رحمة النبي ﷺ بالصغار وتقبيل الأطفال | رياض الصالحين (42)

الدرس ١٥ من ١٦ في هذا البابنزهة الطالبين بشرح رياض الصالحين مدة الدرس ٣١:٣٣

الحمد لله الذي أعزَّنا بالإسلام، وأكرمنا بالإيمان، ورحمنا بنبيِّه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل السعادة في خشيته وتقواه، وجعل العزة والكرامة لمن خافه واتَّقاه، وأشهد أن سيدنا وحبيب قلوبنا محمدًا رسولُ الله، وحبيبه من خلقه ورضيُّه ومصطفاه، فاز وربح من اتبع سنتَه وهُداه، وخاب وخسر من خالف منهجه وعَصاه. اللهم صلِّ عليه وعلى ءاله وصحابته، صلاة تَزيد في رفعته، وتظلنا تحت لوائه في أعز زمرته، وتجعلنا من رُوَّاد حوضه وأهل شفاعته. أما بعد: 

الحديث

قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: وعن ابن مَسعُودٍ رضي اللَّه عنه قال: لمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ رسولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نَاسًا في الْقِسْمَةِ: فأَعْطَى الأَقْرعَ بْنَ حابِسٍ مائةً مِنَ الإِبِلِ وأَعْطَى عُييْنَةَ بْنَ حِصْنٍ مِثْلَ ذلِكَ، وأَعطى نَاسًا منْ أشرافِ الْعربِ وآثَرَهُمْ يوْمئِذٍ في الْقِسْمَةِ. فَقَالَ رجُلٌ: واللَّهِ إنَّ هَذِهِ قِسْمةٌ مَا عُدِلَ فِيها، وَمَا أُريد فِيهَا وَجْهُ اللَّه، فَقُلْتُ: واللَّهِ لأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، فأتيتُهُ فَأخبَرْتُهُ بِما قَالَ، فتغَيَّر وَجْهُهُ حتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ. ثُمَّ قَالَ: “فَمنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يعدِلِ اللَّهُ ورسُولُهُ؟ ثُمَّ قَالَ: يرحَمُ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوْذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصبرَ” فَقُلْتُ: لَا جرمَ لَا أَرْفعُ إلَيه بعْدها حدِيثًا. متفقٌ عَلَيهِ. وقَوْلُهُ “كَالصِرْف: هُو بِكسْرِ الصادِ الْمُهْملةِ: وَهُوَ صِبْغٌ أَحْمَرُ.

الشرح

وعن ابن مَسعُودٍ رضي اللَّه عنه قال: لمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ (كانت غزوةُ حُنينٍ في شوّالٍ سنة ثمانٍ للهجرة، وفيها نصر الله رسوله ومن معه من المؤمنين على المشركين أهل الشرك والباطل وقد كان من أمرها: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما أقام بمكة عام الفتح نصف شهر لم يزد على ذلك، جاءت هوازنُ وثقيفٌ فنزلوا “حنين” وهو وادٍ بين مكة والطائف، وهم يؤمئذٍ عامدون يريدون قتال النبي صلى الله عليه وسلم وكانت الرياسة في جميع عسكر المشركين لمالك بن عوف النّصريّ. فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليه عبد الله بن أبي حدردٍ الأسلميّ، وأمره أن يَدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يأتيه بخبرهم، فأتى وأخبر رسول الله بما شاهد فيهم. فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قصدهم وخرج في اثني عشر ألفًا من المسلمين حتى أتى وادي “حنينٍ”. وكانت هوازن قد كمنت في جنبَتي الوادي وذلك في غَبَش الصبح فحملت على المسلمين حملة رجلٍ واحدٍ فتراجع عدد من المسلمين وفرَّ قسمٌ فرارًا لم يكن بعيدًا، ولم يحصل من جميعهم وذلك بسبب انصبابهم عليهم دفعةً واحدةً ورشقهم بالسهام ونحو ذلك. ولم يَرد أن النبيّ صلى الله عليه وسلم انهزم وقد قالت الصحابة كلُّهم: إنه صلى الله عليه وسلم ما انهزم، ولم ينقل أحد قطٌّ أنه انهزم صلى الله عليه وسلم في موطنٍ من المواطن. وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يعتقد انهزامه صلى الله عليه وسلم ولا يجوز ذلك عليه. فقد ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفرٌ من المهاجرين والأنصار وأهل بيته منهم أبو بكرٍ وعمر وعليّ والعباس لم ينهزموا. وكان عليه الصلاة والسلام على بغلته الشهباء واسمها “دُلدُلُ” يقودها أبو سفيان بن الحارث ابنُ عم النبي صلى الله عليه وسلم ويقودها العباس عمُّ النبيّ عليه الصلاة والسلام، وقد قال العلماء: إن ركوبه صلى الله عليه وسلم البغلة في موطن الحرب وعند اشتداد الناس هو النهاية في الشجاعة والثبات ولأنه يكون معتمدًا يرجع المسلمون إليه وتطمئنُّ قلوبهم به وبمكانه وإنما فعل هذا عمدًا وإلا فقد كانت له صلى الله عليه وسلم أفراسٌ معروفة. فصار رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” أيها الناس أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله” وأمر العباس وكان جهيرَ الصوت أن ينادي: “يا معشر الأنصار، يا معشر المهاجرين، يا معشر الخزرج”، فلما سمعوا الصوت أجابوا: “لبيك، لبيك” فلما ذهبوا ليرجعوا كان الرجل منهم لا يستطيع أن يَنفُذَ ببعيره لكثرة الأعراب المنهزمين فكان يأخذ سيفه ودرعه ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله ويكِرُّ راجعًا على قدميه إلى رسول الله، حتى إذا اجتمع حواليه صلى الله عليه وسلم مائةُ رجلٍ أو نحوهُم استقبلوا هوازن بالضرب. واشتدت الحرب، وكثر الطعن والجِلاد، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركائبه فنظر إلى مجتَلد القوم (أي مكانُ جِلادهم وعِراكِهم) فقال: “الآن حمي الوطيس”. ونزل عن بغلته وجعل يقول: “أنا النبيُّ لا كذب، أنا ابن عبد المطَّلب” فما رئي من الناس أشدُّ منه، وقد غشاه المشركون، وهذه نهاية الثبات والشجاعة والصبر. وقد أخبرت الصحابة بشجاعته في جميع المواطن وأنهم كانوا يتقون به في الحرب. وقد أراد النبيُّ بقوله: “أنا النبيُّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب” تذكيرهم وتنبيههم بأنه لا بد من ظهوره على الأعداء وأن العاقبة له، لتقوى نفوسهم، وأعلمهم أيضًا بأنه ثابتٌ ملازمٌ للحرب، وعرّفهم موضعه ليرجع إليه الراجعون. وقذف الله عزَّ وجلَّ في قلوب هوازن الرعب حين وصلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنّ رسول الله إذا واجههم وواجهوه صاح بهم صيحةً ورمى في وجوههم بالحصا وقال: “شاهت الوجوه، شاهت الوجوه” فلم تبق عينٌ إلا دخلها من ذلك فلم يملكوا أنفسهم وولّوا مدبرين وفي ذلك يقول الله عزّ وجلّ: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} ويقول الله عز وجل في ذكر غزوة حنين: ” لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنَزلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” ) آثَرَ (أَي: اخْتَار أُنَاسًا فِي الْقِسْمَة بِالزِّيَادَةِ) رسولُ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم نَاسًا في الْقِسْمَةِ (أي أعطى أناسا أكثر من أناس وما ذلك إلا ليتألف قلوبهم على الإسلام فقد كانوا وُجهاء في أقوامهم فأعطاهم حتى يحبِّبَهم ويقرِّبَهم إلى الإسلام أكثر فأكثر، وليس أنه يظلم في القسمة أو أنه يخالف الدين والشريعة فهو ولي أمر المسلمين يعطي بما يوحي إليه ربه): فأَعْطَى الأَقْرعَ بْنَ حابِسٍ (قال ابن حجر في الإصابة: الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان التميمي المجاشِعي  قال ابن إسحاق وفَد على النبي صلى اللـه عليه وسلّم وشهد فتح مكة وحنينا والطائف وهو من المؤلفة قُلُوبُهُم وقد حسن إسلامه وقال الزبير في النسب كان الأقرع حكما في الجاهلية، وإنما قيل لـه الأقرع لقِرع كان برأسه وكان شريفا في الجاهلية والإسلام واستعملـه عبداللـه بن عامر على جيش سَيَّره إلى خراسان فأصيب بالجوزجان هو والجيش وذلك في زمن عثمان وذكر ابن الكلبي أنه كان مجوسيا قبل أن يسلم. وفي وفد بني تميم نزل قولـه تعالى: ” إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ” وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: «أبصر الأقرع بن حابس رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو يقبّل الحسن، فقال: إن لي من الولد عشرة ما قبلت واحدا منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : «من لا يَرْحم لا يُرْحَم». وشهد الأقرع بن حابس مع خالد بن الوليد حرب أهل العراق، وشهد معه فتح الأنبار، وهو كان على مقدمة خالد بن الوليد، قال ابن دريد: اسم الأقرع: فراس، ولُقِّبَ الأقرع لِقرَع كان به في رأسه، والقَرَع: انحصار الشعر) مائةً مِنَ الإِبِلِ وأَعْطَى عُييْنَةَ بْنَ حِصْنٍ (قال ابن الأثير: عُيَيْنة بن حِصْن بن حُذَيْفَة بن بَدْر بن عَمْرو الفَزَاري، يكنى أَبا مالك. أَسلم بعد الفتح. وقيل: أَسلم قبل الفتح، وشهد الفتح مسلما، وشهد حنينا أَو الطائف أَيضا. وكان من المؤلفة قلوبهم، ومن الأَعراب الجفاة، قيل: إِنه دخل على النبي من غير إِذن، فقال له: أَين الإِذن؟ فقال: ما استأَذنت على أَحد من مُضَر وكان ممن ارتد وتَبع طُلَيحة الأَسَدي، وقاتل معه. فأُخِذ أَسيرا، وحُمل إِلى أَبي بكر رضي الله عنه فكان صبيان المدينة يقولون: يا عدوّ الله أَكفرت بعد إِيمانك؟ فيقول ما آمنت بالله طرفة عين. فأَسلم، فأَطلقه أَبو بكر. مات في آخر خلافة عثمان وله عَقِبٌ كثير) مِثْلَ ذلِكَ، وأَعطى نَاسًا منْ أشرافِ الْعربِ وآثَرَهُمْ (أي فضَّلَهم) يوْمئِذٍ في الْقِسْمَةِ (لتأليف قلوبهم إلى الإسلام وفي الحديث الصحيح عن سعد مرفوعا: «إني لأُعطي الرجلَ وغيرُهُ أحبُّ إليّ منه مخافةَ أن يَكُبَه الله في النار على وجهه»). فَقَالَ رجُلٌ (قال ابن حجر: ذكر الْوَاقِدِيّ أَن هَذَا الْقَائِل هُوَ مُعتَّبُ بن قُشَيْر) (وعند البخاري «فقال رجل من الأنصار: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله): واللَّهِ إنَّ هَذِهِ قِسْمةٌ مَا عُدِلَ فِيها (ونسبة هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كفر وضلال والعياذ بالله تعالى)، وَمَا أُريد فِيهَا وَجْهُ اللَّه (أي ما أريد بها ثواب الله ورضاه فالوجه هنا على معنى الثواب وليس معناه الوجهَ الجارحَ فالله منزَّهٌ عن الجوارح والأعضاء ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (وليس هذه الحادثةُ المذكورةُ في هذا الحديث هي نفس الحادثةِ المذكورةِ في حديث وصف الخوارج الذي في الصحيحين عن أَبَي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْمًا، أَتَاهُ ذُو الخُوَيْصِرَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ، فَقَالَ: «وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ». فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: «دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، (إلى  أن قال) آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ، إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ المَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَأُتِيَ بِهِ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي نَعَتَهُ)، فَقُلْتُ (أي عبد الله بن مسعود): واللَّهِ لأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم (أي بما قاله هذا الرجل من الكفر ونسبة الظلم في قسمة الغنائم للنبي صلى الله عليه وسلم)، فأتيتُهُ (أي أتى عبدُ الله بنُ مسعودٍ النبيَّ صلى الله عليه وسلم) فَأخبَرْتُهُ بِما قَالَ (وقوله هذا الذي قال هذا عن رسول الله يدل على حجب بصيرة قائله عن مِشكاة أنواره وإلا فلو أشرق فيه بعض ذلك النور لامتلأ قلبه من الخُيُور وعلم أنه الطبيب الحاذق الذي يداوي كل سقيم ويذهب كل ضير وألم {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} )، فتغَيَّر وَجْهُهُ (وكان السرور والغضب يظهران في وجه النبي صلى الله عليه وسلم) حتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ (قال العيني: وَهُوَ صبغ أَحْمَر يصْبغ بِهِ الْجُلُود، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: وَقد يُسمى الدَّم صرفا، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ: قَالَ: فَأتيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فساررته فَغَضب من ذَلِك غَضبا شَدِيدا واحمرَّ وَجهه حَتَّى تمنيت أَنِّي لم أذكر لَهُ، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: حكم الشَّرْع أَن من سبّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَفَر وَقُتِل). ثُمَّ قَالَ: “فَمنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يعدِلِ اللَّهُ ورسُولُهُ؟ (شَمِل هنا باللفظ بين لفظ الله ولفظ الرسول بيانا على أن حكمه وقسمَتَه هي بوحي من الله عز وجل وليس من تلقاء رأيه دون وحي) ثُمَّ قَالَ: يرحَمُ اللَّهُ مُوسَى (أي سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام فقد آذاه بنو إسرائيل ونسبوا إليه القبائح فصبر على أذاهم وهو يدعوهم إلى دين الإسلام وحالُهُ من الصبر كما صبر أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام) قَدْ أُوْذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصبرَ (وفي ذلك يقول الله عز وجل: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ ءاذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهًا” وروى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا، لاَ يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ، إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ: إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ: وَإِمَّا آفَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى، فَخَلاَ يَوْمًا وَحْدَهُ، فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الحَجَرِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا، وَإِنَّ الحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ، وَأَبْرَأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ، وَقَامَ الحَجَرُ، فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ، وَطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ بِالحَجَرِ لَنَدَبًا مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ، ثَلاَثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا“، وهنا تنبيه مهم: ليُعلم أولًا أن سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام لم يكن ليتعمد التعري أمام الناس خاصة أنه نبي والأنبياء أشد خلق الله حياءً. وقولهم «آدر» أي في عورته عيب أو علة، فيا لقلة شرفهم إذ اتهموه أن فيه علة وهذا ما يمنعه من أن يكشف عورته ويخالطهم، وهذا شأن من لا شرف له ولا عفة. قال ابن بطال في شرحه على صحيح البخاري، ما نصه: «كَانَتْ بَنُوإِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَالله مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلا أَنَّهُ آدَرُ».اهـ وفي هذا الحديث دليل على أن موسى كان يغتسل وحده كما في لفظ الحديث أي لم يكن يتعرى أمام بني إسرائيل، ويؤكد ذلك أيضا قولهم: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر. (قال ابن علان: الأوجه أنه إنما ترك قتل قاتل هذا الكلام مع أن سبه كفر يقتل به فاعله، لئلا يتحدث الناس بأنه يقتل أصحابه فينفروا عن الإسلام فعامله معاملة غيره من المنافقين) فَقُلْتُ: لَا جرمَ (قال ابن الأثير: هَذِهِ كَلِمَةٌ تَرِد بمعْنى تَحْقِيق الشَّيء. وَقَدِ اخْتُلف فِي تَقْدِيرِهَا، فقِيل: أصْلُها التَّبْرِئة بِمَعْنَى لَا بُدَّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلت فِي معْنى حَقًّا وَقِيلَ جَرَمَ بمعْنى كسَبَ. وَقِيلَ بمعْنى وجَبَ وحُقَّ، وَ «لَا» رَدٌّ لِمَا قَبْلَها مِنَ الْكَلاَم، ثُمَّ يُبْتَدأ بِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ أَيْ لَيْسَ الأمرُ كَما قَالُوا، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقَالَ: وجَبَ لَهُمُ النَّار) لَا أَرْفعُ إلَيه بعْدها حدِيثًا (أي لا أرفع له حديثا مما لا يكون فيه ضرر على الدين والدعوة أما إذا كان به ضرر على الدين والدعوة فأبلغه إياه، وإنما رأى ذلك لأنه رأى أن كلامه حصل منه بعض التعب للنبي حتى رأى أثر الغضب من تلك الحمرة في بشرته الشريفة) (واستدل بها البخاري على جواز إِخْبَار الرجل صَاحبه بِمَا سمع مِمَّا يُقَال فِيهِ، أَي: فِي حَقه، وَلَكِن بِشَرْط أَن يقْصد النَّصِيحَة ويتحرى الصدْق ويجتنب الْأَذَى، أَلا يُرى أَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ، حِين أخبر النبيَّ بقول الْأنْصَارِيّ فِيهِ: هَذِه قسْمَة مَا أُرِيد بهَا وَجه الله، لم يقل لَهُ: أتيت بِمَا لَا يجوز، بل رَضِي بذلك وجاوبه بقوله: يرحم الله مُوسَى لقد أَوذِي بِأَكْثَرَ من هَذَا فَصَبر، وَلم يكن هَذَا من النميمة) (قال العيني: وَفِيه من الْفِقْه: أَن أهل الْفضل وَالْخَير قد يعز عَلَيْهِم مَا يُقَال فيهم من الْبَاطِل إلا أَن أهل الْفضل يتلقون ذَلِك بِالصبرِ الْجَمِيل اقْتِدَاء بِمن تقدمهم من الْمُؤمنِينَ، أَلا يُرى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد اقْتدى فِي ذَلِك بصبر مُوسَى صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ، وَمن صبره: أَن قَارون قَالَ لامْرَأَة ذَات جمال وَحسب: هَل لَك أَن أشركك فِي أَهلِي وَمَالِي إِذا جِئْت فِي مَلأ بني إِسْرَائِيل تَقُولِينَ: إِن مُوسَى أرادني على نَفسِي، فَلَمَّا وقفت عَلَيْهِم بدَّلَ الله تَعَالَى قَلبهَا، فَقَالَت: إِن قَارون قَالَ لي كَذَا وَكَذَا، فَبلغ الْخَبَر مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، فَدَعَا الله تَعَالَى وَهُوَ يبكي فَأوحى الله إِلَيْهِ: قد أمرت الأَرْض أَن تطيعك فَمُرْهَا بِمَا شِئْت، فَأقبل إِلَى قَارون فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي، قَالَ: يَا أَرض خذيه، فساخت بِهِ الأَرْض وَبِدَارِهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، فَقَالَ: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي، فَقَالَ: خذيه فساخت بِهِ وَبِدَارِهِ فَهُوَ يتجلجل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة).