المحتويات
- المقدمة
- الإحرام
- دخول مكة قبل الذهاب إلى عرفة
- اليوم السابع من ذي الحجة
- اليوم الثامن من ذي الحجة
- اليوم التاسع من ذي الحجة
- الليلة العاشرة من ذي الحجة
- اليوم العاشر من ذي الحجة
- الليلة الحادي عشر من ذي الحجة
- اليوم الحادي عشر من ذي الحجة
- الليلة الثانية عشر من ذي الحجة
- اليوم الثاني عشر من ذي الحجة
- الليلة الثالثة عشر من ذي الحجة
- اليوم الثالث عشر من ذي الحجة
- ما يفعله إذا فارق منى وقبل أن يغادر
- ماذا يستحب بعد إتمام أعمال الحج
- الخاتمة
- المصادر
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
إِنَّ الحَجَّ لَا يَتَكَرَّرُ كَتَكَرُّرِ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ يَومٍ، وَلَا كَالصِّيَامِ شَهرًا كَامِلًا فِي الكُلِّ السَّنَةِ، بَل مَرَّةً فِي السَّنَةِ عَلى المُستَطِيعِ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [سُورَةَ ءَالِ عِمْرَان: 97[. فَلَّمَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ يَنبَغِي عَلَى المُسلِمِ الَّذِي أَرَادَ الحَجَّ أَن يَهتَمَّ بِإِتْمَامِ حَجِّهِ عَلى أَكمَلِ وَجهٍ مُقتَدِيًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتَّى يَخرُجَ مِن نُسُكِهِ كَيَومَ وَلَدَتهُ أُمُّهُ، لِذَا جَمَعنَا لَكُم مَقَالَةً تَبدَأُ مَعَكُم مِن أَوَّلِ أَعمَالِكُم خُطوَةً خُطوَةً حَتَّى تَتِمُّوا نُسُكَكُم عَلى مَا تُحِبُّونَ، وَلَم نَلتَزِم أَن نَذكُرَ الشُّرُوطَ لِكُلِّ الأَركَانِ، فَهِيَ مَوجُودَةٌ فِي مَقَالَةٍ خَاصَّةٍ عَن أَحكَامِ الحَجِّ.
الإحرام
مَعْنَى الإِحْرَامِ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِي النُّسُكِ، وَالنُّسُكُ هُوَ عَمَلُ الْحَجِّ أَوْ عَمَلُ الْعُمْرَةِ، فَلا تَجِبُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فِي حَجِّ الْفَرْضِ إِنَّمَا الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ فِي قَلْبِهِ دَخَلْتُ فِي النُّسُكِ. وقَصْدُ النُّسُكِ قَبْلَ الإِحْرَامِ لا يُسَمَّى إِحْرَامًا وَإِنَّمَا الإِحْرَامُ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَهَذَا يَخْفَى عَلَى بَعْضِ الْجُهَّالِ يَظُنُّونَ أَنَّ الْحَجَّ رُؤْيَةُ مَكَّةَ وَحُضُورُ تِلْكَ الْمَشَاهِدِ.
ثُمَّ إِنَّ الإِحْرَامَ لِلحَجِّ لَا بُدَّ أَن يَكُونَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَيْ بَعْدَ دُخُولِ شَهْرِ شَوَّالٍ، وَهُوَ المِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ لِلحَجِّ، أَمَّا لَوْ نَوَى الْحَجَّ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ أَشْهُرُ الْحَجِّ فَيَنْقَلِبُ عَمَلُهُ هَذَا عُمْرَةً لِأَنَّهُ نَوَى الْحَجَّ قَبْلَ وَقْتِهِ، فَالْحَجُّ لا تَصِحُّ نِيَّتُهُ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ أَشْهُرِهِ، وَأَشْهُرُ الْحَجِّ هِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/197]. وَالْقَدْرُ الَّذِي هُوَ مِيقَاتٌ زَمَانِيٌّ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ هُوَ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى فَجْرِ لَيْلَةِ الْعِيدِ، وَبِانْتِهَاءِ لَيْلَةِ الْعِيدِ يَفُوتُ الْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ لِلْحَجِّ.
وَيَجِبُ أَن يَكُونَ الإِحْرَامُ لِلحَجِّ مِنَ الْمِيقَاتِ المَكَانِيِّ أَيضًا، فَمِيقَاتُ الْمَكِّيِّ لِلْحَجِّ مَكَّةُ أَيْ يُحْرِمُ مِنْهَا لِلْحَجِّ، وَمِيقَاتُ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ خَمْسَةُ أَمَاكِنَ:
- مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ يَمُرُّ بِطَرِيقِهِمْ إِلَى مَكَّةَ وَهُوَ ذُو الْحُلَيْفَةِ وَبِهَا الْيَوْمَ مَسْجِدٌ كَبِيرٌ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ (وَيُسَمُّونَهُ الْيَوْمَ أَبْيَارَ عَلِيٍّ).
- وَمِيقَاتُ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ وَمَنْ يَمُرُّ بِطَرِيقِهِمُ وَهُوَ الْجُحْفَةُ هَذَا إِذَا لَمْ يَسْلُكُوا طَرِيقَ الْمَدِينَةِ كَأَنْ جَاؤُوا مِنْ طَرِيقِ الْبَحْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمُرُّوا بِالْمَدِينَةِ.
- وَمِيقَاتُ أَهْلِ نَجْدِ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ قَرْنٌ وَهُوَ قَرْنُ الثَّعَالِبِ وَهُوَ عَلَى مَرْحَلَةٍ (أَي مَسِيرَةِ يَومٍ بِسَيرِ الأَقدَامِ وَدَبِيبِ الأَثقَالِ) مِنْ مَكَّةَ.
- وَمِيقَاتُ أَهْلِ تِهَامَةِ الْيَمَنِ وَمَنْ يَمُرُّ بِطَرِيقِهِمْ وَهُوَ يَلَمْلَم وَيُقَالُ لَهُ أَلَمْلَم، وَهِيَ تَبْعُدُ مِنْ مَكَّةَ قَرِيبًا مِنْ مَرْحَلَتَيْنِ (أَي مَسِيرَةِ يَومَينِ بِسَيرِ الأَقدَامِ وَدَبِيبِ الأَثقَالِ). وَالتِّهَامَةُ هِيَ الأَرْضُ الْمُنْخَفِضَةُ.
- وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَمَنْ يَمُرُّ بِطَرِيقِهِمْ وَهُوَ ذَاتُ عِرْقٍ.
وَالأَفْضَلُ لِمَنْ تَكُونُ فِي طَرِيقِهِ إِلَى مَكَّةَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْهَا، وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ بَيتِهِ وَبَلَدِهِ صَحَّ، وَلا يَجُوزُ مُجَاوَزَتُهَا بِلا إِحْرَامٍ. وَالإِحْرَامُ مِنْ أَوَّلِ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ مِنَ الإِحْرَامِ مِنْ وَسَطِهِ أَوْ ءَاخِرِهِ.
وَمَنْ جَاوَزَ أَحَدَ الْمَوَاقِيتِ إِلَى جِهَةِ مَكَّةَ مُرِيدًا النُّسُكَ وَلَوْ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ بِلا إِحْرَامٍ وَلَيْسَ فِي نِيَّتِهِ الْعَوْدُ إِلَيْهِ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالنُّسُكِ عَصَى وَوَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ، فَإِنْ عَادَ بَعْدَ الإِحْرَامِ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِنُسُكٍ كَطَوَافِ الْقُدُومِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ؛ أَمَّا مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَهُوَ غَيْرُ مُرِيدٍ لِلنُّسُكِ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَعْمَلَ النُّسُكَ فَمِيقَاتُهُ مَحَلُّهُ، كَأَنْ جَاءَ مِنْ مِصْرَ أَوِ الشَّامِ إِلَى جُدَّةَ بِنِيَّةِ زِيَارَةِ قَرِيبٍ أَوْ صَدِيقٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ حَصَلَتْ لَهُ نِيَّةُ النُّسُكِ فَمِيقَاتُهُ جُدَّةُ. وَيَسْقُطُ الدَّمُ عَمَّنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَهُوَ مُرِيدٌ لِلنُّسُكِ بِعَوْدِهِ إِلَى مِثْلِ مِيقَاتِهِ الَّذِي تَرَكَ الإِحْرَامَ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ الْمَسَافَةُ.
وَيُسَنُّ قَبْلَ الإِحْرَامِ:
- الِاغْتِسَالُ
- وَتَطْيِيبُ الْبَدَنِ، وَهُوَ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَأَفْضَلُ الطِّيبِ الْمِسْكُ الْمَخْلُوطُ بِمَاءِ الْوَرْدِ.
- ➢أَمَّا الثَّوْبُ فَتَطْيِبُهُ لا يُسَنُّ، لَكِنْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى لُبْسِ هَذَا الثَّوْبِ، وَلَوْ نَزَعَ هَذَا الثَّوْبَ الْمُطَيَّبَ عَنْ جِسْمِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إِعَادَتُهُ إِلَيْهِ وَتَلْزَمُهُ فِدْيَةٌ إِنْ فَعَلَ،
- ثُمَّ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ يُسَنُّ لَهُمَا صَلاةُ رَكْعَتَيْنِ بِسُورَتَيِ الْكَافِرُونَ وَالإِخْلاصِ وَذَلِكَ قَبْلَ الإِحْرَامِ،
- ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ دَخَلْتُ فِي عَمَلِ الْحَجِّ أَوْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ أَوْ فِي أَعْمَالِهِمَا عَمَلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ،
- وَيَقُولُ بِلِسَانِهِ بِصَوْتٍ خَفِيفٍ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُسَنُّ لِلرِّجَالِ أَنْ يَجْهَرُوا بِالتَّلْبِيَةِ أَيْ أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ رَفْعًا قَوِيًّا، أَمَّا النِّسَاءُ فَلا يَرْفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ بِالتَّلْبِيَةِ لا فِي الْمَرَّةِ الأُولَى وَلا فِيمَا بَعْدَهَا. وَلا يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ رَفْعُ أَصْوَاتِهِنَّ لِأَنَّ صَوْتَ الْمَرْأَةِ لَيْسَ عَوْرَةً لَكِنْ لا يُسَنُّ.
- ➢ثُمَّ هَذِهِ التَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَمَنْ تَرَكَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِثْمٌ، وَقِيلَ إِنَّهُ يَأْثَمُ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ رُكْنًا لِلْحَجِّ.
- ➢وَأَكْمَلُ التَّلْبِيَةِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ.
- ➢وَيُسَنُّ لِلْحَاجِّ أَنْ يُدَاوِمَ التَّلْبِيَةَ فِي أَثْنَاءِ إِحْرَامِهِ، وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ ءَاكَدُ.
- ➢وَبَعْدَ التَّلْبِيَةِ يُصَلِّي وَيُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْدَ ذَلِكَ يَسْأَلُ اللَّهَ رِضْوَانَهُ وَدُخُولَ الْجَنَّةِ.
- ثُمَّ الْحَاجُّ إِذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ أَوْ مَا يَكْرَهُهُ يُسَنُّ أَنْ يَقُولَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَيَاةَ الْهَنِيئَةَ الدَّائِمَةَ الَّتِي لا يَتَخَلَّلُهَا كَدَرٌ هِيَ الْحَيَاةُ الأُخْرَوِيَّةُ، أَمَّا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَيَتَخَلَّلُهَا كَدَرٌ وَمَتَاعِبُ وَمَشَقَّةٌ.
دخول مكة قبل الذهاب إلى عرفة
يُستَحَبُّ دُخُولُ مَكَّةَ قَبلَ الذَّهَابِ إِلَى عَرَفَةَ وَيَطُوفُ طَوَافَ القُدُومِ وَلَهُ بَعدَ طَوَافِ القُدُومِ أَن يَسعَى لِلرُّكنِ وَلَهُ تَأخِيرُ سَعيِ الرُّكنِ إِلَى مَا بَعدَ طَوَافِ الرُّكنِ.
اليوم السابع من ذي الحجة
يُسَمَّى يَومَ الزِّينَةِ لِتَزيِينِهِم فِيهِ مَرَاكِبَهُم قَبلَ الذَّهَابِ إِلى عَرَفَةَ.
وَيُستَحَبُّ فِي هَذَا اليَومِ أَن يَخطُبَ فِيهِم الإِمَامُ بَعدَ الظُّهرِ أَوِ الجُمُعَةِ خُطبَةً وَاحِدَةً بِمَكَّةَ يُعَلِّمُهُم مَا بَينَ أَيدِيهِم مِنَ المَنَاسِكِ إِلى الخُطبَةِ الثَّانِيَةِ بِمَسجِدِ إِبرَاهِيمَ يَومَ عَرَفَةَ.
اليوم الثامن من ذي الحجة
يُسَمَّى يَومَ التَّروِيَةِ لِأَنَّهُم يَتَرَوَّونَ فِيهِ المَاءَ إِلى مِنَى.
فَيَخرُجُ الإِمَامُ بِالحَجِيجِ إِلى مِنًى بَعدَ صَلَاةِ الصُّبحِ إِن لَم يَكُن يَومَ الجُمُعَةِ وَإِلَّا خَرَجَ بِهِم قَبلَ الفَجرِ، فَيُصَلُّونَ بِهَا الظُّهرَ وَمَا بَعدَهَا، وَيَبِيتُونَ بِهَا اللَّيلَةَ التَّاسِعَةَ مِن ذِي الحِجَّّةِ.
اليوم التاسع من ذي الحجة
يُسَمَّى يَومَ عَرَفَةَ.
بَعدَ أَن تُشرِقَ الشَّمسُ عَلَى ثَبِيرٍ -وَهُوَ جَبلٌ كَبِيرٌ بِمُزدَلِفَةَ عَلى يَمِينِ الذَّاهِبِ إِلى عَرَفَةَ- يَنطَلِقُونَ مِن مِنَى إِلى عَرَفَةَ، ثُمَّ يُقِيمُونَ بِنَمِرَةَ قَرِيبًا مِن عَرَفَةَ إِلى الزَّوَالِ ثُمَّ يَذهَبُ الإِمَامُ بِهِم إِلى مَسجِدِ إِبرَاهِيمَ، فَيَخطُبُ بِهِم خُطبَتَينِ يُبَيِّنُ مَا أَمَامَهُم مِنَ المَنَاسِكِ إِلى خُطبَةِ يَومِ النَّحرِ، وَيُحَرِّضُهُم عَلى إِكثَارِ الدُّعَاءِ وَالتَّهلِيلِ فِي المَوَاقِفِ. ثُمَّ يَجمَعُ بِهِم بَعدَ الخُطبَتَينِ العَصرَينِ تَقدِيمًا وَيَقصُرُهُمَا، إِذَا كَانُوا مُسَافِرِينَ.
وَيُستَحَبُّ أَن يَقِفُوا بِعَرَفَاتٍ إِلى الغُرُوبِ، وَأَن يُكثِرُوا الذِّكرَ وَالدُّعَاءَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَومِ عَرَفَةَ وَأَفضَلُ مَا قُلتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِن قَبلِي لَا إله إِلَّا الله وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، يُحيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ» رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ، وَزَادَ البَيهَقِيُّ: «اللهم اجعَل فِي قَلبِي نُورًا وَفِي سَمعِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا، اللهم اشرَح لِي صَدرِي وَيَسِّر لِي أَمرِي».
وَيَجِبُ الوُقُوفُ بَينَ الزَّوَالِ وَطُلُوعِ فَجرِ لَيلَةِ العِيدِ وَلَو لَحظَةً.
الليلة العاشرة من ذي الحجة
بَعدَ غُرُوبِ الشَّمسِ يَذهَبُ النَّاسُ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ إِلى مُزدَلِفَةَ فَيَجمَعُ الإِمَامُ بِهِم فِيهَا بَينَ المَغربِ وَالعِشَاءِ تَأخِيرًا إِذَا كَانُوا مُسَافِرِينَ.
وَيَجِبُ مَبِيتٌ أَي مُكثٌ بِمُزدَلِفَةَ فِي اللَّيلِ وَلَو لَحظَةً، وَلَا يَجِبُ النَّومُ فِيهَا، بَعدَ نِصفِ اللَّيلِ فَإِن لَم يَبِت بِمُزدَلِفَةَ أَو نَفَرَ مِنهَا قَبلَ نِصفِ اللَّيلِ لَزِمَهُ الدَّمُ.
ثُمَّ يُسَنُّ أَن يَأخُذُوا سَبعَ حَصَيَاتٍ لِرَميِ يَومِ النَّحرِ مِنهَا. وَأَن يُقَدِّمُوا النِّسَاءَ وَالضَّعَفَةَ بَعدَ نِصفِ اللَّيلِ لِيَرمُوا قَبلَ الزَّحمَةِ، وَأَمَّا غَيرُهُم فَيَبقَونَ حَتَّى يُصَلُّوا صَلَاةَ الصُّبحِ بِغَلَسٍ ثُمَّ يَقصِدُونَ مِنًى، وَشِعَارُهُمُ التَّلبِيَةُ.
فَإِذَا بَلَغُوا المَشعَرَ الحَرَامَ وَهُوَ جَبَلٌ فِي آخرِ مُزدَلِفَةَ استَقبَلُوا القِبلَةَ لِأَنَّهَا أَشرَفُ الجِهَاتِ، وَوَقَفُوا عِندَهُ وَذَكَرُوا اللهَ تَعَالى وَدَعَوا إِلى إِسفَارٍ، ثُمَّ سَارُوا بِسَكِينَةٍ، فَإِذَا بَلَغُوا وَادِيَ المُحَسِّرِ أَسرَعُوا، وَذَلِكَ عَرضَ رَميَةِ حَجَرٍ، حَتَّى يَقطَعُوا عَرضَ الوَادِي وَيَدخُلُوا مِنًى بَعدَ طُلُوعِ الشَّمسِ.
اليوم العاشر من ذي الحجة
يُسَمَّى يَومَ النَّحرِ.
يَدخُلُ الحَاجُّ مِنًى بِعدَ طُلُوعِ الشَّمسِ فَيَرمِي جَمرَةَ العَقَبَةِ وَيَقطَعُ التَّلبِيَةَ عِندَ ابتِدَاءِ الرَّميِ وَيُكَبِّرُ بَعدَ ذَلِكَ مَعَ كُلِّ رَميَةٍ. ثُمَّ يَذبَحُ مَن مَعَهُ هَديٌ هَديَهُ ثُمَّ يَحلِقُ أَو يُقَصِّرُ. ثُمَّ يَدخُلُ مَكَّةَ وَيَطُوفُ الرُّكنَ ثُمَّ يَسعَى إِن لَم يَكُن سَعَى، وَيَعُودُ إِلى مِنًى لِيَبِيتَ بِهَا.
وَسُنَّ تَرتِيبُ أَعمَالِ يَومِ النَّحرِ بِلَيلَتِهِ مِن رَميٍ فَذَبحٍ فَحَلقٍ أَو تَقصِيرٍ فَطَوَافٍ، وَلَا يَجِبُ التَّرتِيبُ.
وَيَدخُلُ وَقتُ الرَّميِ بَعدَ الوُقُوفِ بِنِصفِ لَيلَةِ النَّحرِ وَيَبقَى وَقتُ الاختِيَارِ إِلى آخرِ يَومِهِ، وَيَمتَدُّ وَقتُ الجَوَازِ إِلى آخرِ أَيَّامِ التَّشرِيقِ، وَالأَفضَلُ أَن يَرمِي قَبلَ الزَّوَالِ.
وَيَدخُلُ وَقتُ الحَلقِ أَوِ التَّقصِيرِ بِنِصفِ اللَّيلِ أَيضًا وَلَا آخِرَ لِوَقتِهِمَا.
فَإِذَا فَعَل اثنَينِ مِنَ الرَّميِ وَالحَلقِ أَوِ التَّقصِيرِ وَالطَّوَافِ حَلَّ لَهُ مَا حَرُمَ غَيرَ أُمُورِ النِّسَاءِ وَالنِّكَاحِ، فَإِذَا فَعَلَ الثَّالِثَةَ حَلَّ لَهُ البَاقِي.
وَبَعدَ صَلَاةِ الظُّهرِ يَخطُبُ الإِمَامُ فِيهِم يُعَلِّمُهُمُ الرَّميَ فِي أَيَّامِ التَّشرِيقِ وَحُكمَ المَبِيتِ فِيهَا.
الليلة الحادي عشر من ذي الحجة
يَجِبُ المَبِيتُ أَيِ المُكثُ فِي اللَّيلِ بِمِنًى مُعظَمَ اللَّيلِ وَلَا يَجِبُ النَّومُ فِيهَا.
اليوم الحادي عشر من ذي الحجة
يُسَمَّى يَومَ المَقَرِّ لِاستِقرَارِهِم فِيهِ بِمِنًى.
وَيَجِبُ فِيهِ بَعدَ الزَّوَالِ رَميُ الجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ. وَالأُولَى مِنهَا تَلِي مَسجِدَ الخَيفِ وَهِيَ الكُبرَى ثُمَّ الثَّانِيَةُ وَتُسَمَّى الوُسطَى ثُمَّ الثَّالِثَةُ وَتُسَمَّى جَمرَةَ العَقَبَةِ الَّتِي رَمَاهَا يَومَ النَّحرِ.
الليلة الثانية عشر من ذي الحجة
يَجِبُ المَبِيتُ أَيِ المُكثُ فِي اللَّيلِ بِمِنًى مُعظَمَ اللَّيلِ وَلَا يَجِبُ النَّومُ فِيهَا.
اليوم الثاني عشر من ذي الحجة
يُسَمَّى يَومَ النَّفَرِ الأَوَّلِ.
يَجِبُ أَن يَرمِيَ بَعدَ الزَّوَالِ الجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ، كَمَا رَمَى فِي اليَومِ الحَادِي عَشَرَ.
وَبَعدَ أَن يَرمِي الحَاجُّ الجَمَرَاتِ يَجُوزُ لَهُ أَن يَنفِرَ قَبلَ الغُرُوبِ مِن مِنًى، فَإِذَا نَفَرَ مِنهَا سَقَطَ عَنهُ مَبِيتُ لَيلَةِ الثَّالِثِ وَرَميُ يَومِهِ.
وَيَخطُبُ فِيهِمُ الإِمَامُ بَعدَ الظُّهرِ وَيُعَلِّمُهُم جَوَازَ النَّفَرِ فِيهِ قَبلَ الغُرُوبِ وَيُوَدِّعُهُم.
الليلة الثالثة عشر من ذي الحجة
إِذَا أَدرَكَ اللَّيلَةَ الثَّالِثَةَ بِمِنًى وَلَم يَنفِر قَبلَ الغُرُوبِ وَجَبَ المَبِيتُ أَيِ المُكثُ فِي اللَّيلِ بِمِنًى مُعظَمَ اللَّيلِ وَلَا يَجِبُ النَّومُ فِيهَا.
اليوم الثالث عشر من ذي الحجة
يُسَمَّى يَومَ النَّفَرِ الثَّانِي.
يَجِبُ رَميُ الجَمَرَاتِ بَعدَ الزَّوَالِ إِذَا لَم يَنفِر يَومَ الثَّانِي عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ.
ما يفعله إذا فارق منى وقبل أن يغادر
إِذَا فَارَقَ الحَاجُّ مِنًى سَوَاءٌ كَانَ فِي يَومِ الثَّانِي عَشَرَ أَوِ الثَّالِثِ عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ فَعَلَيهُ رُجُوعٌ إِلى مَكَّةَ وَطَوَافُ الوَدَاعِ لِغَيرِ حَائِضٍ.
وَيُسَنُّ شُربُ مَاءِ زَمزَمٍ وَلَو لِغَيرِ حَاجٍّ وَمُعتَمِرٍ وَأَن يَتَضَلَّعَ مِنهُ وَأَن يَستَقبِلَ القِبلَةَ عِندَ شُربِهِ.
ماذا يستحب بعد إتمام أعمال الحج
يُستَحَبُّ زِيَارَةُ قَبرِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَو لِغَيرِ حَاجٍّ وَمُعتَمِرٍ لِخَبَرِ: «مَا بَينَ قَبرِي وَمِنبَرِي رَوضَةٌ مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ وَمِنبَرِي عَلى حَوضِي»، وَخَبَرِ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلّا إِلى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ المَسجِدِ الحَرَامِ وَالمَسجِدِ الأَقصَى وَمَسجِدِي هَذَا» رَوَاهُمَا الشَّيخَانِ.
وَسُنَّ لِمَن قَصَدَ المَدِينَةَ الشَّرِيفَةَ لِزِيَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَن يُكثِرَ فِي طَرِيقِهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ ﷺ، وَإِذَا رَأَى حَرَمَ المَدِينَةِ وَأَشجَارَهَا زَادَ فِي ذَلِكَ وَسَأَلَ اللهَ أَن يَنفَعَهُ بِهَذِهِ الزِّيَارَةِ وَيَتَقَبَّلَهَا مِنهُ، وَيَغتَسِلُ قَبلَ دُخُولِهِ وَيَلبَسُ أَنظَفَ ثِيَابِهِ، فَإِذَا دَخَلَ المَسجِدَ قَصَدَ الرَّوضَةَ، وَهِيَ بَينَ قَبرِهِ وَمِنبَرِهِ ﷺ، وَصَلَّى تَحِيَّةَ المَسجِدِ بِجَانِبِ المِنبَرِ وَشَكَرَ اللهَ تَعَالى بَعدَ فَرَاغِهِ عَلى هَذِهِ النِّعمَةِ، ثُمَّ وَقَفَ مُستَدبِرَ القِبلَةِ مُستَقبِلَ رَأسِ القَبرِ الشَّرِيفِ وَيَبعُدُ عَنهُ نَحوَ أَربَعَةِ أَذرُعٍ، نَاظِرًا لِأَسفَلَ مَا يَستَقبِلُهُ فَارِغَ القَلبِ مِن عُلَقِ الدُّنيَا وَيُسَلِّمُ بِلَا رَفعِ صَوتٍ، وَأَقَلُّهُ: السَّلَامُ عَلَيكَ يَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيكَ وَسَلَّمَ، وَإِذَا طَلَبَ مِنهُ أَحَدٌ أَن يُسَلِّمَ عَلَيهِ قَالَ يُسَلِّمُ عَلَيكَ فُلَانٌ أَو يُقرِئُكَ السَّلَامَ، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ صَوبَ يَمِينِهِ قَدرَ ذِرَاعٍ فَيُسَلِّمُ عَلى أَبِي بَكرٍ، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ قَدرَ ذِرَاعٍ فَيُسَلِّمُ على عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، ثُمَّ يَرجِعُ إِلى مَوقِفِهِ الأَوَّلِ قُبَالَةَ وَجهِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَتَوَسَّلُ بِهِ فِي حَقِّ نَفسِهِ وَيَستَشفِعُ بِهِ إِلى رَبِّهِ، ثُمَّ يَستَقبِلُ القِبلَةَ وَيَدعُو بِمَا شَاءَ لِنَفسِهِ وَلِلمُسلِمِينَ، وَإِذَا أَرَادَ السَّفَرَ وَدَّعَ المَسجِدَ بِرَكعَتَينِ وَأَتَى القَبرَ الشَّرِيفَ وَأَعَادَ نَحوَ السَّلَامِ الأَوَّلِ.
الخاتمة
نَسأَلُ اللهَ أَن يَرزُقَنَا الحَجَّ المَبرُورَ. فَقَد قَالَ بَعضُ الصَّالِحِينَ: “كَثُرَ الضَّجِيجُ وَقَلَّ الحَجِيجُ”، فَيَنبَغِي عَلَى الإِنسَانِ أَن يَتَعَلَّمَ مَا فَرَضَ اللهُ عَلَيهِ مِن أُمُورِ الحَجِّ إِن كَانَ مُستَطِيعًا لِلحَجِّ، فَإِنَّهُ إِن لَم يَتَعَلَّم كَيفِيَّةَ الحَجِّ كَيفَ سَيَعرِفُ هَل قُبِلَ عَمَلُهُ أَم لَا، وَقَد يَقَعُ فِي الحَرَامِ فِي أَثنَاءِ الحَجِّ، بَل وَقَد لَا يَصِحُّ حَجُّهُ أَو يَرجِعُ وَلَم يَتَحَلَّل مِن إِحرَامِهِ لِتَفوِيتِ رُكنٍ، فَمِنَ المُهِمِّ أَن يَتَعَلَّمَ الإِنسَانُ أُمُورَ دِينِهِ وَأَن لَا يَدخُلَ فِي شَيءٍ حَتَّى يَعلَمَ مَا أَحَلَّ اللهُ مِنهُ وَمَا حَرَّمَ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- السُّنَنِ الكُبرَى لِلبَيهَقِيِّ.
- رَوضَةُ الطَّالِبِينَ وَعُمدَةُ المُفتِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
- فَتحُ الوَهَّابِ بِشَرحِ مَنهَجِ الطُّلَّابِ لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ.