ما هو الحكم الشرعي في المسح على الخفين في الوضوء؟ وما هي الأحوال التي يكون واجبا فيه؟ ومتى يكون سنة؟
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيْدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [سورة البقرة الآية:١٨٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُم فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «دِينُ اللهِ يُسرٌ»، رَوَاهُ السُّيُوطِيُّ، وَقَالَ ﷺ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَإِنَّ دِينَنَا الحَنِيفَ دِينُ يُسرٍ وَرَحمَةٍ، يَسَّرَ اللهُ لَنَا فِيهِ وَرَخَّصَ رُخَصًا لِيَكُونَ الأَمرُ هَيِّنًا عَلَينَا وَمِن رَحمَتِهِ تَعَالَى بِنَا أَنَّّ مَن كَانَ لابِسًا لِلخُفِّ يَجُوزُ لَهُ أَن يَمسَحَ عَلَيهِ بِشُرُوطٍ إِن كَمَلَت.
ثبوت المسح على الخفين في ديننا
لَا مُخَالِفَ فِي جَوَازِ المَسحِ عَلَى الخُفَّينِ بَينَ الصَّحَابَةِ وَجُمهُورِ مَن جَاءَ بَعدَهُم، وَقَد ثَبَتَ المَسحُ عَلَى الخُفِّ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ بِرِوَايَةِ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنهُم عَلِيٌّ، وَأَحصَى بَعضُ التَّابِعِينَ سَبعِينَ صَحَابِيًّا رَوَى ذَلِكَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَهُوَ حَدِيثٌ مُتَوَاتِرٌ وَرَوَاهُ كَثِيرٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ فِي مُؤَلَّفَاتِهِم، وَلِذَلِكَ قَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي عَقِيدَتِهِ “وَنَرَى المَسحَ عَلَى الخُفَّينِ فِي السَّفَرِ وَالحَضَرِ كَمَا جَاءَ فِي الأَثَرِ”. أَلحَقَ الطَّحَاوِيُّ هَذِهِ المَسأَلَةَ فِي عَقِيدَتِهِ لِأَنَّ تَركَ المَسحِ عَلَى الخُفَّينِ صَارَ شِعَارَ أَهلِ البِدَعِ. قَالَ الرَّملِيُّ فِي نِهَايَةِ المُحتَاجِ: وَأَحَادِيثُهُ صَحِيحَةٌ كَثِيرَةٌ بَلْ مُتَوَاتِرَةٌ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ إنْكَارُهُ -أَيْ مِنْ أَصْلِهِ- كُفْرًا، وَلَكِن مَن رَآهُ ثُمَّ لَم يَمسَح آخِذًا بِالعَزِيمَةِ كَانَ مَأجُورًا.
بعض الأحاديث الواردة في المسح على الخفين
رَوَى البَيهَقِيُّ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟ فَقُلْتُ: أَبْتَغِي الْعِلْمَ. فَقَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ. قُلْتُ: حَكَّ فِي صَدْرِي الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ –أي أَصَابَهُ شَكٌّ هَل يَجُوزُ المَسحُ عَلَى الخُفَّينِ- وَكُنْتَ امْرَأً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَتَيْتُكَ أَسْأَلُكَ هَلْ سَمِعْتَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفْرًا أَوْ مُسَافِرِينَ -شَكَّ الرَّاوِي- أَلَّا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا إِلَّا مِنَ الْجَنَابَةِ وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ.
وروى البَيهَقِيُّ أَيضًا عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافَرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلِيًّا وَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَمْسَحَ ثَلَاثًا إِذَا سَافَرْنَا وَيَوْمًا إِذَا أَقَمْنَا».
شروط المسح على الخفين عند الشافعية
شُرُوطُ المَسحِ عَلى الخُفَّينِ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ خَمسَةٌ:
- أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ طَاهِرًا لَا نَجِسًا نَحْوَ جِلْدِ مَيْتَةٍ.
- أَن يَكُونَ سَاتِرًا لِمَحَلِّ غَسْلِ الْفَرْضِ مِنَ الْقَدَمَيْنِ، فَلَوْ قَصُرَ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، لَمْ يَجُزْ قَطْعًا.
- أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا، بِحَيْثُ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ بِلَا نَعْلٍ، بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسَافِرُ فِي حَوَائِجِهِ عِنْدَ الْحَطِّ وَالتِّرْحَالِ، فَقَد قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوضَةِ: فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى اللَّفَائِفِ وَالْجَوَارِبِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ صُوفٍ وَلِبْدٍ، وَكَذَا الْجَوَارِبُ الْمُتَّخَذَةُ مِنَ الْجِلْدِ الَّذِي يُلْبَسُ مَعَ الْمُكَعَّبِ، لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا حَتَّى يَكُونَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهَا، وَلَوْ تَعَذَّرَ الْمَشْيُ فِيهِ لِسَعَتِهِ الْمُفْرِطَةِ، أَوْ ضِيقِهِ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ تَعَذَّرَ لِغِلَظِهِ، أَوْ ثِقَلِهِ، كَالْخَشَبِ وَالْحَدِيدِ، أَوْ لِتَحْدِيدِ رَأْسِهِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى الْأَرْضِ، لَمْ يَجُزْ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيضًا: وَلَوْ لَبِسَ وَاسِعَ الرَّأْسِ يَرَى مِنْ رَأْسِهِ الْقَدَمَ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ.
- وَأَنْ يَبْتَدِئَ لُبْسَهُمَا بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، فَلَوْ غَسَلَ رِجْلًا فَلَبِسَ خُفَّهَا، ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ، فَلَوْ نَزَعَ الْأُولَى ثُمَّ لَبِسَهَا، كَفَاهُ.
- وَأَنْ يَكُونَ الْخُفُّ مَانِعًا لِنُفُوذِ الْمَاءِ، وَلَوْ وُجِدَتْ فِي الْخُفِّ شَرَائِطُهُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْمَاءِ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَلا يَكْفِي الْمَسْحُ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ.
هل يشترط للخف نعل؟
وَلا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لِلْخُفِّ نَعْلٌ يَقِيهِ بَلْ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الَّذِي يُمْشَى بِهِ فِي الشَّوَارِعِ فِي الطِّينِ لِأَنَّ طِينَ الشَّوَارِعِ الْمُتَنَجِّسَ يُعْفَى عَنْهُ، فَقَدْ رَوَى مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَمْشُونَ فِي الطِّينِ حُفَاةً ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلا يَغْسِلُونَ أَرْجُلَهُمْ».
كيفية المسح على القدمين
يُسَنُّ مَسْحُ ظَاهِرِ أَعْلَاهُ السَّاتِرِ لِظَهْرِ الْقَدَمِ وَأَسْفَلِهِ وَعَقِبِهِ وَحَرْفِهِ خُطُوطًا بِأَنْ يَضَعَ يُسْرَاهُ تَحْتَ عَقِبِهِ وَيُمْنَاهُ عَلَى ظَهْرِ أَصَابِعِهِ ثُمَّ يُمِرُّ الْيُمْنَى لِسَاقِهِ وَالْيُسْرَى لِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ مِنْ تَحْتُ مُفَرِّجًا بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْهِ لِخَبَرَيْنِ فِي ذَلِكَ.
أَمَّا أَقَلُّهُ، فَمَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ مِنْ مَحَلِّ فَرْضِ الْغَسْلِ فِي الرِّجْلِ، إِلَّا أَسْفَلَهَا، فَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ فَلَا يَكْفِي مَسْحُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ الِاقْتِصَارُ عَلَى الأَسفَلِ وَثَبَتَ عَلَى الْأَعْلَى، وَالرُّخَصُ يَتَعَيَّنُ فِيهَا الِاتِّبَاعُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: حَرْفُ الخُفِّ كَأَسْفَلِهِ، لِمَا ذُكِرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
رَوَى البَيهَقِيُّ: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «لِيَضَعِ الَّذِي يَمْسَحُ الْخُفَّيْنِ يَدًا مِنْ فَوْقِ الْخُفِّ وَيَدًا مِنْ تَحْتِ الْخُفِّ ثُمَّ يَمْسَحُ» قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي مَسْحِ الْخُفَّيْنِ. قَالَ عُثْمَانُ: وَوَصَفَهُ لِي يَحْيَى فَوَضَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ فَوْقَ وَالْأُخْرَى تَحْتَ.
وعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «وَضَّأْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَمَسَحَ أَعْلَى الْخُفَّيْنِ وَأَسْفَلَهُ»
وعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْي لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ.
قَالَ البَيهَقِيُّ: وَهَذَا فِي جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ وَالْأَوَّلُ عَلَى الِاخْتِيَارِ إِنْ صَحَّ إِسْنَادُهُ وَهُوَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ فِعْلِهِ صَحِيحٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعِندَ الحَنفِيَّةِ لَا يَجُوزُ المَسحُ إِلَّا على ظاهِرِهِمَا. وَالسُّنَّةُ عِندَهُم أَن يَكُونَ المَسحُ خُطُوطًا بِالأَصَابِعِ فَلَو مَسَحَ بِرَاحَتِهِ جَازَ، وَيَبدَأُ بِالمَسحِ مِن رُؤُوسِ أَصَابِعِ الرِّجلِ إِلى مَبدَأِ السَّاقِ وَلَو عَكَسَ جَازَ، وَفَرضُ ذَلكَ مِقدَارُ ثَلاثِ أَصَابِِعَ. ذَكَرَهُ فِي اللُّبَابِ في شَرحِ الكِتَابِ.
متى ابتداء مدة المسح؟
وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ.
ما هي مدة المسح؟
وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُسَافِرَ إِنَّمَا يَمْسَحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِذَا كَانَ سَفَرُهُ طَوِيلًا، وَغَيْرَ مَعْصِيَةٍ، فَإِنْ قَصُرَ سَفَرُهُ، مَسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً. كَمَا تَقَدَّمَتِ الأَحَادِيثُ في ذَلِكَ، كَحَدِيثِ صَفَّوَانَ بنِ عَسَّالٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
ما يبطل المسح؟
وَيَبْطُلُ الْمَسْحُ بِثَلاثَةِ أَشْيَاءَ: بِخَلْعِهِمَا، وَانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ الْخُفُّ عَنْ صَلاحِيَّةِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ لِضَعْفِهِ أَوْ لِتَخَرُّقِهِ، كَمَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوضَةِ، وَالرَّملِيُّ فِي نِهَايَةِ المُحتَاجِ.
أحوال يجب المسح على الخفين
قَدْ يَجِبُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ وَذَلِكَ كَأَنْ يَضِيقَ الْوَقْتُ عَلَى الرَّجُلِ لإِدْرَاكِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ بِحَيْثُ يَفُوتُهُ إِنْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ، وَكَانَ لُبْسُهُ لِلْخُفِّ وَهُوَ مُحْرِمٌ لِعُذْرٍ إِنْ كَانَ رَجُلًا لِأَنَّ الرَّجُلَ حَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّ وَقْتَ الإِحْرَامِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ. كَذَلِكَ إِنْ ضَاقَ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ وَاضْطُرَّ لإِنْقَاذِ نَحْوِ غَرِيقٍ كَأَنْ يَكُونَ يَلْحَقُ الْوَقْتَ إِنْ مَسَحَ وَأَنْقَذَ الْغَرِيقَ. أَيْ إِنْ كَانَتْ تَفُوتُهُ الصَّلاةُ إِنْ لَمْ يَمْسَحْ وَكَانَ وَقْتُ الصَّلاةِ ضَيِّقًا فَلَوِ اشْتَغَلَ بِالْغَسْلِ بَعْدَ إِنْقَاذِ الْغَرِيقِ فَاتَتْهُ الصَّلاةُ، كَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ يَكْفِيهِ لَوْ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ وَلا يَكْفِيهِ إِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ فَيَجِبُ الْمَسْحُ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَيْضًا.
وَقَدْ يَحْرُمُ لُبسُهُمَا كَأَنْ لَبِسَهُ مُحْرِمٌ تَعَدِّيًا، ذَكَرَهَا كُلَّهَا الرَّمْلِيُّ فِي نِهَايَةِ المُحتَاجِ.
متى يستحب المسح على الخفين؟
وَيُسَنُّ لِمَنْ وَجَدَ ثِقَلًا فِي نَفْسِهِ لِعَدَمِ إِلْفِهِ أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَدْ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الأَصْلِ وَهُوَ الْغَسْلُ فَهَذَا لِيَكْسِرَ نَفْسَهُ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ حَتَّى يَكُونَ اتَّبَعَ الرَّسُولَ ﷺ لِأَنَّ الرَّسُولَ مَسَحَ، فَفِي هَذِهِ الْحَالِ يُسَنُّ الْمَسْحُ بَدَلَ الْغَسْلِ. أَمَّا فِي الأَصْلِ الْغَسْلُ أَفْضَلُ لَكِنْ مَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ نُفُورًا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ يُسَنُّ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِيُزِيلَ أَثَرَ ذَلِكَ النُّفُورِ.
ما هو الخف والجورب والجرموق
أَمَّا الخُفُّ قَالَ في القَامُوسِ المُحِيطِ: وَاحِدُ الخِفَافِ الَّتِي تُلبَسُ، وَمِثلَهُ قَالَ فِي المِصبَاحِ وَالصَّحَاحِ وَلِسَانِ العَرَبِ، وَاستَغنَوا عَنِ التَّعرِيفِ بِهِ لِأَنَّهُ مَعرُوفٌ.
وَأَمَّا الجَورََبُ قَالَ في القَامُوسِ هُوَ: لِفَافَةُ الرِّجْلِ، جَمْعُهُ: جَوارِبَةٌ وجَوارِبُ، وَقَالَ العَينِيُّ فِي كِتَابِ البِدَايَةِ شَرحِ الهِدَايَةِ: الجَورَبُ يُتَّخَذُ مِن جِلدٍ يُلتَبَسُ فِي القَدَمِ إِلى السَّاقِ لَا عَلَى هَيئَةِ الخُفِّ، بَل هُو لُبسٌ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وَجَمعُهُ جَوَارِبَةٌ، قُلتُ: الجَورَبُ هُو الَّذِي يَلبَسُهُ أَهلُ البِلَادِ الشَّامِيَّةِ الشَّدِيدَةِ البَردِ، وَهُوَ يُتَّخَذُ مِن غَزلِ الصُّوفِ المَفتُولِ، يُلبَسُ في القَدَمِ إِلى مَا فَوقَ الكَعبِ.
وَالْجُرْمُوقُ كَمَا قَالَ الفَيُّومِيُّ فِي المِصبَاحِ المُنِيرِ: مَا يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ وَالْجَمْعُ الْجَرَامِيقُ مِثْلُ: عُصْفُورٍ وَعَصَافِيرَ.
وَقَالَ ابنُ مَنظُورٍ فِي لِسَانِ العَرَبِ: الجُرْمُوقُ: خُفٌّ صَغِيرٌ، وَقِيلَ خُفٌّ صَغِيرٌ يُلبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ.
هل يجوز المسح على الجورب بدل الخف؟
الجَورَبُ المَعرُوفُ فِي زَمَانِنَا وَهُوَ لَا يَمنَعُ نُفُوذَ المَاءِ وَلَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ بِلَا نَعْلٍ، بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسَافِرُ فِي حَوَائِجِهِ عِنْدَ الْحَطِّ وَالتِّرْحَالِ، فَهَذَا لَا يَصِحُّ المَسحُ عَلَيهِ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ بَل وَعِندَ جُمهُورِ الفُقَهَاءِ، وَقَد أَجَازَهُ بَعضُهُم بِشُرُوطِهِ.
فقد أَجَازَ الإِمَامُ أَحْمَدُ الْمَسْحَ عَلَى الْجَوْرَبِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ يَمْنَعُ رُؤْيَةَ لَوْنِ الْجِلْدِ مِنْ تَحْتِهِ وَلَوْ كَانَ لا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْمَاءِ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبِ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنْ يَعُمَّ أَغْلَبَ ظَاهِرِ الْقَدَمِ. فَإِذَا كَانَ الْخُفُّ مُسْتَوْفِيًا لِلشُّرُوطِ كُلِّهَا نَابَ الْمَسْحُ عَنِ الْغَسْلِ وَالْمَسْح.
وَلَا يَجُوزُ المَسحُ على الجَورَبَينِ عِندَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا أَن يَكُونَا مُجَلَّدَينِ (أَي جَعلُ الجِلدِ عَلَى مَا يَستُرُ القَدَمَ مِنهُمَا إِلى الكَعبِ) أَو مُنَعَّلَينِ (أَي جَعل الجِلدِ عَلى مَا يَلِي الأَرضَ مِنهُمَا إِلى الكَعبِ). وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَجُوزُ المَسحُ على الجَورَبَينِ إِذا كَانَا ثَخِينَينِ لَا يَشِفَّانِ الماءَ (أَي لَا يَجذِبَانِهِ وَلَا يَنفُذَانِهِ إِلى القَدَمَينِ). وَفي التَّصحِيحِ أَنَّ أَبَا حَنيفَةَ رَجَعَ إِلى قَولِهِمَا وَعَليهِ الفَتوَى عِندَهُم رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى.
الخاتمة
فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ وَالأَدِلَّةِ المَذكُورَةِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَعُلَمَاءِ المُسلِمِينَ تَصرِيحٌ بِأَنَّ المَسحَ عَلَى الخُفَّينِ جَائِزٌ مَشرُوعٌ، وَقَد فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَفِعلُهُ دَلِيلٌ لَنَا عَلَى جَوَازِهِ وَلَا عِبرَةَ بِمَن أَنكَرَهُ إِذ هُوَ -أَيِ النَّبِيُّ ﷺ- قُدوَةٌ لَنَا، فَعَلَى المَرءِ أَن يَحتَاطَ لِدِينِهِ فَإِنَّ الِاحتِيَاطَ أَسلَمُ لَهُ، وَليَحذَرِ المَرءُ مِنَ الفَتوَى بِغَيرِ عِلمٍ، فَإِنَّ الإِفتَاءَ بِغَيرِ عِلمٍ فِيهِ هَلَاكٌ كَبِيرٌ وَيُؤَدِّي إِلَى الفَتَاوَى الضَّالَّةِ الهَدَّامَةِ الَّتِي مَا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلطَانٍ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- السُّنَنِ الكُبرَى لِلبَيهَقِيِّ.
- سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
- الأُمِّ لِلإِمَامِ الشَّافِعِيِّ.
- كِفَايَةِ النَّبِيهِ لِابنِ الرِّفعَةِ.
- الحَاوِي الكَبِيرِ لِلمَاوَردِيِّ.
- مُختَصَرِ المُزَنِيِّ.
- رَوضَةِ الطَّالِبِينَ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
- المَجمُوعِ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
- نِهَايَةِ المُحتَاجِ لِلرَّملِيِّ.
- الشَّرحِ الكَبِيرِ لِلإِمَامِ الرَّافِعِيِّ.
- كِفَايَةِ الأَخيَارِ لِتَقِيِّ الدِّينِ الحِصنِيِّ.
- حَاشِيَةِ ابنِ عَابِدِينَ لِابنِ عَابِدِينَ الحَنَفِيِّ.
- لِسَانِ العَرَبِ لِابنِ مَنظُورْ.
- تَاجِ العَرُوسِ مِن جَوَاهِرِ القَامُوسِ لِلزَّبِيدِيِّ.