خطبة الجمعة | المتطهرون والنظافة

المتطهرون والنظافة

الحَمدُ للهِ ذِي الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، المَلِكِ القُدُّوسِ السَّلَامِ، المُؤمِنِ المُهَيمِنِ العَلَّامِ، الَّذِي مَنَّ عَلَينَا بِأَن هَدَانَا إِلَى الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ، وَجَعَلَنَا خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ وَالأَنَامِ، وَبَيَّنَ لَنَا شَرَائِعَ الدِّينِ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ وَالحَلَالَ وَالحَرَامَ. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا مَثِيلَ وَلَا شَبِيهَ لَهُ، وَلَا ضِدَّ وَلَا نِدَّ وَلَا حَدَّ وَلَا زَوجَةَ وَلَا وَلَدَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ حَبِيبَنَا وَعَظِيمَنَا وَقَائِدَنَا وَقُرَّةَ عُيُونِنَا وَسَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَحَبِيبُهُ. اللهم صَلِّ وَسَلِّم عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.

أَمَّا بَعدُ، عِبَادَ اللهِ، أُوصِيكُم وَنَفسِيَ بِتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ وَطَاعَتِهِ، اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلتَنظُر نَفسٌ مَا قَدَّمَت لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعمَلُونَ﴾.

إِخوَةَ الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ، رَوَى مُسلِمٌ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الطُّهُورُ شَطرُ الإِيمَانِ»، وَهُوَ مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ شَأنِ الطَّهَارَةِ وَعَلَى أَهَمِّيَّةِ الِاعتِنَاءِ بِهَا، فَـ«الطُّهُورُ»: أَيِ الطَّهَارَةُ عَنِ الحَدَثِ الأَكبَرِ وَالأَصغَرِ وَعَنِ النَّجَاسَةِ فِي البَدَنِ وَالمَلبُوسِ الَّذِي تَلبَسُهُ عَلَى بَدَنِكَ، مَعنَاهُ: الطَّهَارَةُ لَهَا شَأنٌ عَظِيمٌ عِندَ اللهِ، فَالصَّلَاةُ الَّتِي هِيَ أَفضَلُ العِبَادَاتِ العَمَلِيَّةِ فِي الإِسلَامِ لَا تَصِحُّ بِدُونِ الطَّهَارَةِ، فَإِذًا “الطّهارَة” يَدْخُلُ فِيها ۱)-الوُضُوء وَيَدْخُلُ فِيها ۲)-الغُسُل عَنِ الجَنابَة وَيَدْخُلُ فِيها ۳)-التَّيَمُّمُ وَيَدْخُلُ فِيها ٤)-إِزالَةُ النَّجاسَة، وَغَيرُ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ: إِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى بِعَبْدٍ خَيرًا، يَسَّرَ لَهُ أَمْرَ طَهَارَتِه، كَما قالَ ربيعة الرأي وَغَيرُهُ مِنْ عُلَماءِ أَهْلِ السُّنَّة وَالجَماعَة.

إِخوَةَ الإِيمَانِ: لَقَد مَدَحَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى المُتَطَهِّرِينَ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ فَقَالَ: ﴿لَمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى مِن أَوَّلِ يَومٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾، وَقَد نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ فِي أَهلِ مَسجِدِ قُبَاءٍ، فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ نَزَلَت: «يَا مَعشَرَ الأَنصَارِ، إِنَّ اللهَ قَد أَثنَى عَلَيكُم خَيرًا فِي الطُّهُورِ، فَمَا طُهُورُكُم هَذَا؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَنَغتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَهَل مَعَ ذَلِكَ غَيرُهُ؟»، فَقَالُوا: لَا، غَيرَ أَنَّ أَحَدَنَا إِذَا خَرَجَ مِنَ الغَائِطِ أَحَبَّ أَن يَستَنجِيَ بِالمَاءِ، فَقَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «هُوَ ذَاكَ، فَعَلَيكُمُوهُ»، أَي عَلَيكُم بِهِ وَاثبُتُوا عَلَيهِ، كانُوا يَجْمَعُونَ فِي الاسْتِنجاء بَينَ الحِجَارَةِ وَالمَاءِ لِأَنَّ الحِجَارَةَ تَقْلَعُ النَّجاسَةَ، تُخَفِّف كَثِيرًا مِنَ النَّجاسَةِ وَالمَاءُ يُزِيلُ العَينَ وَالأَثَرَ وَيُطَهِّرُ الْمَحَلَّ، فَأَنْزَلَ اللهُ تعالَى مَدحَهُم عَلَى فِعْلَتِهِم هَذِهِ.

إِخوَةَ الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ، إِنَّ لِلطَّهَارَةِ -مِن وُضُوءٍ وَاغتِسَالٍ وَتَيَمُّمٍ وَاستِنجَاءٍ وَإِزَالَةِ نَجَسٍ وَنَحوِ ذَلِكَ- شُرُوطًا لَا بُدَّ مِن مُرَاعَاتِهَا حَتَّى تَصِحَّ، وَمِنهَا: الإِسلَامُ، فَالكَافِرُ لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ مِنَ الحَدَثَينِ لِعَدَمِ صِحَّةِ نِيَّتِهِ، وَالتَّميِيزُ، فَالصَّبِيُّ غَيرُ المُمَيِّزِ لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَفهَمُ الخِطَابَ وَلَا يَرُدُّ الجَوَابَ أَو لَا يَستَقِلُّ بِالأَكلِ وَالشُّربِ وَالِاستِنجَاءِ، وَيَكُونُ التَّميِيزُ عَادَةً إِذَا أَتَمَّ الوَلَدُ سَبعَ سِنِينَ قَمَرِيَّةً.

وَيُشتَرَطُ لِلطَّهَارَةِ عَدَمُ وُجُودِ شَيءٍ عَلَى العُضوِ يَمنَعُ مِن وُصُولِ المَاءِ إِلَى العُضُوِ المَغسُولِ أَوِ المَمسُوحِ، كَأَن وُجِدَ شَيءٌ مِنَ الدِّهَانِ مَثَلًا عَلَى الجِلدِ يَمنَعُ وُصُولَ المَاءِ إِلَيهِ، أَو نَحوُ ذَلِكَ مِن كُلِّ مَا يَعمَلُ طَبَقَةً عَلَى الجِلدِ تَمنَعُ وُصُولَ المَاءِ إِلَيهِ وَإِن قَلَّ. أَمَّا مَا يَستُرُ لَونَ البَشَرَةِ وَلَا يَمنَعُ المَاءَ مِنَ الوُصُولِ إِلَى الجِلدِ كَالحِبرِ وَاليُودِ وَالحِنَّاءِ وَنَحوِهَا فَلَا يَضُرُّ.

وَيُشتَرَطُ لِصِحَّةِ الطَّهَارَةِ السَّيَلَانُ، وَهُوَ أَن يَكُونَ المَاءُ جَارِيًا عَلَى الجِلدِ بِطَبعِهِ، لَا أَن يَمسَحَ مَسحًا فَقَط فِي غَيرِ الرَّأسِ، فَلَو جَرَى المَاءُ عَلَى الجِلدِ وَلَو بِوَاسِطَةِ إِمرَارِ اليَدِ أَجزَأَ.

اللهم اجعَلنَا مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجعَلنَا مِنَ المُتَطَهِّرِينَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ. أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم فَيَا فَوزَ المُستَغفِرِينَ.

الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرسَلِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ طَهَ الأَمِينِ، عِبَادَ اللهِ، أُوصِيكُم وَنَفسِيَ بِتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، فَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُوهُ.

إِخوَةَ الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ، جَاءَت نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ تَدُلُّ عَلَى عِظَمِ فَضلِ الطَّهَارَةِ، وَمِنهَا مَا يَنبَغِي فَهمُهُ عَلَى الوَجهِ المُوَافِقِ لِنُصُوصِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمِن ذَلِكَ مَا رَوَى التِّرمِذِيُّ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطِّيبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ»، قَالَ الطِّيبِيُّ: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ» أَي مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ مُقَدَّسٌ عَنِ العُيُوبِ «يُحِبُّ الطِّيبَ» أَي يُحِبُّ مِن عَبدِهِ أَن يَكُونَ طَيِّبَ الحَالِ وَالقَالِ «نَظِيفٌ» أَي طَاهِرٌ مِنَ العُيُوبِ «يُحِبُّ النَّظَافَةَ» أَيِ الطَّهَارَةَ الظَّاهِرَةَ وَالبَاطِنَةَ، فَالمُرَادُ بِهِ مَن يُوصَفُ بِالطَّيِّبَاتِ مِنَ العَقَائِدِ وَالأَقوَالِ وَالأَفعَالِ وَالأَخلَاقِ وَالأَحوَالِ، فَاللهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِصِفَاتِ المَخلُوقَاتِ فَهُوَ سُبحَانَهُ وَصَفَ نَفسَهُ فَقَالَ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.

فَاحرِص -أَخِي المَسلِمَ- أَن تَكُونَ طَيِّبًا نَظِيفًا فِي الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ، طَيِّبْ عَقَائِدَكَ، وَنَظِّفْ أَخلَاقَكَ، وَطَهِّرْ قَلبَكَ وَجَوَارِحَكَ عَنِ الذُّنُوبِ وَالمَعَاصِي، فَكَمَا أَمَرَنَا شَرعُنَا بِنَظَافَةِ الظَّاهِرِ بِالوُضُوءِ وَالِاغتِسَالِ وَالِاستِنجَاءِ وَنَحوِهِ، أَمَرَنَا كَذَلِكَ بِنَظَافَةِ البَاطِنِ، وَنَهَانَا عَنِ الأَخلَاقِ الذَّمِيمَةِ، وَالصِّفَاتِ الدَّنِيئَةِ، وَعَنِ اقتِرَافِ الذُّنُوبِ وَالآثَامِ.

نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يَحفَظَ عَلَينَا جَوَارِحَنَا، وَأَن يُنَوِّرَ قُلُوبَنَا بِالتَّقوَى، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، وَبِعِبَادِهِ لَطِيفٌ خَبِيرٌ.

وَاعلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ اللهَ يَأمُرُكُم بِأَمرٍ عَظِيمٍ، يَأمُرُكُم بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الكَرِيمِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا﴾.

اللهم صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ، وَبَارِك عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

اللهم اغفِر لِلمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ، اللهم اغفِر لِإِخوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ، اللهم لَا تَحرِمنَا أَجرَهُم، وَلَا تَفتِنَّا بَعدَهُم، وَاغفِرِ اللهم لَنَا وَلَهُم. اللهم انصُرِ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، اللهم أَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، اللهم عَلَيكَ بِالكَفَرَةِ أَعدَاءِ الدِّينِ، اللهم اضرِبِ الكَافِرِينَ بِالكَافِرِينَ، اللهم أَخرِجِ المُسلِمِينَ مِن بَينِ أَيدِيهِم سَالِمِينَ، اللهم سَلِّم غَزَّةَ، اللهم ثَبِّت إِخوَانَنَا المُرَابِطِينَ فِي غَزَّةَ، اللهم ارفَعِ البَلَاءَ عَنِ المُسلِمِينَ فِي فِلَسطِينَ وَالسُّودَانِ وفِي سَائِرِ البُلدَانِ. 

اللهم أَغِث قُلُوبَنَا بِالإِيمَانِ وَاليَقِينِ. اللهم اجعَل بَلَدَنَا هَذَا سَخَاءً رَخَاءً آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ، وَوَفِّق مَلِكَ البِلَادِ إِلَى خَيرِ البِلَادِ وَالعِبَادِ.

عِبَادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُربَى وَيَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ﴾ وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.