بسم الله الرحمن الرحيم
اَلـحَمدُ لِلَّهِ الوَاحِدِ الأَحَدِ، الفَردِ الصَّمَدِ، الَّذِي لَم يَلِد وَلَم يُولَد، وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الكَرِيمُ البَرُّ الرَّحِيمُ، لَهُ الأَسمَاءُ الحُسنَى وَالصِّفَاتُ العُلَى، تَقَدَّسَت أَسمَاؤُهُ وَعَزَّ اسمُهُ ذُو الجَلَالِ وَالإِكرَامِ.
وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيرُ الخَلقِ وَخَاتَمُ الرُّسُلِ، وَالهَادِي إِلَى الحَقِّ، ذُو الخُلُقِ العَظِيمِ، وَالنَّسَبِ الكَرِيمِ، صَاحِبُ الشَّفَاعَةِ العُظمَى، النَّذِيرُ المُبِينُ، حَامِلُ لِوَاءِ الحَمدِ، وَصَاحِبُ الحَوضِ، خَيرُ مَن وَطِئَت قَدَمَاهُ الحَصَى، وَأُوذِيَ فَعَفَا، وَخَيرُ مَن أَنفَقَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَتَصَدَّقَ، وَدَعَا إِلَى الخَيرِ وَكَانَ إِلَيهِ أَسبَقَ، فَصَلَاةُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُم إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ:
فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِ أَذكَارِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى:
الأَذكَارِ الَّتِي يَقُولُهَا عِندَ النَّومِ
قَبلَ أَن أَبدَأَ بِشَرحِ الأَحَادِيثِ المَذكُورَةِ، أُعَرِّجُ قَلِيلًا عَلَى ذِكرِ بَعضِ الآدَابِ الَّتِي يَنبَغِي أَن نَتَصِفَ بِهَا عِندَ النَّومِ، وَهِيَ مِن سُنَنِهِ ﷺ. وَأَذكُرُ أَيضًا أَنَّهُ يَنبَغِي أَن نُعَوِّدَ أَولَادَنَا وَبَنَاتِنَا عَلَى الآدَابِ النَّبَوِيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي يَنبَغِي أَن تَسُودَ فِي مُجتَمَعَاتِنَا الإِسلَامِيَّةِ، فَقَد قَالَ الفُقَهَاءُ: “عَادَاتُ السَّادَاتِ سَادَاتُ العَادَاتِ”. وَلِلأَسَفِ، صِرنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ نَرَى الَّذِي يَنتَشِرُ فِي المُجتَمَعَاتِ الإِسلَامِيَّةِ، وَبَينَ الأَجيَالِ القَادِمَةِ، عَادَاتُ الكُفَّارِ فِي اللِّبَاسِ، وَالكَلَامِ، وَحَتَّى فِي قَصَّةِ الشَّعرِ، وَغَيرِ ذَلِكَ. وَفِي البُخَارِيِّ، عَن أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبلَكُم شِبرًا بِشِبرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَو سَلَكُوا جُحرَ ضَبٍّ لَسَلَكتُمُوهُ» قُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَن؟».اهـ
مِنَ الآدَابِ الَّتِي سَنَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عِندَ النَّومِ:
- النَّومُ عَلَى طَهَارَةٍ: فعَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهما قال: قال لِي رَسُولُ الله ﷺ: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا منجى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ» رواه البخاري. وفي هذا الحَديثِ بيانٌ لآدابِ النومِ وما يُقالُ عِندَ الاضطجاعِ.
- قِرَاءَةُ الإِخلَاصِ وَالمُعَوِّذَتَينِ: وعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيلَةٍ، جَمَعَ كَفَّيهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ و﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثُمَّ يَمسَحُ بِهِمَا مَا استَطَاعَ مِن جَسَدِهِ، يَبدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأسِهِ وَوَجهِهِ، وَمَا أَقبَلَ مِن جَسَدِهِ، يَفعَلُ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، أخرجه البخاري.
- قِرَاءَةُ آيَةِ الكُرسِيِّ: وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ له: «إِذَا أَوَيتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقرَأ ءَايَةَ الكُرسِيِّ، فَإِنَّكَ لَن يَزَالَ عَلَيكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقرُبُكَ شَيطَانٌ حَتَّى تُصبِحَ» رواه البخاري.اهـ وكان النَّبيُّ ﷺ مُعَلِّمًا ومُرَبِّيًا لأصحابِه، فكان يُعلِّمُهم ما يَنفَعُهم في دُنياهُم وءاخِرَتِهم، وكان يُعلِّمُهمُ الأذكارَ الجامِعةَ الَّتي يُعطِي اللهُ عليها الثَّوابَ العَظيمَ، وتكونُ لهم عِوَضًا عن شدَّةِ العَيشِ في الدُّنيا. وفي الحَديثِ: أنَّ مَن واظَبَ على هذا الذِّكرِ عندَ النَّومِ، لم يُصِبه إعياءٌ؛ لأنَّ فاطمةَ رَضيَ اللهُ عنها شَكَتِ التَّعبَ مِن العَملِ، فأحالَها ﷺ على ذلك.
- تَذَكُّرُ نِعَمِ اللهِ وَشُكرُهُ عَلَيهَا: عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ عدَّ وذَكَرَ بعضَ نِعَمِ اللهِ وحَمِدَه عليها، مِثلِ الطَّعامِ والشَّرابِ، فيقولُ: «الحَمدُ لله الَّذِي أَطعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكَفَانَا وَءاوَانَا فَكَم مِمَّن لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤوِيَ» أخرجه مسلم. أي: الحمدُ للهِ الَّذي رزَقَنا أنواعَ الطعامِ وأنواعَ الشَّرابِ، وكَفانا ودفَعَ عنَّا شَرَّ كلِّ ذِي شَرٍّ، وءاوانا فجَعَلَ لنا مَأوًى نَأوي إليه، وسَكنًا نَسكُنُ فيه يَقِينا الحَرَّ والبَردَ، ونَحفَظُ فيه مَتاعَنا، ويَستُرُنا عن النَّاسِ. ثُمَّ قال: «فَكَم مِمَّن لا كافِيَ له ولا مُؤوِيَ» أي: فكم مِن أُناسٍ زادت هُمومُهم وكَثُرَت حاجاتُهم، وتَغلَّبَ عليهم أعداؤهُم، وكم مِن أُناسٍ ليس لهم مَأوًى، بل يَعِيشون في الطُّرُقاتِ ونحوِها فيَتأذَّونَ بالحَرِّ والبردِ. وفي الحديثِ: أنَّ الإنسانَ إذا أُنعِمَ عليه بنِعمَةٍ كان من أَحسَنِ الأشياءِ له أن يَذكُرَ مَن حُرِمَ تلك النِّعمةَ فيَشكُرَ المنعِمَ عليها، وهذا أجدَرُ ألَّا يَزدرِيَ نِعمةَ اللهِ عليه.
- وَضعُ الكَفِّ تَحتَ الخَدِّ عِندَ النَّومِ: عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا نَامَ وَضَعَ يَدَهُ اليُمنَى تَحتَ خَدِّهِ وَقَالَ: «اللَّهمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَومَ تَبعَثُ عِبَادَكَ» أخرجه أحمد. وَعَن حُذَيفَةَ رَضيَ اللهُ عَنهُ قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أخَذَ مَضجَعَهُ مِنَ اللَّيلِ، وَضَعَ يَدَهُ تَحتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهمَّ بِاسمِكَ أمُوتُ وَأحيَا» أَخرَجَهُ البُخَارِيُّ.
- غَسلُ اليَدَينِ: مما سَنَّه لنا رسولُ الله ﷺ: غَسلُ اليد مِنَ الدَّسَم قبلَ النوم، فعَن أَبي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَن نَامَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ وَلَم يَغسِلهُ فَأَصَابَهُ شَىءٌ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلَّا نَفسَهُ» أخرجه أبو داود والترمذي.
- نَفضُ الفِرَاشِ: ومن السُّنَّةِ أيضًا: نَفضُ الفراشِ ثلاثا، فعَن أبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قالَ: «إِذَا جَاءَ أحَدُكُم فِرَاشَهُ فَليَنفُضهُ بِصَنِفَةِ ثَوبِهِ -أي طَرَفِهِ- ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَليَقُل بِاسمِكَ رَبِّ وَضَعتُ جَنبِي وَبِكَ أرفَعُهُ، إِن أمسَكتَ نَفسِي فَاغفِر لَهَا، وَإِن أرسَلتَهَا فَاحفَظهَا بِمَا تَحفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ» متفق عليه. في هذا الحديثِ يُعَلِّمُنا النَّبيُّ ﷺ أَدَبًا مِن آدابِ ما قبلَ النَّومِ، وهو مِن صِيانةِ الشَّريعةِ للمسلمِ في بَدَنِه؛ فإذا أرادَ المسلِمُ أن يَنامَ على فِراشِه، فلينَفُضه، ثُمَّ بيَّن سَببَ النَّفضِ بأنَّه لا يَدرِي ما جاء بعدَه في الفِراشِ، كقَذَرٍ أو هَوَامَّ، خاصَّةً وأنَّ البُيوتَ قَدِيمًا كانت مُظلِمةً، ولم يَكُن فيها المَصابيحُ لِيَرَوا ما بالفِراشِ، وأيضًا لم يَكُنِ البَيتُ مُحكَمَ الغَلقِ ضِدَّ الآفاتِ والحشرات وغَيرِها؛ فأمَرَ بنَفضِ الفِراشِ بداخِلةِ الإزارِ لِئلَّا تُؤذِيَه الهَوامُّ. ثمَّ بعدَ أن يُنظِّفَ الفِراشَ يَدعو بهذا الدُّعاءِ؛ يقولُ: «باسمِك ربِّي وضَعتُ جَنبي، وبِكَ أَرفَعُه» أي: أنت أعطيتني القدرة على النوم والاستيقاظ. وقوله: «إن أَمسَكتَ نَفسي فَاغفِر لَهَا»أي إن قَبَضتَ رُوحي في مَنامِي، فاجعَلني في رَحمتِك ومَغفِرتِك، «وَإِن أرسَلتَهَا فَاحفَظهَا بِمَا تَحفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ» أي وإن لم تَقضِ عليها بالموت وقامت مِن مَنامِها لِمَعاشِها، فاحفَظها بما تَحفَظُ به عِبادَك الصَّالحين، بأن تَجعَلَني مِن أهلِ الطَّاعةِ والصَّلاحِ، ومِن أهمِّ أنواعِ حِفظِ نَفسِ المؤمِنِ الصَّالِحِ: عِصمَتُها عن المعاصِي والذُّنوبِ، وهذا مِنِ اتِّخاذِ الأسبابِ المادِّيَّةِ والشَّرعيَّةِ لحِمايةِ النَّفسِ مِن مَخاطِرِ المخلوقاتِ وغَيرِها حِينَ نَومِه وغَفلتِه عمَّا هو حَولَه، فيَكونُ في رِعايةِ اللهِ تعالى.
- النَّومُ بَاكِرًا بَعدَ العِشَاءِ: النومُ باكرًا بعدَ العشاءِ مُستَحَبٌّ، فعنِ الأَسوَدِ قَالَ: سَأَلتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: كَيفَ كَانَت صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيلِ؟ قَالَت: «كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ، وَيَقُومُ ءاخِرَهُ، فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَذَّنَ المؤَذِّنُ وَثَبَ؛ فَإِن كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغتَسَلَ، وَإِلا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ». متفق عليه.
- الوُضُوءُ وَغَسلُ الفَرجِ حَالَ الجَنَابَةِ: عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أرَادَ أن يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ، غَسَلَ فَرجَهُ، وَتَوَضَّأ لِلصَّلاةِ». أخرجه البخاري. وَلَيسَ مَعنَى فِعلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ هَذَا يُجزِئُ عَن غُسلِ الجَنَابَةِ وَيَرفَعُ الحَدَثَ، لَا، بَل هَذَا الفِعلُ فعله النبي ﷺ لِتَخفِيفِ حَدَثِ الجَنَابَةِ، فَبَعَد أَن يَستَيقِظَ وَجَبَ عَلَيهِ أَن يَغتَسِلَ لِيُصَلِّيَ. فَمَعنَى «وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ»: أَي وُضُوءًا شَرعِيًّا كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، لَا أَنَّ المُرادَ لِيُصَلِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَمتَنِعُ قَبلَ الغُسلِ.
- تَقسِيمُ اللَّيلِ بَينَ رَاحَةٍ وَقِيَامٍ: عَن عَبدِ الله بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لَهُ:«أَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى اللهِ صَلاَةُ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَام، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى الله صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصفَ اللَّيلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوما وَيُفطِرُ يَوما» متفق عليه.
متن الحديث الذي سنشرح:
وَرَوَى البُخَارِىُّ وَمُسلِمٌ فِى الصَّحِيحِ عَن عَلِىِّ بنِ أَبِى طَالِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ وَلِفَاطِمَةَ: «إِذَا أَوَيتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا أَو إِذَا أَخَذتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَكَبِّرَا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ وَسَبِّحَا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ وَاحمَدَا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ».
الشرح والتعليق على هذا الحديث:
رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ بِرِوَايَةٍ أُخرَى وَهِيَ عَن عَلِيٍّ أَنَّ فَاطِمَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَشكُو إِلَيهِ مَا تَلقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ، فَلَم تُصَادِفهُ، فَذَكَرَت ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَلَمَّا جَاءَ أَخبَرَتهُ عَائِشَةُ، قَالَ: فَجَاءَنَا وَقَد أَخَذنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبنَا نَقُومُ، فَقَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمَا»، فَجَاءَ فَقَعَدَ بَينِي وَبَينَهَا حَتَّى وَجَدتُ بَردَ قَدَمِهِ عَلَى بَطنِي، فَقَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيرٍ مِمَّا سَأَلتُمَا؛ إِذَا أَخَذتُمَا مَضجَعَكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرَا أَربَعًا وَثَلَاثِينَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمَا مِن خَادِمٍ».اهـ
وَرَوَى البُخَارِىُّ وَمُسلِمٌ فِى الصَّحِيحِ عَن عَلِىِّ بنِ أَبِى طَالِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ وَلِفَاطِمَةَ: «إِذَا أَوَيتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا أَو إِذَا أَخَذتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَكَبِّرَا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ أَي قُولَا: اللهُ أكبرُ، ثَلاثًا وَثَلَاثينَ مَرَّةً، قَالَ مُلَّا عَلِيٌّ القَارِي: وَفِي تَخصِيصِ الزِّيَادَةِ بِالتَّكبِيرِ إِيمَاءٌ إِلَى المُبَالَغَةِ فِي إِثبَاتِ العَظَمَةِ وَالكِبرِيَاءِ فَإِنَّهُ يَستَلزِمُ الصِّفَاتِ التَّنزِيهَيَّةَ وَالثُّبُوتِيَّةَ المُستَفَادَةَ مِنَ التَّسبِيحِ وَالحَمدِ.اهـ وَالتَّكبِيرُ كَمَا قُلنَا فِي شَرحِ أَحَادِيثَ سَابِقَةٍ هُوَ قَولُ: اللهُ أَكبَرُ، وَمَعنَاهُ أَنَّ اللهَ أَكبَرُ مِن كُلِّ كَبِيرٍ قَدرًا وَمَكَانَةً، وَلَيسَ حَجمًا وَصُورَةً وَجُثَّةً وَالعِيَاذُ بِاللهِ، كَمَا قَالَ بَعضُ المُجَسِّمَةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، فَقَالُوا وَالعِيَاذُ بِاللهِ: إِنَّ اللهَ جِسمٌ كَبِيرٌ قَاعِدٌ عَلَى العَرشِ، وَأَثبَتُوا بِزَعمِهِم لَهُ الصُّورَةَ وَالأَعضَاءَ وَالمِسَاحَةَ وَالجِهَةَ وَصِفَاتِ المَخلُوقَاتِ، حَتَّى قَالَ بَعضُ المُجَسِّمَةِ فِي القَرنِ الخَامِسِ وَهُوَ ابنُ أَبِي يَعلَى الفَرَّاءُ صَاحِبُ كِتَابِ طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ: أَلزِمُونِي فِي اللهِ كُلَّ شَيءٍ إِلَّا اللِّحيَةَ وَالفَرجَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ. وَنَقَلَ عَنهُ ذَلِكَ عَدَدٌ مِنَ الفُقَهَاءِ كَابنِ الجَوزِيِّ وَغَيرِهِ، وَمَعنَى كَلَامِهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ أَنَّنِي أُثبِتُ لِلَّهِ كُلَّ شَيءٍ مِنَ الأَعضَاءِ الَّتِي لَنَا إِلَّا اللِّحيَةَ وَالفَرجَ، أَعُوذُ بِاللهِ مِن هَذَا التَّجسِيمِ الصَّرِيحِ. وَقَالَ قَبلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ اسمُهُمُ البَيَّانِيَّةُ وَهُم أَتبَاعُ بَيَانِ بنِ سَمعَانَ الَّذِي زَعَمَ أَنَّ مَعبُودَهُ إِنسَانٌ مِن ثَورٍ عَلَى صُورَةِ الإِنسَانِ فِي أَعضَائِهِ وَأَنَّهُ يَفنَى كُلُّهُ إِلَّا وَجهُهُ. قَالَ أَبُو مَنصُورٍ البَغدَادِيُّ فِي «الفَرقِ بَينَ الفِرَقِ»: البَيَّانِيَّةُ هُم أَصحَابُ بَيَانِ بنِ سَمعَانَ التَّمِيمِيِّ، وَهُمُ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الإِمَامَةَ صَارَت مِن مُحَمَّدِ بنِ الحَنَفِيَّةِ إِلَى ابنِهِ أَبِي هَاشِمٍ عَبدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ صَارَت مِن أَبِي هَاشِمٍ إِلَى بَيَانِ بنِ سَمعَانَ بِوَصِيَّتِهِ إِلَيهِ. وَاختَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي بَيَانٍ زَعِيمِهِم، فَمِنهُم مَن زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا وَأَنَّهُ نَسَخَ بَعضَ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمِنهُم مَن زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ إِلَهًا. وَذَكَرَ هَؤُلَاءِ أَنَّ بَيَانًا قَالَ لَهُم: إِنَّ رُوحَ الإِلَهِ تَنَاسَخَت فِي الأَنبِيَاءِ وَالأَئِمَّةِ حَتَّى صَارَت إِلَى أَبِي هَاشِمٍ عَبدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الحَنَفِيَّةِ، ثُمَّ انتَقَلَت إِلَيهِ – يَعنِي نَفسَهُ – فَادَّعَى لِنَفسِهِ الرُّبُوبِيَّةَ عَلَى مَذهَبِ الحُلُولِيَّةِ. وَزَعَمَ أَيضًا أَنَّهُ هُوَ المَذكُورُ فِي القُرآنِ فِي قَولِهِ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 138]، وَقَالَ: أَنَا البَيَانُ وَأَنَا الهُدَى وَالمَوعِظَةُ. وَكَانَ يَزعُمُ أَنَّهُ يَعرِفُ الاسمَ الأَعظَمَ وَأَنَّهُ يَهزِمُ بِهِ العَسَاكِرَ، وَأَنَّهُ يَدعُو بِهِ الزُّهرَةَ فَتُجِيبُهُ. ثُمَّ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الإِلَهَ الأَزَلِيَّ رَجُلٌ مِن نُورٍ، وَأَنَّهُ يَفنَى كُلُّهُ غَيرَ وَجهِهِ، وَتَأَوَّلَ عَلَى زَعمِهِ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [سورة القصص/ الآية 88] وَقَولَهُ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [سورة الرحمن/ الآية 26]. وَرُفِعَ خَبَرُ بَيَانٍ هَذَا إِلَى خَالِدِ بنِ عَبدِ اللهِ القَسرِيِّ فِي زَمَانِ وِلَايَتِهِ فِي العِرَاقِ، فَاحتَالَ عَلَى بَيَانٍ حَتَّى ظَفِرَ بِهِ فَصَلَبَهُ، وَقَالَ لَهُ: إِن كُنتَ تَهزِمُ الجُيُوشَ بِالاسمِ الَّذِي تَعرِفُهُ فَاهزِم بِهِ أَعوَانِي عَنكَ. وَهَذِهِ الفِرقَةُ خَارِجَةٌ عَن جَمِيعِ فِرَقِ الإِسلَامِ لِدَعوَاهَا أُلُوهِيَّةَ زَعِيمِهَا بَيَانٍ، كَمَا خَرَجَ عَابِدُو الأَصنَامِ عَن فِرَقِ الإِسلَامِ. وَمَن زَعَمَ مِنهُم أَنَّ بَيَانًا كَانَ نَبِيًّا فَهُوَ كَمَن زَعَمَ أَنَّ مُسَيلِمَةَ كَانَ نَبِيًّا، وَكِلَا الفَرِيقَينِ خَارِجَانِ عَن فِرَقِ الإِسلَامِ. وَيُقَالُ لِلبَيَّانِيَّةِ: إِذَا جَازَ فَنَاءُ بَعضِ الإِلَهِ فَمَا المَانِعُ مِن فَنَاءِ وَجهِهِ؟! فَأَمَّا قَولُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فَمَعنَاهُ رَاجِعٌ إِلَى بُطلَانِ كُلِّ عَمَلٍ لَم يُقصَد بِهِ وَجهُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَولُهُ: ﴿وَيَبقَى﴾ مَعنَاهُ وَيَبقَى رَبُّكَ، لِأَنَّهُ قَالَ بَعدَهُ: ﴿ذُو الجَلَالِ وَالإِكرَامِ﴾ بِالرَّفعِ عَلَى البَدَلِ مِنَ الوَجهِ، وَلَو كَانَ الوَجهُ مُضَافًا إِلَى الرَّبِّ لَقَالَ: ﴿ذِي الجَلَالِ﴾ بِخَفضِ «ذِي» لِأَنَّ نَعتَ المَخفُوضِ يَكُونُ مَخفُوضًا، وَهَذَا وَاضِحٌ فِي نَفسِهِ، وَالحَمدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ.
وَإِنَّ لِلتَّكْبِيرِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ فَوَائِدَ عَظِيمَةً، فَهُوَ إِعْلَانٌ لِلتَّوْحِيدِ وَتَعْظِيمٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يُذَكِّرُ الْمُسْلِمَ بِأَنَّ اللهَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَدرًا، فقد روي في السير أَنَّهُ لَمّا انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَى الْكَعْبَةِ فَرَآهَا في فتح مكة، وَمَعَهُ الْمُسْلِمُونَ، تَقَدّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَاسْتَلَمَ الرّكْنَ بِمِحْجَنِهِ – المِحْجَنُ عَصًا مُعَقَّفَة الرَّأْسِ كالصَّولَجان -، وَكَبّرَ فَكَبّرَ الْمُسْلِمُونَ لِتَكْبِيرِهِ، فَرَجَعُوا التّكْبِيرَ حَتّى ارْتَجّتْ مَكّةُ تَكْبِيرًا وَالْمُشْرِكُونَ فَوْقَ الْجِبَالِ يَنْظُرُونَ.اهـ وَكَانَ ذَلِكَ إِعْلَانًا أَنَّ النَّصْرَ وَالْعِزَّةَ وَالظُّهُورَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَأَنَّ «اللَّهُ أَكْبَرُ» شِعَارُ الْمُؤْمِنِينَ فِي نَصْرِهِمْ وَتَمْكِينِهِمْ.
وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَنَّهُ مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَأَنَّهُ مِن شِعَارِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ الَّذَيْنِ يُنَادَيَانِ بِهِمَا لِلصَّلَوَاتِ، كَمَا أَنَّهُ ذِكْرٌ عَظِيمٌ يُسْتَحَبُّ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، فَيُكَبِّرُ الْمُؤْمِنُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِرِضَا الرَّحْمَنِ وَثِقَلِ الْمِيزَانِ. وَالتَّكْبِيرُ أَيْضًا مِنْ شَعَائِرِ الْأَعْيَادِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى:﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [سورة البقرة/ الآية 185]، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَبِّرُ فِي خُرُوجِهِ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْعِيدِ. وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَنَّهُ يُثَبِّتُ الْقَلْبَ عِنْدَ مُوَاجَهَةِ الْعَدُوِّ وَمُدَافَعَةِ الشَّيْطَانِ، وَأَنَّهُ يُطَمْئِنُ الْقَلْبَ وَيَطْرُدُ الْوَسَاوِسَ، فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ وَجَدَ شَيْئًا مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ أَنْ يَقُولَ: «آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ».اهـ رَوَاهُ أَبُو دَاودَ. فَبِالتَّكْبِيرِ يَجِدُ الْمُسْلِمُ سَكِينَةً فِي نَفْسِهِ، وَقُرْبًا مِنْ رَبِّهِ، وَرِفْعَةً فِي دَرَجَاتِهِ وَسَبِّحَا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ أَيِ اذكُرَا اللهَ بِلَفظِ التَّسبِيحِ بِقَولِ: سُبحَانَ اللهِ مَثَلًا، وَالتَّسبِيحُ كَمَا ذَكَرتُ لَكُم سَابِقًا هُوَ التَّنزِيهُ لِلهِ، تَنزِيهُ اللهِ عَن صِفَاتِ المَخلُوقَاتِ وَعَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ وَهَذَا هُوَ التَّوحِيدُ. قَالَ الجُنَيدُ فِيمَا نَقَلَهُ ابنُ حَجَرٍ فِي شَرحِ البُخَارِيِّ: التَّوحِيدُ هُوَ إِفرَادُ القَدِيمِ عَنِ المُحدَثِ، فَإِذَا جَاءَت آيَةٌ أَو حَدِيثٌ ظَاهِرُهُ يُوهِمُ نِسبَةَ الصُّورَةِ وَالجِهَةِ وَالأَعضَاءِ لِلهِ تَعَالَى فَلَا نَحمِلُهُ عَلَى الظَّاهِرِ بَل نَقُولُ لَهُ مَعنًى لَائِقٌ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا نَزلَقُ كَمَا زَلِقَ وَهَلَكَ المُجَسِّمَةُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَنَسَبُوا لِلهِ القَبَائِحَ كَمَا أَخبَرتُكُم قَبلَ قَلِيلٍ عَن بَعضِ المُجَسِّمَةِ فِي القُرُونِ الأُولَى. فَإِذَا مَرَّ عَلَيكُم حَدِيثٌ فِي ذِكرِ الصُّورَةِ أَو غَيرِ ذَلِكَ مِمَّا ظَاهِرُهُ غَيرُ لَائِقٍ بِاللهِ فَنُؤَوِّلُهُ عَلَى مَعنًى يَلِيقُ بِاللهِ وَنَنفِي الصُّورَةَ وَالكَيفِيَّةَ، فَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُ الصُّوَرَ وَلَا يُوصَفُ بِالشَّكلِ وَالكَيفِيَّةِ وَالصُّورَةِ. قَالَ أَبُو سُلَيمَانَ الخَطَّابِيُّ: إِنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَينَا وَعَلَى كُلِّ مُسلِمٍ أَن يَعلَمَهُ أَنَّ رَبَّنَا لَيسَ بِذِي صُورَةٍ وَلَا هَيئَةٍ، فَإِنَّ الصُّورَةَ تَقتَضِي الكَيفِيَّةَ وَهِيَ عَنِ اللهِ وَعَن صِفَاتِهِ مَنفِيَّةٌ. اهـ. وَقَالَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ «الكَنزِ المَدفُونِ» مَا نَصُّهُ: «لَا يُقَالُ لِلمَعبُودِ: كَيفَ هُوَ؟ لِأَنَّهُ يُستَخبَرُ بِكَيفَ عَنِ الهَيئَةِ وَالحَالِ، وَاللهُ سُبحَانَهُ لَا هَيئَةَ لَهُ وَلَا حَالَ». اهـ.
أَمَّا مَعنَى ما روى مسلمٌ في صحيحِه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُم أَخَاهُ فَليَجتَنِبِ الوَجهَ فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» قَالَ الحَافِظُ ابنُ الجَوزِيِّ في كتابه كشفِ المشكل: وَهَذَا شَيءٌ قَد تَخَبَّطَ فِيهِ جَمَاعَةٌ، فَالمُتَقَدِّمُونَ مِنَ السَّلَفِ قَرَأُوهُ وَعَبَرُوا وَلَم يَنطِقُوا بِشَيءٍ، مَعَ عِلمِهِم وَاعتِقَادِهِم أَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي هِيَ تَخَاطِيطُ لَا تَجُوزُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا التَّغَيُّر. وَهَذَانِ أَصلَانِ لَا بُدَّ مِنَ اعتِقَادِهِمَا: التَّخَاطِيطُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الأَجسَامِ، وَالتَّغَيُّرُ لَا يَصلُحُ أَن يَطرَأَ عَلَى الإِلَهِ، فَإِنَّ الخَلِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ عَابَ النَّجمَ بِالأُفُولِ فَقَالَ: ﴿لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 76] لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ مَا يَطرُقُهُ التَّغَيُّرُ لَا يَصلُحُ أَن يَكُونَ مَعبُودًا.اهـ وَقَالَ النَّوَوِيُّ في شرحه لمسلم: قَولُهُ ﷺ: «فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» فَهُوَ مِن أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَقَد سَبَقَ فِي كِتَابِ الإِيمَانِ بَيَانُ حُكمِهَا وَاضِحًا وَمَبسُوطًا وَأَنَّ مِنَ العُلَمَاءِ مَن يُمسِكُ عَن تَأوِيلِهَا وَيَقُولُ نُؤمِنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ وَأَنَّ ظَاهِرَهَا غَيرُ مُرَادٍ وَلَهَا مَعنًى يَلِيقُ بِهَا وَهَذَا مَذهَبُ جُمهُورِ السَّلَفِ وَهُوَ أَحوَطُ وَأَسلَمُ، وَالثَّانِي أَنَّهَا تُتَأَوَّلُ عَلَى حَسَبِ مَا يَلِيقُ بِتَنزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ، قَالَ المَازِرِيُّ: هَذَا الحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفظِ ثَابِتٌ وَرَوَاهُ بَعضُهُم (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحمَنِ) وَلَيسَ بِثَابِتٍ عِندَ أَهلِ الحَدِيثِ وَكَأَنَّ مَن نَقَلَهُ رَوَاهُ بِالمَعنَى الَّذِي وَقَعَ لَهُ وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ، قَالَ المَازِرِيُّ: وَقَد غَلِطَ بنُ قُتَيبَةَ فِي هَذَا الحَدِيثِ فَأَجرَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وقال لِلَّهِ تَعَالَى صُورَةٌ لَا كَالصُّوَرِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ظَاهِرُ الفَسَادِ لِأَنَّ الصُّورَةَ تُفِيدُ التَّركِيبَ وَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحدَثٌ وَاللهُ تَعَالَى لَيسَ بِمُحدَثٍ فَلَيسَ هُوَ مُرَكَّبًا فَلَيسَ مُصَوَّرًا قَالَ وَهَذَا كَقَولِ المُجَسِّمَةِ جِسمٌ لَا كَالأَجسَامِ لَمَّا رَأَوا أَهلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ البَارِي سُبحَانَهُ وَتَعَالَى شَيءٌ لَا كَالأَشيَاءِ طَرَدُوا الِاستِعمَالَ فَقَالُوا جِسمٌ لَا كَالأَجسَامِ وَالفَرقُ أَنَّ لَفظَ شَيء لَا يُفِيدُ الحُدُوثَ وَلَا يَتَضَمَّنُ مَا يَقتَضِيهِ وَأَمَّا جِسمٌ وَصُورَةٌ فَيَتَضَمَّنَانِ التَّألِيفَ وَالتَّركِيبَ وَذَلِكَ دَلِيلُ الحُدُوثِ، قَالَ: العَجَبُ مِنِ ابنِ قُتَيبَةَ فِي قَولِهِ صُورَةٌ لَا كَالصُّوَرِ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الحَدِيثِ عَلَى رَأيِهِ يَقتَضِي خَلقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ فَالصُّورَتَانِ عَلَى رَأيِهِ سَوَاءٌ فَإِذَا قَالَ لَا كَالصُّوَرِ تَنَاقَضَ قَولُهُ!! وَيُقَالُ لَهُ أَيضًا إِن أَرَدتَ بِقَولِكَ صُورَةٌ لَا كَالصُّوَرِ أَنَّهُ لَيسَ بِمُؤَلَّفٍ وَلَا مُرَكَّبٍ فَلَيسَ بِصُورَةٍ حَقِيقَةً وَلَيسَتِ اللَّفظَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا وَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُوَافِقًا عَلَى افتِقَارِهِ إِلَى التَّأوِيلِ.
وَاختَلَفَ العُلَمَاءُ فِي تَأوِيلِهِ فَقَالَت طَائِفَةٌ الضَّمِيرُ فِي صُورَتِهِ عَائِدٌ عَلَى الأَخِ المَضرُوبِ وَهَذَا ظَاهِرُ رِوَايَةِ مُسلِمٍ، وَقَالَت طَائِفَةٌ يَعُودُ إِلَى آدَمَ وَفِيهِ ضَعفٌ، وَقَالَت طَائِفَةٌ يَعُودُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَيَكُونُ المُرَادُ إِضَافَةَ تَشرِيفٍ وَاختِصَاصٍ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 73] وَكَمَا يُقَالُ فِي الكَعبَةِ بَيتُ اللَّهِ وَنَظَائِرُهُ وَاَللَّهُ أَعلَمُ.اهـ وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: وَأَحسَنُ مَا قِيلَ فِي تَأوِيله إِنَّ الإِضَافَةَ لِلتَّشرِيفِ كَنَاقَةِ اللهِ وَبَيتِ اللهِ أَي الصُّورَةِ الَّتِي اختَارَهَا لآدَمَ.اهـ
وَإِنَّ لِلتَّسْبِيحِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ فَوَائِدَ عَظِيمَةً، فَهُوَ مِن أَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ، وَيُسَمَّى مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَيُثْقِلُ الْمِيزَانَ، وَيَغْرِسُ لِلْمُسْلِمِ أَشْجَارًا فِي الْجَنَّةِ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ» رواه مسلم، وَقَالَ: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» رواه البخاري. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَأَرْشَدَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا إِلَى قَوْلِ: «سَبِّحِي ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدِي ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرِي أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ»، وَقَالَ ﷺ:«الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلهِ تَمْلَآنِ – أَوْ تَمْلَأُ – مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» رواه مسلم، وَقَالَ: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ» رواه البخاري. فَبِالتَّسْبِيحِ يَنَالُ الْمُسْلِمُ رِضَا اللهِ، وَكَفَّارَةَ الْخَطَايَا، وَسَكِينَةَ الْقَلْبِ، وَهُوَ مِنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تُرْفَعُ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَاحمَدَا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ» مَعنَاهُ قَولًا: الحَمدُ لِلهِ، فَهَذِهِ المَعَانِي فِيهَا مِنَ التَّسلِيمِ لِأَمرِ اللهِ وَتَذَكُّرِ عَظَمَتِهِ وَاستِحضَارِهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُ بِنتَهُ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا بِتَذَكُّرِهَا قَبلَ النَّومِ. وَفِي الرِّوَايَةِ الأُخرَى: «فَهُوَ خَيرٌ لَكُمَا مِن خَادِمٍ» اهـ. وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذِكرُ الخَادِمِ وَهُوَ وَاحِدُ الخَدَمِ، يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنثَى، وَهَذَا تَحرِيضٌ عَلَى الصَّبرِ عَلَى مَشَقَّةِ الدُّنيَا وَمَكَارِهِهَا مِنَ الفَقرِ وَالمَرَضِ وَغَيرِ ذَلِكَ. اهـ
وهنا أقول:
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة الأعلى/ الآية 17] فَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى، أَي: نَعِيمُ الْجَنَّةِ أَفْضَلُ وَنَعِيمُ الْجَنَّةِ أَدُومُ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا. وَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْفَطِنَ الذَّكِيَّ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَعَمِلَ بِخِصَالِ الْخَيْرِ الَّتِي حَثَّ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
فَعَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: “شَكَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَى فِي يَدِهَا” هُنَا أَقُولُ لَكُمْ: فِي الْمَاضِي كَانُوا يَطْحَنُونَ وَيُعَجِّنُونَ فِي الْبُيُوتِ، لَيْسَ الْحَالُ كَمَا هُوَ الْيَوْمَ. فَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ شَكَتْ مِنْ أَثَرِ الرَّحَى فِي يَدِهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: فَذَهَبَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا فَلَمْ تَرَهُ، فَقَالَتْ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَلَمَّا جَاءَ ذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ: فجاءنا وَقَدْ أَخَذْنَا مُضَاجِعَنَا، فَذَهَبْتُ أَقُومُ، فَقَالَ: «مَكَانَكِ»، ثُمَّ جَلَسَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي، فَقَالَ: «أَلَا أَدُلَّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ؟» – أَي: جَارِيَةٌ، وَهَذَا الْلَّفْظُ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى – قَالَ: «أَلَا أَدُلَّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مُضَاجِعَكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ».
وَحَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لا شَكَّ مُوَافِقٌ لِلْقُرْآنِ، فَالْخَادِمُ فِي الدُّنْيَا وَالتَّسْبِيحُ وَالْتَحْمِيدُ وَالتَّكْبِيرُ لا شَكَّ يُنْفِعُهُمَا فِي الْآخِرَةِ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.اهـ
وَهُنَا انْتَبِهُوا جَيِّدًا: فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها ذَهَبَتْ تَطْلُبُ خَادِمًا، فَجَاءَ إِلَيْهِمَا – أَيْ إِلَى عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ – يَقُولُ لَهُمَا: «أَلَا أَدُلَّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ»، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، قَالَ: «إِذَا أَخَذْتُمَا مُضَاجِعَكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ – أَي: قَوْلًا: سُبْحَانَ الله-، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ – أَي: قَوْلًا: الْحَمْدُ لِلَّهِ-، وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ -أَي: قَوْلًا: اللهُ أَكْبَرُ-، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ».
قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَحْصُلَ لِفَاطِمَةَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْأَذْكَارِ قُوَّةٌ فَتَقْدِرُ عَلَى الْخِدْمَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْخَادِمُ، وَاللهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أَبَدًا.
أَلَيْسَ وَرَدَ أَنَّ التَّقِيَّ الَّذِي يُؤَدِّي الْوَاجِبَاتِ وَيَجْتَنِبُ الْمُحَرَّمَاتِ يَشْبَعُ بِالتَّسْبِيحِ حِينَ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ حِينَ الْمَجَاعَةِ؟ بَلَى، فَلَا شَكَّ صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: «أَلَا أَدُلَّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ».
فَحُلْوَةٌ هِيَ الْأُسْرَةُ الْمُتَوَكِّلَةُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَالْيَوْمَ، وَفِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الَّتِي لَا تَخْفَى عَلَيْكُمْ، عَجْزُ كَثِيرٍ مِنَ الرِّجَالِ عَنِ جَلْبِ الْخَادِمِ لِلْبَيْتِ، وَزَوْجَتُهُ صَابِرَةٌ تَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَحَرِيٌّ بِهَا أَنْ تَذْكُرَ مَا يَنْفَعُهَا فِي الْآخِرَةِ، وَحَرِيٌّ بِهِمَا أَنْ يَتَعَاوَنَا عَلَى الْخَيْرِ كَقِيَامِ اللَّيْلِ.
قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ لِسُلَيْمَانَ: “يَا بُنَيَّ لَا تُكْثِرِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ تَتْرُكُ الْإِنْسَانَ فَقِيرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رواه النَّسَائي وابن ماجه والبيهقي.
فَقُمْ فِي اللَّيْلِ وَأَيْقِظْ امْرَأَتَكَ لِلصَّلَاةِ، فَالْأَنْفَاسُ مَعْدُودَةٌ وَالْعُمْرُ لا بُدَّ أَنْ يَنْقَضِي، وَقَدْ قَالَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: ((رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ – رَشًّا خَفِيفًا – وَرَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى نَضَحْتُ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ)) رواه أَحْمَد وأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائي وَابْنُ حِبَّان وَالْحَاكِم.
متن الحديث الذي سنشرح:
وَرَوَى البُخَارِىُّ وَمُسلِمٌ عَن أَبِى مَسعُودٍ البَدرِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الآيَتَانِ مِن ءَاخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ مَن قَرَأَ بِهِمَا فِى لَيلَةٍ كَفَتَاهُ».
الشرح والتعليق على هذا الحديث:
وَرَوَى البُخَارِىُّ وَمُسلِمٌ عَن أَبِى مَسعُودٍ البَدرِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الآيَتَانِ أَيِ الكَائِنَتَانِ مِن ءَاخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ أي قوله تعالى:﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة/ الآية 285 – 286] وَقَد ذَكَرَ الفُقَهَاءُ فِي مَعنَى هَذِهِ الآيَاتِ وَسَبَبِ نُزُولِهَا أَشيَاءَ عَدِيدَةً، وَلِفَهمِ قَولِ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ نَذكُرُهَا مَعَ الَّتِي قَبلَهَا، حَيثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خَلقًا وَمُلكًا ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ يَعنِي مِنَ السُّوءِ ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾يُكَافِئكُم وَيُجَازِيكُم، وَلَا تَدخُلُ الوَسَاوِسُ وَحَدِيثُ النَّفسِ فِيمَا يُخفِيهِ الإِنسَانُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَيسَ فِي وُسعِهِ الخُلُوُّ مِنهُ، وَلَكِن مَا اعتَقَدَهُ وَعَزَمَ عَلَيهِ. وَفِي أَكثَرِ التَّفَاسِيرِ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ جَزِعَتِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، وَقَالُوا: أَنُؤَاخَذُ بِكُلِّ مَا حَدَّثَت بِهِ أَنفُسُنَا؟ فَنَزَلَ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إِلَى قَولِهِ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا اكتَسَبَت﴾، فَتَعَلَّقَ ذَلِكَ بِالكَسبِ دُونَ العَزمِ. ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَي فَهُوَ يَغفِرُ وَيُعَذِّبُ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ المَغفِرَةِ وَالتَّعذِيبِ وَغَيرِهَا ﴿قَدِيرٌ﴾ أَي قَادِرٌ. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيهِ مِن رَبِّهِ وَالمُؤمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ أَي بِالإِيمَانِ بِهِم، مَعنَاهُ نُصَدِّقُهُم كُلَّهُم فِيمَا جَاءُوا بِهِ، أَي لَا نُصَدِّقُ بَعضًا وَنُكَذِّبُ بَعضًا بَل نُؤمِنُ بِالكُلِّ. أَمَّا مِن حَيثُ الفَضلُ فَبَعضُ الرُّسُلِ أَفضَلُ مِن بَعضٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [سورة البقرة/ الآية 253]. ﴿وَقَالُوا سَمِعنَا﴾ أَجَبنَا قَولَكَ ﴿وَأَطَعنَا﴾ أَمرَكَ ﴿غُفرَانَكَ﴾ أَي اغفِر لَنَا غُفرَانَكَ ﴿رَبَّنَا وَإِلَيكَ المَصِيرُ﴾ أَي المَرجِعُ، وَفِيهِ إِقرَارٌ بِالبَعثِ وَالجَزَاءِ. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا﴾ إِلَّا طَاقَتَهَا وَقُدرَتَهَا، اللهُ تَعَالَى مِن رَحمَتِهِ بِعِبَادِهِ مَا كَلَّفَهُم إِلَّا بِمَا يُطِيقُونَ، لِأَنَّ التَّكلِيفَ لَا يَرِدُ إِلَّا بِفِعلٍ يَقدِرُ عَلَيهِ المُكَلَّفُ، كَذَا فِي شَرحِ التَّأوِيلَاتِ. ﴿لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا اكتَسَبَت﴾ يَنفَعُهَا مَا كَسَبَت مِن خَيرٍ وَيَضُرُّهَا مَا اكتَسَبَت مِن شَرٍّ، المَعنَى أَنَّ العِبَادَ يُثَابُونَ عَلَى كَسبِهِم لِلحَسَنَاتِ وَيُعَاقَبُونَ عَلَى كَسبِهِم لِلسَّيِّئَاتِ، الكَسبُ أَمرٌ دُونَ الخَلقِ وَهُوَ العَزمُ المُصَمَّمُ عَلَى فِعلِ الشَّيءِ، فَلَمَّا يُوَجِّهُ وَيُعَلِّقُ العَبدُ قَصدَهُ وَإِرَادَتَهُ بِشَيءٍ يَخلُقُ اللهُ ذَلِكَ الشَّيءَ، فَكُلُّ أَعمَالِ العَبدِ مَخلُوقَةٌ لِلهِ، أَي هُوَ يُوجِدُهَا مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، وَلَا يُستَثنَى مِن ذَلِكَ شَيءٌ. ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا﴾ تَرَكنَا أَمرًا مِن أَوَامِرِكَ سَهوًا ﴿أَو أَخطَأنَا﴾ ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحمِل عَلَينَا إِصرًا﴾ عِبئًا يَأصِرُ حَامِلَهُ أَي يُحبِسُهُ مَكَانَهُ لِثِقَلِهِ ﴿كَمَا حَمَلتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبلِنَا﴾ كَاليَهُودِ ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ مِنَ العُقُوبَاتِ النَّازِلَةِ بِمَن قَبلَنَا ﴿وَاعفُ عَنَّا﴾ امحُ سَيِّئَاتِنَا ﴿وَاغفِر لَنَا﴾ وَاستُر ذُنُوبَنَا، وَلَيسَ بِتَكرَارٍ فَالأَوَّلُ لِلكَبَائِرِ وَالثَّانِي لِلصَّغَائِرِ ﴿وَارحَمنَا﴾ بِتَثقِيلِ مِيزَانِنَا مَعَ إِفلَاسِنَا ﴿أَنتَ مَولَانَا﴾ سَيِّدُنَا وَنَحنُ عَبِيدُكَ، أَو نَاصِرُنَا أَو مُتَوَلِّي أُمُورِنَا ﴿فَانصُرنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ﴾. اهـ
ولا يخفى ما في هاتين الآيتين العظيمتين من ذكر أصول الإيمان، وهذه المذكورات مذكورة في حديث جبريل المشهور، ففي حديث جبريل يفسّر النّبي ﷺ الإيمان بقوله: «أَن تُؤمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ، وَتُؤمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ».اهـ وأعظم هذه الأصول هو الإيمان بالله، لذلك قال: «أَن تُؤمِنَ بِاَللَّهِ» يَعنِى أَن تُصَدِّقَ جازِمًا باللهِ تعالى. جازِمًا أَي مِن غَيرِ شَكّ. أَي أَن تَعتَقِدَ بِقَلبِك جازِمًا، جَزمًا بِلا شَكّ أَنَّ اللهَ ذاتٌ مُتَّصِفٌ بِصِفات. أَن تَعتَقِدَ أَنَّ اللهَ تعالى ذاتٌ لا يُشبِهُ الذَّوات، مُتَّصِفٌ بِصِفاتٍ لا تُشبِهُ الصِّفات. صِفاتُهُ لا تُشبِهُ صِفاتِ غَيرِهِ كَما أَنَّ ذاتَهُ لا يُشبِهُ ذاتَ غَيرِهِ.اهـ فَإِذًا الإيمانُ أَن تُؤمِنَ أَي أَن تُصَدِّقَ جازِمًا بِما ذَكَرَ ﷺ. أَن تُؤمِنَ باللهِ، بِأَن تـَعقِدَ قَلبَكَ جازِمًا أَنَّهُ لا أَحَدَ يَستَحِقُّ أَن يُعبَدَ إِلّا اللهُ تعالى، الذّاتُ الذي لا يُشبِهُ الذَّوات المُتَّصِف بالصِّفات التي لا تُشبِهُ الصِّفات. وأَجمَعَ أَهلُ السّنة أَنَّ اللهُ مُتَّصِفًا بِثَلاثَ عَشرَةَ صِفَة، يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ مُكَلِّفٍ أَن يَعرِفَها. هذا بالإِجماع ليسَ فِيهِ خِلافٌ بينَ العُلَماء. بَعضُهُم ذَكَرَ ما يَزِيدُ عَن ذلِك لَكن ما أحَد نَقَّص عِن ذلك.اهـ قَالَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي المَقَاصِدِ النَّوَوِيَّةِ: المَقصِدُ الأَوَّلُ: فِي بَيَانِ عَقَائِدِ الإِسلَامِ وَأُصُولِ الأَحكَامِ: أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى المُكَلَّفِ مَعرِفَةُ اللهِ تَعَالَى. وَهِيَ: مَوجُودٌ لَيسَ بِمَعدُومٍ، قَدِيمٌ لَيسَ بِحَادِثٍ، بَاقٍ لَا يَطرَأُ عَلَيهِ العَدَمُ، مُخَالِفٌ لِلحَوَادِثِ لَا شَيءَ يُمَاثِلُهُ، قَائِمٌ بِنَفسِهِ لَا يَحتَاجُ إِلَى مَحَلٍّ وَلَا مُخَصِّصٍ، وَاحِدٌ لَا مُشَارِكَ لَهُ فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفعَالِهِ، لَهُ القُدرَةُ وَالإِرَادَةُ وَالعِلمُ وَالحَيَاةُ وَالسَّمعُ وَالبَصَرُ وَالكَلَامُ فَهُوَ القَادِرُ وَالمُرِيدُ وَالعَالِمُ وَالحَيُّ وَالسَّمِيعُ وَالبَصِيرُ وَالمُتَكَلِّمُ.اهـ مَن قَرَأَ بِهِمَا فِى لَيلَةٍ كَفَتَاهُ» أَي دَفَعَتَا عَنهُ الشِّركَ وَالمَكرُوهَ، وَهُوَ مِن كَفَى يَكفِي إِذَا دَفَعَ عَن أَحَدٍ شَيئًا وَأَغنَاهُ، وَقِيلَ: كَفَتَاهُ عَن قِيَامِ اللَّيلِ أَو كَفَتَاهُ عَن سَائِرِ الأَورَادِ، أَو أَرَادَ أَنَّهُمَا أَقَلُّ مَا يُجزِئُ مِنَ القِرَاءَةِ فِي قِيَامِ اللَّيلِ.
والله تعالى أعلم وأحكم