بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد:
قال الله تعالى
وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب
قال الله تعالى
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا
قال رسول الله ﷺ
مَنْ تَوَضَّأَ كَمَا أُمِرَ وَصَلَّى كَمَا أُمِرَ غُفِرَ لَهُ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ
وقد ثبَتَ في الحديثِ التّرخيصُ بالمَسحِ على الخُفَّين، فمِن ذلكَ:
- ما رواهُ أبو دَاوُد وأَحمَدُ عَن ثَوبان أنَّه قالَ: “بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ شَكَوْا إِلَيْهِ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْبَرْدِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ“.
- وما رَواهُ الشَّيخان عن جَريرِ بن عبدِ الله البَجَلِيِّ أنَّه قالَ: “رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَالَ [أي عَلِمتُ أنَّه بَالَ]، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ“.
فَوَرَدَ فِي بعضِ الأحاديثِ السَّابقةِ ذِكرُ الجَورَبَينِ، وقد اختُلِف في تفسيرِهما حتى إنَّ الفُقهَاء أفرَدوا لذلك بابَ المَسحِ على الجورَبين.
حكم المسح على الجورب في المذاهب الأربعة
مذهب الشافعية
قال الشِّيرَازِي في المُهَذَّبِ: وإن لَبِس جَوْربًا جازَ المَسح عليه بشرطَين:
- أن يكُون صَفِيقًا لا يَشِفُّ (أي أن يكون ثَخِينًا ثَقِيلًا لا رَقِيقًا).
- أن يَكُونَ مُنَعَّلًا (أي أن يكون رُكِّبَ عليه من أسفَلِه قطعة من البلاستيك مثلا أو نحوه بحيث يصير صالحا للمَشيِ).
قال النَّوَوِيُّ: وهكذا قَطَع به جماعةٌ منهم الشيخ أبو حامِدٍ الغَزَالِي والمَحَامِليُّ وابنُ الصَّبّاغ وغيرُهم، ونَقَل المُزَنِيّ أنه لا يَمسَح على الجَورَبَينِ إِلَّا أنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيِ القَدَمَينِ (أي بجَعل الجِلْد على ما يَستُر القَدَم منهما).
ثمّ قال النوويّ: والصّحيحُ بل الصوابُ ما ذكره القاضي أبو الطيّب والقَفّال وجماعاتٌ مِن المُحقِّقين أنه إنْ أَمكَن مُتابعةُ المَشْي عَلَيهِ جَازَ كَيفَ كانَ وإلا فلا.
مذهبُ المالكية
يجوز عندهم المَسحُ على الجَوربَين إذا كان مُجلَّدَين (أي بجَعل الجِلْد على ما يَستُر القَدَم منهما)، وإلّا لَم يَجُزِ المسحُ علَيهِما.
مذهبُ الحنفيّة
قالوا:
- إمّا أن يكون الجوربان مُجلَّدَين أو مُنَعَّلَين فإنّه يجوزُ المسحُ عليهِما.
- مُجلَّدَين: أي بجَعل الجِلْد على ما يَستُر القَدَم منهما
- مُنَعَّلَين: أي أن يكون رُكِّبَ عليه من أسفَلِه قطعة من البلاستيك مثلا أو نحوه بحيث يصير صالحا للمَشيِ
- وإمّا إن يكونا رَقِيقَين بحيث يُرَى ما تَحتَهما غيرَ مُنعَّلين فلا يجوز المسحُ علَيهما
- وإمّا إن يكونا غيرَ مُنعَّلين ثَخِينَين، فعن أبي حَنِيفةَ قولان:
- أحدهما: يجوز المسح عليهما.
- والثاني لا يجوز.
وعن أبي يوسُفَ ومحمَّدٍ جَوازُ المسحِ عليهِما.
قال العلاءُ السَّمَرْقَندِيُّ: وما قالاه أرفَقُ بالنّاس، وما قاله أبو حنيفة رحمة الله عليه أحوَطُ.
مذهبُ الحنابِلة
ينْبغي معرفةُ حَدِّ الجورَب عند الحنابلة، قال شمس الدّين الزركشيّ الحنبليّ: الجَورَبُ هو غِشاءٌ مِن صُوفٍ يُتَّخَذ للدِّفْء.
ولَمّا ذكَر الفقهاء الحنابلة شروطَ المسحِ على الخُفَّين لم يِزيدوا على ما مَرَّ إلّا التأكيدَ على أن يكون صفيقًا يستُر القدَم، لأنّ كثيرًا مِن الجوارِب خفيفةٌ غيرُ صفِيقةٍ، وإذا كان الجورَب خفيفًا يَصِفُ القَدَم لم يَجُز المسح عليه لأنّه غيرُ ساتِرٍ، فهو كالخُفِّ المُخرَّقِ لا يجوز المسح عليه.
ولا يُشتَرَط عِندهم أنْ يكونا مانِعَين لِنُفوذِ الماءِ، وقد صرَّح البُهوتي بذلك فقال: الشرط الرّابع إمكانُ مَشيٍ عُرفًا بِمَمسُوحٍ لا كونُه يَمنَع نُفوذَ الماءِ، فيَصِحُّ على خُفٍّ مِن جِلْدٍ ولِبْدٍ وخَشَبٍ وحَدِيدٍ وزُجاجٍ لا يَصِفُ البَشَرة ونحوه حيث أمكنَ المشيُ فيه لأنّه يُمكِنُ متابعة المشيِ فيه ساتِرًا لمحَلِّ الفرض فأشبَه الجِلدَ، وقد يُحتاج إلى بعضها في بعض البلاد.
خلاصة المسألة
الجَورَب المعروفُ عندَنَا اليَومَ لا يَصلُح للمَسحِ عَلَيه، إِذ إِنَّ مَا يتكلَّم عنهُ العُلَماءُ مُختَلف عمَّا نعرِفه نحنُ بالجَورَب الذِي نلبِسُه تحتَ الحِذاءِ، فهم تَكَلَّموا في جَوازِ المَسحِ على الجَورَب الثَّخين المُجَلَّد أي الذي غُلِّف بالجلد بحيث يَصلُح للمَشيِ، أو كان ثخينا مُنَعَّلًا أي رُكِّبَ أسفَلَ قدمِه شيءٌ جامِد كالبلاستيك بحيث يصير صالحا للمشي، ولم يتكلم بجواز المسح على ما نعرفه نحن اليوم بالجورب إلا الحنابلة لكنهم أكدوا على أن يكون ثخينا ولو لم يكن مُنَعَّلًا أو مُجَلَّدًا، لكن لا بد عندهم أن يكون ثخينا ثقيلا، لكن أغلب الجوارب اليوم ليست ثخينة، فَليُتَنَبَّه.
والحمدُ للهِ ربِّ العالَمِين، اللهُمَّ فَقِّهْنا في دِينِنا، واختِمْ بالصّالِحاتِ أعمالَنا، وصلَّى الله على سيّدنا محمَّد وعلى ءالِه وصحبِه وسلَّم.