مَا هُوَ الحُكمُ الشَّرعِيُّ فِي غَسلِ الرِّجلِ فِي الوُضُوءِ؟ هَل هُوَ وَاجِبٌ؟ أَم يَجُوزُ المَسحُ؟
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَمَّا بَعدُ:
مقدمة: أهمية الوضوء وشروطه الشرعية
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمتُم إِلَى الصَّلَاةِ فَاغسِلُوا وُجُوهَكُم وَأَيدِيَكُم إِلَى المَرَافِقِ وَامسَحُوا بِرُءُوسِكُم وَأَرجُلَكُم إِلَى الكَعبَينِ﴾، [سورة المائدة: 6].
يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ مُكَلَّفٍ قَبلَ أَن يَدخُلَ فِي شَيءٍ أَن يَعلَمَ مَا أَحَلَّ اللهُ تَعَالَى مِنهُ وَمَا حَرَّمَ، لِأَنَّ أَدَاءَ الوَاجِبَاتِ وَاجتِنَابَ المُحَرَّمَاتِ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ العِلمِ، وَمِن أَهَمِّ مَا يَجِبُ عَلَى المُسلِمِ أَن يَتَعَلَّمَهُ أُمُورُ العِبَادَاتِ الَّتِي مِنهَا الوُضُوءُ، وَقَدِ انتَشَرَ بَينَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ السُّؤَالُ عَن حُكمِ مَسحِ القَدَمِ بَدَلَ الغَسلِ، حَيثُ إِنَّ كَثِيرًا مِنهُم يَعدِلُ إِلَى المَسحِ لِسُهُولَتِهِ وَيَترُكُ الغَسلَ، فَمَا هُوَ حُكمُ المَسحِ عَلَى القَدَمِ فِي الوُضُوءِ؟
حكم المسح على القدم بدل الغسل
الأَصلُ فِي مَشرُوعِيَّةِ الوُضُوءِ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمتُم إِلَى الصَّلَاةِ فَاغسِلُوا وُجُوهَكُم وَأَيدِيَكُم إِلَى المَرَافِقِ وَامسَحُوا بِرُءُوسِكُم وَأَرجُلَكُم إِلَى الكَعبَينِ﴾، [سورة المائدة: 6]، وَقَد جَاءَ في الآيَةِ قِرَاءَتَانِ قِرَاءَةُ نَصبِ كَلِمَةِ ﴿وَأَرجُلَكُم﴾ وَقِرَاءَةُ جَرِّهَا. قَالَ جُمهُورُ المُجتَهِدِينَ: فَمِن فَرَائِضِ الوُضُوءِ غَسلُ الرِّجلَينِ مَعَ الكَعبَينِ وَمَا عَلَيهِمَا مِن شَعَرٍ وَسِلعَةٍ [أَي لَحمَةٍ زَائِدَةٍ] وَشُقُوقٍ وَنَحوِ ذَلِكَ، أَو مَسحُ الخُفِّ المُستَوفِي لِلشُّرُوطِ بَدَلًا عَن غَسلِ الرِّجلَينِ، فَإِنَّ الَّذِي ثَبَتَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ ثُبُوتًا قَطعِيًا هُوَ غَسلُهُمَا أَوِ المَسحُ عَلَى الخُفِّ، وَأَخذًا بِقِرَاءَةِ نَصبِ كَلِمَةِ ﴿وَأَرجُلَكُم﴾ عَطفًا لِلأَرجُلِ على الوُجُوهِ، فَهُوَ مَنصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِي الأُمِّ، وَاختَارَ ذَلِكَ جُملَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ كَابنِ الرِّفعَةِ فِي كِفَايَةِ النَّبِيهِ، وَالمَاوَردِيِّ فِي الحَاوِي الكَبِيرِ، وَالمُزَنِيِّ فِي مُختَصَرِهِ، وَالنَّوَوَيِّ فِي المَجمُوعِ، وَالرَّافِعِيِّ فِي الشَّرحِ الكَبِيرِ، وَتَقِيِّ الدِّينِ الحِصنِيِّ فِي كِفَايَةِ الأَخيَارِ، وَالعِمرَانِيَّ فِي البَيَانِ، بَل وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي المَجمُوعِ: «قَد أَجمَعَ المُسلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ غَسلِ الرِّجلَينِ وَلَم يُخَالِف فِي ذَلِكَ مَن يُعتَدُّ بِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيرُهُ».اهـ
لَكِن لَا يُضَلَّلُ مَن قَالَ بِالاكتِفَاءِ بِمَسحِ الرِّجلَينِ أَي جَمِيعِهِمَا بَدَلَ غَسلِهِمَا، لِقَولِ بَعضِ المُجتَهِدِينَ بِذَلِكَ، استِدلَالًا بِظَاهِرِ قِرَاءَةِ جَرِّ كَلِمَةِ ﴿وَأَرجُلِكُم﴾ عَطفًا لِلأَرجُلِ عَلَى الرُّءُوسِ، لَكِنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِقَولِ الجُمهُورِ.
الدليل من القرءان على قول الجمهور
احتَجَّ الجُمهُورُ لِتَعَيُّنِ غَسلِ الرِّجلَينِ بَدَلَ مَسحِهِمَا بِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمتُم إِلَى الصَّلَاةِ فَاغسِلُوا وُجُوهَكُم وَأَيدِيَكُم إِلَى المَرَافِقِ وَامسَحُوا بِرُءُوسِكُم وَأَرجُلَكُم إِلَى الكَعبَينِ﴾، [سورة المائدة: 6]، بِقِراءَةِ النَّصبِ عَطفًا لِلأَرجُلِ على الوُجُوهِ، وَأَجَابُوا عَن قِرَاءَةِ الجَرِّ فِي ﴿وَأَرجُلِكُم﴾، بِأَنَّ المَسحَ بِالنِّسبَةِ لِلأَرجُلِ مُتَّجِهٌ لُغَةً، لِأَنَّ العَرَبَ تُطلِقُ المَسحَ على الغَسلِ الخَفِيفِ، كَمَا قَالَ بِذَلِكَ بَعضُ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ مِنهُمُ الفَيُّومِيُّ وَبِأَنَّ الجَرَّ مَحمُولٌ على الجِوارِ، وَفِي ذَلِكَ تَوفِيقٌ بَينَ القِرَاءَتَينِ قِرَاءَةِ النَّصبِ وَقِرَاءَةِ الجَرِّ الثَّابِتَتَينِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ.
فَإِن قِيلَ لِمَ لَم يُقَدِّم عُضوَ الرِّجلِ عَلَى عُضوِ الرَّأسِ فِي الآيَةِ؟ فَالجَوَابُ أَنَّ التَّقدِيمَ وَالتَّأخِيرَ إِنَّمَا كَانَ لِبَيَانِ تَرتِيبِ غَسلِ الأَعضَاءِ فِي الوُضُوءِ، وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ابدَأُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ»، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطنِيُّ، فَكَانَ ذَلِكَ إِشَارَةً وَدِلَالَةً عَلَى أَنَّهُ يُغسَلُ الوَجهُ ثُمَّ اليَدَانِ ثُمَّ يُمسَحُ الرَّأسُ ثُمَّ يُغسَلُ القَدَمَانِ.
الدليل من الحديث على قول الجمهور
جَاءَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ مُبَيِّنَةً لِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَمَا يُرَادُ مِنهُ، وَمِنَ السُّنَّةِ أَفعَالُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَد ثَبَتَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُبُوتًا قَطعِيًّا بِالأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ المُستَفِيضَةِ فِي صِفَةِ وُضُوءِهِ ﷺ أَنَّهُ غَسَلَ رِجلَيهِ، مِنهَا حَدِيثُ عُثمَانَ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ وَحَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيرَةَ وَعَبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ وَالرَّبِيعِ بِنتِ مُعوِذٍ وَعَمرِو بنِ عَبَسَةَ وَغَيرُهَا مِن الأَحَادِيثِ المَشهُورَةِ فِي الصَّحِيحَينِ وَغَيرِهِمَا.
فَمِن ذَلِكَ مَا رَوَى مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن نُعَيمِ بنِ عَبدِ اللهِ المُجمِرِ قَالَ: رَأَيتُ أَبَا هُرَيرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجهَهُ فَأَسبَغَ الوُضُوءَ -أَي وَفَّى العُضوَ حَقَّهُ فِي الغَسلِ- ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمنَى حَتَّى أَشرَعَ (بَدَأَ) فِي العَضُدِ -وَهُوَ مَا بَينَ الكَتِفِ وَالسَّاعِدِ-، ثُمَّ يَدَهُ اليُسرَى حَتَّى أَشرَعَ فِي العَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجلَهُ اليُمنَى حَتَّى أَشرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجلَهُ اليُسرَى حَتَّى أَشرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجهَهُ وَذِرَاعَيهِ وَمَسَحَ بِرَأسِهِ وَغَسَلَ رِجلَيهِ وَقَالَ: «هَذَا وضوءٌ لَا يَقبَلُ اللهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ»، رَوَاهُ البَيهَقِيُّ.
وَعَن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيفَ الطُّهُورُ، فَدَعَا بِمَاءٍ فِي إنَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيهِ ثَلَاثًا، وَذَكَرَ الحَدِيثَ إِلَى أَن قَالَ: ثُمَّ غَسَلَ رِجلَيهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا الوُضُوءُ، فَمَن زَادَ عَلَى هَذَا أَو نَقَصَ فَقَد أَسَاءَ وَظَلَمَ» [أَي مَا أَتَى بِالأَكمَلِ]، هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، وَهَذَا مِن أَحسَنِ الأَدِلَّةِ فِي المَسأَلَةِ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي المَجمُوعِ.
وَعَن عَمرِو بنِ عَبَسَةَ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ المَشهُورِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنكُم مِن أَحَدٍ يُقَرِّبُ وُضُوءَهُ فَيُمَضمِضُ إلَّا خَرَّت خَطَايَا وَجهِهِ وَفِيهِ (وَفَمِهِ) وَخَيَاشِيمِهِ مَعَ المَاءِ» إِلَى أَن قَالَ: «ثُمَّ يَغسِلُ قَدَمَيهِ إلَى الكَعبَينِ إلَّا خَرَّت خَطَايَا رِجلَيهِ مِن أَنَامِلِهِ مَعَ المَاءِ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ، قَالَ عَمرُو بنُ عَبَسَةَ: سَمِعتُهُ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَكثَرَ مِن سَبعِ مِرَارٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عِندَ البَيهَقِيِّ: «ثُمَّ يَغسِلُ قَدَمَيهِ إلَى الكَعبَينِ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى»، قَالَ البَيهَقِيُّ: وَفِي هَذَا دِلَالَةٌ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِغَسلِهِمَا.
وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا تَوَضَّأَ العَبدُ المُسلِمُ» أَو «المُؤمِنُ فَغَسَلَ وَجهَهُ خَرَجَ مِن وَجهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ»، إِلَى أَن قَالَ: «فَإِذَا غَسَلَ رِجلَيهِ خَرَجَت كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتهَا رِجلَاهُ مَعَ المَاءِ» أَو «مَعَ آخِرِ قَطرِ المَاءِ حَتَّى يَخرُجَ نَقِيًّا مِن الذُّنُوبِ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ.
الخاتمة
فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ وَالأَدِلَّةِ المَذكُورَةِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَعُلَمَاءِ المُسلِمِينَ تَصرِيحٌ بِأَنَّ استِيعَابَ الرِّجلَينِ بِالغَسلِ وَاجِبٌ فَلَا يُجزِئُ المَسحُ فِي مَوضِعِ الغَسلِ، فَعَلَى المَرءِ أَن يَحتَاطَ لِدِينِهِ فَإِنَّ الِاحتِيَاطَ أَسلَمُ لَهُ، وَليَحذَرِ المَرءُ مِنَ الفَتوَى بِغَيرِ عِلمٍ، فَإِنَّ الإِفتَاءَ بِغَيرِ عِلمٍ فِيهِ هَلَاكٌ كَبِيرٌ وَيُؤَدِّي إِلَى الفَتَاوَى الضَّالَّةِ المُخَالِفَةِ لِلشَّرِيعَةِ الهَدَّامَةِ الَّتِي مَا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلطَانٍ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- السُّنَنِ الكُبرَى لِلبَيهَقِيِّ.
- سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
- الأُمِّ لِلإِمَامِ الشَّافِعِيِّ.
- كِفَايَةِ النَّبِيهِ لِابنِ الرِّفعَةِ.
- الحَاوِي الكَبِيرِ لِلمَاوَردِيِّ.
- مُختَصَرِ المُزَنِيِّ.
- المَجمُوعِ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.
- الشَّرحِ الكَبِيرِ لِلإِمَامِ الرَّافِعِيِّ.
- كِفَايَةِ الأَخيَارِ لِتَقِيِّ الدِّينِ الحِصنِيِّ.
- البَيَانِ لِلعِمرَانِيِّ.