بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
مقدمة
جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِلحَجِّ وَالعُمرَةِ أَحكَامًا وَآدَابًا مَخصُوصَةً، وَمِن أَعظَمِهَا الإِحرَامُ؛ إِذ يَدخُلُ المُسلِمُ فِيهِ فِي عِبَادَةٍ عَظِيمَةٍ لَهَا حُرمَةٌُ خَاصَّةٌ، فَيَلتَزِمُ بِأَعمَالٍ وَيَتَجَنَّبُ أُمُورًا حَرَّمَهَا الشَّرعُ عَلَيهِ مُدَّةَ إِحرَامِهِ. وَقَدِ اعتَنَى الفُقَهَاءُ بِبَيَانِ هَذِهِ المَحظُورَاتِ تَفصِيلًا؛ حَتَّى يُؤَدِّيَ المُسلِمُ نُسُكَهُ عَلى الوَجهِ الصَّحِيحِ الَّذِي يُرضِي اللهَ تَعَالَى.
وَفِي هَذَا المَقَالِ نُبَيِّنُ مُحَرَّمَاتِ الإِحرَامِ وَأَحكَامَهَا بِأُسلُوبٍ مُختَصَرٍ وَاضِحٍ، وَأَمَّا مَا يَتَرَتَّبُ عَلى فِعلِهَا فَنَذكُرُهَا فِي مَقَالَةِ: “الفِديَةِ فِي مَحظُورَاتِ الإِحرَامِ وَأَحكَامِهَا فِي مَذهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ”.
ما المقصود بمحرمات الإحرام؟
مُحَرَّمَاتُ الإِحرَامِ هِيَ الأُمُورُ الَّتِي يُمنَعُ مِنهَا المُسلِمُ بِسَبَبِ دُخُولِهِ فِي نُسُكِ الحَجِّ أَوِ العُمرَةِ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوِ امرَأَةً، وَيَأثَمُ بِفِعلِهَا إِن تَعَمَّدَ ذَلِكَ مَعَ العِلمِ بِالحُكمِ، وَبَعضُهَا يُوجِبُ الفِديَةَ، وَكُلُّهَا مِنَ الصَّغَائِرِ إِلَّا الْجِمَاعُ الْمُفْسِدُ لِلْحَجِّ وَقَتْلُ الصَّيْدِ فَهُمَا مِنَ الْكَبَائِرِ، وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ هَذِهِ الأَشْيَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ لِحِكَمٍ بَعْضُهَا مَعْلُومٌ لَنَا وَبَعْضُهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا، وَهِيَ:
لبس المخيط للرجل
يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ الْمُحْرِمِ:
- لُبْسُ مُحِيطٍ بِمَخِيطٍ أَيْ مَا يُحِيطُ بِالْبَدَنِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، كَقَمِيصٍ وَقَبَاءٍ -وَهُوَ نَوعٌ مِنَ الثِّيَابِ- وَخُفٍّ.
- وَلُبسُ المَنسُوجِ، أَي المَعقُودِ أَي المُلزَقِ بَعضُهُ بِبَعضٍ كَلِبدٍ – وَهُوَ نَوعٌ مِنَ الثِّيَابِ مِنْ شَعَرٍ أَوْ صُوفٍ-.
وَذَلِكَ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَمَّا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ فَقَالَ «لا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلا الْعَمَائِمَ وَلا السَّرَاوِيلاتِ (أي السِّروَالَ) وَلا الْبَرَانِسَ (وَهِيَ قَلَنْسُوَةٌ طَوِيلَةٌ) وَلا الْخِفَافَ (وهي جَمعُ خُفٍّ) إِلَّا أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ (أَي يَقطَعُ مِنَ الأَصَابِعِ وَالكَعبِ)، وَلا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلا الْوَرْسُ (الْوَرْسُ نَبْتٌ أَصْفَرُ يُزْرَعُ بِالْيَمَنِ وَيُصْبَغُ بِهِ)».
ما حكم من يحتاج أن يلبس المحيط لبرد مثلا؟
مَنِ احْتَاجَ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحِيطَ أَيْ مَا يُحِيطُ بِبَدَنِهِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ وَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ، وَالْحَاجَةُ تَكُونُ بِسَبَبِ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ مَرِيضًا، فَاحْتَاجَ لِلُبْسِ الْمُحِيطِ يَجُوزُ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحِيطَ ثُمَّ يَفْدِي.
ما حكم من نسي أنه محرم فلبس السروال؟
مَن نَسِيَ أَنَّهُ مُحْرِمٌ فَلَبِسَ السِّرْوَالَ فَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ
ما حكم أن يعقد الإزار وأن يربط خيطا عليه، وأن يشد منطقة (وهي التي يُشَدُّ بها الوسطُ)؟
يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الْمُحْرِمِ أَنْ يَعْقِدَ إِزَارَهُ بِأَنْ يَرْبِطَ كُلًّا مِنْ طَرَفَيْهِ بِالآخَرِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْبِطَ خَيْطًا عَلَى إِزَارِهِ وَأَنْ يَعْقِدَ هَذَا الْخَيْطَ عَلَى الإِزَارِ، وَأَنْ يَشُدَّ مِنْطَقَةً عَلَى وَسَطِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَيْهَا لِأَنَّهَا تُفِيدُهُ تَثْبِيتَ الإِزَارِ.
وَلَا يَعقِدُ الرِّدَاءَ عَلَيهِ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إِليهِ وَلَهُ أَن يَغرِزَ طَرَفَيهِ فِي إِزَارِهِ.
ما حكم لبس الساعة والخاتم والنظارة والحزام؟
يَجُوزُ أَيْضًا لُبْسُ الْخَاتَمِ وَالسَّاعَةِ وَالنَّظَّارَةِ وَالْحِزَامِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الْوَسَطُ وَلَوْ كَانَ فِيهِ خِيَاطَةٌ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِلْدٍ أَوْ قِمَاشٍ، كَهَذَا الَّذِي تُحْفَظُ فِيهِ النُّقُودُ وَنَحْوِهَا.
ما حكم حمل كيس للنعل؟
يَجُوزُ عَمَلُ كِيسٍ لِلنَّعْلِ يَحْمِلُهُ الْمُحْرِمُ مَعَ عِلاقَةٍ.
ما حكم استعمال الأزرار والدبوس الإفرنجي في الرداء؟
اسْتِعْمَالُ مَا عُرِفَ بِالدَّبُّوسِ الإِفْرَنْجِيِّ فِي الرِّدَاءِ أَوْ لِرَبْطِ الإِزَارِ لِلرَّجُلِ الْمُحْرِمِ وَاسْتِعْمَالُ مَا يُسَمَّى أَزْرَارَ الْكَبْسُونِ فَحَرَامٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الإِملَاءِ: “وَإِنْ زَرَّهُ أَو خَاطَهُ أَو شَوَّكَهُ لَم يَجُزْ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالمَخِيطِ”، قَولُهُ: أَو شَوَّكَهُ، أَي يَجعَلُ عَلَيهِ الشَّوكَ وَالمُرَادُ جَمعُ أَطرَافِهِ عَلَيهِ بِالشَّوكِ بِحَيثُ يَثبُتُ عَلى بَدَنِهِ بِنَفسِهِ.
أَمَا المَرأَةُ فَلَهَا أَن تَلبَسَ المَخِيطَ، لَكِن تُمنَعُ مِن لُبسِ القُفَّازَينِ وَتَغطِيَةِ الوَجهِ وَنَأتِي عَلى بَيَانِهِ.
ستر الرأس للرجل
يَحرُمُ عَلَى الرَّجُلِ إِنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا بِحُرْمَتِهِ مُخْتَارًا تَغطِيَةُ رَأسِهِ وَلَو بَعضِهِ بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا عُرفًا كَالعِمَامَةِ وَالقَلَنسُوَةِ وَنَحوِهَا، أَمَا إِن وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ وَلَا يَقصِدُ بِهَا السَّترَ فَلَا يَحرُمُ، أَمَّا إِن قَصَدَ سَتْرَ رَأْسِهِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَحَرَامٌ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمُعْتَمَدُ جَوَازُهُ، وَكَذَلِكَ لا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ يَتَوَسَّدَ نَحْوَ عِمَامَةٍ يَضَعُهَا تَحْتَ رَأْسِهِ.
وَلا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَضَعَ الْمِنْشَفَةَ عَلَى رَأْسِهِ لِتَنْشِيفِهِ بِحَيْثُ يُعَدُّ سَاتِرًا لِرَأْسِهِ، أَمَّا إِنْ نَشَّفَ رَأْسَهُ بِطَرَفِ الْمِنْشَفَةِ بِحَيْثُ لا يُعَدُّ سَتْرًا فَيَجُوزُ. وَلَوْ وَضَعَ حَقِيبَةً عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَإِنْ قَصَدَ سَتْرَهُ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَإِنْ قَصَدَ الْحَمْلَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِدْيَة. وَلا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ عِنْدَ النَّوْمِ بِنَحْوِ بَطَّانِيَّةٍ. وَيَجُوزُ الاستِظلَالُ بِالمِظَلَّةِ أَو سَقفِ السَّيَارِةِ وَالخَيمَةِ وَنَحوِ ذَلَكَ.
ستر الوجه للمرأة المحرمة
أَمَا المَرأَةُ فَيَحرُمُ عَلَيهَا تَغطِيَةُ وَجهِهَا تَغطِيَةً مُبَاشِرَةً، وَيَجِبُ عَلَيهَا أَن تَستُرَ مِن وَجهِهَا مَا لَا يَتَأَتَّى سَترُ جَمِيعِ الرَّأسِ إِلَّا بِهِ، وَيَجِبُ سَترُ بَقِيِّةِ البَدَنِ وَلَو بِمُحِيطٍ، وَيَجُوزُ لَهَا إِرخَاءُ سَاتِرٍ عَلَى وَجهِهَا إِذَا كَانَ مُتَجَافِيًا عَنهُ بِخَشَبَةٍ أَو نَحوِهَا.
جَاءَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «إِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، الْمَعْنَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ سَتْرُ رَأْسِهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا بِالإِحْرَامِ سَتْرُ وَجْهِهَا، وَكَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا لُبْسُ قُفَّازٍ.
وَلَا يَحْرُمُ أَنْ تَسْتُرَ وَجْهَهَا فِي حَالِ الإِحْرَامِ بِثَوْبٍ مُتَجَافٍ عَنِ الْوَجْهِ، كما ذَكَرنَا، بِنَحْوِ خَشَبَةٍ، أَيْ بِحَيْثُ يَمْنَعُ لُصُوقَ السَّاتِرِ بِالْوَجْهِ، وَلَوْ بِلا حَاجَةٍ، كَمَا يَجُوزُ سَتْرُ رَأْسِ الرَّجُلِ بِالْمِظَلَّةِ، فَإِنْ سَدَلَتْ عَلَى وَجْهِهَا ثَوْبًا مُتَجَافِيًا عَنِ الْوَجْهِ ثُمَّ وَقَعَ السِّتْرُ عَلَى الْوَجْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا فَإِنْ رَفَعَتْهُ فَوْرًا فَلا شَيءَ عَلَيْهَا، أَوْ عَمْدًا أَوْ تَرَكَتْهُ مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ، فَقَدْ أَثِمَتْ وَلَزِمَتْهَا الْفِدْيَةُ، إِنْ كَانَتْ جَاهِلَةً بِحُرْمَةِ سَتْرِ الْوَجْهِ وَسَتَرَتْ لَيْسَ عَلَيْهَا مَعْصِيَةٌ وَلا فِدْيَةٌ. كَانَتْ أَزْوَاجُ الرَّسُولِ ﷺ فِي سَفَرِ الْحَجِّ إِذَا حَاذَيْنَ الرَّكْبَ، أَيِ الرِّجَالَ، يَسْتُرْنَ وُجُوهَهُنَّ مَعَ الْمُجَافَاةِ أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْصَقَ هَذَا السَّاتِرُ بِالْوَجْهِ، لِأَنَّ سَتْرَ الْوَجْهِ بِالنِّسْبَةِ لَهُنَّ فَرْضٌ عَلَى الدَّوَامِ بِحَضْرَةِ الأَجَانِبِ، أَمَّا عَلَى غَيْرِهِنَّ فَلَيْسَ فَرْضًا إِنَّمَا الْفَرْضُ سَتْرُ الرَّأْسِ.
وَلا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ وَضْعُ مَا يُسَمُّونَهُ بِالْكَمَّامَةِ الَّتِي تُغَطِّي الأَنْفَ وَالْفَمَ، أَمَّا الرَّجُلُ فَيَجُوزُ لَهُ، وَلا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمَةِ أَنْ تَضَعَ يَدَهَا عَلَى وَجْهِهَا وَلَكِنْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا أَنْ تُغَطِّيَ وَجْهَهَا بِالْمِنْشَفَةِ أَوْ بِالْبَطَّانِيَّةِ عِنْدَ النَّوْمِ مَثَلًا، وَأَمَّا إِنْ نَشَّفَتْ وَجْهَهَا بِطَرَفِ الْمِنْشَفَةِ بِحَيْثُ لا يُعَدُّ سَتْرًا فَيَجُوزُ، وَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَضَعَ كَفَّيْهَا عَلَى وَجْهِهَا فِي الْوُضُوءِ، وَلا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَلُفَّ خِرْقَةً عَرِيضَةً عَلَى جَبْهَتِهَا أَمَّا الْخَيْطُ الدَّقِيقُ فَيَجُوزُ.
وَلَوْ سَتَرَتِ الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا أَثْنَاءَ لُبْسِهَا لِقَمِيصِهَا بِقَمِيصِهَا فَإِنْ كَانَ حَصَلَ بِإِرَادَتِهَا فَعَلَيْهَا فِدْيَةٌ، أَمَّا إِنْ كَانَ بِدُونِ إِرَادَتِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهَا فِدْيَةٌ، فَإِذَا أَرَادَتْ لُبْسَهُ فَلْتَضَعْهُ وَهِيَ تُمْسِكُ أَطْرَافَهُ مُجَافِيَةً عَنِ الْوَجْهِ حَتَّى يَتَجَاوَزَ وَجْهَهَا بِلا سَتْرٍ لَهُ.
ما حكم امرأة جاهلة بحكم حرمة ستر الوجه؟
مَنْ كَانَتْ جَاهِلَةً بِحُرْمَةِ سَتْرِ الْوَجْهِ وَسَتَرَتْ فَلَيْسَ عَلَيْهَا مَعْصِيَةٌ وَلا فِدْيَةٌ.
لبس القفاز للمرأة المحرمة
مِمَّا يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ لُبْسُ قُفَّازٍ وَلَوْ فِي كَفٍّ وَاحِدَةٍ، وَالْقُفَّازُ شَيءٌ يُعْمَلُ لِلْكَفِّ وَالأَصَابِعِ يُحْشَى بِقُطْنٍ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ أَزْرَارٌ تُزَرُّ عَلَى السَّاعِدِ مِنْ أَجْلِ الْبَرْدِ، وَلا يَحْرُمُ عَلَيْهَا سَتْرُ الْكَفِّ بِغَيْرِ الْقُفَّازِ كَكُمِّهَا وَخِرْقَةٍ وَلَوْ عَقَدَتْهَا عَلَيْهِ، وَلا يَحْرُمُ عَلَيْهَا وَضْعُ يَدِهَا فِي جَيْبِهَا لِتُخْرِجَ الْمَالَ مَثَلًا.
إزالة الشعر
يَحرُمُ عَلَى المُحرِمِ وَكَذَا المُحرِمَةِ إِزَالَةُ الشَّعَرِ مِنَ الرَّأسِ أَوِ البَدَنِ بِالحَلقِ أَو النَّتفِ أَو غَيرِهِمَا، سَوَاءٌ كَان شَعرَ رَأسٍ أَو لِحيَةٍ أَو غَيرِهِمَا.
فائدة:
وَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَغْسِلَ شَعَرَهُ بِنَحْوِ سِدْرٍ أَوْ صَابُونٍ غَيْرِ مُطَيَّبٍ، وَالأَوْلَى تَرْكُ ذَلِكَ.
تقليم الأظفار
يَحرُمُ عَلىَ المُحرِمِ وَالمُحرِمَةِ إِزَالَةُ الأَظفَارِ مِنَ اليَدَينِ أَوِ الرِّجلَينِ إِلَّا إِذَا انكَسَرَ الظُّفرُ وَتَأَذَّى بِهِ، فَيُزِيلُ الجُزءَ المُؤذِيَ فَقَط.
دهن رأس ولحية
يَحرُمُ عَلَى المُحرِمِ دَهنُ شَعرِ رَأسِهِ وَلِحيَتِهِ وَشَارِبِهِ (هُوَ شَعرٌ نَابِتٌ عَلى شَفَةٍ عُليَا) وَعَنفَقَتِهِ (هِيَ شَعرٌ نَابِتٌ عَلى شَفَةٍ سُفلَى) وَعِذَارِهِ (هُوَ شَعرٌ نَابِتٌ مُقَابِلَ الأُذُنِ) بِمَا يُسَمَّى دُهْنًا وَلَوْ غَيْرَ مُطَيَّبٍ، سَوَاءٌ كَانَ بِالزَّيْتِ أَوِ السَّمْنِ أَوِ الزُّبْدَةِ أَوْ بِشَحْمٍ أَوْ شَمْعِ عَسَلٍ ذَائِبَيْنِ، أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلا يَحْرُمُ كَالَّذِي يُوضَعُ عَلَى الْجُرْحِ وَهُوَ غَيْرُ مُطَيَّبٍ، وَلَهُ دَهْنُ شَعَرِ جَسَدِهِ وَلَهُ أَكْلُ الشَّحْمِ وَالزَّيْتِ، وَإِنْ كَانَ الشَّخْصُ أَصْلَعَ أَوْ أَقْرَعَ (أي لَا يَنبُتُ لَهُ شَعرٌ عَلى رَأسِهِ مِن أَصلِهِ) لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ دَهْنُ رَأْسِهِ، وَلا يَحْرُمُ عَلَى الأَمْرَدِ (هُو مَن لَا شَعرَ لَهُ عَلى وَجهِهِ) دَهْنُ ذَقَنِهِ بِالزَّيْتِ وَغَيْرِهِ مِنَ الدُّهُونِ.
استعمال الطيب
يَحرُمُ استِعمَالُ الطِّيبِ فِي البَدَنِ أَوِ الثِّيَابِ أَو أَكلُهُ بَعدَ الإِحرَامِ، كَالمِسكِ وَالعُطُورِ وَالبَخُّورِ وَنَحوِهَا، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوِ امرَأَةً، أَخشَمَ أَو لَا.
قتل الصيد البري
يَحرُمُ عَلَى المُحرِمِ صَيدُ الحَيوَانَاتِ البَرِّيَّةِ المَأكُولَةِ الوَحشِيَّةِ وَلَـو طَيرًا أَوِ الإِعَانَةُ عَلَى صَيدِهَا، وَكَمَا يَـحرُمُ قَتلُهُ يَـحرُمُ صَيدُهُ وَحَبسُهُ وَوَضعُ اليَدِ عَلَيهِ بِحَيثُ يَكُونُ تَحتَ تَصَرُّفِهِ وَلَو بِشِرَاءٍ. وَمَن أَحرَمَ وَلَو بِعُمرَةٍ وَلَو خَارِجَ الـحَرَمِ وَفِي مُلْكِهِ صَيْدٌ زَالَ مُلْكُهُ عَنهُ وَهُوَ أَحَدُ قَولَينِ مَشهُورَينِ لِلإِمَامِ.
وَالقَولُ الثَّانِي أَنَّهُ إِذَا صَادَ مُحِلٌّ حَيَوَانًا مَأكُولًا بَرِّيًّا وَحشِيًّا ثُمَ أَحرَمَ لَم يَزُلْ مُلكُهُ عَنهُ بِذَلِكَ، قَالَ النوويُّ: نَصَّ الشافعيُّ عَلَيهِمَا فِي الأُمِّ اهـ فَإِذَا قُلنَا بِهِ وَإِن مِلكَهُ لَا يَزُولُ عَنهُ بِإِحرَامِهِ، فَحُكمُهُ حُكمُ سَائِرِ أَموَالِهِ إِلَّا فِي شَىْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ، فَإِن ذَبَحَهُ فَعَلَيهِ الجَزَاءُ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَفِعْلُهُ جَائِزٌ فِيهِ، فَيَجُوزُ أَن يَبِيعَهُ وَيَهَبَهُ وَلَا يَلزَمُهُ تَخلِيَتُهُ، وَإِن قُلنَا بِالقَولِ الآخَرِ إِنَّ مُلكَهُ قَد زَالَ عَنهُ بِإِحرَامِهِ فَحُكمُهُ حُكمُ مَا صَادَهُ فِي إِحرَامِهِ فَلَا يَكُونُ مَالِكًا لَهُ، وَعَلَيهِ تَخلِيَتُهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَبحُهُ وَلَا بَيعُهُ وَلَا هِبَتُهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي المَجمُوعِ وَالأَصَحُّ مِنَ القَولَينِ زَوَالُ مُلكِهِ عَنهُ بِالإِحرَامِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيهِ القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرَّافعِيُّ وَغَيرُهُـما.أَمَّا الحَيوَانَاتُ الأَلِيفَةُ وَالبَحرِيَّةُ وَغَيـرُ الـمَأكُولِ وَالإِنسِيُّ كَالنَّعَمِ الثَّلَاثِ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ فَلَا تَدخُلُ فِي هَذَا الحُكمِ.
وَقَد رَتَّبَ الشَّرعُ عَلَى قَتلِ الصَّيدِ جَزَاءً مَخصُوصًا يَختَلِفُ بِاختِلَافِ نَوعِ الصَّيدِ.
عقد النكاح
لَا يَجُوزُ لِلمُحرِمِ أَن يَعقِدَ النِّكَاحَ لِنَفسِهِ أَو لِغَيرِهِ بِوَكَالَةٍ أَو وِلَايَةٍ، وَعَقدُ النِّكَاحِ حَالَ الإِحرَامِ غَيرُ صَحِيحٍ، فَلَوْ عَقَدَ الْمُحْرِمُ نِكَاحًا أَوْ وَكَّلَ شَخْصًا بِأَنْ يَعْقِدَ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا، وَلا يَنْعَقِدُ ذَلِكَ النِّكَاحُ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلا يُنْكِحُ وَلا يَخْطُبُ».
الجماع ومقدماته
مِنْ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ الْجِمَاعُ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ وَلَوْ لِبَهِيمَةٍ، وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ مُحْرِمَةٍ تَمْكِينُ حَلِيلٍ مُحْرِمٍ، قَالَ الْفُقَهَاءُ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ الْمُحْرِمَةِ تَمْكِينُ زَوْجِهَا الْمُحْرِمِ مِنَ الْجِمَاعِ أَوْ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ، وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى الْحَلالِ أَيِ الرَّجُلِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ وَطْءُ مُحْرِمَةٍ مِنْ زَوْجَةٍ وَأَمَةٍ.
والجِمَاعُ سَبَبٌ لِفَسَادِ الحَجِّ أَوِ العُمرَةِ إِذَا وَقَعَ قَبلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، وَيَحصُلُ التَّحَلُّلُ الأَوَّلُ بِفِعلِ اثنَينِ مِن رَمْيِ جَمرَةِ العَقَبَةِ وَالحَلقِ أَوِ التَّقصِيـرِ وَطَوَافِ الفَرضِ.
وَتَحرُمُ مُقَدِّمَاتُ الجِمَاعِ بِشَهوَةٍ بِحَائِلٍ أَو بِلَا حَائِلٍ، كَاللَّمسِ وَالتَّقبِيلِ وَنَحوِ ذَلِكَ، أَمَا بِغَيرِ شَهوَةٍ فَلَا يَحرُمُ وَمُجَرَّدُ المُبَاشَرَةِ بِلَا وَطءٍ فَلَا تُفسِدُ النُّسُكَ.
وَيَحْرُمُ النَّظَرُ بِشَهْوَةٍ وَلا فِدْيَةَ فِيهِ. وَالشَّهْوَةُ التَّلَذُّذُ أَيِ اشْتِيَاقُ النَّفْسِ إِلَى ذَلِكَ وَمَيْلُهَا.
أحكام صيد الحرمين مكة والمدينة وقطع شجرهما
إِنَّ مِنْ أَحْكَامِ الْحَرَمَيْنِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ وَالْحَرَمِ الْمَدَنِيِّ حُرْمَةَ الصَّيْدِ وَحُرْمَةَ قَطْعِ الشَّجَرِ أَوِالْقَلْعِ، وَوُجُوبَ الْفِدْيَةِ فِي الصَّيْدِ وَالشَّجَرِ لَكِنْ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ خَاصٌّ بِحَرَمِ مَكَّةَ، أَمَّا حَرَمُ الْمَدِينَةِ فَيَحْرُمُ صَيْدُهُ وَشَجَرُهُ لَكِنْ بِلا فِدْيَةٍ، وَكَذَلِكَ وَجُّ الطَّائِفِ وَهُوَ وَادٍ بِالطَّائِفِ.
فائدة:
أَمَّا بَيْتُ الْمَقْدِسِ فَلَيْسَ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ وَإِنَّمَا هُوَ مَسْجِدٌ لَهُ الأَفْضَلِيَّةُ بَعْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، لِأَنَّ الصَّلاةَ فِيهِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلاةٍ.
خاتمة
إِنَّ مَعرِفَةَ مُحَرَّمَاتِ الإِحرَامِ مِنَ الأُمُورِ المُهِمَّةِ لِكُلِّ مَن أَرَادَ الحَجَّ أَوِ العُمرَةِ؛ لِأَنَّ العِبَادَةَ لَا تَصِحُّ عَلَى الوَجهِ الكَامِلِ إِلَّا بِالعِلمِ بِأَحكَامِهَا. وَقَد رَاعَتِ الشَّرِيعَةُ تَعظِيمَ شَعَائِرِ اللهِ، فَجَعَلَت لِلإِحرَامِ أَحكَامًا خَاصَّةً تُرَبِّي المُسلِمَ عَلَى الانضِبَاطِ وَتَعظِيمِ الحُرُمَاتِ وَالتَّجَرُّدِ للهِ تَعَالَى. فَيَنبَغِي لِلحَاجِّ وَالمُعتَمِرِ أَن يَتَفَقَّهَ فِي مَنَاسِكِهِ قَبلَ سَفَرِهِ، وَأَن يَسأَلَ أَهلَ العِلمِ عَمَّا يُشكِلُ عَلَيهِ؛ حَتَّى يُؤَدِّيَ عِبَادَتَهُ بِيَقِينٍ وُطُمَأنِينَةٍ، وَيَنَالَ الأَجرَ الكَامِلَ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- السُّنَنِ الكُبرَى لِلبَيهَقِيِّ.
- رَوضَةُ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةُ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
- فَتحُ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.