الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَظِيمًا عَلِيًّا، يَخْذِلُ عَدُوًّا وَيَنْصُرُ وَلِيًّا، أَنْشَأَ الآدَمِيَّ خَلْقًا سَوِيًّا، ثُمَّ قَسَمَهُمْ قِسْمَيْنِ رَشِيدًا وَغَوِيًّا، رَفَعَ السَّمَاءَ سَقْفًا مَبْنِيًّا، وَرَزَقَ الخلائق بحريًّا وبريًّا، كم أجرى لعباده نَهَرًا سريًّا، أَخْرَجَ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا، وكَمْ أَعْطَى ضَعِيفًا مَا لَمْ يُعْطِ قَوِيًّا، فَبَلَّغَهُ عَلَى الضَّعْفِ ضِعْفَ الْمُرَادِ وَوَهَبَ لَهُ عَلَى الْكِبَرِ الأَوْلادَ {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا}، أَحْمَدُهُ إِذْ فَضَّلَ وَأَعْطَى شِبعًا وَرِيًّا، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الذي هداه الله صراطا سويًّا، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الَّذِي أَنْفَقَ وَما قَلَّلَ حَتَّى بلغ مقامًا عَلِيًّا، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي كَانَ للشيطان عَصِيًّا، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَفِيفًا حَيِيًّا، وَعَلَى عَلِيٍّ الذي كان عندَ ربهِ مرضيًّا، وعلى آله وصحبه ومن كان تقيًّا، أما بعد:
الحديث
فقد قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: الْسَّادسُ: عنْ عمرَ رضي اللَّهُ عنه قالَ: سمعْتُ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ: “لَوْ أنَّكم تتوكَّلونَ عَلَى اللَّهِ حقَّ تَوكُّلِهِ لرزَقكُم كَما يرزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِماصًا وترُوحُ بِطَانًا” رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ. معْناهُ تَذْهَبُ أوَّلَ النَّهَارِ خِماصًا: أي ضَامِرةَ الْبُطونِ مِنَ الْجُوعِ، وترْجِعُ آخِرَ النَّهَارِ بِطَانًا: أيْ مُمْتَلِئةَ الْبُطُونِ.
الشرح
الْسَّادسُ (أي الحديث السادس من باب اليقين والتوكل وهو الحديث التاسع والسبعون من كتاب رياض الصالحين): عنْ عمرَ رضي اللَّهُ عنه (رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَقَالَ: قَالَتْ السيدة عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إِذَا شِئْتُمْ أَنْ يَطِيبَ الْمَجْلِسُ فَعَلَيْكُمْ بِذِكْرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.اهـ
ولذلك ومن هذا الباب نقول في هذا الموضع: هو عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثَانِيَ الْقَوْمِ، الْفَارُوقُ، ذُو الْمَقَامِ الثَّابِتِ الْمَأْنُوقِ، أَعْلَنَ اللهُ تَعَالَى بِهِ دَعْوَةَ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ، وَفَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْفَصْلِ وَالْهَزْلِ، وَأَيَّدَ بِمَا قَوَّاهُ بِهِ مِنْ لَوَامِعِ الطَّوْلِ، وَمَهَّدَ لَهُ مِنْ مَنَائِحِ الْفَضْلِ شَوَاهِدَ التَّوْحِيدِ، وَبَدَّدَ بِهِ مَوَادَّ التَّنْدِيدِ، فَظَهَرَتِ الدَّعْوَةُ، وَرَسَخَتِ الْكَلِمَةُ، فَجَمَعَ اللهُ تَعَالَى بِمَا مَنَحَهُ مِنَ الصَّوْلَةِ مَا نَشَأَتْ لَهُمْ مِنَ الدَّوْلَةِ، فَعَلَتْ بِالتَّوْحِيدِ أَصْوَاتُهُمْ بَعْدَ تَخَافُتٍ، وَتَثَبَّتُوا فِي أَحْوَالِهِمْ بَعْدَ تَهَافُتٍ، غَلَبَ كَيَدَ الْمُشْرِكِينَ بِمَا أَلْزَمَ قَلْبَهُ مِنْ حَقِّ الْيَقِينِ، لَا يَلْتَفِتُ إِلَى كَثْرَتِهِمْ وَتَوَاطِيهِمْ، وَلَا يَكْتَرِثُ لِمُمَانَعَتِهِمْ وَتَعَاطِيهِمْ، اتِّكَالًا عَلَى مَنْ هُوَ مُنْشِئِهُمْ وَكَافِيهِمْ، وَاسْتِنْصَارًا بِمَنْ هُوَ قَاصِمُهُمْ وَشَانِيهِمْ، مُحْتَمِلًا لِكَثِيْرٍ مِمَّا احْتَمَلَ الرَّسُولُ، وَمُصْطَبِرًا عَلَى الْمَكَارِهِ لِمَا يُؤْمَلُ مِنَ الْوُصُولِ، وَمُفَارِقًا لِمَنِ اخْتَارَ التَّنْعِيمَ وَالتَّرْفِيهَ، وَمُعَانِقًا لِمَا كُلِّفَ مِنَ التَّشَمُّرِ وَالتَّوْجِيهِ، الْمَخْصُوصُ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ بِالْمُعَارَضَةِ لِلْمُبْطِلِينَ، وَالْمُوافَقَةِ فِي الْأَحْكَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، السَّكِينَةُ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِهِ، وَالْحَقُّ يُجْرِي الْحِكْمَةَ عَنْ بَيَانِهِ، كَانَ لِلْحَقِّ مَائِلًا، وَبِالْحَقِّ صَائِلًا، وَلِلْأَثْقَالِ حَامِلًا، وَلَمْ يَخَفْ دُونَ اللهِ طَائِلًا. فَإِذَا ذُكِرَتِ الشِّدَّةُ فِي الحَقِّ ذُكِرَ، وَإِنْ ذُكِرَ العَدْلُ ذُكِرَ، وَإِنْ ذُكِرَ التَّوَاضُعُ ذُكِرَ، وَإِنْ ذُكِرَتِ الرَّحْمَةُ بِالْمَسَاكِيْنِ فَهُوَ مَثَل، وَإِذَا ذُكِرَتِ الفُتُوْحَاتُ ذُكِرَ، وَإِذَا ذُكِرَ الخَيْرُ ذُكِرَ، عُمَرُ الخَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. وأحوالُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ، وفضائلُه، وسيرتُه، ورفقُه برعيتِه، وتواضعُه، وجميلُ سيرتِه، وزهدُه وخوفُه مِنْ ربِّه وعدلُه واجتهادُه فِي الطاعةِ وفِي حقوقِ المسلمينَ أشهرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ، وأكثرُ مِنْ أَنْ تُحصَرَ، هوَ خليفةُ خليفةِ رسولِ اللهِ ﷺ أميرُ المؤمنينَ الذِي قامَ فِي الخلافةِ بعدَ صاحبِهِ الصديقِ أتَمَّ القيامِ، وجاهَدَ فِي اللهِ حقَّ جهادِهِ، فجيَّشَ الجيوشَ، وفَتَحَ البلدانَ، ومَصَّرَ الأمصَارَ، وأَعَزَّ الإسلامَ، وأَذلَّ الكفرَ أشدَّ إذلالٍ، فَفَتَحَ الشامَ، والعراقَ، ومصرَ، والجزيرةَ وبيتَ المقدسِ ودمشقَ، وديارَ بكرٍ، وأَرْمِينِيَّةَ، وأَذرَبيجَانَ، وإيرانَ، وبلادَ الجبالِ، وبلادَ فارسَ، وخورستانَ، وغيرَهَا. وهوَ الذِي خَتَمَ اللهُ تعالَى لَهُ برضىً منهُ، بالشهادةِ، وَكَانَ يَسأَلُهَا، فَرُزِقَهَا فِي محرابِ رسولِ اللهِ ﷺ. كَانَ مُتَوَاضِعًا فِي اللَّهِ، خَشِنَ الْعَيْشِ، خَشِنَ الْمَطْعَمِ، شَدِيدًا فِي ذَاتِ اللَّهِ، يُرَقِّعُ الثَّوْبَ بِالْأَدِيمِ، وَيَحْمِلُ الْقِرْبَةَ عَلَى كَتِفَيْهِ، مَعَ عِظَمِ هَيْبَتِهِ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ عُرْيًا، وَالْبَعِيرَ مَخْطُومًا بِاللِّيفِ، وَكَانَ قَلِيلَ الضَّحِكِ لَا يُمَازِحُ أَحَدًا، وَقِيلَ لِعُمَرَ: إِنَّكَ فَظٌّ. فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَلَأَ قَلْبِي لَهُمْ رُحْمًا، وَمَلَأَ قُلُوبَهُمْ لِي رُعْبًا. وَكَانَ عُمَرُ إِذَا اسْتَعْمَلَ عَامِلًا كَتَبَ لَهُ عَهْدًا، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ رَهْطًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرْكَبَ بِرْذَوْنًا، وَلَا يَأْكُلَ نَقِيًّا، وَلَا يَلْبَسَ رَقِيقًا، وَلَا يُغْلِقَ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَاتِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ إِذَا حَدَّثَهُ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ فَيَكْذِبُ فِيهِ الْكَلِمَةَ وَالْكَلِمَتَيْنِ، فَيَقُولُ عُمَرُ: احْبِسْ هَذِهِ احْبِسْ هَذِهِ. فَيَقُولُ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ كُلُّ مَا حَدَّثْتُكُ بِهِ حَقٌّ غَيْرَ مَا أَرَدْتَنِي أَنْ أَحْبِسَهُ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ: أَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يُرِدِ الدُّنْيَا وَلَمْ تُرِدْهُ، وَأَمَّا عُمَرُ فَأَرَادَتْهُ فَلَمْ يُرِدْهَا، وَأَمَّا نَحْنُ فَتَمَرَّغْنَا فِيهَا ظَهْرًا لِبَطْنٍ. وَقَالَ أَنَسٌ: كَانَ بَيْنَ كَتِفَيْ عُمَرَ أَرْبَعُ رِقَاعٍ، وَإِزَارُهُ مَرْقُوعٌ بِأَدَمٍ. وَخَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رُقْعَةً،. وَكَانَ لَا يَسْتَظِلُّ بِشَيْءٍ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُلْقِي كِسَاءَهُ عَلَى الشَّجَرِ وَيَسْتَظِلُّ تَحْتَهُ، وَلَيْسَ لَهُ خَيْمَةٌ وَلَا فُسْطَاطٌ.
وَقِيلَ إِنَّهُ حَمَلَ قِرْبَةً عَلَى عَاتِقِهِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ نَفْسِي أَعْجَبَتْنِي فَأَرَدْتُ أَنْ أُذِلَّهَا. وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ فَلَا يَزَالُ يُصَلِّي إِلَى الْفَجْرِ. وَمَا مَاتَ حَتَّى سَرَدَ الصَّوْمَ، وَكَانَ فِي عَامِ الرَّمَادَةِ لَا يَأْكُلُ إِلَّا الْخُبْزَ وَالزَّيْتَ، حَتَّى اسْوَدَّ جِلْدُهُ وَيَقُولُ: بِئْسَ الْوَالِي أَنَا إِنْ شَبِعْتُ وَالنَّاسُ جِيَاعٌ. وَكَانَ فِي وَجْهِهِ خَطَّانِ أَسْوَدَانِ مِنَ الْبُكَاءِ، وَكَانَ يَسْمَعُ الْآيَةَ مِنَ الْقُرْآنِ فَيُغْشَى عَلَيْهِ، فَيُحْمَلُ صَرِيعًا إِلَى مَنْزِلِهِ، فَيُعَادُ أَيَّامًا لَيْسَ بِهِ مَرَضٌ إِلَّا الْخَوْفُ. وَقِيلَ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رَأَى عُمَرَ وَهُوَ يَعْدُو إِلَى ظَاهِرِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ: إِلَى أَيْنَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: قَدْ نَدَّ بَعِيرٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَنَا أَطْلُبُهُ. فَقَالَ: قَدْ أَتْعَبْتَ الْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِكَ! وروي عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ عُمَرَ، يَقُولُ: «اللهُمَّ قَتْلًا فِي سَبِيلِكَ، وَوَفَاةً فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ» قُلْتُ: وَأَنَّى يَكُونُ هَذَا؟ قَالَ: «يَأْتِي بِهِ اللهُ إِذَا شَاءَ» وثبت أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، كَوَّمَ كَوْمَةً مِنْ بَطْحَاءٍ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهَا طَرَفَ ثَوْبِهِ، ثُمَّ اسْتَلْقَى عَلَيْهَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي، وَضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ “. وكان يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: «اللهُمَّ اعْصِمْنَا بِحَبْلِكَ، وَثَبِّتْنَا عَلَى أَمْرِكَ».اهـ
وَرَوَى مسلمٌ في صحيحِه عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَذَكَرَ نَبِيَّ اللّهِ، وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ دِيكاً نَقَرَنِي ثَلاَثَ نَقَرَاتٍ، وَإِنِّي لاَ أُرَاهُ إِلاَّ حُضُورُ أَجَلِي. وأصيبَ يومَ الأربعاءَ لأربعِ ليالٍ بقينَ مِنْ ذي الحجةِ، رضي الله عنه وأرضاه وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وجمعنا به في جنات النعيم بجاه نبينا الأمين صلى الله عليه وسلم)
قالَ: سمعْتُ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ: “لَوْ أنَّكم تتوكَّلونَ (أي لو تحقق توكلكم، ورُوي عن السلف أقوال متقاربة، يكمل بعضها بعضًا في معنى التوكل ومن أجمع ما قيل في تعريف التوكل ما ذكره الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم بقوله: هو: صدق اعتماد القلب على الله عَزَّ وَجَلَّ في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة. ولا يكون المؤمن متوكلًا على الله حق توكله إلا بالثقة بالله، وحسن الظن به سبحانه، والتسليم لأمره.
والتعلق بالأسباب ليس من ضعف التوكل وإنما هو من الطبع. وقد سأل رجل يريد سفرًا أحمدَ بنَ حنبل: أيما أحب إليك يحمل معه زادًا أو يتوكل؟ قال: (يحمل معه زادًا ويتوكل). فقد أمره بالتوكل مع السبب وهو الزاد) عَلَى اللَّهِ حقَّ تَوكُّلِهِ (أي بأن تعلموا يقيناً أن لا فاعل في الوجود على الحقيقة إلا الله وأن كل موجود من خلق ورزق وعطاء ومنع وضر ونفع وفقر وغنى ومرض وصحة وموت وحياة وغير ذلك مما يطلق عليه اسم الموجود من الله تعالى، ثم يستعمل في الطلب على الوجه الجميل. ويشهد لذلك تشبيهه بالطير فإنها تغدو خماصاً ثم تسرح في طلب القوت فتروح بطاناً) لرزَقكُم كَما يرزُقُ الطَّيْرَ (زاد في رواية في جو السماء، معناه: وَلَوْ تَرَكْتُمُ الْأَسْبَابَ فَإِنَّهُ يَرْزُقُ الْبُطَّالَ وَالْعُمَّالَ، وَقَدْ يَرْزُقُ الضَّعِيفَ بِحَيْثُ يَتَعَجَّبُ الْقَوِيُّ)، تَغْدُو خِماصًا (أي ضامرة البطون من الجوع جمع خميص أي جائع) وترُوحُ (أي ترجع آخر النهار) بِطَانًا” (قال ملا علي القاري: بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، جَمْعُ بَطِينٍ وَهُوَ عَظِيمُ الْبَطْنِ، وَالْمُرَادُ شِبَاعًا، وَفِي قَوْلِهِ: تَغْدُو إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ السَّعْيَ بِالْإِجْمَالِ لَا يُنَافِي الِاعْتِمَادَ عَلَى الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى جَلَّ جَلَالُهُ: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} [العنكبوت: 60] فَالْحَدِيثُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْكَسْبَ لَيْسَ بِرَازِقٍ، بَلِ الرَّازِقُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، لَا لِلْمَنْعِ عَنِ الْكَسْبِ فَإِنَّ التَّوَكُّلَ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ فَلَا يُنَافِيهِ حَرَكَةُ الْجَوَارِحِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَرْزُقُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ حَرَكَةٍ، بَلْ بِتَحْرِيكِ غَيْرِهِ إِلَيْهِ يَصِلُ رِزْقُ اللَّهِ بِبَرَكَتِهِ كَمَا يُسْتَفَادُ الْعُمُومُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] وقَدْ حُكِيَ أَنَّ فَرْخَ الْغُرَابِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْضَتِهِ يَكُونُ أَبْيَضَ، فَيَكْرَهُهُ الْغُرَابُ فَيَتْرُكُهُ وَيَذْهَبُ وَيَبْقَى الْفَرْخُ ضَائِعًا، فَيُرْسِلُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ الذُّبَابَ وَالنَّمْلَ، فَيَلْتَقِطُهُمَا إِلَى أَنْ يَكْبَرَ قَلِيلًا فيَسْوَدَّ فَيَرْجِعَ إِلَيْهِ الْغُرَابُ، فَيَرَاهُ أَسْوَدَ فَيَضُمَّهُ إِلَى نَفْسِهِ فَيَتَعَهَّدَهُ، فَهَذَا يَصِلُ إِلَيْهِ رِزْقُهُ بِلَا سَعْيٍ، وَالْحِكَايَاتُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَالرِّوَايَاتُ بِهِ شَهِيرَةٌ.
وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ، فَالرَّحِيمُ الَّذِي يَرْزُقُ أَعْدَاءَهُ كَيْفَ يَنْسَى أَحِبَّاءَهُ؟
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ التَّوَكُّلَ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَأَمَّا الْحَرَكَةُ بِالظَّاهِرِ فَلَا تُنَافِي التَّوَكُّلَ بِالْقَلْبِ بَعْدَ مَا يَحِقُّ الْعَبْدُ أَنَّ الرِّزْقَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ تَعَسَّرَ شَيْءٌ فَبِتَقْدِيرِهِ، وَإِنْ تَيَسَّرَ شَيْءٌ فَبِتَيْسِيرِهِ)
وقد قيل:
تَوَكَّلْ عَلَى الرَّحْمَنِ فِي كُلِّ حَاجَةٍ
طَلَبْتَ فَإِنَّ اللهَ يَقْضِي وَيَقْدِرُ
مَتى ما يُرِد ذو العَرشِ أَمرًا بِعَبدِهِ
يُصِبهُ وما لِلعَبدِ ما يَتَخَيَّرُ
وَقَدْ يهْلِكُ الإِنْسَانُ مِنْ وَجْهِ أمْنِهِ
وَيَنْجُو بِإِذْنِ اللهِ مِنْ حَيْثُ يَحْذَرُ
(وهذا الحديث فيه بيان أهمية التوكل على الله وأنه مطلب عظيم وخُلُقٌ من أخلاق الصالحين، وهو بمعنى ما أخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن الْحسن رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من رَضِي وقنع وتوكل كفي الطّلب.اهـ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس عن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: من أحب أَن يكون أقوى النَّاس فَليَتَوَكَّل على الله وَمن أحب أَن يكون أكْرم النَّاس فليتق الله.اهـ
وَأخرج أَبُو دَاوُد والترمذي وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من نزلت بِهِ فاقة فأنزلها بِالنَّاسِ لم تُسدَّ فاقتُه وَمن نزلت بِهِ فاقة فأنزلها بِاللَّه فيوشِكُ الله لَهُ برزق عَاجل أَو آجل.اهـ وَأخرج أَحْمد فِي الزّهْد عَن وهب رَضِي الله عَنهُ قَالَ: يَقُول الله تبَارك وَتَعَالَى: وَإِذا توكل عليّ عَبدِي لَو كادته السَّمَوَات وَالْأَرْض جعلت لَهُ من بَين ذَلِك الْمخْرج.اهـ وَأخرج أَحْمد فِي الزّهْد عَن عمار بن يَاسر قَالَ: كفى بِالْمَوْتِ واعظاً وَكفى بِالْيَقِينِ غنى وَكفى بِالْعبَادَة شغلا.اهـ فالرزق مضمون بيد الله تعالى، لا يزيد بحرص قوي، ولا ينقص بعجز ضعيف، بل قد ينعكس الأمر، كما قال الشاعر:
كَمْ قَوِيٍّ قَوِيٍّ في تقلبه
ترى عَنْهُ أَمْرَ الرَّزْقِ يَنْحَرفُ
وكم ضعيفٍ ضعيفٍ في تصرفه
كأنه من خليجِ البحرِ يَغْتَرِفُ
وقد يبسطه الله لأهل الغفلة والبُعد، ويقدُرُهُ لأهل الولاية والقُرب، كما قال القائل:
اللهَ يَرْزُق قَوْماً لَا خَلَاقَ لَهُمْ
مِثْلَ الْبَهَائِمِ في خَلْقِ التَّصَاوِيرِ
لَوْ كَانَ عَنْ قُوَّةٍ أَوْ عَنْ مُغَالَبَةٍ
طَارَ البُزَاةُ بِأرْزَاقِ الْعَصَافِيرِ
وقال عليه الصلاة والسلام في بعض خطبه: «أيها الناس، إن الرزق مقسوم، لن يعدو امْرُؤٌ ما كُتِبَ له، فاتقوا الله، وأَجْمِلُوا في الطَلَبِ. وإن الأمر محدود، لن يجاوز أحد ما قُدر له، فبادروا قبل نفود الأجل، وإن الأعمال محصاة، لن يُهْمَلَ منها صغيرةٌ ولا كبيرةٌ، فأكثروا من صالح الأعمال».اهـ
وقيل: مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَجَانَبَ الْمَعَاصِي وَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، فَلَهُ فِيمَا يُعْطِيهِ فِي الْآخِرَةِ مِنْ ثَوَابِهِ كِفَايَةٌ. وَلَمْ يُرِدِ الدُّنْيَا، لِأَنَّ الْمُتَوَكِّلَ قَدْ يُصَابُ فِي الدُّنْيَا وَقَدْ يُقْتَلُ)
(وقد وردت حكايات فيها عجائب صنع الله تعالى في وصول الرزق إلى صاحبه، وفيها عجائب قهر الله تعالى في إهلاك أموال التجار والأغنياء وقتلـهم جوعاً، كما روي عن حذيفة المرعشي وقد كان خدم إبراهيم بن أدهم، فقيل لـه: ما أعجب ما رأيت منه؟ فقال: بقينا في طريق مكة أياماً لم نجد طعاماً، ثم دخلنا الكوفة فأوينا إلى مسجد خراب، فنظر إليَّ إبراهيم وقال: يا حذيفة، أرى بك الجوع، فقلت: هو ما رأى الشيخ، فقال: عليَّ بدواة وقرطاس، فجئت به إليه فكتب: بسم اللـه الرحمن الرحيم، أنت المقصود إليه بكل حال، والمشار إليه بكلّ معنى، وكتب شعراً:
أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر
أنا جائع أنا ضائع أنا عاري
هي ستة وأنا الضمين لنصفها
فكن الضمين لنصفها يا باري
مدحي لغيرك لـهبُ نار خضتها
فأجر عبـيدَك من دخول النار
ثم دفع إليَّ الرقعة فقال: اخرج ولا تعلق قلبك بغير اللـه تعالى، وادفع الرقعة إلى أول من يلقاك، فخرجت فأول من لقيني كان رجلاً على بغلة. فناولته الرقعة فأخذها، فلما وقف عليها بكى وقال: ما فعل صاحب هذه الرقعة؟ فقلت: هو في المسجد الفلاني، فدفع إليَّ صرة فيها ستمائة دينار، ثم لقيت رجلاً آخر فسألته عن راكب البغلة فقال: هذا نصراني، فجئت إلى إبراهيم وأخبرته بالقصة فقال: لا تمسَها فإنه يجيء الساعة، فلما كان بعد ساعة دخل النصراني وأكب على رأس إبراهيم يقبلـه وأسلم)
ولكن يا أحبابي ليس معنى هذه الحديث أن لا يتكسب الشخص ولا يسعى في أسباب الرزق، بل إن الأخذ بأسباب الرزق والكسب لا ينافي التوكل على الله فقد وصف الله الأنبياء وهم خيره الخلق في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فقال سبحانه: “وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ“، قَالَ الْعُلَمَاءُ: أَيْ يَتَّجِرُونَ وَيَحْتَرِفُونَ فهذه الآية تبين لنا أن تناول الْأَسْبَابِ وَطَلَبِ الْمَعَاشِ بِالتِّجَارَةِ وَالصِّنَاعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كان دأبَ الأنبياء والصلحاء.وقال تعالى: “وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ“.
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: “جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي” وَقَالَ تَعَالَى:” فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا“، وَكَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَتَّجِرُونَ وَيَحْتَرِفُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ يَعْمَلُونَ، وَمَنْ خَالَفَهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ يُقَاتِلُونَ، أَتُرَاهُمْ ضُعَفَاءَ! بَلْ هُمْ كَانُوا وَاللَّهِ الْأَقْوِيَاءَ، وَبِهِمُ الْخَلَفُ الصَّالِحُ اقْتَدَى، وَطَرِيقُهُمْ فِيهِ الْهُدَى وَالِاهْتِدَاءُ.
وَأَمَّا أَصْحَابُ الصُّفَّةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا ضَيْفَ الْإِسْلَامِ عِنْدَ ضِيقِ الْحَالِ، فَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ خَصَّهُمْ بِهَا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَكَلَهَا مَعَهُمْ، وَكَانُوا مَعَ هَذَا يَحْتَطِبُونَ وَيَسُوقُونَ الْمَاءَ إِلَى أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. كَذَا وَصَفَهُمِ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ. ثُمَّ لَمَّا افْتَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْبِلَادَ وَمَهَّدَ لَهُمُ الْمِهَادَ تَأَمَّرُوا، وَبِالْأَسْبَابِ أُمِرُوا.
قال القرطبي: بَلِ الْقَوْلُ بِالْأَسْبَابِ وَالْوَسَائِطِ سُنَّةُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ، وَهُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَالطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي انْعَقَدَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي التَّنْزِيلِ حَيْثُ خَاطَبَ مُوسَى الْكَلِيمَ” اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ” وَقَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى فَلْقِ الْبَحْرِ دُونَ ضَرْبِ عَصًا. وَكَذَلِكَ مَرْيَمُ عَلَيْهَا السَّلَامُ” وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ” وَقَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى سُقُوطِ الرُّطَبِ دُونَ هَزٍّ وَلَا تَعَبٍ، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ فَلَا نُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يُلْطَفُ بِهِ وَيُعَانُ، أَوْ تُجَابُ دَعْوَتُهُ، أَوْ يُكْرَمُ بِكَرَامَةٍ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ أَوْ لِأَجْلِ غَيْرِهِ، وَلَا تُهَدُّ لِذَلِكَ الْقَوَاعِدُ الْكُلِّيَّةُ. هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! لَا يُقَالُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:” وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ” فَإِنَّا نَقُولُ: صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ، وَصَدَقَ رَسُولُهُ الْكَرِيمُ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:” لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خير له من يسأل أحد أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ” وثَبَتَ فِي الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ وَيَقُولُونَ نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى” وَتَزَوَّدُوا”. وَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ خَرَجُوا إِلَى أَسْفَارِهِمْ بِغَيْرِ زَادٍ، وَكَانُوا الْمُتَوَكِّلِينَ حَقًّا. وَالتَّوَكُّلُ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى الرَّبِّ فِي أَنْ يُلِمَّ شَعَثَهُ وَيَجْمَعَ عَلَيْهِ أَرَبَهُ، ثُمَّ يَتَنَاوَلُ الْأَسْبَابَ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ. وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ
(فحاصل الكلام في هذا الحديث أن بعض المفسرين استدلوا به على أن من التوكل التكسبَ والسعيَ في الأسباب والمسببات، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: تغدو خماصا وتروح بطانا.اهـ فاعتبروا ذلك سعيا في الأسباب للبحث عن الرزق، كما نقل السيوطي في شرح الترمذي فقال: قال البيهقي في «شعب الإيمان» : ليس في هذا الحديث دلالة على القعود عن الكسب، بل فيه ما يدل على طلب الرزق، لأن الطير إذا غدت فإنها تغدو لطلب الرزق، وإنما أراد والله أعلم: لو توكلوا على الله تعالى في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم ورأوا أن الخير بيده ومن عنده لم ينصرفوا إلا سالمين غانمين كالطير تغدو خماصاً وتعود بطاناً، لكنهم يعتمدون على قوتهم وجلدهم ويغشون ويكذبون ولا ينصحون، وهذا خلاف التوكل اهـ.
وبعض المفسرين استدلوا بنفس الحديث على شدة التوكل وأنه ليس شرطا أن يسعى الشخص في الأسباب ليُرزَقَ، واعتبروا الغدو والرواح المذكورَ في الحديث ليس من باب طلب أسباب الرزق، بل هو مثل حركة المرتعش التي لا دَخْلَ لها في النتائج كما قال المناوي في شرحه على جامع السيوطي