خطبة الجمعة | فضل المداومة على ذكر الله تعالى

الحمدُ للهِ الذي أنزلَ على عبدِه الكتابَ ولم يجعلْ له عِوَجًا، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له لم يتخذْ صاحبةً ولا ولدًا، ولم يكنْ له شريكٌ في الملكِ ولم يكنْ له وليٌّ منَ الذُّلِّ وكبِّرْهُ تكبيرًا، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، مَنْ بعثَهُ ربُّهُ بشيرًا ونذيرًا، اللهم صلِّ وسلِّمْ وأنعِمْ وأكرِمْ على نبيِّك ورسولِك محمدٍ ﷺ وعلى آلِه وصحبِه، أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإنِّي أوصيكُم ونفسيَ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ القائلِ في كتابِه الكريمِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

إخوةَ الإيمانِ، نحنُ في أيامٍ مباركةٍ عظيمةٍ هي أيامُ التشريقِ، أيامٌ أمرَنا اللهُ تعالى فيها بالمداومةِ على ذكرِه سبحانَه، إذ قالَ تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾، وأمرَ حُجَّاجَ بيتِه الحرامِ بعدَ انتهائِهم من أداءِ مناسكِهم أنْ يُديموا ذكرَ اللهِ حتى ينالوا ثمرةَ عبادتِهم، فقالَ تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. وقد اجتمعَ للمؤمنينَ في هذه الأيامِ المباركةِ نعمتانِ عظيمتانِ: أمَّا الأولى فإنَّ أيامَ التشريقِ أيامُ أكلٍ وشربٍ يحرمُ الصيامُ فيها، وهي أيامُ فرحٍ وسرورٍ وتوسعةٍ على الأهلِ والعيالِ. وأمَّا الثانيةُ فبالإقبالِ على ذكرِ اللهِ تعالى الذي يُحيي القلوبَ ويُزيلُ الهمومَ ويرفعُ الكرباتِ.

عبادَ اللهِ، إنَّ ذكرَ اللهِ من أعظمِ العباداتِ التي يقومُ بها المسلمُ ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ، وهي عبادةٌ سهلةٌ يسيرةٌ، فالكبيرُ والصغيرُ والمسافرُ والمقيمُ والمريضُ والمعافى يقدرُ كلُّهم على ذكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وقد وصفَ اللهُ المؤمنينَ بقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، وأمرَنا سبحانَه بالإكثارِ من ذكرِه في ليلِنا ونهارِنا فقالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. وقد حثَّ النبيُّ ﷺ على الإكثارِ من ذكرِ اللهِ، فرَوى ابنُ حبَّانَ أنَّه ﷺ سُئِلَ: أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى اللهِ؟ قالَ: «أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»، أي إنَّ ذكرَ اللهِ مِن أفضل الأعمال.

ومِنْ أفضلِ الذكرِ عبادَ اللهِ الباقياتُ الصالحاتُ، وهي ما أخبرَ عنها النبيُّ ﷺ فيما رواهُ الطبرانيُّ: «قُولُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ»، وقد أثنى اللهُ على هذه الكلماتِ في كتابِه العزيزِ فقالَ تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. فأمَّا معنى (سبحانَ اللهِ) فهو الاعترافُ بعظمةِ اللهِ تعالى ومعناه تنزيهُه سبحانَه عن كلِّ شريكٍ أو نظيرٍ أو مشابهةٍ لأحدٍ من خلقِه، ووصفُه بجميعِ صفاتِ الكمالِ اللائقة به وتقديسُه عن كلِّ صفةِ نقصٍ أو احتياجٍ، فاللهُ تعالى غنيٌّ عن العالمينَ ليسَ كمثلِه شيءٌ وهو السميعُ البصيرُ. وأمَّا (الحمدُ لله) فهو الثناءُ الجميلُ على اللهِ تعالى بما هو أهلُه. وأمَّا (لا إلهَ إلا اللهُ) فهي كلمةُ التوحيدِ التي بها يَحصُلُ للإنسانِ الأمانُ. وأمَّا (اللهُ أكبرُ) فمعناها أنَّ اللهَ تعالى أعظمُ من كلِّ شيءٍ قدرًا.

إخوةَ الإيمانِ، ومن ثمراتِ الذكرِ أنَّه يُدخلُ الطمأنينةَ والسكينةَ في قلبِ المؤمنِ، فيأنسُ بذكرِ ربِّه ويمتلئُ قلبُه نورًا وتندفعُ عنه وساوسُ الشيطانِ وينشرحُ صدرُه، فقد قالَ سبحانَه في الحديثِ القدسيِّ الذي رواهُ الشيخانِ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي»، أي بالحفظِ والتوفيقِ والإعانةِ.

عِبَادَ اللهِ قَدْ عَلِمنَا فَضلَ ذِكرِ اللهِ فِي لَيلِنَا وَنَهَارِنَا، وَلَكِنْ لِيُعلَمْ أَنَّهُ قَدْ تَأتِي كَلِمَةُ ذِكرِ اللهِ فِي القُرآنِ وَالحَدِيثِ أَحيَانًا عَلَى مَعنًى غَيرِ الذِّكرِ اللِّسَانِيِّ، فيأتي علَى معنَى الصلاةِ وذلكَ مِثلُ مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ وَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ»، قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «ذِكْرُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ». وَالْمُرَادُ بِذِكْرِ اللهِ هُنَا الصَّلَاةُ. وكَذَلِكَ قولُه تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، فَذِكرُ اللهِ هُنَا الْمُرَادُ بِهِ الصَّلَاةُ أَيضًا.

وقد كانَ الصحابةُ نموذجًا في الإكثارِ من ذكرِ اللهِ. روى مسلمٌ عن ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما أنَّه لمَّا سمعَ قولَ رسولِ اللهِ ﷺ في رجلٍ قالَ: اللهُ أكبرُ كبيرًا، والحمدُ للهِ كثيرًا، وسبحانَ اللهِ بكرةً وأصيلًا، فقالَ النبيُّ ﷺ: «عَجِبْتُ لَهَا، فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ»، قالَ ابنُ عمرَ: فما تركتُهنَّ منذُ سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ ذلك.

فداوِموا عبادَ اللهِ على ذكرِ اللهِ تعالى في هذه الأيامِ المباركةِ وفي كلِّ أوقاتِكم، وأكثِروا من التكبيرِ والتهليلِ في هذه الأيامِ التي يستحبُّ فيها التكبيرُ والإكثارُ من ذكر الله، نسألُ اللهَ تعالى أن يجعلَنا من الذينَ يُكثرونَ من ذكرِه ليلًا ونهارًا، ومنَ الذينَ يلتزمونَ أوامرَه فيسلكونَ طريقَ التقوى حتى نكونَ في الآخرةِ منَ الناجينَ الفائزينَ السعداءِ.

أقولُ قوليَ هذا وأستغفرُ اللهَ لي ولكم فيا فوزَ المستغفرين.

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَىْ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ سَيِّدِ الْبَشَرِ، عِبَادَ اللهِ اتَّقُوْا اللهَ وَأَطِيْعُوْهُ. أَمَّا بَعدُ عباد الله: أذكركم أن اللهَ تعالَى شرعَ لنا الأضحيةَ في هذه الأيامِ المباركةِ، ووقتها ما زال قائما فإنه يمتدُّ وقتُ ذبحِها حتى غروبِ الشمسِ في اليومِ الثالثِ من أيامِ التشريقِ، وهي من شعائرِ الإسلامِ العظيمةِ التي أمرَنا اللهُ تعالى بذكرِه عندَ ذبحِها، وفيها إقامةُ شكرِ اللهِ والاعترافُ بفضلِه وكرمِه علينا.

وَاعْلَمُوا عبادَ اللهِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سُورَةُ الأَحْزَاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

اللَّهُمَّ إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعَاءَنَا، فَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ. اللهم اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا وَاكْفِنَا مَا أَهَمَّنَا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ. اللهم احْفَظْ بِلَادَنَا وَرِجَالَهَا وَنِسَاءَهَا وَأَطفَالَهَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللهم فرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقصَى يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللهم اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ. اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البِلَادِ لِمَا فِيهِ خَيرُ البِلَادِ وَالعِبَادِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. عِبَادَ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. اذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يُثِبْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ يَزِدْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ، وَاتَّقُوهُ يَجْعَلْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مَخْرَجًا. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

حج التمتع

حج التمتع

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share