كيف يتحلل الحاج والمعتمر؟ شرح فقهي ميسر

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:

المقدمة

الحَجُّ وَالعُمرَةُ عِبَادَتَانِ عَظِيمَتَانِ يَدخُلُ فِيهِمَا المُسلِمُ بِالإِحرَامِ، فَيلَتَزِمُ أَحكَامًا وَمَحظُورَاتٍ مَخصُوصَةً، ثُمَّ يَحتَاجُ بَعدَ أَدَاءِ النُّسُكِ إِلى الخُرُوجِ مِن هَذَا الإِحرَامِ وَالتَّحَلُّلِ مِنهُ. وَقَد بَيَّنَ الفُقَهَاءُ صُوَرَ التَّحَلُّلِ وَأَحكَامَهُ، وَمَتَى يَحِلُّ لِلمُحرِمُ مَا كَانَ مَمنُوعًا عَلَيهِ حَالَ الإِحرَامِ.

وَفِي هَذَا المَقَالِ نَتَعَرَّفُ عَلى أَنوَاعِ التَّحَلُّلِ وَصُوَرِهِ.

ما هو التحلل؟

التَّحَلُّلُ هُوَ: خُرُوجُ المُحرِمِ مِن أَحكَامِ الإِحرَامِ، بِحَيثُ يَعُودُ إِليهِ مَا كَانَ مَمنُوعًا عَلَيهِ بِسَبَبِ النُّسُكِ، كَلُبسِ المُخِيطِ وَالطِّيبِ وَقَصِّ الشَّعرِ وَغَيرِ ذَلِكَ.

وَقَد ذَكَرَ الفُقَهَاءُ أَنَّ التَّحَلُّلَ يَكُونُ عَلى عِدَّةِ صُوَرٍ بِحَسَبِ حَالِ الحَاجِّ أَو المُعتَمِرِ.

التحلّل بإتمام أعمال النسك

وَهَذَا هُوَ الأَصلُ فِي التَّحَلُّلِ، وَيَكُونُ بِإِكمَالِ أَعمَالِ الحَجِّ أَوِ العُمرَةِ، فَيَدخُلُ فِي ذَلِكَ:

  • مَن أَتَمَّ العُمرَةَ كَامِلَةً.
  • وَمَن أَتَمَّ الحَجَّ كَامِلًا.
  • وَكَذَلِكَ مَن فَسَدَ نُسُكَهُ ثُمَّ أَكمَلَهُ، فَإِنَّهُ يَتَحَلَّلُ بَعدَ إِتمَامِ الأَعمَالِ، مَعَ كَونِ النُّسُكِ فَاسِدًا.

التحلل الأول والثاني في الحج

لِلحَجِّ تَحَلُّلَانِ:

  • التحلل الأول:

إِذَا فَعَلَ الحَاجُّ اثنَينِ مِن ثَلَاثَةِ أُمُورٍ وَهِيَ:

  1. رَميُ جَمرَةِ العَقَبَةِ.
  2. طَوَافُ الإِفَاضَةِ مَعَ السَّعيِ لِمَن لَم يَسعَ.
  3. إِزَالَةُ الشَّعرِ بِالحَلقِ أَوِ التَّقصِيرِ.

فَإِذَا فَعَلَ اثنَينِ مِنهَا حَصَلَ لَهُ التَّحَلُّلُ الأَوَّلُ.

ماذا يباح له بعد التحلل الأول؟

يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيءٍ كَانَ مُحَرَّمًا بِالإِحرَامِ إِلَّا أُمُورُ النِّسَاءِ فَتَحرُمُ، وَهِيَ:

  • النِّكَاحُ.
  • الجِمَاعُ.
  • مُقَدِّمَاتُ الجِمَاعِ، كَقُبلَةٍ وَمُبَاشَرَةٍ بِشَهوَةٍ.

وَقَد جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «إِذَا رَمَيتُمُ الجَمرَةَ فَقَد حَلَّ لَكُم كُلُّ شَيءٍ إِلَّا النِّسَاء» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

  • التحلل الثاني

إِذَا أَتَى بِالأَمرِ الثَّالِثِ بَعدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، حَصَلَ التَّحَلُّلُ الثَّانِي، وَعِندَهَا تُبَاحُ لَهُ جَمِيعُ مَحظُورَاتِ الإِحرَامِ حَتَّى أُمُورُ النِّسَاءِ.

التحلل بسبب فوات الحج

قَد يُحرِمُ الإِنسَانُ بِالحَجِّ ثُمَّ يَفُوتُهُ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، فَإِذَا فَاتَ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لَيسَ بِالإِحصَارِ أَي بِأَن مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى عَرَفَةَ فَاتَ الحَجُّ، وَعِندَهَا يَتَحَلَّلُ بِإِتمَامِ أَعمَالِ الحَجِّ بِلَا وُقُوفٍ بِعَرَفَةَ وَبِلَا رَميٍ وَمَبِيتٍ، أَي يَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ العُمرَةِ: يَطُوفُ وَيَسعَى وَيَحلِقُ فَيَتَحَلَّلُ، وَعَلَيهِ الإِعَادَةُ.

أَمَّا العُمرَةُ فَلَا تُتَصَوَّرُ فِيهَا صُورَةُ الفَوَاتِ؛ لِأَنَّ أَعمَالَهَا لَيسَت مُعَيَّنَةً بِوَقتٍ.

 التحلل بالاشتراط عند الإحرام

مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوِ العُمرَةَ وَخَافَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النُّسُكِ مَانِعٌ يَمْنَعُهُ مِنَ إِتيَانِهِ يَقُولُ عِنْدَ النِّيَّةِ: «نَوَيْتُ الْحَجَّ أَوِ العُمرَةَ وَأَحْرَمْتُ بِهِ أَو بِهَا لِلَّهِ تَعَالَى وَمَحِلِّي حَيْثُمَا حَبَسَنِي حَابِسٌ إِذَا حَبَسَنِي»، ثُمَّ إِنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النُّسُكِ حَائِلٌ بَعْدَمَا أَحْرَمَ يَتَحَلَّلُ بِحَلْقِ شَعَرِ رَأْسِهِ أَوْ تَقْصِيرِهِ وَلا يَلْزَمُهُ الذَّبْحُ. كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَنَا شَاكِيَةٌ (أَي مَرِيضَةٌ)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي».

كيف يتحلل؟

يَتَحَلَّلُ بِالحَلقِ أَوِ التَّقصِيرِ مَعَ نِيَّةِ التَّحَلُّلِ، وَلَا يَلزَمُهُ دَمٌ إِلَّا إِذَا اشتَرَطَهُ عَلى نَفسِهِ عِندَ الإِحرَامِ.

التحلل بسبب الإحصار

الإِحْصَارُ هُوَ: أَن يُمنَعَ المُحرِمُ مِن إِتمَامِ نُسُكِهِ، كَأَن يَمنَعَهُ عَدُوٌ أَو يَمنَعَهُ وَالِدُهُ مَثَلًا فِي غَيرِ حَجَّةِ الإِسلَامِ، وَكَانَ بَينَهُ وَبَينَ مَكَّةَ مَرحَلَتَانِ فَأَكثَرُ.

كيف يتحلل المحصر؟

يَتَحَلَّلُ المُحصَرُ بِذَبحِ الهَديِ أي الشَّاةِ، ثُمَّ حَلقِ الشَّعرِ، وَيَنْوِي التَّحَلُّلَ عِنْدَمَا يَذْبَحُ وَعِنْدَمَا يَحْلِقُ، يَنْوِي بِقَلْبِهِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الإِحْرَامِ. وَقَد دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿فِإِنْ أُحْصِرتُم﴾ أَي وَأَرَدتُمُ التَّحَلُّلَ ﴿فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الهَديِ﴾ [سورة البقرة: 196]، أَي مَا تَيَسَّرَ، أَي فَعَلَيكُم مَا تَيَسَّرَ مِنَ الهَديِ. وَيَجِبُ تَرتِيبُ هَذِهِ الأُمُورِ، فَيُقَدَّمُ الذَّبحَ ثُمَّ الحَلقَ.

إذا لم يجد المحصر الهدي

إِنْ عَجَزَ المُحصِرُ عَنِ الذَّبْحِ فَطَعَامٌ بِنِيَّتِهِ أَيْ إِنْ عَجَزَ عَنِ الذَّبْحِ يَدْفَعُ طَعَامًا بِقِيمَةِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَبْحُهُ يَشْتَرِي الْقَمْحَ إِنْ كَانَ هُنَاكَ، فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ أَغْلَبُ قُوتِ أَهْلِ الْحَرَمِ الْقَمْحُ وَلا يَشْتَرِي الْخُبْزَ بَلْ يَشْتَرِي الْقَمْحَ وَيُوَزِّعُهُ عَلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ، فَإِنْ عَجَزَ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا أَيْ بِعَدَدِ أَمْدَادِ الطَّعَامِ يَصُومُ. فَإِن كَانَ يَصُومُ يَجُوزُ لَهُ أَن يَتَحَلَّلَ مُبَاشَرَةً بِالحَلقِ وَالنِّيَّةِ دُونَ انتِظَارِ انتِهَاءِ الصِّيَامِ، لِأَنَّ الصِّيَامَ قَد يَطُولُ زَمَنُهُ.

متى لا يباح التحلل بالإحصار؟

إِذَا كَانَ لِلمُحرِمِ طَرِيقٌ آخَرُ يُمكِنُهُ الوُصُولُ مِنهُ إِلى مَكَّةَ، لَزِمَهُ سُلُوكُهُ وَلَو فَاتَهُ الحَجُّ، فَيَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ العُمرَةِ. 

وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ يَعلَمُ أَنَّ المَانِعَ سَيَزُولُ قَرِيبًا، كَأَن كَانَ يَتَوَقَّعَ أَن الإِحصَارَ سَيَزُولُ بَعدَ اليَومَينِ، بِحَيثُ يَتَمَكَّنَ مِن إِكمَالِ نُسُكِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّعَجُّلُ فِي التَّحَلُّلِ. 

هل على المحصر القضاء؟

لا إِعَادَةَ عَلَى مُحْصَرٍ مُتَطَوِّعٍ، وَإِن كَانَ فَرضًا مُسْتَقِرِّا، كَحَجَّةِ الإِسْلامِ بَعْدَ السَّنَةِ الأُولَى مِنْ سِنِيِّ الإِمْكَانِ، فَتَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ، أَيْ يَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يَسْتَطِيعَ.

خاتمة

أَحكَامُ التَّحَلُّلِ مِن أَهَمِّ مَسَائِلِ الحَجِّ وَالعُمرَةِ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالخُرُوجِ مِنَ الإِحرَامِ وَعَودَةِ المُبَاحَاتِ لِلمُحرِمِ. وَقَد رَاعَتِ الشَّرِيعَةُ أَحوَالَ النَّاسِ المُختَلِفَةَ، فَشَرَعَتِ التَّحَلُّلَ بِإِتمَامِ النُّسُكِ، وَبِالاشتِرَاطِ، وَبِالإِحصَارِ، وَبِغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الصُّورِ، تَيسِيرًا وَرَحمَةً بِالمُكَلَّفِينَ.

فَيَنبَغِي لِطَالِبِ العِلمِ وَالحَاجِّ وَالمُعتَمِرِ أَن يَعتَنِيَ بِفَهمِ هَذِهِ الأَحكَامِ حَتَّى يُؤَدِّيَ نُسُكَهُ عَلى بَصِيرَةٍ وَطُمأنَينَةٍ.

المصادر

هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:

القُرءَانِ الكَرِيمِ.

السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.

صَحِيحِ البُخَارِيِّ.

صَحِيحِ مُسلِمٍ.

سُنَنُ النَّسَائِيِّ.

رَوضَةُ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةُ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.

فَتحُ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ. 

محرمات الإحرام وأحكامها في الفقه الشافعي

محرمات الإحرام وأحكامها في الفقه الشافعي

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: مقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share