الْحَمْدُ للَّهِ فَالِقِ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَخَالِقِ الْعَبْدِ وَمَا نَوَى، الْمُطَّلِعِ عَلَى بَاطِنِ الضَّمِيرِ وَمَا حَوَى، بِمَشِيئَتِهِ رَشَدَ مَنْ رَشَدَ وَغَوَى مَنْ غَوَى، وَبِإِرَادَتِهِ فَسَدَ مَا فَسَدَ وَاسْتَوَى مَا اسْتَوَى، صَرَفَ مَنْ شَاءَ إِلَى الْهُدَى وَعَطَفَ مَنْ شَاءَ إِلَى الْهَوَى، أَحْمَدُهُ تعالى عَلَى صَرْفِ الْهَمِّ وَالْجَوَى، وأُصلي وأُسَلِّمُ على رسوله محمد خيرِ من وطئَ الثرى وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ صَاحِبِهِ إِنْ رَحَلَ أَوْ ثَوَى، وَعَلَى الْفَارُوقِ الَّذِي وَسَمَ بِجِدِّهِ جَبِينَ كُلِّ جَبَّارٍ وَكَوَى، وعَلَى عثمان ذِي النُّورَيْنِ الصَّابِرِ عَلَى الشَّهَادَةِ سَاكِنًا ومَا الْتَوَى، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي زَهِدَ فِي الدُّنَيْا فَبَاعَهَا وَمَا احْتَوَى. أما بعد:
الحديث
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: السادِسُ (أي الحديث السادس في باب الصدق):
عن أبي خالدٍ حكيمِ بنِ حزَامٍ رضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «الْبَيِّعَان بالخِيَارِ ما لم يَتفرَّقا، فإِنْ صدقَا وبيَّنا بوُرِك لهُما في بَيعْهِما، وإِن كَتَما وكذَبَا مُحِقَتْ بركةُ بيْعِهِما» متفقٌ عليه.
ترجمة راوي الحديث
هو حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب، أبو خالد القرشي الأسدي. أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه. وغزا حُنينا والطائف. وكان من أشراف قريش، وعقلائها، ونبلائها. وكانت خديجة عمتَه، وكان الزبيرُ ابنَ عمه. حدث عنه: ابناه هشام الصحابي وحزام، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رباح وآخرون، وقدم دمشق تاجرا. قيل: إنه كان إذا اجتهد في يمينه، قال: لا والذي نجاني يوم بدر من القتل. فقد روي عن سعيد بن المُسَيّب: نجا حَكيم بن حِزام مِن القتل مرَّتين لِما أرادَ اللَّهُ به من الخَير خَرَج رسول الله على نَفَر من المشرِكين وَهُم جلوسٌ يُريدونه فقَرأ «يس» وذَرّ على رؤوسِهِم التُّرابَ فما انْفَلَتَ منهم رجلٌ إلاَّ قُتِل إلا حَكيم، وَوَرَدَ الحَوْضَ يوم بَدْر فما ورد الحَوْض يومئذ أحَد إلا قُتِل إلا حَكيم.
وروى ابن سعد فقال: قالوا: بكى حَكيم بن حِزام يَوماً، فقالَ له ابنُه: ما يُبكيكَ يا أبةِ؟ قال: خِصالٌ كلها أبكاني أما أوَّلُها فَبُطء إسلامي حتى سُبِقت في مَواطِنَ كلُّها صالحة، ونَجَوتُ يوم بَدْر، ويوْم أُحُد، فقلتُ: لا أخرجُ أبداً مِن مكةَ ولا أُوْضع مع قُرَيش ما بَقيتُ، فأقمتُ بمكة، ويَأبَى الله أن يَشْرَح قلبي للإسْلام، وذلك أني أنظر إلى بقايا مِن قُرَيش لهم أسْنان مُسْتَمسكينَ بما هُم عليه مِن أمر الجاهليَّة فأقتَدي بهِم، ويا لَيتَ أني لم أقْتدِ بِهم، فما أهْلكنا إلا الاقْتداءُ بآبائِنا وكُبرائِنا. فلما غَزا رسول الله مكةَ جَعَلتُ أُفكِّرُ وأتاني أبو سُفيان بن حَرْب فقال: أبا خالِد، والله إني لأخْشَى أن يأتينا محمَّد في جُموع يَثْربَ فَهَل أنت تابِعي إلى شَرف نَسْتَروِحَ الخَبَر؟ قلتُ: نعم. قال: فخَرجنا نَتحدَّث ونحن مُشاة حتى إذا كنا بمَر الظَّهْران إذا رسول الله في الدَّهْم مِن الناس، فلقيَ العبَّاسُ بنُ عبد المطَّلب أبا سُفيان، فذَهَب به إلى رسول الله، فرَجَعْتُ إلى مَكةَ، فدخَلتُ بَيتي، فأغلَقْتُ عليَّ، وطَويْتُ ما رأيتُ، وقلتُ: لا أُخبر قُرَيشاً بذلك. ودَخل رسول الله مكة، فأمَّنَ النَّاسَ، فجئتُه بعد ذلك بالبَطْحاء فأسْلمتُ، وصدَّقتُه، وشَهِدتُ أنَّ ما جاء به حَقّ، وخرَجتُ معه إلى حُنَين.
قال إبراهيم بن المنذر: عاش مائة وعشرين سنة. وولد قبل عام الفيل بثلاث عشرة سنة. وقال أحمد بن البرقي: كان من المؤلفة، أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم من غنائم حنين مائة بعير. قال البخاري في تاريخه: عاش ستين سنة في الجاهلية، وستين في الاسلام. وقال حكيم بن حزام: وكنت ألقَى رسول الله في المَواسِم يسْتعرِض القبائلَ قبـيلةً قَبـيلةً، يَدعوهم إلى الله، فلا يَرى أحداً يَسْتجيب له، وأُسْرَتُه أشدُّ القبائل عليه، حتَّى بعَثَ ربُّه لَه قوْماً أراد بهم كرامتَهُ، هذا الحيُّ مِن الأنصار، فبايَعوه، وصدَّقوا به، وآمنوا به، وبَذَلوا أنفُسَهم وأموالَهم، فجَعَلَ الله له دار هِجْرةٍ وملْجَأ، وسَبَق مَن سَبَق إليه، فالحمدُ لله الذي أكرَمَ محمَّداً بالنُّبوة.
قال ابن مِندَة: ولد حكيم في جوف الكعبة. روى الزبير، عن مصعب بن عثمان قال: دخلت أم حكيم في نسوة الكعبة، فضربها المخاض، فأُتيَت بنِطَعٍ حين أعجلتها الولادة، فولدت في الكعبة. وكان حكيم من سادات قريش. وقد اشترى زيد بن حارثة لعمته خديجة بست مائة درهم، فلما تزوج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهبته زيدا، فأعتقه.. قال عروة عمن حدثه: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يا حكيم، إن الدنيا خضرة حلوة » قال: فما أخذ حكيم من أبي بكر، ولا ممن بعده ديوانا ولا غيره حتى مات. فكان عمر يقول: اللهم إني أشهدك على حكيم أني أدعوه لحقه وهو يأبى. فمات حين مات، وإنه لمن أكثر قريش مالا. وكان معاوية عام حَجَّ مَرَّ به وهو ابنُ عشرين ومائة سَنَة، فأرسل إليه بلَقُوحٍ يشرب من لَبَنِها، وذلك بعد أن سَأله: أيَّ الطعام تأكلْ؟ فقال: أمَّا مَضْغٌ فلا مَضْغَ بي، فأرسلَ إليهِ بلَقُوحٍ، وأرسَل إليه بصِلَةٍ، فأبى أن يَقْبَلها، وقال: لم آخُذ من أحدٍ قَطُّ بعد النَّبيِّ شيئاً، قد دعاني أبو بكر وعُمر إلى حقي فأبَيْت أن آخُذَه، وذلك أني سمِعتُ رسول الله يقول: «الدُّنيا خَضِرَةٌ حُلوَةٌ فمن أخَذها بسَخَاوة نَفْسٍ بُورِكَ له فيها، ومن أَخذها بإشرافِ نَفْسٍ لم يُبارَك له فيها»، فقلتُ يومئذ: لا أرزأُ أحداً بعْدَك شيئاً.
وكان حكيم بن حزام شديدَ الكرم فقد أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وأعتق في الاسلام مثلها. وساق في الجاهلية مائة بدنة، وفي الإسلام مثلها. وكان حكيمُ بن حِزام يشتري الظَّهْرَ والأداة والزَّاد ثم لا يَجيئُه أحدٌ يَسْتَحمله في السبـيل إلا حَمَله. قال: فبَيْنما هو جالس في المسْجِد، جاء رجلٌ من أهلِ اليَمن يطلُبُ حُمْلان يُريدُ الجهادَ، فَدُلَّ على حَكيم، فجلس إليه، فقال: إني رجلٌ بَعِيدُ الشُّقّة، وقد أرَدتُ الجِهادَ، فَدُلِلت عليك لتحمِلَ رِجلَتي، وتُعِينني على ضَعفي. قال: اجلس، فلما أمكنته الشمس وارتفَعت رَكَعَ ركعاتٍ، ثمَّ انصَرَف، وأوْمَأ إلى اليَمانيِّ فتَبِعَهُ. قال: فجَعَلَ كلَّما مَرَّ بصُوفةٍ أو خِرقةٍ أو سَمَلة نَفَضها، فأخَذها. قال: فقلتُ: والله ما زادَ الذي دلَّني على هذا أن لعبَ بي، فأيّ شيء عند هذا من الخَير بعدَ ما أرى؟ قال: فدخَل دارَه، فألقى الصُّوفةَ مع الصُّوفِ، والخِرقةَ مع الخِرَق، والسَّمَلة مع السَّمالِ. قال: ثمَّ قالَ (لغلامه): هاتِ لي بعَيراً ذَلُولاً، قال: فأُتِيَ به ذلولاً مُوَقَّعاً سَميناً. قال: ثمَّ دَعا بجَهازٍ فشُدَّ على البَعير، ثمَّ دعا بخِطامٍ فخَطَمَهُ، ثم أمَر لي بدَقيْق، وسوَيْق، وهو طعام يتخذ من مدقوق الحنطة والشعير سمي سويقا لانسياقه في الحلق وعُكَّة من زيتٍ، حتى إذا لم يَبْق شيء مِما يحتاج إليه المسافِر إلاَّ أعطانِيه وكَساني، ثمَّ دعا بخمسة دنانير فدَفَعها إليَّ، فقال: هذه للطريق. قالَ: فخرجتُ من عِندِه، وكان هذا فعلَ حكيمٍ. وهو أحد النَّفَر الذين حَمَلوا عُثمان بن عَفَّان ودفَنُوه لَيْلاً.
وكان مصعب بن ثابت يقول: بلغني والله أن حكيم بن حزام حضر يوم عرفة، ومعه مئة رقبة، ومئة بدنة، ومئة بقرة، ومئة شاة، فقال: الكل لله. وعن أبي حازم قال: ما بلغنا أنه كان بالمدينة أكثرُ حملاً في سبيل الله من حكيم. وقيل: إن حكيما باع دار الندوة لمعاوية بمائة ألف. فقال له ابن الزبير: بعت مَكرمةَ قريش، فقال: ذهبت المكارم يا ابن أخي إلا التقوى، إني اشتريت بها دارا في الجنة، أشهدكم أني قد جعلتها لله. وقال شعبة: لما توفي الزبير، لقي حكيمٌ عبدَ الله بنَ الزبير، فقال: كم ترك أخي من الدين؟ قال: ألفَ ألفٍ، قال: عليَّ خمسُ مائة ألف. قال حكيم بن حزام: ما أصبحت وليس ببابي صاحبُ حاجة، إلا علمت أنها من الأمور التي أسأل الله الأجر عليها. وقيل: مات سنة أربع وخمسين رضي الله عنه. وروي عن عُثمان بن سُلَيمان قالَ: كَبِرَ حَكيم بن حِزام حتى ذَهَب بصَرُه، ثم اشتكى فاشتَدَّ وجَعُه، فقلتُ: والله لأحضُرَنَّه فلأنْظُرنَّ ما يتكلَّم به عند الموتِ. فإذا هُو يُهَمْهُم، فأصغَيْتُ إليه، فإذا هو يقولُ: لا إله إلا أنتَ أحِبُّك وأخشاكَ، فَلَم تَزَل كلمتَه حتى ماتَ. وفي رواية أخرى فإذا هو يقول: لا إله إلا الله قد كنتُ أخشاك فأنا اليوم أرجوك. وكان حكيم علَّامة بالنسب فقيهَ النفس، كبير الشأن. يبلغ عدد مسنده أربعين حديثا، له في » الصحيحين» أربعة أحاديث متفق عليها.
الشرح
عن أبي خالدٍ حكيمِ بنِ حِزَامٍ رضِيَ اللَّهُ عنه قال: قال رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «الْبَيِّعَان (والبيع بمعنى البائع واستعمال البيع في المشتري إما على سبيل التغليب أو لأن كلاً منهما بائع) بالخِيَارِ (الخيار بكسر الخاء اسم من الاختيار أو التخيير، وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه، وهو خِياران: خيار المجلس وخيار الشرط، وقد روى البيهقي من طريق أبي علقمة عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً «الخِيار ثلاثة أيام» وبه احتج الحنفية والشافعية في أن أمد الخيار ثلاثة أيام) ما لم يَتفرَّقا فإِنْ صدقَا (أي من جانب البائع في السوم ومن جانب المشتري في الوفاء) وبيَّنا (قال ملا علي القاري: أي عيب الثمن والمبيع. قال ابن حجر: أي صدق البائع في إخبار المشتري مثلاً وبين العيب إن كان في السلعة، وصدق المشتري في قدر الثمن مثلاً وبين العيب إن كان في الثمن، ويحتمل أن يكون الصدق والبيان بمعنى واحد وذكر أحدهما تأكيد للآخر) بوُرِك لهُما (أي كثر النفع لهما، معنى البركة من حيث اللغة والشرع: قال ابن منظور: البَرَكَةُ: النَّماء والزيادة. وقال الفراء في قوله تعالى: ((رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ))، قال: البركات السعادة. لأن من أسعده الله بما أسعد به النبي ﷺ فقد نال السعادة المباركة الدائمة، يقال برَّكت عليه تبريكا: أي قلت له: بارك الله عليك. ونقول تبارك الله: أي تقدس وتنزه وتعالى وتعاظم، صفة خاصة بالله تعالى لا تكون لغيره. والتبرك هو طلب البركة أي الخير، وأما اصطلاحا فهو: طلب الحصول على الخير على وجه السبب، معناه أنا أريد من الله أن يجعل لي البركة من أجل الرسول أو الولي، وليس المراد أن يخلق الرسول أو الولي البركة، لأن عقيدة المسلمين أن الأنبياء والأولياء لا يخلقون شيئا بل هم أسباب والله يخلق البركة، والله تعالى هو خالق كل شيء وهو خالق الأسباب والمسببات، ولا يخلق أحد غير الله شيئا من هذا العالم) في بَيعْهِما (أي وشرائهما، أو المراد في عقدهما)، وإِن كَتَما وكذَبَا مُحِقَتْ (أي أزيلت وذهبت) بركةُ بيْعِهِما (يحتمل أن يكون على ظاهره وأن شؤم التدليس والكذب وقع في ذلك العقد فمحق بركته، وإن كان الصادق مأجوراً والكاذب مأزوراً. ويحتمل أن يكون ذلك مختصاً بمن وقع منه التدليس والعيب دون الآخر، ورجحه ابن أبي جمرة)». (قال النووي في معناه بالعموم: أي بين كل واحد لصاحبه ما يحتاج إلى بيانه من عيب ونحوه في السلعة والثمن وصدق في ذلك وفي إِلاخبار بالثمن وما يتعلق بالعوضين، ومعنى محقت بركة بيعهما أي ذهبت بركته وهي زيادته ونماؤه). قال ابن حجر: وفي الحديث حصول البركة لـهما إن حصل منهما الشرط وهو الصدق والتبيين، ومحقها إن وجد ضدهما وهو الكذب والكتم، وهل تحصل البركة لأحدهما إذا وجد منه المشروط دون الآخر؟ ظاهر الحديث يقتضيه، ويحتمل أن يعود شؤم أحدهما على الآخر بأن تُنزع البركة من المبيع إذا وجد الكذب أو الكتم من كل واحد منهما، وإن كان الأجر ثابتاً للصادق المبين، والوزر حاصل للكاذب الكاتم. وأن شؤم المعاصي يذهب بخير الدنيا والآخرة. وقال أيضًا: وفي الحديث فضل الصدق والحث عليه وذم الكذب والحث على منعه، وأنه سبب لذهاب البركة، وأن عمل الآخرة يُحَّصل خيري الدنيا والآخرة.
وهذا الحديث الذي ختم به النووي رحمه الله باب الصدق يبين أهمية أن يكون التاجر صدوقا يتقي الله عز وجل في بيعه وشرائه، وقد جعل الشرع الحنيف له منزلة عالية فقد روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “التاجر الصدوق يُحشرُ يومَ القيامةِ معَ النبيين والصِّدِّيقينَ والشّهداءِ“.
ففي قولِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم «التّاجِرُ الصّدوقُ يُحشرُ يومَ القيامةِ معَ النبيين والصِّدِيقينَ والشهداءِ» بِشارةٌ لمن تعاطى التجارةَ واتّقى اللهَ بتجنُّبِ ما حرّمَ اللهُ تعالى من أنواعِ التجاراتِ المحرمةِ والخيانةِ والغِشِ والتدليسِ بأن يوهِمَ المُشتريَ خِلافَ الحقيقةِ. والتدليس معناهُ أن يقول كلامًا لا يُريدُ به الكذب ويحتمِلُ معنىً صحيحًا لكن هو يعلم أن السامِع سيفهمُ منهُ شيئًا ءاخر مثالُهُ كأن يقول له لو دُرت كُلَّ السوق لا تجدُ مِثل هذه البِضاعة هو قصدُ البائِع في سوئِها لكن المُشتري ماذا يفهمُ من هذا الكلام يفهمُ أنها بِضاعة جيدة هذا يُقالُ لهُ تدليس هذا لا يُنجيهِ يوم القيامة (عندنا هنا عبارة يستعملونها يقولون جِدك ما أخذ هذا السِعر) يفهمُ السامع أنهُ سِعر قليل مُنخفض وهو في الحقيقة يقصد شيئا آخر
فإذًا التاجِرُ الصدوقُ الذي يبيعُ ويشتري على وفق شرعِ اللهِ تعالى ويجتنبُ الخيانة والغِش والتدليس. والتزمَ الصدقَ في وصفِهِ لبِضاعتِه وسِلعتِه وفي إخبارِهِ بالثمن الذي اشترى به بضاعته إن ذكرهُ بأنَّهُ من الذين لا خوفٌ عليهِم ولا هُم يحزنون. فيظهرُ بهذا بُطلانُ ما ينسُبُهُ بعضُ الناسِ حديثًا إلى رسولِ اللهِ في بعض الكتب يوجد حديث أن سيدنا عبدِ الرحمنِ بن عوف يدخُلُ الجنة حبوًا هذا باطل لا أصل لهُ فعبدُ الرحمنِ بن عوف من العشرة المُبشرين بالجنة، الحديثُ إسنادُهُ ليس بقائم بغض النظر عن الإسناد هذا الكلام مُصادِمٌ للقواعِد المُقررةِ في الشريعة مثل إن أكرمكُم عند اللهِ أتقاكُم، عبد الرحمن بن عوف كان كثير المال من التجارة الحلال. والتاجر الصدوق هو كعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وأبي بكر الصديق وغيرِهم رضي الله عنهم وأرضاهم، فإنهم اتقوا الله تعالى بأموالهم وتجاراتهم.