم قولَه قالوا: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}).