بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحَمدُ للهِ الَّذِي نَصَبَ مِن كُلِّ كَائِنٍ عَلَى وَحدَانِيَّتِهِ دَلِيلًا وَبُرهَانًا، وَتَصَرَّفَ فِي خَلِيقَتِهِ كَمَا شَاءَ عِزًّا وَسُلطَانًا، وَاختَارَ المُتَّقِينَ فَوَهَبَ لَهُم بِنِعمَتِهِ أَمنًا وَإِيمَانًا، وَعَمَّ المُذنِبِينَ بِرَحمَتِهِ عَفوًا وَغُفرَانًا، وَلَم يَقطَع أَرزَاقَ أَهلِ المَعصِيَةِ جُودًا وَامتِنَانًا. سُبحَانَهُ لَيسَ بِجِسمٍ فَيُشبِهَ الأَجسَامَ، وَلَا بِمُتَجَوِّفٍ فَيَحتَاجَ إِلَى الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ، وَلَا تَحدُثُ لَهُ صِفَةٌ فَيَتَطَرَّقَ عَلَيهَا انعِدَامٌ، نَصِفُهُ بما وَرَد مِن غَيرِ كَيفٍ وَلَا تَشبِيهٍ وَالسَّلامُ، وَلَعَنَ اللَّهُ الجَهمِيَّ وَالمُشَبِّهَ وَمَن نَسَبَ لَهُ صِفَاتِ الأَجسَامِ.
أَحمَدُهُ وَهُوَ بِالحَمدِ جَدِيرٌ، قَبِلَ مِن خَلقِهِ اليَسِيرَ، وَأَعطَى مِن رِزقِهِ الكَثِيرَ، تَعَالَى اللهُ عَن وَزِيرٍ، وَتَنَزَّهَ عَن نَظِيرٍ، ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِهِ البَشِيرِ النَّذِيرِ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ ذِي الإِيمَانِ الوَفِيرِ، وَعَلَى عُمَرَ ذِي العَدلِ الغَزِيرِ، وَعَلَى عُثمَانَ مُجَهِّزِ جَيشِ العُسرَةِ فِي الزَّمَانِ العَسِيرِ، وَعَلَى عَلِيٍّ المَخصُوصِ بِالمُوَالَاةِ يَومَ الغَدِيرِ،
أَمَّا بَعدُ:
مَا زِلنَا نَتَكَلَّمُ فِي الأَذكَارِ الَّتِي يَقُولُهَا العَبدُ المُؤمِنُ عِندَ النَّومِ، وَمِنهَا:
وَفِى الصَّحِيحَينِ وَغَيرِهِمَا عَن عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنهَا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيلَةٍ جَمَعَ كَفَّيهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا وَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾، وَ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا مَا استَطَاعَ مِن جَسَدِهِ، يَبدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأسِهِ وَوَجهِهِ وَمَا أَقبَلَ مِن جَسَدِهِ، يَفعَلُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
الشَّرحُ وَالتَّعلِيقُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ:
وَفِى الصَّحِيحَينِ وَغَيرِهِمَا عَن عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنهَا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ أَي أَتَاهُ وَاستَقَرَّ فِيهِ، بَعد أَن يَصِيرَ فِي فِرَاشِهِ يُرِيدُ النَّومَ كُلَّ لَيلَةٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّةِ التَّحصِينِ كُلَّ لَيلَةٍ، فَإِذَا كَانَ الصَّادِقُ المَصدُوقُ الَّذِي هُوَ مَحفُوظٌ مَعصُومٌ يَهتَمُّ لِهَذَا الأَمرِ كُلَّ يَومٍ وَلَيلَةٍ فَالأَولَى بِنَا أَن نَهتَمَّ بِهَذَا الأَمرِ، لَا سِيَّمَا وَقَد تَرَبَّصَت بِنَا الشَّيَاطِينُ مِن كُلِّ جَانِبٍ لِإِغوَائِنَا وَإِيذَائِنَا. فَالمُحَافَظَةُ عَلَى التَّحصِينِ وَالأَورَادِ وَالأَذكَارِ حِصنٌ حَصِينٌ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ وَوَسوَسَتِهِ وَمِن كُلِّ شَرٍّ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 205]، فَالغَفلَةُ عَن ذِكرِ اللهِ مِن أَعظَمِ مَدَاخِلِ الشَّيطَانِ عَلَى الإِنسَانِ،
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: ((الشَّيطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلبِ ابنِ آدَمَ، فَإِذَا سَهَا وَغَفَلَ وَسوَسَ، فَإِذَا ذَكَرَ اللهَ تَعَالَى خَنَسَ)).
وَمِن هَذِهِ الأَذكَارِ، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ لَا الحَصرِ: قِرَاءَةُ الفَاتِحَةِ وَالإِخلَاصِ وَالمُعَوِّذَتَينِ كَمَا نَصَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ لِصَحَابِيٍّ: «يَا عُقْبَةُ بْنَ عَامِرٍ، إِنَّكَ لَنْ تَقْرَأَ بِسُورَةٍ أَحَبَّ إِلَى اللهِ وَأَبْلَغَ عِنْدَهُ مِنْ أَنْ تَقْرَأَ بِقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَفُوتَكَ فِي صَلَاةٍ فَافْعَلْ» رواه الطبراني في المعجم الكبير،
وَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ عَنِ المُعَوِّذَتَينِ: «فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا» رواه أبو داود في سننه.
وَمِنهَا قَولُ: «بِاسمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسمِهِ شَيءٌ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقَولُ: «حَسبِيَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَهُوَ رَبُّ العَرشِ العَظِيمُ» سَبعَ مَرَّاتٍ، وَغَيرُ ذَلِكَ مِنَ الأَذكَارِ وَالتَّحصِينَاتِ الوَارِدَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا عَلَّمَهُ لِأَصحَابِهِ.
لِأَنَّ الشَّيطَانَ يُرِيدُ أَن يُنَكِّدَ عَلَى المُسلِمِ أَمرَ العِبَادَةِ، وَلَا يُرِيدُهُ أَن يَهنَأَ بِالعِبَادَةِ حتّى يَترُكَهَا ويَخرُجَ مِنَ الدِّينِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَلَا تَستَجِب لَهُ وَاتَّخِذهُ عَدُوًّا كَمَا أَمَرَكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَولِهِ:﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [سورة فاطر/ الآية 6]، وَمُعَامَلَةُ العَدُوِّ تَكُونُ بِالحَذَرِ مِنهُ وَعَدَمِ الِاستِجَابَةِ لَهُ فِيمَا يَطلُبُ، لِأَنَّهُ يُحَاوِلُ إِهلَاكَكَ.
وَالتَّحصِينُ يَكُونُ أَوَّلَ دُخُولِ وَقتِ الفَجرِ وَوَقتِ المَغرِبِ، إِلَّا مَا كَانَ وَرَدَ أَنَّهُ يُقَالُ فِي وَقتٍ مَخصُوصٍ مِثلُ هَذَا الحَدِيثِ قَبلَ النَّومِ، فَافعَلُوا هَذَا، لِمَصلَحَتِكُم، لِفَائِدَتِكُم، لِمَنفَعَتِكُم، وَاعمَلُوا بِهَذِهِ النَّصَائِحِ، اللهُ يُبَارِكُ فِيكُم، وَانصَحُوا غَيرَكُم، لِأَنَّهُ إِذَا تَرَكَ الإِنسَانُ هَذَا قد يَحصُلُ فَسَادٌ عَظِيمٌ، وَلَا تَقُل: لَا تَستَطِيعُ أَن تَقُومَ عِندَ الفَجرِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَو كَانَ عِندَهُ أَمرٌ يَتَطَلَّبُ الِاستِيقَاظَ بَاكِرًا يَستَيقِظُ، وَهَذَا أَهَمُّ مِن كَثِيرٍ مِن أَعمَالِ الدُّنيَا وَأَنفَعُ لَكَ عِندَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
جَمَعَ كَفَّيهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا النَّفَثُ شَبِيهٌ بِالنَّفخِ لَيسَ مَعَهُ رِيقٌ، وَهُوَ أَقَلُّ مِنَ التَّفلِ، أَمَّا التَّفلُ مَعَهُ رِيقٌ.
وَالمُختَارُ أَنَّ النفث سُنَّةٌ مُستَحَبَّةٌ بِدَلِيلِ هَذَا الحَدِيثِ الَّذِي بَينَ أَيدِينَا، وَهَذَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا، وَفِي رِوَايَاتٍ فِي الصَّحِيحَينِ زِيَادَةٌ عَلَى هَذَا: فَفِي بَعضِهَا قَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: فَلَمَّا اشتَكَى ﷺ كَانَ يَأمُرُنِي أَن أَفعَلَ ذَلِكَ بِهِ، وَفِي بَعضِهَا: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنفُثُ عَلَى نَفسِهِ فِي المَرَضِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِالمُعَوِّذَاتِ، قَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: فَلَمَّا ثَقُلَ ﷺ كُنتُ أَنفُثُ عَلَيهِ بِهِنَّ وَأَمسَحُ بِيَدِ نَفسِهِ لِبَرَكَتِهَا، وَفِي بَعضِهَا: كَانَ إِذَا اشتَكَى ﷺ يَقرَأُ عَلَى نَفسِهِ بِالمُعَوِّذَاتِ وَيَنفُثُ.
وَقَرَأَ فِيهِمَا: الوَاوُ فِي كَلِمَةِ «وَقَرَأَ» لِلجَمعِ فَقَط وَلَا تَدُلُّ عَلَى التَّرتِيبِ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَت: «فَقَرَأَ فِيهِمَا»، وَظَاهِرُهَا أَنَّ القِرَاءَةَ بَعدَ النَّفثِ، قَالَ بَعضُهُم: وَلَعَلَّهُ وَقَعَ سَهوًا مِنَ النَّاسِخِ مِن بَعضِ الرُّوَاةِ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، أَيِ المُرَادُ قَرَأَ السُّوَرَ الثَّلَاثَ كَامِلَةً.
وَسُورَةُ الإِخلَاصِ مِنَ السُّوَرِ العَظِيمَةِ، وَهِيَ أَربَعُ آيَاتٍ خَفِيفَةٍ، لَكِنَّهَا تَحمِلُ مِن مَعَانِي التَّوحِيدِ الشَّيءَ الكَثِيرَ، وَهِيَ مَدحٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَنَفيٌ لِكُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِاللهِ عَنِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَرَدٌّ عَلَى كُلِّ المُخَالِفِينَ كَمَا قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي الإِكلِيلِ: «فِيهَا الرَّدُّ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالمَجُوسِ وَالمُشرِكِينَ وَالمُجَسِّمَةِ وَالمُشَبِّهَةِ وَالحُلُولِيَّةِ وَالِاتِّحَادِيَّةِ وَجَمِيعِ الأَديَانِ البَاطِلَةِ».اهـ
وَقَد جَعَلَ اللهُ لِقَارِئِهَا الثَّوَابَ العَظِيمَ، فَقَد رُوِيَ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي جَارًا يَقُومُ اللَّيلَ فَمَا يَقرَأُ إِلَّا ﴿قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، كَأَنَّهُ يُقَلِّلُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:«وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ» رواه مالك والبخاري،
قَالَ بَعضُ الشُّرَّاحِ: ((لِأَنَّ عُلُومَ القُرءَانِ ثَلَاثَةٌ: عِلمُ التَّوحِيدِ، وَعِلمُ الشَّرَائِعِ، وَعِلمُ تَهذِيبِ الأَخلَاقِ، وَهِيَ مُشتَمِلَةٌ عَلَى الأَوَّلِ)).اهـ
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيَعجَزُ أَحَدُكُم أَن يَقرَأَ فِي لَيلَةٍ ثُلُثَ القُرآنِ؟» فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيهِم وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثُلُثُ القُرءَانِ» رواه البخاري.
وَروى أحمد في مسنده عَن أَبِي الدَّردَاءِ قَالَ: جَزَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القُرآنَ ثَلَاثَةَ أَجزَاءٍ فَقَالَ:«﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ جُزءٌ مِنهَا».
وَعَن مالكٍ في الموطأ عن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَقبَلتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقرَأُ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَم يَلِد وَلَم يُولَد وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَجَبَت»، فَسَأَلتُهُ: مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الجَنَّةُ»، قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: فَأَرَدتُ أَن أَذهَبَ إِلَى الرَّجُلِ فَأُبَشِّرَهُ، ثُمَّ فَرِقتُ – أَي خِفتُى – أَن يَفُوتَنِي الغَدَاءُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَآثَرتُ الغَدَاءَ مَعَهُ، ثُمَّ ذَهَبتُ إِلَى الرَّجُلِ فَوَجَدتُهُ قَد ذَهَبَ.
وَروى البخاري عَن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقرَأُ لِأَصحَابِهِ فِي صَلَاتِهِم فَيَختِمُ بِـ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «سَلُوهُ، لِأَيِّ شَيءٍ يَصنَعُ ذَلِكَ؟» فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحمَنِ فَأَنَا أُحِبُّ أَن أَقرَأَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَخبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّهُ».
وَرَوَى التِّرمِذِيُّ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ يَؤُمُّهُم فِي مَسجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افتَتَحَ سُورَةً يَقرَؤُهَا لَهُم فِي الصَّلَاةِ فَقَرَأَ بِهَا، افتَتَحَ بِـ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حَتَّى يَفرُغَ مِنهَا ثُمَّ يَقرَأُ بِسُورَةٍ أُخرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصحَابُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ تَقرَأُ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ لَا تَرَى أنهَا تَجزِيكَ حَتَّى تَقرَأَ بِسُورَةٍ أُخرَى، فَإِمَّا أَن تَقرَأَ بِهَا، وَإِمَّا أَن تَدَعَ وَتَقرَأَ بِسُورَةٍ أُخرَى؟ قَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، وَإِن أَحبَبتُم أَن أَؤُمَّكُم بِهَا فَعَلتُ، وَإِن كَرِهتُم تَرَكتُكُم، وَكَانُوا يَرَونَهُ أَفضَلَهُم وَكَرِهُوا أَن يَؤُمَّهُم غَيرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَخبَرُوهُ الخَبَرَ، فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، مَا يَمنَعُكَ مِمَّا يَأمُرُ بِهِ أَصحَابُكَ؟ وَمَا يَحمِلُكَ أَن تَقرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ فِي كُلِّ رَكعَةٍ؟»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ حُبَّهَا أَدخَلَكَ الجَنَّةَ».
وَروى الطبراني في المعجم الصغير عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن قَرَأَ ﴿قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فِي كُلِّ يَومٍ خَمسِينَ مَرَّةً نُودِيَ يَومَ القِيَامَةِ مِن قَبرِهِ: قُم يَا مَادِحَ اللهِ فَادخُلِ الجَنَّةَ».اهـ
وقال السيوطي رحمه الله في الدر المنثور عند تفسير سورة الإخلاص: وأخرج ابن الضريس والبزار والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ﴿قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ مائتي مرة غُفرَ له ذنوبُ مائتي سنة».
وأخرج أبو يعلى ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ خمسين مرة غفر له ذنوب خمسين سنة».
وأخرج الترمذي وأبو يعلى ومحمد بن نصر وابن عدي والبيهقي في الشعب، واللفظ له، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ كل يوم مائتي مرة ﴿قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ كتب الله له ألفا وخمسمائةِ حسنةً، ومحا عنه ذنوب خمسين سنة، إلا أن يكون عليه دين».
وَرَوَى التِّرمِذِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَن أَرَادَ أَن يَنَامَ عَلَى فِرَاشِهِ فَنَامَ عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ قَرَأَ:﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مِائَةَ مَرَّةٍ فَإِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ يَقُولُ الرَّبُّ: يَا عَبدِي ادخُل، عَلَى يَمِينِكَ الجَنَّةَ».
وَفِي مُسنَدِ أَبِي مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيِّ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَن قَرَأَ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عَشرَةَ مَرَّاتٍ بُنِيَ لَهُ قَصرٌ فِي الجَنَّةِ، وَمَن قَرَأَهَا عِشرِينَ مَرَّةً بُنِيَ لَهُ بِهَا قَصرَانِ فِي الجَنَّةِ، وَمَن قَرَأَهَا ثَلَاثِينَ مَرَّةً بُنِيَ لَهُ بِهَا ثَلَاثَةُ قُصُورٍ فِي الجَنَّةِ»، فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا لَنُكثِرَنَّ قُصُورَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُ أَوسَعُ مِن ذَلِكَ».اهـ أَي ثَوَابُ اللهِ أَعظَمُ مِن عَمَلِكُم.
وَعَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن دَخَلَ يَومَ الجُمعَةِ المَسجِدَ فَصَلَّى أَربَعَ رَكَعَاتٍ يَقرَأُ فِي كُلِّ رَكعَةٍ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ خَمسِينَ مَرَّةً، فَذَلِكَ مِائَتَا مَرَّةٍ فِي أَربَعِ رَكَعَاتٍ، لَم يَمُت حَتَّى يَرَى مَنزِلَهُ فِي الجَنَّةِ أَو يُرَى لَهُ».
وَعَن جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأَ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حِينَ يَدخُلُ مَنزِلَهُ نَفَتِ الفَقرَ عَن أَهلِ ذَلِكَ المَنزِلِ وَعَنِ الجِيرَانِ».
وَعَن أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَرَأَ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مَرَّةً بُورِكَ عَلَيهِ، وَمَن قَرَأَهَا مَرَّتَينِ بُورِكَ عَلَيهِ وَعَلَى أَهلِهِ، وَمَن قَرَأَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بُورِكَ عَلَيهِ وَعَلَى جَمِيعِ جِيرَانِهِ، وَمَن قَرَأَهَا اثنَتَي عَشرَةَ بَنَى اللَّهُ لَهُ اثنَي عَشَرَ قَصرًا فِي الجَنَّةِ وَتَقُولُ الحَفَظَةُ انطَلِقُوا بِنَا نَنظُرُ إِلَى قَصرِ أَخِينَا، فَإِن قَرَأَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ كَفَّرَ اللَّهُ عَنهُ ذُنُوبَ خَمسِينَ سَنَةً مَا خَلَا الدِّمَاءَ وَالأَموَالَ، فَإِن قَرَأَهَا أَربَعَمِائَةِ مَرَّةٍ كَفَّرَ اللَّهُ عَنهُ ذُنُوبَ مِائَةِ سَنَةٍ، فَإِن قَرَأَهَا أَلفَ مَرَّةٍ لَم يَمُت حَتَّى يَرَى مَكَانَهُ فِي الجَنَّةِ أَو يُرَى لَهُ».
وَعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ أنه قَالَ: شَكَا رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الفَقرَ وَضِيقَ المَعِيشَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا دَخَلتَ البَيتَ فَسَلِّم إِن كَانَ فِيهِ أَحَدٌ، وَإِن لَم يَكُن فِيهِ أَحَدٌ فَسَلِّم عَلَيَّ، وَاقرَأ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مَرَّةً وَاحِدَةً»، فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَأَدَرَّ اللَّهُ عَلَيهِ الرِّزقَ حَتَّى أفاض على جِيرَانِهِ.
وعَنِ ابنِ مَسعُودٍ قَالَ: «إِذَا ابتَدَأتَ بِسُورَةٍ فَأَرَدتَ أَن تُحَوِّلَ مِنهَا إِلَى غَيرِهَا فَتَحَوَّل، إِلَّا ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَلَا تَحَوَّل مِنهَا حَتَّى تَختِمَهَا».
وَقَد رَوَى ابنُ حَجَرٍ فِي المَطَالِبِ العَالِيَةِ أَنَّ مَن قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَحَدٌ أَحَدٌ، لَم يَلِد وَلَم يُولَد، وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ))، إِحدَى عَشرَةَ مَرَّةً كُتِبَ لَهُ أَلفَا أَلفِ حَسَنَةٍ، وَهَذَا لِمَا حَوَى هَذَا الذِّكرُ مِن كَلِمَاتِ التَّوحِيدِ وَالتَّنزِيهِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ فَضلِ هَذِهِ السُّورَةِ المُبَارَكَةِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعجَمَيهِ الكَبِيرِ وَالأَوسَطِ، وَرَوَاهُ غَيرُهُ مِن أَهلِ الأَثَرِ وَالسِّيَرِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ كَانَ غَازِيًا تَبُوكَ فَطَلَعَتِ الشَّمسُ بَيضَاءَ لَهَا شُعَاعٌ وَنُورٌ، فَأَتَى جِبرِيلُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا جِبرِيلُ، مَالِي أَرَى الشَّمسَ طَلَعَت بَيضَاءَ بِشُعَاعٍ لَم أَرَهَا طَلَعَت كَذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَطُّ؟»، فَقَالَ: ذَلِكَ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ بنَ مُعَاوِيَةَ اللَّيثِيَّ تُوُفِّيَ بِالمَدِينَةِ اليَومَ، فَبَعَثَ اللَّهُ سَبعِينَ أَلفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَل لَكَ فِي جَنَازَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ مُعَاوِيَةَ المُزَنِيِّ؟، قَالَ: «نَعَم»، فَقَالَ جِبرِيلُ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَفَرَّجَ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَنِ الجِبَالِ وَالآكَامِ وَقَبَضَ لَهُ الأَرضَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمشِي وَمَعَهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ وَمَعَ جِبرِيلُ سَبعُونَ أَلفَ مَلَكٍ، فَصَلَّى عَلَى مُعَاوِيَةَ بنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِجِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ: «بِمَ بَلَغَ مُعَاوِيَةُ هَذَا؟»، قَالَ: بِكَثرَةِ قِرَاءَتِهِ ﴿قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، كَانَ يَقرَؤُهَا آنَاءَ اللَّيلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، قَائِمًا وَقَاعِدًا وَرَاقِدًا وَمَاشِيًا، فَهَذَا بَلَغَ بِهِ مَا بَلَغَ.
وَتُوَضِّحُ قِصَّةُ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّ المَقصُودَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ تَنزِيهَ اللهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ سُبحَانَهُ مِنَ الصِّفَاتِ، سِيَّمَا الصِّفَاتُ الَّتِي يَعتَقِدُهَا اليَهُودُ فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَفِيهَا تَنزِيهُ اللهِ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقِينَ، وَعَن كَونِهِ جِسمًا، وَعَنِ الِاحتِيَاجِ وَالِافتِقَارِ لِشَيءٍ مِن مَخلُوقَاتِهِ كَالعَرشِ وَالسَّمَاءِ وَنَحوِ ذَلِكَ، وَعَن كَونِهِ وَالِدًا أَو وَلَدًا، سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
فَقَد رَوَى البَيهَقِيُّ فِي الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ اليَهُودِ جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسَأَلُوهُ عِنَادًا وَتَكَبُّرًا وَاستِهزَاءً، وَهُم قَومٌ بُهتٌ مُشَبِّهَةٌ مُجَسِّمَةٌ يَعتَقِدُونَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ العَالَمَ ثُمَّ تَعِبَ فَاستَرَاحَ عَلَى العَرشِ، قَالُوا: صِف لَنَا رَبَّكَ الَّذِي تَعبُدُهُ، فَنَزَلَت هَذِهِ السُّورَةُ، ثُمَّ قَالَ ﷺ لَهُم: «هَذِهِ صِفَةُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ».
وَرَوَى التِّرمِذِيُّ عَن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ سَبَبًا آخَرَ لِنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَهُوَ أَنَّ المُشرِكِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: انسُب لَنَا رَبّكَ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالُوا: صِف لَنَا رَبّكَ، أَمِن ذَهَبٍ هُوَ أَم مِن نُحَاسٍ أَم مِن صُفرٍ؟ فَأَنزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ السُّورَةَ رَدًّا عَلَيهِم.
وَفِي مَعنَى السُّورَةِ، قَالَ العُلَمَاءُ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)﴾ ﴿قُل﴾ يَا مُحَمَّدُ جَوَابًا لِمَن سَأَلَكَ عَن رَبِّكَ ﴿هُوَ اللهُ﴾ أَيِ الَّذِي لَهُ الأُلُوهِيَّةُ، وَهِيَ القُدرَةُ عَلَى الِاختِرَاعِ أَيِ الإِبرَازِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، فَاللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ وَحدَهُ القَادِرُ عَلَى الخَلقِ، وَلَا يَقدِرُ عَلَى الخَلقِ أَحَدٌ سِوَاهُ، وَلَفظُ الجَلَالَةِ (اللهُ) هُوَ اسمُ اللهِ الأَعظَمُ، وَهُوَ أَكبَرُ أَسمَاءِ اللهِ وَأَعظَمُهَا وَأَجمَعُهَا، وَقَد قَالَ أَبُو بَكرِ بنُ العَرَبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((اللهُ هُوَ الِاسمُ الأَعظَمُ الَّذِي يَرجِعُ إِلَيهِ كُلُّ اسمٍ (مِن أَسمَاءِ اللهِ) وَيُضَافُ إِلَى تَفسِيرِهِ كُلُّ مَعنًى، وَحَقِيقَتُهُ: المُنفَرِدُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفعَالِهِ عَن نَظِيرٍ، فَهَذَا حَقِيقَةُ الإِلَهِيَّةِ، وَمَن كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ اللهُ)).اهـ
وَقَالَ الغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((هُوَ – يَعنِي لَفظَ الجَلَالَةِ اللهَ – أَعظَمُ الأَسمَاءِ التِّسعَةِ وَالتِّسعِينَ، لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الذَّاتِ الجَامِعَةِ لِلصِّفَاتِ الإِلَهِيَّةِ كُلِّهَا حَتَّى لَا يَشُذَّ مِنهَا شَيءٌ، وَلِأَنَّهُ أَخَصُّ الأَسمَاءِ، إِذ لَا يُطلِقُهُ أَحَدٌ عَلَى غَيرِهِ تَعَالَى لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازً)).اهـ
وَمِن خَوَاصِّ لَفظِ الجَلَالَةِ (اللهِ) زِيَادَةُ اليَقِينِ بِتَيسِيرِ المَقَاصِدِ المَحمُودَةِ، وَمَن دَاوَمَهُ كُلَّ يَومٍ أَلفَ مَرَّةٍ بِصِيغَةِ “يَا اللهُ” رَزَقَهُ اللهُ قُوَّةَ اليَقِينِ، وَمَن تَلَاهُ يَومَ الجُمُعَةِ قَبلَ الصَّلَاةِ عَلَى طَهَارَةٍ وَنَظَافَةٍ خَالِيًا سِرًّا مِائَتَي مَرَّةٍ يَسَّرَ اللهُ لَهُ مَطلُوبَهُ، وَإِن تَلَاهُ مَرِيضٌ أَعجَزَ الأَطِبَّاءَ عِلَاجُهُ بَرِأَ مَا لَم يَكُن حَضَرَ أَجَلُهُ.
﴿أَحَدٌ﴾ أَيِ الوَاحِدُ الَّذِي لَا شَبِيهَ لَهُ وَلَا نَظِيرَ وَلَا صَاحِبَةَ وَلَا وَلَدَ وَلَا شَرِيكَ. قَالَ العُلَمَاءُ: الأَحَدُ هُوَ الَّذِي لَا يَقبَلُ الِانقِسَامَ، أَي لَيسَ جِسمًا، لِأَنَّ الجِسمَ هُوَ الَّذِي يَقبَلُ الِانقِسَامَ، فَإِذَا كَانَ اللهُ لَا يَقبَلُ الِانقِسَامَ لَم يَكُن جِسمًا، وَمِن هَذَا المَعنَى كَانَ يَغتَاظُ أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ وَمَن كَانَ يُعَذِّبُ بِلَالَ بنَ رَبَاحٍ مَعَهُ حِينَ يَقُولُ لَهُم: أَحَدٌ أَحَدٌ، أَي أَنَّ أَصنَامَكُم أَجسَامٌ مُتَجَزِّأَةٌ وَرَبِّيَ الَّذِي أَعبُدُهُ لَيسَ جِسمًا.
وَقِيلَ مَعنَى ﴿أَحَدٌ﴾ بِمَعنَى الوَاحِدِ، أَي أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ أَي لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الذَّاتِ وَلَا فِي الصِّفَاتِ وَلَا فِي الأَفعَالِ، كَمَا قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الفِقهِ الأَكبَرِ: ((وَاللهُ وَاحِدٌ لَا مِن طَرِيقِ العَدَدِ وَلَكِن مِن طَرِيقِ أَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ))، وَكَيفَمَا كَانَ فَهُوَ تَنزِيهٌ للهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَن صِفَاتِ المَخلُوقِينَ، وَرَدٌّ لِمَا يَعتَقِدُهُ اليَهُودُ المُشَبِّهَةُ المُجَسِّمَةُ، فَإِنَّهُم يَعتَقِدُونَ أَنَّ اللهَ جِسمٌ قَاعِدٌ فَوقَ العَرشِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.
قَالَ المُنَاوِيُّ فِي فَيضِ القَدِيرِ عَنِ اللهِ تَعَالَى: ((وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ لَا يَقبَلُ الِانقِسَامَ وَالتَّجزِئَةَ، وَاحِدٌ فِي صِفَاتِهِ فَلَا شَبِيهَ لَهُ، وَاحِدٌ فِي أَفعَالِهِ فَلَا شَرِيكَ لَهُ، ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾)).اهـ
وَقَالَ السِّندِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى السُّنَنِ الصُّغرَى: ((وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ لَا يَقبَلُ الِانقِسَامَ وَالتَّجَزُّؤَ، وَوَاحِدٌ فِي صِفَاتِهِ لَا مِثلَ لَهُ وَلَا شَبِيهَ، وَوَاحِدٌ فِي أَفعَالِهِ فَلَا مُعِينَ لَهُ)).اهـ
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (2)﴾ أَيِ السَّيِّدُ المَقصُود فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، وَيُقصَدُ فِي الحَوَائِجِ وَالنَّوَازِلِ عَلَى الدَّوَام، فَهُوَ سُبحَانَهُ الَّذِي يَقصِدُهُ القَاصِدُ، وَيَطلُبُ مِنهُ الطَّالِبُ، وَيَتَوَجَّهُ إِلَيهِ الدَّاعِي بِالدُّعَاءِ، وَلَا يَحتَاجُ ربّنا إِلَى شَيءٍ مِن خَلقِهِ، وَكُلُّ مَخلُوقَاتِهِ مُحتَاجَةٌ إِلَيهِ، لَا يَحتَاجُ إِلَى عَرشٍ وَلَا كُرسِيٍّ وَلَا إِنسٍ وَلَا جِنٍّ وَلَا مَلَائِكَةَ وَلَا أَرضٍ وَلَا سَمَاءٍ، وَهَذَا رَدٌّ عَلَى عَقِيدَةِ أُخرَى مِن عَقَائِدِ اليَهُودِ فَإِنَّهُم يَعتَقِدُونَ أَنَّ اللهَ استَرَاحَ عَلَى العَرشِ فَجَعَلُوهُ مُحتَاجًا لِلعَرشِ لِيَستَرِيحَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.
قال القرطبي: وَقَد غَيَّرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بَعضُ أَهلِ الضَّلَالِ الَّذِينَ أَخزَاهُمُ اللهُ وَأَبعَدَهُم وَجَعَلَ النَّارَ مَقَامَهُم وَمَثوَاهُم، فَأَسقَطَ مِنهَا لَفظَ: ﴿قُل هُوَ﴾، وَغَيَّرَ لَفظَ: ﴿أَحَدٌ﴾، وَزَعَمَ أَنَّهُما لَيسَا مِنَ القُرآنِ، وَقَرَأَ: (اللَّهُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ) بَدَلَ ﴿قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ﴾ فِي الصَّلَاةِ وَالنَّاسُ يَستَمِعُونَ، وَادَّعَى أَنَّ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَالَّذِي عَلَيهِ النَّاسُ هُوَ البَاطِلُ وَالمُحَالُ، فَأَبطَلَ مَعنَى الآيَةِ. لِأَنَّ أَهلَ التَّفسِيرِ قَالُوا: نَزَلَتِ الآيَةُ جَوَابًا لِأَهلِ الشِّركِ لَمَّا قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: صِف لَنَا رَبّكَ، أَمِن ذَهَبٍ هُوَ أَم مِن نُحَاسٍ أَم مِن صُفرٍ؟ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَدًّا عَلَيهِم: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إِلَى تَمَامِ السُّورَةِ، فَتَضَمَّنَت نَفيَ مَا هُوَ مِن خَصَائِصِ آلِهَةِ المُشرِكِينَ عَن رَبِّ العَالَمِينَ، فَإِنَّهُم لَمَّا سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَن رَبِّهِ: مِن أَيِّ شَيءٍ هُوَ؟ أَمِن كَذَا؟ أَم مِن كَذَا؟ أَو: مِمَّن وَرِثَ الدُّنيَا؟ وَلِمَن يُوَرِّثُهَا؟ لِأَنَّهُم كَانُوا قَدِ اعتَادُوا آلِهَةً يَلِدُونَ وَيُولَدُونَ، وَيَرِثُونَ وَيُورَثُونَ، وَآلِهَةً مِن مَوَادَّ مَصنُوعَةً مِنهَا، فَفِي لَفظِ ﴿هُوَ﴾ دَلَالَةٌ عَلَى مَوضِعِ الرَّدِّ وَمَكَانِ الجَوَابِ، فَإِذَا سَقَطَ بَطَلَ مَعنَى الآيَةِ وَصَحَّ الِافتِرَاءُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالتَّكذِيبُ لِرَسُولِهِ ﷺ.اهـ
وَقَالَ القُرطُبِيُّ بَعدَ إِيرَادِ هَذِهِ القِصَّةِ: وَإِسْقَاطُ مَا أَسْقَطَهُ نَفْيٌ لَهُ وَكُفْرٌ، وَمَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَدْ كَفَرَ بِهِ كُلِّهِ وَأَبْطَلَ مَعْنَى الْآيَةِ. قَالَ الرَّازِيُّ: قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الزَّوَالُ كَانَ وَلَا مَكَانَ، وَلَا أَيْنَ وَلَا أَوَانَ، وَلَا عَرْشَ وَلَا كُرْسِيَّ، وَلَا جِنِّيَّ وَلَا إِنْسِيَّ وَهُوَ الْآنَ كَمَا كَانَ.اهـ
وَمِن خَوَاصِّ اسمِ اللهِ (الصَّمَدِ) أَنَّ مَن قَرَأَهُ عِندَ السَّحَرِ مِائَةً وَخَمسَةً وَعِشرِينَ مَرَّةً كُلَّ لَيلَةٍ ظَهَرَ عَلَيهِ آثَارُ الصِّدقِ.
وَقِريبٌ مِن مَعنَى اسمِ اللهِ (الصَّمَدِ) اسمُ اللهِ (القَيُّومُ)، وَمَعنَاهُ الدَّائِمُ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ، وَهُوَ القَائِمُ بِتَدبِيرِ أُمُورِ الخَلَائِقِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [سورة البقرة/ الآية 255]، فَاللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى قَائِمٌ بِنَفسِهِ غَنِيٌّ أَي مُستَغنٍ عَن كُلِّ مَا سِوَاهُ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا،
قَالَ أَبُو حَامِدٍ الأَسفَرَايِينِيُّ: ((مَعنَاهُ أَنَّهُ بِوُجُودِهِ مُستَغنٍ عَن خَالِقٍ يَخلُقُهُ وَعَن مَحَلٍّ يَحُلُّهُ وَعَن مَكَانٍ يُقِلُّهُ)).اهـ
وَقَالَ الإِمَامُ الفَقِيهُ أَبُو مَنصُورٍ البَغدَادِيُّ فِي الفَرقِ بَينَ الفِرَقِ: ((وَأَجمَعُوا عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى غَنِيٌّ عَن خَلقِهِ لَا يَجتَلِبُ بِخَلقِهِ إِلَى نَفسِهِ نَفعًا وَلَا يَدفَعُ بِهِم عَن نَفسِهِ ضَرَرًا)).اهـ
وَقَد وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَن قَالَ أَستَغفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيهِ غَفَرَ اللهُ لَهُ وَإِن كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحفِ» رواه أبو داود والطبراني،
وَروى الحاكم في المستدرك عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «مَا يَمنَعُكِ أَن تَسمَعِي مَا أُوصِيكِ بِهِ، أَن تَقُولِي إِذَا أَصبَحتِ وإِذَا أَمسَيتِ: يَا حَيُّ يا قَيُّومُ بِرَحمَتِكَ أَستَغِيثُ أَصلِح لِي شَأنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلنِي إِلَى نَفسِي طَرفَةَ عَينٍ».
ومِن خَوَاصِّ اسمِ اللهِ “القَيُّومِ” أَنَّ مَن ذَكَرَهُ مُجَرَّدًا ذَهَبَ عَنهُ النَّومُ.
﴿لَم يَلِد وَلَم يُولَد (3)﴾ نَفيٌ لِلمَادِّيَّةِ وَالِانحِلَالِ، فَلَيسَ هُوَ سُبحَانَهُ مَادَّةً لِغَيرِهِ وَلَا أَصلًا أَو أَبًا، وَهُوَ لَيسَ فَرعًا لِغَيرِهِ أَو وَلَدًا، أَي إِنَّهُ سُبحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَن أَن يَنحَلَّ مِنهُ شَيءٌ كَمَا يَنفَصِلُ الوَلَدُ عَن وَالِدِهِ، أَو أَن يَحُلَّ هُوَ فِي شَيءٍ كَمَا يَحُلُّ الوَلَدُ فِي رَحِمِ مَن يَلِدُهُ، وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَم يَلِد كَمَا وَلَدَت مَريَمُ، وَلَم يُولَد كَمَا وُلِدَ عِيسَى وَعُزَيرٌ. وَهُوَ رَدٌّ عَلَى النَّصَارَى وَعَلَى مَن قَالَ: عُزَيرٌ ابنُ اللَّهِ.
وَقَد بَيَّنَ العُلَمَاءُ الفَائِدَةَ فِي تَرتِيبِ هَذِهِ الآيَةِ – أَي: لِمَاذَا قَدَّمَ نَفيَ أَن يَكُونَ وَالِدًا عَن نَفيِ كَونِهِ مَولُودًا مَعَ أَنَّ الإِنسَانَ مَثَلًا يُولَدُ ثُمَّ يَلِدُ – فَقَالُوا: لِأَنَّ الوِلَادَةَ لَم يَدَّعِهَا أَحَدٌ فِي حَقِّهِ سُبحَانَهُ، وَإِنَّمَا ادَّعَوا أَنَّهُ وَلَدَ، وَذَلِكَ أَنَّ مُشرِكِي العَرَبِ قَالُوا: المَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيرٌ ابنُ اللَّهِ، وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابنُ اللَّهِ، وَلَم يَدَّعِ أَحَدٌ أَنَّ لَهُ وَالِدًا، فَقَدَّمَ المُهِمَّ المُحتَاجَ إِلَى نَفيِهِ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الحُجَّةِ فَقَالَ: ﴿وَلَم يُولَد﴾،
فَهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الأُصُولِ الَّتِي تُبَيِّنُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَنبَغِي لَهُ الوَلَدُ، لِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَمَالِكُهُ، وَكُلُّ شَىءٍ فَقِيرٌ إِلَيهِ، خَاضِعٌ ذَلِيلٌ لَدَيهِ، وَجَمِيعُ سُكَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ عَبِيدُهُ، وَهُوَ رَبُّهُم لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 100 – 103] فَبَيَّنَ أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىءٍ، فَكَيفَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَالوَلَدُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَينَ شَيئَينِ مُتَنَاسِبَينِ؟ وَاللهُ تَعَالَى لَا نَظِيرَ لَهُ، وَلَا شَبِيهَ لَهُ، وَلَا عَدِيلَ لَهُ، وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ، فَلَا يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ، تَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَهُنَا يَجدُرُ التَّنبِيهُ عَلَى أَمرٍ مُهِمٍّ وَهُوَ أَنَّ البَعضَ يَروِي حَدِيثًا عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ قَولُهُم: «الخَلقُ كُلُّهُم عِيَالُ اللهِ وَأَحَبُّهُم إِلَى اللَّهِ أَنفَعُهُم لِعِيَالِهِ»، فَهَذَا الحَدِيثُ شَدِيدُ الضَّعفِ لَيسَ صَحِيحًا وَفِي أَسَانِيدِهِ رَاوِيَانِ مَترُوكَانِ فَلَا يَنبَغِى أَن يُروَى، قَالَ الحَافِظُ نُورُ الدِّينِ فِي مَجمَعِ الزَّوَائِدِ: رَوَاهُ أَبُو يَعلَى وَالبَزَّارُ، وَفِيهِ يُوسُفُ بنُ عَطِيَّةَ الصَّفَّارُ وَهُوَ مَترُوكٌ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ وَالأَوسَطِ وَفِيهِ مُوسَى بنُ عُمَيرٍ وَهُوَ أَبُو هَارُونَ القُرَشِىُّ مَترُوكٌ.اﻫ
ثُمَّ العِيَالُ فِي اللُّغَةِ مَعنَاهُ النَّاسُ الَّذِينَ يُنفِقُ عَلَيهِمُ الشَّخصُ وَلَو كَانُوا أَعمَامَهُ أَو أَخوَالَهُ، وَلَيسَ مَعنَاهُ الأَولادَ فَقَط، فَلَو صَحَّ هَذَا الحَدِيثُ لَكَانَ مَعنَاهُ أَنَّ الخَلقَ كُلَّهُم فُقَرَاءُ إِلَى اللهِ، كَمَا ذَكَرَ المُنَاوِيُّ فِي شَرحِ الجَامِعِ الصَّغِيرِ.اهـ فَلَيسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَن أَرَادَ أَن يَنسُبَ الوَلَدَ لِلخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ.اهـ
لِذَلِكَ عَدَّ العُلَمَاءُ أَنَّ مِنَ أنواع الردةِ: الردة القَولِيَّة وَتكُونُ بِاللِّسَانِ، كَمَن يَشتِمُ اللهَ تَعَالَى بِقَولِهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ مِنَ الكُفرِ: أُختَ رَبِّكَ، أَوِ ابنَ اللَّهِ، يَقَعُ الكُفرُ هُنَا وَلَو لَم يَعتَقِد أَنَّ لِلَّهِ أُختًا أَوِ ابنًا، لِأَنَّهُ كَذَّبَ القرءان، وَكَذَا لَو زَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَولِهِ ابنَ اللَّهِ المَحبُوبَ عِندَ اللَّهِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُنجِيهِ مِنَ الكُفرِ وَلَو قَصَدَ الحُنُوَّةَ فَهُوَ ردّة، وَهُوَ غَيرُ سَائِغٍ شَرعًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُشَبَّهُ بِالأَبِ وَلَا يُشَبَّهُ بِالمَخلُوقَاتِ، وَثَبَتَ فِي الحَدِيثِ القُدسِيِّ أَنَّ نِسبَةَ الوَلَدِ إِلَى اللَّهِ شَتمٌ لِلَّهِ فَكَيفَ يَكُونُ بَعدَ هَذَا سَائِغًا أَو مَقبُولًا.
﴿وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)﴾ أَي أَنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا شَبِيهَ بِوَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وَهَذَا فِيهِ تَأكِيدٌ لِلمَعَانِي الَّتِي مَرَّت، فَاللهُ أَحَدٌ أَي لَيسَ جِسمًا وَلَا يُشبِهُ الأَجسَامَ، وَاحِدٌ لَا يُشبِهُهُ شَيءٌ فِي الذَّاتِ وَلَا فِي الصِّفَاتِ وَلَا فِي الأَفعَالِ، وَهُوَ صَمَدٌ لَا يَحتَاجُ إِلَى غَيرِهِ كَمَا تَتَّصِفُ كُلُّ المَخلُوقَاتِ بِالِاحتِيَاجِ، وَلَم يَلِد وَلَم يُولَد كَمَا تَتَّصِفُ المَخلُوقَاتُ بِهِ وَبِالمَادِّيَّةِ وَالِانحِلَالِ وَالتَّجَزُّؤِ وَالأَصلِيَّةِ وَالفَرعِيَّةِ، فَخَتَمَ ذَلِكَ بِقَاعِدَةٍ عَامَّةٍ تَنفِي عَنِ اللهِ سُبحَانَهُ هَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِهِ وَغَيرَهَا مِمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.
فَرَسَّخَت هَذِهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ أَمرًا هُوَ مِن أَهَمِّ الثَّوَابِتِ الَّتِي تُبنَى عَلَيهَا العَقِيدَةُ الإِسلَامِيَّةُ مِن أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقِ وَأَنَّ الإِلَهَ الحَقَّ لَا يُشبِهُ مَخلُوقَاتِهِ بِوَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ وَأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا وَلَدَ وَلَا زَوجَةَ،
فَقَولُهُ: ﴿أَحَدٌ﴾ يُبطِلُ مَذهَبَ الثَّنَوِيَّةِ القَائِلِينَ بِالنُّورِ وَالظُّلمَةِ وَالنَّصَارَى فِي التَّثلِيثِ وَالصَّابِئِينَ فِي الأَفلَاكِ وَالنُّجُومِ،
وَالآيَةُ الثَّانِيَةُ تُبطِلُ مَذهَبَ مَن أَثبَتَ خَالِقًا سِوَى اللَّهِ، لِأَنَّهُ لَو وُجِدَ خَالِقٌ آخر لما كَانَ الحَقُّ مَصمُودًا إِلَيهِ فِي طَلَبِ جَمِيعِ الحَاجَاتِ،
وَالثَّالِثَةُ تُبطِلُ مَذهَبَ اليَهُودِ فِي عُزَيرٍ وَالنَّصَارَى فِي المَسِيحِ وَالمُشرِكِينَ فِي أَنَّ المَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ،
وَالآيَةُ الرَّابِعَةُ تُبطِلُ مَذهَبَ المُشرِكِينَ حَيثُ جَعَلُوا الأَصنَامَ أَكفَاءً لَهُ وَشُرَكَاءً وَتُبطِلُ مَذهَبَ المُشَبِّهَةِ وَالمُجَسِّمَةِ وَالحُلُولِيَّةِ وَالِاتِّحَادِيَّةِ وَغَيرِهِم مِمَّن يُشَبِّهُ اللهَ تَعَالَى بِخَلقِهِ.
فَتَضَمَّنَت هَذِهِ السُّورَةُ العَظِيمَةُ نَفيَ شَيئَينِ عَنِ اللهِ تَعَالَى:
أَحَدُهُمَا: المُمَاثَلَةُ، وَدَلَّ عَلَى نَفيِهَا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ مَعَ دِلَالَةِ قَولِهِ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَحَدِيَّتَهُ تَقتَضِي أَنَّهُ مُتَفَرِّدٌ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ فَلَا يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ.
وَالشَّيءُ الثَّانِي الَّذِي تَنفِيهِ السُّورَةُ: النَّقَائِصُ وَالعُيُوبُ، وَقَد نَفَى مِنهَا الجِسمِيَّةَ وَالِاحتِيَاجَ وَالتَّوَلُّدَ وَالوِلَادَةَ وَمُشَابَهَةَ المَخلُوقِينَ وَغَيرَ ذَلِكَ. وَتَضَمَّنَت إِثبَاتَ جَمِيعِ صِفَاتِ الكَمَالِ بِإِثبَاتِ الأَحَدِيَّةِ، فَإِنَّ الأَحَدِيَّةَ تَقتَضِي انفِرَادَهُ بِصِفَاتِهِ، وَامتِيَازَهُ عَن خَلقِهِ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ.
وَالصَّمَدِيَّةَ تَقتَضِي إِثبَاتَ جَمِيعِ صِفَاتِ الكَمَالِ المُنَافِيَةِ لِلنَّقَائِصِ، فَإِنَّ السَّيِّدَ الَّذِي يُصمَدُ إِلَيهِ لَا يَكُونُ إِلَّا مُتَّصِفًا بِجَمِيعِ صِفَاتِ الكَمَالِ الَّتِي استَحَقَّ لِأَجلِهَا أَن يَكُونَ صَمَدًا. وَتَضَمَّنَت هَذِهِ السُّورَةُ تَنزِيهَهُ وَتَقدِيسَهُ عَنِ الأُصُولِ وَالفُرُوعِ وَالنُّظَرَاءِ وَالأَمثَالِ.
وَقَد وَرَدَ مِن شِعرِ أُمَيَّةَ بنِ أَبِي الصَّلتِ فِي هَذِهِ المَعَانِي قَولُهُ:
| وَسُبحَانَ رَبِّي خَالِقِ النُّورِ لَم يَـلِدِ | وَلَم يَكُ مُولُودًا بِذَلِكَ أَشــــــــــــهَدُ | |
| وَسُبحَانَهُ مِن كُــــــلِّ إِفكٍ وَبَاطِلٍ | وَكَيفَ يَلِدُ ذُو العَرشِ أَم كَيفَ يُولَدُ | |
| هُوَ اللَّهُ بَارِئُ الخَلقِ وَالخَلقُ كُلُّهُم | إِمَـــاءٌ لَـــــــهُ طَوعًا جَمِيعًا وَأَعبُدُ | |
| هُوَ الصَّمَــــدُ اللهُ الَّذِي لَم يَكُن لَهُ | مِنَ الخَلقِ كُفـــوٌ قَد يُضَاهِيهِ مُخَلَّدُ | |
| وَأَنَّى يَكُونُ الخَلقُ كَالخَالِقِ الَّـذِي | يَـــــــــــــدُومُ وَيَبقَى وَالخَلِيقَةُ تَنفُدُ |
وَمِمَّا قِيلَ فِي مَعَانِي التَّوحِيدِ قَولُ الشَّاعِرِ:
| رَبُّنَـــــــا اللهُ الأَحَدْ | لَيــــــــــسَ كَاللهِ أَحَدْ | |
| أَزَلِــــــــيٌّ مَا ابتَدَا | لَيــــــــسَ يَفنَى لِلأَبَدْ | |
| قُــــــل إِلَهِي وَاحِدٌ | لَيـــسَ مِن بَابِ العَدَدْ | |
| إِنَّمَــــــــا فِي مُلكِهِ | لَـــــــــم يُشَارِكهُ أَحَدْ | |
| لَيـــــسَ حَجمًا أَبَدًا | ذَاكَ قَـــــــولٌ قَد فَسَدْ | |
| ضَــــلَّ قَومٌ عِندَمَا | وَصَفُــــــــوهُ بِالجَسَدْ | |
| مَعنَـــــــــوِيٌّ قُربُهُ | إِنَّمَــــــا البَاغِي ابتَعَدْ | |
| أَيَّــــــنَ الأَينَ، بَلَى | رَبُّنَــــــــا اللهُ الصَّمَدْ | |
| لَا تَقُــــــــل أَينَ لَهُ | لَا، وَلَا الكَيـــفُ وَرَدْ | |
| إِنَّمَـــــــا الكَيفُ لَنَا | فِي الصَّحِيحِ المُعتَمَـدْ | |
| لَــــم يَكُن فِي جِهَةٍ | لَا، وَلَا السُّكنَى قَصَدْ | |
| لَيسَ تَحوِيهِ السَّمَــا | لَا، وَلَا عَــرشٌ وَحَدّ | |
| وَاستَــوَى فِي حَقِّهِ | لَيـــــــسَ مَعنَاهَا قَعَدْ | |
| لَيـــسَ مِن جَارِحَةٍ | إِن تَقُـــــــل عَينٌ وَيَدْ | |
| لَا تَقُل حَـــــــلَّ بِنَا | لَا، وَلَا فِينَــــــا اتَّحَدْ | |
| لَيسَ مَولُودًا وَلَــــم | يَتَّخِــــــــذ رَبِّي الوَلَدْ | |
| لَيسَ يُـــدرَى كُنهُهُ | وَلَــــــــوِ العَبدُ اجتَهَدْ | |
| ضَــــــلَّ مَن شَبَّهَهُ | بِالبَرَايَا، وَجَـــــــــحَدْ | |
| هُوَ فَردٌ وَاحِـــــــدٌ | وَهُوَ الحَــــــقُّ الأَحَدْ | |
| خَسِــــــرَ العَبدُ إِذَا | عُقــــــــدَةَ الزَّيغِ عَقَدْ | |
| وَلِرَبِّي كَلِــــــــــــمٌ | لَيـــسَ بِالحَرفِ انعَقَدْ | |
| لَا، وَلَا صَــوتَ لَهُ | أَو لُغَــــــــاتٍ أَو أَمَدْ | |
| فَاتَّــــقِ الرَّحمَنَ يَا | مَن عَلَى الذَّنبِ استَنَدْ | |
| إِنَّ تَقـــــــوَى رَبِّنَا | لَيـــــــسَ عَنهَا مُلتَحَدْ | |
| صَــلِّ يَا رَبِّ عَلَى | أَحمَــــــدٍ عَالِي العَمَدْ | |
| مَا سَمَا الشَّوقُ بِنَـا | وَسَبَـــا الشَّادِي الغَرَدْ | |
| صَــلِّ يَا رَبِّ عَلَى | أَحمَـــــــــدٍ نِعمَ السَّنَدْ | |
| مَا تَوَالَى مِن حِمَاهُ | فَيــــضُ أَسرَارِ المَدَدْ |
والله تعالى أعلم وأحكم