بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ:
المقدمة
لَا شَكَّ أَنَّ تَعَلُّمَ كِتَابِ اللهِ العَظِيمِ بِنَفسِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي اختَطَّهَا المُعَلِّمُ الأَكرَمُ ﷺ أَمرٌ مُؤَكَّدٌ لَا بُدَّ مِنَ الِاعتِنَاءِ بِهِ، فَالقُرآنُ مَنبَعٌ لِلعُلُومِ وَالحِكَمِ، وَطَرِيقَةُ إِتقَانِهِ تَكُونُ بِالعُكُوفِ عَلَى مَجَالِسِ العِلمِ وَتَلَقِّي لَفظِهِ مِن أَهلِ العِلمِ الثِّقَاتِ وَأَفوَاهِ المَشَايِخِ المُتقِنِينَ الَّذِينَ تَلَقَّوا قِرَاءَتَهُ مِمَّن قَبلَهُم، حَتَّى يَتَّصِلَ السَّنَدُ إِلَى الصَّحَابَةِ الكِرَامِ، لَا بِالهُجُومِ عَلَى القِرَاءَةِ دُونَ تَلَقٍّ وَلَا دِرَاسَةٍ وَلَا وُجُودِ شَيخٍ مُتقِنٍ يُفَرِّقُ لِلطَّالِبِ بَينَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ وَالصَّوَابِ وَالخَطَأِ، كَمَا يَفعَلُ هَذَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ.
فَالقِرَاءَةُ بِالتَّلَقِّي عَنِ الشُّيُوخِ بِالسَّنَدِ المُتَّصِلِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ هُوَ النَّهجُ الَّذِي عَلَّمَهُ الرَّسُولُ ﷺ لِصَحَابَتِهِ، وَنَهَجَهُ لَهُم، فَهُوَ ﷺ تَعَلَّمَ القُرءَانَ مِن مُعَلِّمِهِ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ مُشَافَهَةً وَتَلَقِّيًا بِالسَّمَاعِ، وَصَحَابَتُهُ رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم تَعَلَّمُوهُ مِنهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُشَافَهَةً وَتَلَقِّيًا بِالسَّمَاعِ، وَمَضَى السَّلَفُ وَالخَلَفُ عَلَى هَذَا عَلَى مَرِّ الأَزمَانِ، قَالَ السُّيُّوطِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَأَمَّا القِرَاءَةُ عَلَى الشَّيخِ فَهِيَ المُستَعمَلَةُ سَلَفًا وَخَلَفًا، وَقَالَ: وَمِمَّا يَدُلُّ لِلقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيخِ عَرضُ النَّبِيِّ ﷺ القُرآنَ عَلَى جِبرِيلَ فِي رَمَضَانَ كُلَّ عَامٍ، وقَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الأُمَّةَ كَمَا هُم مُتَعَبَّدُونَ بِفَهمِ مَعَانِي القُرآنِ وَإِقَامَةِ حُدُودِهِ هُم مُتَعَبَّدُونَ بِتَصحِيحِ أَلفَاظِهِ وَإِقَامَةِ حُرُوفِهِ عَلَى الصِفَةِ المُتَلَقَّاةِ مِن أَئِمَّةِ القِرَاءَةِ المُتَّصِلَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وقَالَ ابنُ الجَزَرِيِّ: وَلَا أَعلَمُ لِبُلُوغِ النِّهَايَةِ فِي التَّجوِيدِ مِثلَ رِيَاضَةِ الأَلسُنِ وَالتَّكرَارِ عَلَى اللَّفظِ المُتَلَقَّى مِن فَمِ المُحسِنِ.
التقديم لشرح الحديث
أَخَذَ بَعضُ النَّاسِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ -مِمَّن لَم يَنَالُوا حَظَّهُم مِنَ العِلمِ- مِنَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الشَّيخَانِ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «المَاهِرُ بِالقُرآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقرَأُ القُرآنَ وَيَتَتَعتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيهِ شَاقٌّ لَهُ أَجرَانِ»، ذَرِيعَةً لِتَبرِيرِ عُزُوفِهِم عَنِ التَّلَقِّي وَالتِزَامِ مَجَالِسِ العِلمِ، فَأَرَادُوا أَن يَحِيدُوا عَن نَهجِ الحَبِيبِ المُصطَفَى ﷺ وَنَهجِ صَحَابَتِهِ الكِرَامِ وَعُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالخَلَفِ فِي تَعَلُّمِ القُرءَانِ الكَرِيمِ، فَهَجَمُوا عَلَى قِرَاءَةِ القُرءَانِ مِن غَيرِ تَلَقٍّ، وَتَفسِيرِ مَعَانِيهِ بِالهَوَى وَالتَّشَهِّي، مِن غَيرِ مُعَلِّمٍ وَلَا شَيخٍ ثِقَةٍ، مُتَذَرِّعِينَ بِهَذَا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ الصَّحِيحِ الثَّابِتِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ، لَكِن مَعَ فَهمِهِمُ المُخطِئِ لِلحَدِيثِ، فَرَأَينَا أَن نُبَيِّنَ مَعنَاهُ الصَّحِيحَ وَنُحَذِّرَ مِنَ الفَهمِ السَّقِيمِ لَهُ فِي هَذَا المَقَالِ، مَعَ بَيَانِ نَصِّهِ وَتَخرِيجِهِ وَبَعضِ الفَوَائِدِ إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
نص الحديث
رَوَى مُسلِمٌ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «المَاهِرُ بِالقُرآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقرَأُ القُرآنَ وَيَتَتَعتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيهِ شَاقٌّ لَهُ أَجرَانِ».
صَحِيحُ مُسلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ – كِتَابُ صَلَاةِ المُسَافِرِينَ وَقَصرِهَا – بَابُ فَضلِ المَاهِرِ بِالقُرءَانِ وَالَّذِي يَتَتَعتَعُ فِيهِ.
وَرَوَاهُ البُخَارِيُّ وَالأَربَعَةُ -أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَه- بِاختِلَافٍ يَسِيرٍ فِي الأَلفَاظِ.
شرح الحديث
قَولُهُ ﷺ: «المَاهِرُ بِالقُرآنِ»: أَيِ الحَاذِقُ، مِنَ المَهَارَةِ وَهِيَ الحِذقُ، جَازَ أَن يُرِيدَ بِهِ جَودَةُ الحِفظِ، أَو جَودَةُ اللَّفظِ، أَو جَودَةَ الحِفظِ وَاللَّفظِ، وَجَازَ أَن يُرِيدَ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنهُمَا.
فَالمَاهِرُ هُوَ الكَامِلُ الحِفظِ الَّذِي لَا يَتَوَقَّفُ فِي القِرَاءَةِ وَلَا يَشُقُّ عَلَيهِ، أو مَن أَتقَنَ حِفظَ القُرآنِ، وَأَدمَنَ دَرسَهُ، وَأَحكَمَ تَجوِيدَ أَلفَاظِهِ، وَضَبَطَ رِوَايَةَ قِرَاءَتِهِ، وَفَهِمَ وُجُوهَ إِعرَابِهِ وَلُغَاتِهِ، وَأَخَذَ حَظًّا وَافِرًا مِن تَفسِيرِهِ وَتَأوِيلِهِ، وَكَانَ عَدلًا مُتَيَقِّظًا وَرِعًا مُعرِضًا عَنِ الدُّنيَا مُقبِلًا عَلَى الآخِرَةِ قَرِيبًا مِنَ اللَّهِ، فَهُوَ الإِمَامُ الَّذِي يُرجَعُ إِلَيهِ، وَيُعَوَّلُ عَلَيهِ، وَيُقتَدَى بِأَقوَالِهِ، وَيُهتَدَى بِأَفعَالِهِ.
قَولُهُ ﷺ: «مَعَ السَّفَرَةِ»: جَمعُ سَافِرٍ، وَهُمُ الرُّسُلُ إِلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: السَّفَرَةُ الكَتَبَةُ. وَقَالَ بعضهم: المَلَائِكَةُ الَّذِينَ هُم حَمَلَةُ اللَّوحِ المَحفُوظِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بِأَيدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾، [سُورَةُ عَبَسَ:15-16]، وَقِيلَ: المُرَادُ بِهَا أَصحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُم أَوَّلُ مَا نَسَخُوا القُرآنَ، وَقِيلَ: السَّفَرَةُ المَلَائِكَةُ الكَاتِبُونَ لِأَعمَالِ العِبَادِ، أَو المَلَائِكَةُ النَّازِلُونَ بِأَمرِ اللَّهِ بِمَا فِيهِ مَصلَحَةُ العِبَادِ مِن حِفظِهِم عَنِ الآفَاتِ وَالمَعَاصِي وَإِلهَامِهِمُ الخَيرَ فِي قُلُوبِهِم.
قَولُهُ ﷺ: «الكِرَامُ»: جَمعُ الكَرِيمِ، أَيِ المُكرَمِينَ عَلَى اللَّهِ المُقَرَّبِينَ عِندَ مَولَاهُ لِعِصمَتِهِم وَنَزَاهَتِهِم عَن دَنَسِ المَعصِيَةِ وَالمُخَالَفَةِ.
قَولُهُ ﷺ: «البَرَرَةِ»: جَمعُ بَارٍّ، وَهُوَ المُحسِنُ، أَيِ المُطِيعُونَ، مِنَ البِرِّ وَهُوَ الطَّاعَةُ.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: يُحتَمَلُ أَن يَكُونَ المُرَادُ بِكَونِهِ مَعَ المَلَائِكَةِ أَن يَكُونَ لَهُ فِي الآخِرَةِ مَنَازِلٌ يَكُونُ فِيهَا رَفِيقًا لِلمَلَائِكَةِ، لِاتِّصَافِهِ بِصِفَتِهِم مِن حَملِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُحتَمَلُ أَن يُرَادَ أَنَّهُ عَامِلٌ بِعَمَلِهِم وَسَالِكٌ مَسلَكَهُم، مِن كَونِهِم يَحفَظُونَهُ، وَيُؤَدُّونَهُ إِلَى المُؤمِنِينَ، وَيَكشِفُونَ لَهُم مَا يَلتَبِسُ عَلَيهِم، فَكَذَلِكَ المَاهِرُ.
قَولُهُ ﷺ: «وَالَّذِي يَقرَأُ القُرآنَ وَيَتَتَعتَعُ فِيهِ»: أَي يَتَرَدَّدُ وَيَتَبَلَّدُ عَلَيهِ لِسَانُهُ، وَيَقِفُ فِي قِرَاءَتِهِ لِعَدَمِ مَهَارَتِهِ، لَكِنَّهُ تَعَلَّمَ بِالتَّلَقِي، وَأَخَذَ عَن ثِقَةٍ، وَبَذَلَ الجُهدَ، وَأَحسَنَ القِرَاءَةَ مِن حَيثُ تَصحِيحُ الأَلفَاظِ، لَكِن خُرُوجُهَا مِنهُ صَحِيحَةً يَحتَاجُ إِلَى بَذلِ الجُهدِ وَالمَشَقَّةِ.
قَولُهُ ﷺ: «وَهُوَ عَلَيهِ شَاقٌّ»: أَيِ حُصُولُ القُرآنِ أَو تَرَدُّدُهُ فِيهِ شاق عَلَى ذَلِكَ القَارِئِ شَدِيدٌ عَلَيهِ يُصِيبُهُ فِيهِ مَشَقَّةٌ، لَكِنَّهُ تَعَلَّمَ مِن مُعَلِّمٍ ثِقَةٍ يُخرِجُ الأَلفَاظَ صَحِيحَةً، لَا أَنَّهُ يُخطِئُ فِي القِرَاءَةِ.
قَولُهُ ﷺ: «لَهُ أَجرَانِ»: أَي أَجرٌ لِقِرَاءَتِهِ وَأَجرٌ لِتَحَمُّلِ مَشَقَّتِهِ لِإِخرَاجِ الحُرُوفِ صَحِيحَةً، وَهَذَا تَحرِيضٌ عَلَى تَحصِيلِ القِرَاءَةِ.
التحذير من فهم الحديث على الوجه الخطأ
تَوَهَّمَ بَعضُ النَّاسِ أَنَّ المُرَادَ بِقَولِهِ ﷺ: «يَتَتَعتَعُ» الَّذِي يَتَلَعثَمُ وَهُوَ يَقرَأُ القُرءَانَ وَيُجَرِّبُ دُونَ مُعَلِّمٍ فَيَتلُو وَيُخطِئُ وَيُحَرِّفُ المَعنَى وَيُغَيِّرُ الحُرُوفَ، فَظَنُّوا أَنَّ هَذَا يَكَونَ مَأجُورًا عَلَى أَخطَائِهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، وَلَيسَ هَذَا هُوَ المَعنَى، بَل هَذَا الحَدِيثُ وَرَدَ فِيمَن يُحَصِّلُهُ تَلَقِّيًا وَيَقرَأُهُ عَلَى الصَّوَابِ، وَلَيسَ فِيمَن يُحَرِّفُ التِّلَاوَةَ وَيُغَيِّرُ الأَحكَامَ وَيُبَدِّلُ الحُرُوفَ، وَلَا فِيمَن يَقرَأُ وَحدَهُ وَيُخطِئُ، فَالمَعنَى أَنَّهُ يُخرِجُ الحُرُوفَ كَمَا هِيَ وَيَتَعَلَّمُ وَيَبذُلُ الجُهدَ فِي تَحسِينِ قِرَاءَتِهِ وَيَأخُذُهُ مِن أَفوَاهِ الثِّقَاتِ إِلَّا أَنَّهُ يَجِدُ مَشَقَّةً فِي القِرَاءَةِ.
وَلَيسَ مَعنَاهُ أيضا أَنَّ الَّذِي يَتَتَعتَعُ فِيهِ ويَتَعَثَّرُ فِي قِرَاءَةِ كِتَابِ اللهِ وَيَتَلَعثَمُ وَيُخطِئُ وَيُحَرِّفُ لَهُ مِنَ الأَجرِ أَكثَرُ وأَجزَلُ مِنَ المَاهِرِ المُحسِنِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَعنِي أَنَّ المُتَعَلِّمَ أَقَلُّ أَجرًا مِنَ الجَاهِلِ، وَهَذَا فِيهِ تَثبِيطٌ لِهِمَمِ النَّاسِ عَن تَعَلُّمِ القُرءَانِ، لِأَنَّ الجَاهِلَ سَيَقُولُ: إِن بَقِيتُ جَاهِلًا يَكُونُ أَجرِي مُضَاعَفًا، فَلَم أَتَعَلَّم؟ وَهَذَا ضِدُّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ الَّذِي لَم يُؤمَر بِأَن يَستَزِيدَ إِلَّا مِنَ العِلمِ، قَالَ تَعَالى:
﴿وَقُل رَّبِّ زِدنِي عِلمًا﴾، [سورة طه:114].
بَلِ المَاهِرُ أَفضَلُ وَأَكثَرُ أَجرًا مَعَ السَّفَرَةِ، وَلَهُ أُجُورٌ كَثِيرَةٌ، وَلَم تُذكَر هَذِهِ المَنزِلَةَ لِغَيرِهِ، حَيثُ اندَرَجَ فِي سِلكِ المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، أَوِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ، أَوِ الصَّحَابَةِ المُقَرَّبِينَ، فَكَيفَ يُلحَقُ بِهِ مَن لَم يَعتَنِ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالى وَحِفظِهِ وَإِتقَانِهِ وَكَثرَةِ تِلَاوَتِهِ وَرِوَايَتِهِ.
وَالمَشَقَّةُ تَكُونُ بِسَبَبِ ضَعفِ القَارِئِ وَثِقَلِ لِسَانِهِ، وَلَيسَ لِأَنَّ القُرءَانَ ثَقِيلٌ شَاقٌّ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالى قَالَ: ﴿وَلَقَد يَسَّرنَا القُرآنَ لِلذِّكرِ فَهَل مِن مُدَّكِرٍ﴾، [سُورَةُ القَمَرِ:17].
زيادة بيان
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَليهِ أَمرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، رَوَاهُ الشَّيخَانِ، أَي إِذَا عَمِلَ الإِنسَانُ عَمَلًا لَا يُوَافَقُ مَا أُنزِلَ على رَسُولِ اللهِ ﷺ ولَا يُوَافَقُ الشَرِيعَةَ فَهُوَ مَردُودٌ غَيرُ مَقبُولٍ، سَوَاءٌ كَانَ قِرَاءَةَ قُرءَانٍ أَو صَلَاةً أَو صِيَامًا أَو حَجًّا أَو غَيرَ ذَلِكَ.
فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَفهَمَنَا بِهَا أَنَّ كُلَّ شَيءٍ يَعمَلُهُ الإِنسَانُ لَا بُدَّ مِن أَن يَكُونَ مُوَافِقًا لِأُصُولِ الإِسلَامِ وَقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي نَزَلَت عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ حَتَّى يَكُونَ مَقبُولًا مَرضِيًّا عِندَ اللهِ تَعَالَى، فَلَا يُقبَلُ شَيءٌ مِنَ العِبَادَاتِ أَو غَيرِهَا إِلَّا أَن يَكُونَ مُوَافِقًا لِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، وَمِن هُنَا فَهِمنَا أَنَّ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالزَّكَاةَ وَالحَجَّ وَقِرَاءَةَ القُرءَانِ وَالذِّكرَ وَغَيرَ ذَلِكَ مِن أَنوَاعِ القُرَبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى لَا بُدَّ أَن يَأتِيَ الإِنسَانُ بِهَا مُوَافِقَةً لِلشَّرِيعَةِ، بِأَحكَامِهَا وَأَركَانِهَا وَشُرُوطِهَا وَقُيُودِهَا وَغَيرِ ذَلِكَ، حَتَّى تَكُونَ مَقبُولَةً عِندَ اللهِ تَعَالَى.
حكم القراءة لغير المحسن
لِيُعلَم أَنَّهُ لَا تَجُوزُ قِرَاءَةُ القُرءَانِ لِمَن لَا يُحسِنُهُ فَيُحَرِّفُ فِيهِ وَيُغَيِّرُ وَيُبَدِّلُ، وَهَذَا فِيهِ إِثمٌ وَلَا ثَوَابَ فِيهِ، بَلِ الأَجرُ لِمَن يُحَصِّلُهُ وَيَأخُذُهُ بِالتَّلَقِّي قِرَاءَةً على الثِّقَاتِ العُدُولِ لِيَكُونَ أَخذُهُ بِالطَّرِيقَةِ المُعتَبَرَةِ الصَّحِيحَةِ، فَالقُرءَانُ وَغَيرُهُ مِنَ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ التَّلَقِّي، قَالَ اللهُ تَعَالَى عَن نَبِيِّهِ وَحَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَىٰ﴾، [سُورَةُ النَّجمِ:5]، فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ لَهُ مُعَلِّمٌ وَأَخَذَ القُرءَانَ بِالتَّلَقِّي فَكَيفَ يَتَهَوَّرُ وَيَتَجَرَّأُ بَعضُ أَدعِيَاءِ العِلمِ فَيُفَسِّرُوا هَذَا الحَدِيثَ بِأَنَّ الإِنسَانَ يَقرَأُ وَحدَهُ وَأنه لَو أَخطَأَ أَو غَيَّرَ أَو بَدَّلَ أَو حَرَّفَ يَكُونُ لَهُ أَجرَانِ، هَذا تَحرِيفٌ لِمَعنَى الحَدِيثِ وَتَجرِيءٌ لِلنَّاسِ عَلَى القُرءَانِ.
الخاتمة
يَتَبَيَّنُ مِن هَذَا أَهَمِّيَّةُ الِاعتِنَاءِ بِالقُرءَانِ وَتَعَلُّمِهِ وَإِتقَانِهِ، فَقَد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ المُؤمِنِ الَّذِي يَقرَأُ القُرءانَ كَمَثَلِ الأُترُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ المُؤمِنِ الَّذِي لَا يَقرَأُ القُرءانَ كَمَثَلِ التَّمرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعمُهَا حُلوٌ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقرَأُ القُرءانَ مَثَلُ الرَّيحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقرَأُ القُرءانَ كَمَثَلِ الحَنظَلَةِ لَيسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعمُهَا مُرٌّ»، رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ القُرآنِ يَومَ القِيَامَةِ: اقرَأ، وَارقَ، وَرَتِّل كَمَا كُنتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنيَا، فَإِنَّ مَنزِلَتَكَ اليَومَ عِندَ آخِرِ آيَةٍ تَقرَؤُهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيرُهُمَا.
وَعَن مُعَاذِ بنِ أَنَسٍ رَضِيَ الله عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَن قَرَأَ القُرءَانَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أُلبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَومَ القِيَامَةِ ضَوؤُهُ أَحسَنُ مِن ضَوءِ الشَّمسِ فِي بُيُوتِ الدُّنيَا فَمَا ظَنُّكُم بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا» رَوَاهُ أَبُو دَاودَ.
فَحَافِظُوا إِخوَةَ الإِسلَامِ عَلى قِرَاءَةِ القُرءَانِ وَعَلى مُلَازَمَتِهِ فِي كُلِّ وَقتٍ وَحِينٍ، وَعَلِّمُوا أَولَادَكُم، فَإِنَّ لَكُم ثَوَابًا عَظِيمًا بِتَعَلُّمِهِ وَتَعلِيمِهِ وَالعَمَلِ بِهِ وَالحَثِّ على ذَلِكَ، فَإِنَّ القُرءَانَ الكَرِيمَ كُلَّهُ بَرَكَاتٌ وَأَسرَارٌ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المصادر
هَذِهِ المَسَائِلُ مَجمُوعَةٌ وَمُلَخَّصَةٌ مِنَ:
- القُرءَانِ الكَرِيمِ.
- السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
- صَحِيحِ مُسلِمٍ.
- سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
- سُنَنِ التِّرمِذِيِّ.
- سُنَنِ النَّسَائِيِّ.
- سُنَنِ ابنِ مَاجَه.
- مِرقَاةِ المَفَاتِيحِ شَرحِ مِشكَاةِ المَصَابِيحِ لِمُلَّا عَلِيٍّ القَارِي.
- فَتحِ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ.
- المِنهَاجِ شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ.