تعجيل العقوبة في الدنيا وعظم الجزاء مع البلاء | رياض الصالحين (43)

الدرس ١٦ من ١٦ في هذا البابنزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٣٨:٠٩

الحمد لله خالق كل مخلوق، ورازق كل مرزوق، أنشأ الآدمي بالقدرة من ماء مدفوق، وخلق فيه العقل يدعو إلى مراعاة الحقوق، والهوى يحث على ما يوجب العقوق. أحمده تعالى وأقر له بالتوحيد ولا أعبد ودًّا ولا سواعا ولا نسرا “ولا يغوث ويعوق” وأصلي وأسلم على نبيه محمد الذي قمع أهل الزيغ وأرباب الفسوق، صلى الله عليه وعلى ءاله ما هب الهواء ولمعت البروق، وعلى صاحبه أبي بكر الصديق الصدوق، وعلى عمر الملقب بِالْفَارُوقِ، وَعَلَى عُثْمَانَ الصَّابِرِ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى مَرِّ الْمُذُوقِ، وَعَلَى عَلِيٍّ مُطَلِّقِ الدُّنْيَا فَمَا غَرَّهُ الزُخْرُفُ وَالرَّوق. أمَّا بعدُ: 

الحديث الثالث والأربعون

قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: وعن أنس رضي اللَّه عنه قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بعبْدِهِ الخيرَ عجَّلَ لَهُ الْعُقُوبةَ في الدُّنْيَا، وإِذَا أَرَادَ اللَّه بِعبدِهِ الشَّرَّ أمسَكَ عنْهُ بذَنْبِهِ حتَّى يُوافِيَ بهِ يَومَ الْقِيامةِ”. 

وقَالَ النبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “إِنَّ عِظَمَ الْجزاءِ مَعَ عِظَمِ الْبلاءِ، وإِنَّ اللَّه تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَومًا ابتلاهُمْ، فَمنْ رضِيَ فلَهُ الرضَا، ومَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ “رواه الترمذي وقَالَ: حديثٌ حسنٌ.

الشرح والتعليق على هذا الحديث

وعن أنس رضي اللَّه عنه قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “إِذَا أَرَادَ اللهُ (أَيْ: قَضَى وَقَدَّرَ، بتقدير أزلي أبدي لا يتغير، فالله تعالى قدَّر كل شيء وتقديرُهُ صفةٌ من صفاته الثابتة له سبحانه وهو يشمل كل شيء فلا يَدخُل شيء في هذا العالم سواء كان من خير أم شر من طاعة أو معصية إلا بتقدير الله الأزلي الأبدي) بعبْدِهِ (أي بعبده المؤمن، فإن البلايا مع الصبر يستفيد منها المؤمن أما غير المؤمن فمهما عَمِلَ صورة الصبر فإنه لا ينتفع بذلك ولا يستفيد لأن الشرط لقبول الأعمال الصالحة أن يكون العبد مؤمنا بالله ورسوله، والإيمان هو الاعتقاد الجازم بوجوده تعالى على ما يليق به سبحانه مع الاعتقاد بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لم يؤمن بالله بأن نسب إلى الله النقائص وما لا يليق بالله كأن نسب إليه صفاتِ البشر وصفات المخلوقات فليس مؤمنا بالله، كأن نسب إلى الله الجسميةَ وصفاتِها كالحد والمكان والزمان والتغير فإن ذلك كلَّه من صفات المخلوقات وربنا عز وجل منزه عن الشبيه والمثيل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) الخيرَ (أَيْ: كُلَّهُ) عجَّلَ (أي جَعَلَها مُعَجَّلَةً وليست مؤخَّرةً) لَهُ (أي لهذا العبد المؤمن) الْعُقُوبةَ (أَيِ: الِابْتِلَاءَ بِالْمَكَارِهِ والجزاءَ على عملِهِ) في الدُّنْيَا (فهي دارُ البلاء ودارُ العملِ والصبرِ على البلاءِ والآخرةُ دارُ الجزاءِ على العملِ والجزاءِ على الصبرِ، وتعجيلُ الجزاءِ في الدنيا للذينَ يحبُّهم اللهُ تعالَى لِأَنَّ عَذَابَ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى)، وإِذَا أَرَادَ اللَّهُ (أي قدَّر وشاء بمشيئته الأزلية الأبدية التي لا تتغير) بِعبدِهِ الشَّرَّ (وهو ضدُّ الخير، وهذا فيه دليل على أن الله شاء الخير وشاء الشر، لكنه لا يحب الشر ولا يأمر به، ومثل هذا ما جاء في القرآن الكريم حكاية عن موسى عليه السلام أنه قال: “إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ“) أمسَكَ (أَيْ: أَخَّرَ) عنْهُ (مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ) بذَنْبِهِ (أَيْ: بِسَبَبِهِ) حتَّى يُوافِيَ (أَيْ: يُجَازِيَهُ جَزَاءً وَافِيًا) بهِ (أَيْ: بِذَنْبِهِ، وَلَعَلَّ الْمُوَافَاةَ حِينَئِذٍ بِمَعْنَى الْمُلَاقَاةِ. وَالْمَعْنَى لَا يُجَازِيهِ بِذَنْبِهِ حَتَّى يَجِيءَ فِي الْآخِرَةِ مُتَوَافِرَ الذُّنُوبِ وَافِيهَا فَيَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنَ الْعِقَابِ) يَومَ الْقِيامةِ (أي يومَ الجزاءِ على العمل، والمعنى أَيْ: إِنْ لَمْ يَعْفُ عَنْهُ) (وأين جميع أهوال الدنيا ومضايِقِهَا من ساعة من عذاب النار وما فيها من الأغلال والأنكال؟ وفي الحديث الحثّ على الصبر على ما تجري به الأقدار، وأنه خير للناس في الحال والمآل، فمن صبر فاز: ومن تبرّم بالأقدار فقدرُ الله لا يرد، وفات المتبرّمَ أعالي الدرجات وتكفيرُ السيئات واالله وليّ التوفيق وقد ثبت في حديث ابن ماجه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنَ الْكُفَّارِ. فَيُقَالُ: اغْمِسُوهُ فِي النَّارِ غَمْسَةً. فَيُغْمَسُ فِيهَا. ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: أيْ فُلاَنُ هَلْ أَصَابَكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لاَ مَا أَصَابَنِي نَعِيمٌ قَطُّ. وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ الْمُؤْمِنِينَ ضُرًّا وَبَلاَءً. فَيُقَالُ: اغْمِسُوهُ غَمْسَةً فِي الْجَنَّةِ. فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً. فَيُقَالُ لَهُ: أَيْ فُلاَنُ هَلْ أَصَابَكَ ضُرٌّ قَطُّ أَوْ بَلاَءٌ؟ فَيَقُولُ: مَا أَصَابَنِي قَطٌّ ضُرٌّ وَلاَ بَلاَءٌ» “. 

وقَالَ النبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “إِنَّ (ويراد بها التأكيد لما سيذكر) عِظَمَ الْجزاءِ (أَيْ: عَظَمَةُ الْأَجْرِ وَكَثْرَةُ الثَّوَابِ مَقْرُونٌ) مَعَ عِظَمِ الْبلاءِ (كَيْفِيَّةً وَكَمِّيَّةً، جَزَاءً وِفَاقًا، وَأَجْرًا طِبَاقًا، أي بقدر الصبر على البلاء مع شدته يكون الأجر والمغنم بإذن الله رب العالمين)، وإِنَّ اللَّه تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ (والمحبة من الله عز وجل على معنى إرادة الإنعام وليس على معنى الانفعالات الجسمانية والقلبية فربنا عز وجل لا يوصف بالجسمية ولا بصفات الأجسام ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) قَومًا ابتلاهُمْ (أصل كلمة البلاء الاختبار والامتحان والله عز وجل يبتلي الناس أي يختبرهم ليُظهِر للناس من يصبر ومن لا يصبر وليس المعنى أن الله لا يعلم شيئا فعلم الله شامل لكل المعلومات لا يزيد ولا ينقص ولا يطرأ عليه تغير ولا زيادة ولا نقصان، يعلم كل شيء بعلم واحد أزلي أبدي وإنما يبتلي الناسَ ليعلم الناسُ من الصابرُ ومن غير الصابر وهو سبحانه يعلم كل شيء لا تخفى عليه خافية)، فَمنْ رضِيَ (أَيْ: بِالْبَلَاءِ، وصبر عليه وسلَّمَ أمره لله ولم يعترض على الله عز وجل بتقديره هذا البلاء المرَّ) فلَهُ الرضَا (قال ملا علي القاري: أَيْ: فَلْيَعْلَمْ أَنَّ لَهُ الرِّضَا مِنَ الْمَوْلَى، أَوْ فَيَحْصُلُ لَهُ الرِّضَا فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، وقيل أي له ثواب رضاه وهو عظيم عند الله فأجر الصابرين مذكور في كتاب الله عز وجل فقد قال تعالى في محكم التنزيل: ” إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ” وقال تعالى: “أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا” وجاء في وصف أهل الغرف ما روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ فِي الأُفُقِ، مِنَ المَشْرِقِ أَوِ المَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ» قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لاَ يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ»)، ومَنْ سَخِطَ (أَيْ: كَرِهَ بَلَاءَ اللَّهِ، وَفَزِعَ وَلَمْ يَرْضَ بِقَضَائِهِ واعترض وهذا كفر وخروج من الدين) فَلَهُ السُّخْطُ (مِنَ اللَّهِ أَوَّلًا وَالْغَضَبُ عَلَيْهِ آخِرًا،)”

قال الطحاوي رضي الله عنه: «والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى». فيجب إثبات صفة الغضب وصفة الرضى لله مع تنزيهه تعالى من أن يكون غضبه ورضاه تأثُّرًا بل هما صفتان أزليتان قديمتان أبديتان، أما ما ورد فى الحديث الذى رواه البخارىُّ من أنَّ ءادمَ وغيرَه يقولون «إن الله غضب اليوم غضبًا لم يغضبْ قبلَه مثلَه ولا يغضبُ بعدَهُ مثلَهُ» اهـ. فالمرادُ بذلك ءاثارُ الغضبِ وليس المرادُ الصفةَ لأن الصفةَ أزليةٌ أبديةٌ ليست طارئةً لله بل معناه أن الله تعالى أعدَّ فى ذلك اليوم من ءاثار الغضب ما لم يسبق قبل ذلك ولا يكون بعد ذلك ما هو أشدُّ منه لأن الله تعالى شاء أن يحصُل ذلك اليومَ من ءاثار الغضب منتهى الآثار التِى شاء أن تكون مع أنَّ الله تعالى قادرٌ على أن يخلق ما هو أشدُّ من ذلك لكنه لم يشأْ ولا يفعلُ فالعذابُ الذى أعَدَّهُ لأعدائِهِ وشاء فى الأزل أن يصيبَهم فى الآخرةِ لا يتجاوزُ ذلك الحدَّ، هذا معنى ما ورد فى حديث الشفاعة وليس معناه أنه تأثَّرَ لأنَّ الذِى يطرأ عليه تأثُّرٌ لا بدَّ أن يكون حادثًا.

رواه الترمذي وقَالَ: حديثٌ حسنٌ (والحديث الحسن هو نوع من أنواع الحديث الصحيح وفي علم الحديث يقول الفقهاء: الحسن أخو الصحيح في الحديث).