بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحَمدُ لِلَّهِ فَاتِحِ أَبوَابِ المَقَالِ، وَمَانِحِ أَسبَابَ النَّوَالِ، وَمُلهِمِ جَوَابَ السُّؤَالِ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حَمدًا يَستَغرِقُ البُكَرَ وَالآصَالَ، وَيَستَوعِبُ الأَمَاكِنَ وَيُضِيءُ الزَّمَنَ وَالأَطلَالَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا شَبِيهَ وَلَا مِثَالَ، وَلَا جَسَدَ وَلَا مَكَانَ لَهُ وَلَا يَجُوزُ عَلَيهِ الِانتِقَالُ وَالزَّوَال، رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرضِ وَمَا بَينَهُمَا الكَبِيرُ المُتَعَالِ،
وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ جَامِعُ صِفَاتِ الجَلَالِ وَالجَمَالِ، وَمَن أُوتِيَ فَصلَ المَقَالِ، ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ فُرسَانِ الجِلَادِ وَالجِدَالِ، مَا ارتَفَعَت لِلعُلَمَاءِ رَايَةٌ تُمَحِّصُ عَارِضَ الشُّكُوكِ وَالإِشكَالِ، وَعَلَى مَن سَارَ عَلَى دَربِهِم وَاقتَفَى أَثَرَهُم وَاستَنَّ بِسُنَّتِهِم إِلَى يَومِ الفَصلِ وَالمَآلِ،
أَمَّا بَعدُ:
مَا زِلنَا نَتَكَلَّمُ فِي الأَذكَارِ الَّتِي يَقُولُهَا العَبدُ المُؤمِنُ عِندَ النَّومِ، وَمِنهَا:
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَالنَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ اليَومِ وَاللَّيلَةِ عَن نَوفَلٍ الأَشجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِقرَأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الكافرون/ الآية 1] ثُمَّ نَم عَلَى خَاتِمَتِهَا فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّركِ».اهـ
الشرح والتعليق على هذا الحديث:
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَالنَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ اليَومِ وَاللَّيلَةِ عَن نَوفَلٍ الأَشجَعِىِّ قَالَ ابنُ حَجَرٍ فِي الإِصَابَةِ: نَوفَلُ بنُ فَروَةَ الأَشجَعِيُّ: وَالِدُ فَروَةَ، وَعَبدِ الرَّحمَنِ، وَسُحَيمٍ. رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. رَوَى عَنهُ أَولَادُهُ. وَأَخرَجَ لَهُ أَصحَابُ السُّنَنِ، وَأَحمَدُ بنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِقرَأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الكافرون/ الآية 1]أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقِرَاءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ وَأَن يَختِمَ بِهَا يَومَهُ وَيَكُونَ نَومُهُ عَلَيهَا، أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِمَا لِهَذِهِ السُّورَةِ المُبَارَكَةِ مِنَ الفَضَائِلِ وَالمَآثِرِ وَلِمَا فِيهَا مِنَ البَرَكَاتِ وَمَعَانِي التَّوحِيدِ للهِ تَعَالَى، وَقَد جَمَعَ العُلَمَاءُ الأَحَادِيثَ الوَارِدَةَ فِيهَا وَبَيَّنُوهَا وَبَيَّنُوا فَضلَهَا وَأَفرَدُوا لَهَا أَبوَابًا فِي كُتُبهِمِ، فَمِن فَضَائِلِهَا هَذَا الحَدِيثُ الَّذِي بَينَ أَيدِينَا، وَأَنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّركِ – وَسَنَأتِي عَلَى ذِكرِ مَعنَاهُ – حَتَّى قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «لَيسَ فِي القُرآنِ أَشَدُّ غَيظًا لِإِبلِيسَ لَعَنَهُ اللهُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، لِأَنَّهَا تَوحِيدٌ وَبَرَاءَةٌ مِنَ الشِّركِ».اهـ وسَمِعَ رسول الله ﷺ رَجُلًا يَقرَأُ بِـ ﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ فَقَالُ: «أَمَّا هَذَا فَقَد بَرِئَ مِنَ الشِّركِ» رواه أحمد في مسنده.
وَقَالَ ابنُ مَسعُودٍ الأَنصَارِيُّ: ((مَن قَرَأَ: ﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ فِي لَيلَةٍ فَقَد أَكثَرَ وأَطَابَ)).
وروى الترمذي في سننه عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ تَعْدِلُ رُبُعَ الْقُرْآنِ»، وَروى الطّبراني في المعجم الصّغير عن النّبي ﷺ: «وَمَن قَرَأَ ﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ رُبُعَ القُرآنِ»، والمعنى أنّه كما لقارئ ربع القرآن ثواب عظيم كذلك قارئ سورة الكافرون له ثواب عظيم، وهو من باب التشبيه به. قَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: “وَالوَجهُ فِيهِ أَنَّ القُرآنَ مُشتَمِلٌ عَلَى الأَمرِ بِالمَأمُورَاتِ وَالنَّهيِ عَنِ المُحَرَّمَاتِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا يَنقَسِمُ إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالقُلُوبِ وَإِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالجَوَارِحِ، وَهَذِهِ السُّورَةُ مُشتَمِلَةٌ عَلَى النَّهيِ عَنِ المُحَرَّمَاتِ المُتَعَلِّقَةِ بِأَفعَالِ القُلُوبِ فَتَكُونُ رُبعًا لِلقُرآنِ، وَاللَّهُ أَعلَمُ”.
وَيروى فيما أخرجه أحمد عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِن أَصحَابِهِ فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، هَل تَزَوَّجتَ؟» فَقَالَ: لَا، وَلَيسَ عِندِي مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ. فَقَالَ: «أَلَيسَ مَعَكَ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟» قَالَ: بَلَى. قَالَ: «رُبعُ القُرآنِ»قَالَ: «أَلَيسَ مَعَكَ ﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾؟» قَالَ: بَلَى. قَالَ: «رُبُعُ القُرآنِ». قَالَ: «أَلَيسَ مَعَكَ ﴿إِذَا زُلزِلَتِ الأَرضُ زِلزَالَهَا﴾؟»، قَالَ: بَلَى. قَالَ: «رُبُعُ القُرآنِ». قَالَ: «أَلَيسَ مَعَكَ آيَةَ الكُرسِيِّ؟» قَالَ: بَلَى قَالَ: «رُبُعُ القُرآنِ». قَالَ: «تَزَوَّج، تَزَوَّج، تَزَوَّج».
وعن أبي مُحَمَّدٍ قَالَ: «رَمَقتُ ابنَ عُمَرَ سَاهِرًا فَسَمِعتُهُ يَقرَأُ فِي الرَّكعَتَينِ قَبلَ الفَجرِ: ﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ وَ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقرَأُ فِي الرَّكعَتَينِ قَبلَ الفَجرِ بِـ ﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ ﴾ وَ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أَحَدَهُمَا تَعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ، وَالأُخرَى رُبُعَ القُرآنِ، ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ بِثُلُثِ القُرآنِ، وَ﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ بِرُبُعِ القُرآنِ».
وَعَنِ مُحَمَّدِ بنِ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ أَنَّ أَبَاهُ جُبَيرَ بنَ مُطعِمٍ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَا جُبَيرُ، أَتُحِبُّ إِذَا خَرَجتَ سَفَرًا أَن تَكُونَ مِن أَمثَلِ أَصحَابِكَ وَأَكثَرِهِم زَادًا؟» قَالَ: قُلتُ: نَعَم، بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((تَقرَأُ هَذِهِ السُّوَرَ الخَمسَ: ﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ وَ﴿إِذَا جَاءَ نَصرُ اللهِ﴾ وَ﴿قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وَ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ وَ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، وَافتَتِح كُلَّ سُورَةٍ بِـ (بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ)، وَتَختِمُ قِرَاءَتَكَ بِـ (بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ)))،قَالَ جُبَيرٌ: كُنتُ عَبدًا كَثِيرَ المَالِ فَأَخرُجُ مَعَ مَن شَاءَ اللهُ أَن أَخرُجَ فِي السَّفَرِ فَأَكُونُ أَبَذَّهُم هَيئَةً (بذ الهيئة: رثها) وَأَقَلَّهُم زَادًا، فَمَا زِلتُ مُنذُ عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ فَقَرَأتُهُنَّ أَكُونُ مِن أَحسَنِ أَصحَابِي هَيأَةً وَأَكثَرِهِم زَادًا حَتَّى أَرجِعَ مِن سَفَرِي ذَلِكَ.
فَبَعدَ هَذِهِ الفَضَائِلِ وَالمَآثِرِ وَمَا سَمِعنَا مِمَّا لِهَذِهِ السُّورَةِ مِن ثَوَابٍ وَفَضلٍ لِمَن قَرَأَهَا يَنبَغِي عَلَى المُسلِمِ أَن لَا يَترُكَ قِرَاءَتَهَا، فَهِيَ خَفِيفَةٌ عَلَى اللِّسَانِ، قِرَاءَتُهَا سَهلَةٌ مُتَيَسِّرَةٌ لَا تَحتَاجُ كَثِيرَ تَعَبٍ وَجُهدٍ، حَتَّى إِنَّ حُرُوفَهَا تَخرُجُ مِن مَخَارِجَ سَهلَةٍ، مَعَ ذَلِكَ تَعدِلُ رُبُعَ القُرءَانِ كَمَا وَرَدَ فِيمَا ذَكَرنَاهُ، فَحَافِظُوا عَلَيهَا.
سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ العَظِيمَةِ:
ذَكَرَ أَهلُ السِّيَرِ فِي سَبَبِ نُزُولِ سُورَةِ ﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ أَنَّهُ اعتَرَضَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَطُوفُ بِالكَعبَةِ الأَسوَدُ بنُ المُطّلِبِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبدِ العُزّى، وَالوَلِيدُ بنُ المُغِيرَةِ، وَأُمَيّةُ بنُ خَلَفٍ، وَالعَاصِ بنُ وَائِلٍ السّهمِيّ، وَكَانُوا ذَوِي أَسنَانٍ فِي قَومِهِم – أَي ذَوِي شَأنٍ وَجَاهٍ وَهُم مَعَ ذَلِكَ كِبَارٌ فِي السِّنِّ – فَقَالُوا: يَا مُحَمّدُ، هَلُمَّ فَلنَعبُد مَا تَعبُدُ وَتَعبُدُ مَا نَعبُدُ، فَنَشتَرِكَ نَحنُ وَأَنتَ فِي الأَمرِ، فَإِن كَانَ الّذِي تَعبُدُ خَيرًا مِمّا نَعبُدُ كُنّا قَد أَخَذنَا بِحَظّنَا مِنهُ، وَإِن كَانَ مَا نَعبُدُ خَيرٌ مِمّا تَعبُدُ كُنت قَد أَخَذت بِحَظّكَ مِنهُ، فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِم هَذِهِ السُّورَةَ فَيَئِسُوا مِن أَن يُجِيبَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ لِمَا يَطلُبُونَ مِن تَركِ دَعوَتِهِ وَآذَوهُ وَآذَوا أَصحَابَهُ، وَكَانَتِ السُّورَةُ بَيَانًا مِنَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ نَبِيَّهُ لَن يَعبُدَ غَيرَ اللهِ تَعَالَى، وَلَن يَخرُجَ عَن تَوحِيدِهِ إِلَى الإِشرَاكِ بِهِ، بَل هُوَ مَعصُومٌ مِنَ الكُفرِ وَالشِّركِ مَحفُوظٌ مِنهُ،
وَأَمَّا تَفسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ:
فَمَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ (1)﴾ ﴿قُل﴾ يَا مُحَمَّدُ، وهو دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَأمُورٌ بِذَلِكَ مِن عِندِ اللَّهِ، وَخِطَابُهُ لَهُم بِكَلِمَةِ ﴿يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ فِي نَادِيهِم وَمَكَانِ بَسطَةِ أَيدِيهِم مَعَ مَا فِي هَذَا الوَصفِ مِنَ الِازدِرَاءِ بِهِم دَلِيلٌ عَلَى جُرأَةِ وَشَجَاعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَّهُ ﷺ لَا يُبَالِي بِهِم وَلَا يَخَافُهُم، فَاللَّهُ يَحمِيهِ وَيَحفَظُهُ مِنهُم وَيَرُدُّ كَيدَهُم عَنهُ.
وَالكَافِرُونَ المُخَاطَبُونَ هُنَا هُم أُنَاسٌ مَخصُوصُونَ، وَهُمُ الَّذِينَ طَلَبُوا مِنهُ أَن يَعبُدَ أَوثَانَهُم يَومًا وَيَعبُدُوا إِلَهَهُ يَومًا، وَلَيسَ الخِطَابُ مُتَوَجِّهًا لِكُلِّ كَافِرٍ، لِأَنَّ مِنَ الكُفَّارِ مَن آمَنَ وَعَبَدَ اللهَ تَعَالَى.
وَمِن عَظِيمِ قَدرِ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّ الرَّازِيَّ فِي تَفسِيرِهِ ذَكَرَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ * لَا أَعبُدُ مَا تَعبُدُونَ﴾، ذَكَرَ فِي هَاتَينِ الآيَتَينِ الخَفِيفَتَينِ مَا يَزِيدُ عَلَى أَربَعِينَ فَائِدَةً جَلِيلَةً تَحمِلُ مَعَانِيَ عَظِيمَةً مِن تَعظِيمِ النَّبِيِّ ﷺ وَازدِرَاءِ الكُفَّارِ وَبَرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الشِّركِ وَبَيَانِ مُنَاسَبَةِ السُّورَةِ لِمَا قَبلَهَا وَبَيَانِ أُمُورٍ وَأَجوِبَةٍ كَثِيرَةٍ كُلُّهَا تَتَحَقَّقُ فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
وَالكَافِرُونَ عَلَى نَوعَينِ:
كُفَّارٌ أَصلِيٌّونَ، وَكُفَّارٌ مُرتَدُّونَ. فَالكَافِرُ الأَصلِيُّ: هُوَ مَن كَانَ عَلَى دِينٍ غَيرِ الإِسلَامِ، لَم يَكُن مُسلِمًا ثُمَّ تَرَكَ الإِسلَامَ، بَل كَانَ آبَاؤُهُ وَأَجدَادُهُ عَلَى هَذَا الدِّينِ وَنَشَأَ هُوَ عَلَيهِ، فَهَذَا لَهُ أَحكَامٌ تَختَلِفُ عَن أَحكَامِ القِسمِ الثَّانِي – وَهُمُ المُرتَدُّونَ -، مِنهَا: أَنَّ إِسلَامَهُ يَجُبُّ لَهُ مَا قَبلَهُ، أَي تُغفَرُ لَهُ ذُنُوبُهُ الَّتِي عَمِلَهَا قَبلَ الإِسلَامِ عِندَمَا يُسلِمُ تَشجِيعًا لَهُ عَلَى الدُّخُولِ فِي الإِسلَامِ، وَلَا يُطَالَبُ بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي فَاتَتهُ قَبلَ ذَلِكَ أَو نَحوِهَا كَالصِّيَامِ، وَلَا يُطَالَبُ بِالقِصَاصِ لَو كَانَ حَربِيًّا وَقَتَلَ مُسلِمًا ثُمَّ أَسلَمَ، وَلَهُ غَيرُ ذَلِكَ مِنَ الأَحكَامِ.
أَمَّا الكُفَّارُ المُرتَدُّونَ: فَهُمُ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الكُفرِ بَعدَ إِسلَامِهِم، ارتَدُّوا عَنِ الإِسلَامِ أَي رَجَعُوا عَنهُ، وَالرِّدَّةُ: قَطعُ الإِسلَامِ بِقَولِ كُفرٍ أَو فِعلٍ أَوِ اعتِقَادٍ، كَمَا عَرَّفَهَا الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ: «الرِّدَّةُ أَفحَشُ أَنوَاعِ الكُفرِ»، أَي أَقبَحُ أَنوَاعِ الكُفرِ، لأِنَّ الرِّدَّةَ تُذهِبُ كُلَّ الحَسَنَاتِ وَلَو رَجَعَ إِلَى الإِسلامِ بَعدَ ذَلِكَ لا تَرجِعُ لَهُ الحَسَنَاتُ الَّتِي كَانَ عَمِلَهَا، وَتَبقَى السَّيِّئَاتُ فَإِن تَابَ مِنهَا ذَهَبَت.
وَلَيسَ مَعنَى: “الرِّدَّةُ أَفحَشُ أَنوَاعِ الكُفرِ” أَنَّ كُلَّ أَنوَاعِ الرِّدَّةِ أَشَدُّ مِن كُفرِ الكَافِرِ الأَصلِيِّ، لأِنَّ كُفرَ الكَافِرِ الأَصلِيِّ قَد يَكُونُ أَشَدَّ مِن كُفرِ المُرتِّدِ، إِنَّمَا مُرَادُهُ شِدَّةُ قُبحِهَا فِي أَنَّهَا خُرُوجٌ مِنَ الإِسلامِ الَّذِي هُوَ الحَقُّ إِلَى الكُفرِ الَّذِي هُوَ بَاطِلٌ، وَأَشَدُّ أَنوَاعِ الكُفرِ التَّعطِيلُ وَهُوَ قَولُ المُلحِدِ “لا إِلَهَ وَالحَيَاةُ مَادَّةٌ” وَقَولُ أَهلِ الوَحدَةِ: “إِنَّ اللَّهَ هُوَ جُملَةُ العَالَمِ” وَعَقِيدَةُ الحُلُولِ أَي أَنَّ اللهَ يَحُلُّ فِي غَيرِهِ وَأَنَّ اللَّهَ يَدخُلُ فِي كُلِّ شَخصٍ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
وَقَد كَثُرَ فِي هَذَا الزَّمَانِ التَّسَاهُلُ فِي الكَلامِ حَتَّى إِنَّهُ يَخرُجُ مِن بَعضِهِم أَلفَاظٌ تُخرِجُهُم عَنِ الإِسلامِ وَلا يَرَونَ ذَلِكَ ذَنبًا فَضلًا عَن كَونِهِ كُفرًا، وَذَلِكَ مِصدَاقُ قَولِهِ ﷺ: «إِنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بِأسًا يَهوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبعِينَ خَرِيفًا»، أَي مَسَافَةَ سَبعِينَ عَامًا فِي النُّزُولِ وَذَلِكَ مُنتَهَى جَهَنَّمَ وَهُوَ خَاصٌ بِالكُفَّارِ، وَالحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَهَذَا الحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لا يُشتَرَطُ فِي الوُقُوعِ فِي الكُفرِ مَعرِفَةُ الحُكمِ وَلا انشِرَاحُ الصَّدرِ وَلا اعتِقَادُ مَعنَى اللَّفظِ، وَكَذَلِكَ لا يُشتَرَطُ فِي الوُقُوعِ فِي الكُفرِ عَدَمُ الغَضَبِ كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ، قَالَ: ((لَو غَضِبَ رَجُلٌ عَلَى وَلَدِهِ أَو غُلامِهِ فَضَرَبَهُ ضَربًا شَدِيدًا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَلَستَ مُسلِمًا؟ فَقَالَ: لا، مُتَعَمِّدًا كَفَرَ))، وَقَالَهُ غَيرُهُ مِن حَنَفِيَّةٍ وَغَيرِهِم.
وَالرِّدَّةُ ثَلاثَةُ أَقسَامٍ كَمَا قَسَّمَهَا النَّوَوِيُّ وَغَيرُهُ مِن شَافِعِيَّةٍ وَحَنَفِيَّةٍ وَغَيرِهِم: اعتِقَادَاتٌ وَأَفعَالٌ وَأَقوَالٌ، وَكُلٌّ يَتَشَعَّبُ شُعَبًا كَثِيرَةً، فَمِنَ الأَوَّلِ: الشَّكُّ فِي اللَّهِ أَو فِي رَسُولِهِ أَوِ القُرءَانِ أَوِ اليَومِ الآخِرِ أَو نَحوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُجمَعٌ عَلَيهِ، أَو نَفيُ صِفَةٍ مِنَ صِفَاتِ اللَّهِ الثَّلَاثَ عَشرَةَ الوَاجِبَةِ لَهُ إِجمَاعًا، أَو نِسبَةُ مَا يَجِبُ تَنزِيهُهُ عَنهُ إِجمَاعًا كَالجِسمِ وَّالشَّكلِ وَالحَدِّ وَالصُّورَةِ وَالهَيأَةِ وَالمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِن صِفَاتِ المَخلُوقَاتِ، أَو تَحلِيلُ مُحَرَّمٍ بِالإِجمَاعِ مَعلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ مِمَّا لا يَخفَى عَلَيهِ، أَو تَحريِمُ حَلالٍ ظَاهِرٍ، أَو نَفيُ وُجُوبِ مُجمَعٍ عَلَيهِ، أَو إيِجَابُ مَا لَم يَجِب إِجمَاعًا كَذَلِكَ.
وَالقِسمُ الثَّانِي: الأَفعَالُ، كَسُجُودٍ لِصَنَمٍ أَو شَمسٍ – إِن قَصَدَ عِبَادَتَهُمَا أَو لَم يَقصِد – وَالسُّجُودِ لإِنسَانٍ إِن كَانَ عَلَى وَجهِ العِبَادَةِ لَهُ، وَإِن لَم يَكُن عَلَى وَجهِ العِبَادَةِ لَهُم لا يَكُونُ كُفرًا، لَكِنَّهُ حَرَامٌ.
وَالقِسمُ الثَّالِثُ: الأَقوَالُ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا لا تَنحَصِرُ، وَقَد عَدَّ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهَاءِ كَالفَقِيهِ الحَنَفِيِّ بَدرِ الرَّشِيدِ وَالقَاضِي عِيَاضٍ المَالِكِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَشيَاءَ كَثِيرَةً، لَكِنِ القَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ عَقدٍ أَو فِعلٍ أَو قَولٍ يَدُلُّ عَلَى استِخفَافٍ بِاللَّهِ أَو كُتُبِهِ أَو رُسُلِهِ أَو مَلائِكَتِهِ أَو شَعَائِرِهِ أَو مَعَالِمِ دِينِهِ أَو أَحكَامِهِ أَو وَعدِهِ أَو وَعِيدِهِ كُفرٌ فَليَحذَرِ الإِنسَانُ مِن ذَلِكَ جَهدَهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ.
وَيَجِبُ عَلَى مَن وَقَعَ فِي الرِّدَّةِ العَودُ فَورًا إِلَى الإِسلامِ بِالنُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ وَالإِقلاعِ عَمَّا وَقَعَت بِهِ الرِّدَّةُ وَيَجِبُ عَلَيهِ النَّدَمُ عَلَى مَا صَدَرَ مِنهُ وَالعَزمُ عَلَى أَن لا يَعُودَ لِمِثلِهِ.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَا أَعبُدُ مَا تَعبُدُونَ (2)﴾ أَي لَا أَعبُدُ أَصنَامَكُمُ الآنَ، أَي لَستُ فِي حَالِي هَذِهِ عَابِدًا مَا تَعبُدُونَ، لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى التَّوحِيدِ قَبلَ نُبُوَّتِهِ وَبَعدَهَا.
فَالنَّبِيُّ ﷺ وَكُلُّ أَنبِيَاءِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مَعصُومُونَ مِنَ الكُفرِ، وَالكَبَائِرِ، وَصَغَائِرِ الخِسَّةِ، قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَهَا، وَهُم مُتَّصِفُونَ بِالصِّدقِ وَالأَمَانَةِ وَالفَطَانَةِ، فَيَستَحِيلُ عَلَيهِمُ الكَذِبُ وَالخِيَانَةُ وَالرَّذَالَةُ وَالسَّفَاهَةُ وَالبَلادَةُ وَالجُبنُ وَكُلُّ مَا يُنَفِّرُ عَن قَبُولِ الدَّعوَةِ مِنهُم.
فَلَم يَقَع إِبرَاهِيمُ فِي الكُفرِ، وَلَم يَشُكَّ فِي رَبِّهِ، وَلَم يَتَرَدَّد فِي التَّوحِيدِ، وَلَم يَكذِب إِبرَاهِيمُ، وَلَم يَزنِ يُوسُفُ بِامرَأَةِ العَزِيزِ، وَلَم يَهُمَّ بِالزِّنَا بِهَا وَلَم يُرِدهُ، وَلَم يَجبُن مُوسَى، وَلَم يَشرَب عِيسَى الخَمرَ، وَلَم يَأكُلِ الخِنزِيرَ، وَلَم يَخرُجِ الدُّودُ مِن جَسَدِ أَيُّوبَ، وَلَم يُرِد دَاوُدُ قَتلَ قَائِدِهِ لِيَتَزَوَّجَ زَوجَتَهُ بَعدَ أَن رَآهَا تَغتَسِلُ، كُلُّ هَذَا وَغَيرُهُ مِنَ الرَّذَائِلِ وَالخَبَائِثِ الَّتِي لَا تَجُوزُ عَلَى نَبِيٍّ مِن أَنبِيَاءِ اللهِ وَرُسُلِهِ، وَهُوَ مِمَّا تَجِبُ لَهُمُ العِصمَةُ مِنهُ، صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيهِم أَجمَعِينَ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوضَةِ: ((اتَّفَقُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَعبُد صَنَمًا قَطُّ، وَالأَنبِيَاءُ قَبلَ النُّبُوَّةِ مَعصُومُونَ مِنَ الكُفرِ))،
قَالَ ابنُ عَطِيَّةَ فِي المُحَرَّرِ الوَجِيزِ: «وَأَجمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى عِصمَةِ الأَنبِيَاءِ مِنَ الكَبَائِرِ، وَمِنَ الصَّغَائِرِ الَّتِي فِيهَا رَذَائِلُ، وَجَوَّزَ بَعضُهُمُ الصَّغَائِرَ الَّتِي لَيسَت بِرَذَائِلَ».
وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ فِي إِكمَالِ المُعلِمِ: ((لَا خِلَافَ أَنَّ كُلَّ كَبِيرَةٍ مِنَ الذُّنُوبِ لَا تَجُوزُ عَلَيهِم وَأَنَّهُم مَعصُومُونَ مِنهَا))، وَقَالَ: ((وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ أَنَّهُم مَعصُومُونَ مِنَ الصَّغَائِرِ الَّتِي تُزرِي بِفَاعِلِهَا وَتَحُطُّ مَنزِلَتَهُ وَتُسقِطُ مُرُوءَتَهُ، وَاختَلَفُوا فِي غَيرِهَا مِنَ الصَّغَائِرِ مِنهُم)).
وَقَالَ الأَصفَهَانِيُّ فِي بَيَانِ المُختَصَرِ: ((فَالإِجمَاعُ مُنعَقِدٌ عَلَى عِصمَتِهِم مِنَ الكَبَائِرِ مُطلَقًا، وَالصَّغَائِرِ الدَّالَّةِ عَلَى خِسَّةِ فَاعِلِهَا وَنَقصِ مُرُوءَتِهِ، وَأَمَّا غَيرُ الكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ الخَسِيسَةِ فَالأَكثَرُونَ عَلَى جَوَازِ صُدُورِهَا مِنهُم))، وَقَالَ: ((وَالإِجمَاعُ مُنعَقِدٌ عَلَى عِصمَتِهِم بَعدَ الرِّسَالَةِ مِن تَعَمُّدِ الكَذِبِ فِي الأَحكَامِ، لِدِلَالَةِ المُعجِزَةِ عَلَى الصِّدقِ)).
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا أَنتُم عَابِدُونَ مَا أَعبُدُ (3)﴾ أَي لَا تَعبُدُونَ اللَّهَ وَحدَهُ فِي الحَالِ، أَي لَستُم فِي حَالِكُم هَذِهِ عَابِدُونَ للهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُم عَلَى الشِّركِ، فَلَم يُؤمِنُوا مَعَ مَا شَاهَدُوا مِنَ المُعجِزَاتِ وَالآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن نَحوِ انشِقَاقِ القَمَرِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ الكَثِيرَةِ، فَالمَهدِيُّ مَن هَدَاهُ اللهُ، وَلَنَا فِي ذَلِكَ عِبرَةٌ، فَأَبُو طَالِبٍ عَاشَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَوَالَي خَمسِينَ سَنَةً، تَرَبَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيتِهِ، شَاهَدَ الخَوَارِقَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مُنذُ نَشأَتِهِ، وَرَأَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ نَبِيٌّ وَلَهُ شَأنٌ مُنذُ أَن كَانَ النَّبِيُّ ﷺ صَغِيرًا، بَل إِنَّهُ سَمِعَ بَعضَ اليَهُودِ وَالرُّهبَانِ يَقُولُ: إِنَّهُ هُوَ نَبِيُّ آخِرِ الزَّمَانِ، لِمَا فِيهِ مِن عَلَامَاتٍ دَالَّةٍ عَلَى ذَلِكَ، مَعَ ذَلِكَ لَم يُؤمِن، وَفِي المُقَابِلِ نَجِدُ أَنَّ النَّجَاشِيَّ بِمُجَرَّدِ أَن سَمِعَ بَعضَ الآيَاتِ مِنَ القُرءَانِ فِي سُورَةِ مَريَمَ آمَنَ وَأَذعَنَ وَعَارَضَ حَاشِيَتَهُ وَعَرَّضَ نَفسَهُ لِلخَطَرِ وَمُعَادَاةِ النَّاسِ فِي بَلَدِهِ وَكَانَ عَلَى استِعدَادٍ لِأَن يُضَحِّيَ بِمُلكِهِ لِأَجلِ هَذَا الدِّينِ، وَحَسُنَ إِسلَامُهُ وَمَاتَ عَلَى حَالٍ حَسَنٍ، كُلُّ هَذَا وَهُوَ لَم يَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُم (4)﴾ أَي لَا أَعبُدُ أَصنَامَكُم فِي المُستَقبَلِ وَلَا أُجِيبُكُم فِيمَا بَقِيَ مِن عُمُرِي إلى ما تَعبُدُونَ مِنَ الأَصنَامِ.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا أَنتُم عَابِدُونَ مَا أَعبُدُ (5)﴾ أَي لَا تَعبُدُونَ اللَّهَ وَحدَهُ فِي المُستَقبَلِ، إِذ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ مِنهُم أَنَّهُم لا يُؤمِنُونَ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى إِعجَازِ القُرءَانِ أَنَّهُ لَم يَحصُل مِن هَؤُلَاءِ أَن دَخَلُوا فِي الإِسلَامِ، مَعَ أَنَّهُم كَانُوا حَرِيصِينَ كُلَّ الحِرصِ عَلَى تَكذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ، فَهُوَ أَخبَرَ أَنَّهُم لَن يَعبُدُوا اللهَ وَلَم يَقدِرُوا عَلَى تَكذِيبِهِ فِي ذَلِكَ مَعَ حِرصِهِم عَلَيهِ، وَهَذَا لَهُ أَمثِلَةٌ كَثِيرَةٌ فِي القُرءَانِ، مِنهَا: قَولُهُ تَعَالَى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [سورة المسد/ الآية 1]، فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [سورة المسد/ الآية 3]،وَفِيهِ قَطعٌ وَجَزمٌ بِأَنَّهُ سَيَدخُلُ النَّارَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَيَمُوتُ عَلَى الكُفرِ، وَأَبُو لَهَبٍ مَعَ حِرصِهِ عَلَى تَكذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ لَم يَقدِر عَلَى النُّطقِ بِكَلِمَةِ التَّوحِيدِ وَلَا حَتَّى نِفَاقًا أَو لِتَكذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ، لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ بِمَشِيئَةِ اللهِ سُبحَانَهُ.
اللهُ هُوَ الَّذِي يَخلُقُ الهِدَايَةَ فِي قُلُوبِ مَن شَاءَ مِن عِبَادِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَخلُقُ الضَّلَالَ فِي قُلُوبِ مَن شَاءَ مِن عِبَادِهِ، عَلِمَ مِن هَؤُلَاءِ أَنَّهُم يَمُوتُونَ عَلَى الكُفرِ وَشَاءَ ذَلِكَ وَقَدَّرَهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 39]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 111]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَو شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُم عَلَى الهُدَى﴾ [سورة الأنعام/ الآية 35]، أَي وَلَكِنَّهُ هُو لَم يَشَأ لَهُمُ الهُدَى. وَقَالَ تَعَالَى:﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [سورة يونس/ الآية 99]، أَي هُوَ لَم يَشَأ إِيمَانَهُم. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [سورة السجدة/ الآية 13]، أَي وَلَكِنَّ اللهَ لَم يَشَأ ذَلِكَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة القصص/ الآية 56]، فَلَم يَشَأ لِبَعضِ قُرَيشٍ الهِدَايَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [سورة الأنعام/ الآية 125]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 176]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [سورة المائدة/ الآية 41]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 155].
وَكُلُّ هَذِهِ الآيَاتُ وَغَيرُهَا فِيهَا رَدٌّ عَلَى المُعتَزِلَةِ وَالقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ خَالَفُوا فِي هَذِهِ المَسأَلَةِ فَقَالُوا: اللهُ لَا يَخلُقُ الشَّرَّ وَالكُفرَ وَالمَعَاصِيَ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَكَذَّبُوا كُلَّ هَذِهِ الآيَاتِ الَّتِي ذَكَرنَاهَا وَغَيرَهَا، وَنَفَوا خَالِقِيَّةَ اللهِ، وَنَسَبُوا الخَلقَ لِغَيرِهِ فَقَالُوا: العَبدُ هُوَ الَّذِي يَخلُقُ الشَّرَّ، وَزَادَ بَعضُهُم فَقَالَ: العَبدُ هُوَ الَّذِي يَخلُقُ كُلَّ أَفعَالِهِ، وَبَعضُهُم قَالَ: العَبدُ هُوَ الَّذِي يَخلُقُ أَفعَالَهُ الِاختِيَارِيَّةَ، وَكُلُّ هَذَا خُرُوجٌ مِنَ الإِسلَامِ وَهُوَ ضِدُّ عَقِيدَةِ المُسلِمِينَ، فَلِذَلِكَ كَفَّرَهُمُ المُسلِمُونَ عَلَى هَذِهِ المَقَالَةِ.
فَهَذَا التَّوكِيدُ فَائِدَتُهُ قَطعُ أَطمَاعِ الكُفَّارِ وَتَحقِيقُ الإِخبَارِ بِوَفَاتِهِم عَلَى الكُفرِ وَأَنَّهُم لا يُسلِمُونَ أَبَدًا وَلا يُؤمِنُونَ، فَفِي الأُولَى وَالثَّانِيَةِ مَعنَاهُ: لَا أَعبُدُ الآنَ مَا تَعبُدُونَ وَلَا تَعبُدُونَ الآنَ مَا أَعبُدُ، وَفِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ: لَا أَعبُدُ فِي المُستَقبَلِ مَا تَعبُدُونَ وَلَا تَعبُدُونَ فِي المُستَقبَلِ مَا أَعبُدُ، فَشَمِلَ المَعنَى كِلَا الزَّمَانَينِ الحَالَ وَالمُستَقبَلَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُم كَانُوا يَعبُدُونَ الأَوثَانَ فَإِذَا مَلُّوا وَثَنًا وَسَئِمُوا العِبَادَةَ لَهُ رَفَضُوهُ ثُمَّ أَخَذُوا وَثَنًا غَيرَهُ بِشَهوَةِ نُفُوسِهِم، فَإِذَا مَرُّوا بِحِجَارَةٍ تُعجِبُهُم أَلقَوا هَذِهِ وَرَفَعُوا تِلكَ فَعَظَّمُوهَا وَنَصَّبُوهَا بِزَعمِهِم آلِهَةً يَعبُدُونَهَا، فَأُمِرَ عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يَقُولَ لَهُم: ﴿لَا أَعبُدُ مَا تَعبُدُونَ﴾ اليَومَ مِن هَذِهِ الأَصنَامِ الَّتِي بَينَ أَيدِكمُ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلا أَنتُم عابِدُونَ مَا أَعبُدُ﴾ وَإِنَّمَا تَعبُدُونَ الوَثَنَ الَّذِي اتَّخَذتُمُوهُ وَهُوَ عِندَكُمُ الآنَ ﴿وَلا أَنا عابِدٌ مَا عَبَدتُّم﴾ أَي بِالأَمسِ مِنَ الأَصنَامِ الَّتِي رَفَضتُمُوهَا وَأَقبَلتُم عَلَى هَذِهِ ﴿وَلا أَنتُم عابِدُونَ مَا أَعبُدُ﴾ فَإِنِّي أَعبُدُ إِلَهِي وَأَنتُم تَرفُضُونَهُ مِن جَهلِكُم.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَكُم دِينُكُم وَلِيَ دِينِ (6)﴾ مَعنَاهُ ﴿لَكُم دِينكُم﴾ أَيِ البَاطِلُ وَهُوَ الشِّركُ الَّذِي تَعتَقِدُونَهُ وَتَتَوَلَّونَهُ ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الَّذِي هُوَ دِينُ الحَقِّ وَهُوَ الإِسلامُ، أَي لَكُم شِركُكُم وَلِيَ تَوحِيدِي، وَهَذَا غَايَةٌ فِي التَّبَرِّي مِنَ البَاطِلِ الَّذِي هُم عَلَيهِ، وفِي الآيَةِ مَعنَى التَّهدِيدِ كَمَا قَالَ القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِهِ، وَمِثلُ ذَلِكَ فِي إِفَادَةِ التَّهدِيدِ وَالوَعِيدِ قَولُهُ تَعَالَى فِي سَورَةِ الكَهفِ: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، بِدَلِيلِ بَقِيَّةُ الآيَةِ وهو قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾[سُورَةَ الكَهف/ الآية 29]، فَمِن قَوَاعِدِ الأُصُولِيِّينَ أَنَّ مَجِيءَ الوَعِيدِ بَعدَ الأَمرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المُرَادَ بِالأَمرِ هُوَ التَّهدِيدُ.
فَمِن قَوَاعِدِ الإِسلَامِ أَنَّ المُكَلَّفِينَ مَأمُورُونَ وَمُلزَمُونَ بِدُخُولِ دِينِ الإِسلَامِ، بَل وَيُقَاتَلُونَ عَلَيهِ حَتَّى يَدخُلُوا فِيهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أَي كُفرٌ وَشِركٌ وَحَتَّى لَا يَمنَعَ الكُفَّارُ مَن أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الإِسلَامِ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ وَاتِّبَاعِ الحَقِّ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال/ الآية 39] أَي حَتَّى يَدخُلَ النَّاسُ فِي دِينِ الإِسلَامِ، فَهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ لِكُلِّ ذِي بَصِيرَةٍ فِي أَنَّ المَقصُودَ مِن قِتَالِ الكُفَّارِ إِدخَالُهُم فِي دِينِ اللهِ الإِسلَامِ، وَقَد تَوَاتَرَ حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ:«أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُم عَلَى اللهِ»، فَكَيفَ يَكُونُونَ مُخَيَّرِينَ بَينَ دُخُولِ الإِسلَامِ وَعَدَمِهِ ثُمَّ يُؤمَرُ النَّبِيُّ ﷺ وَالمُسلِمُونَ بِقِتَالِهِم لِإِدخَالِهِم فِيهِ؟!
وَأَمَّا قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [سورة البقرة/ الآية 256] أَي بِقِتَالِهِم، فَلَا تُقَاتِلهُم لِلدُّخُولِ فِي دِينِ الإِسلَامِ، وَهَذَا نَزَلَ قَبلَ ءَايَاتِ الجِهَادِ وَنُسِخَ بِهَا، وَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: هُوَ خَاصٌّ بِأَهلِ الكِتَابِ الَّذِينَ إِذَا امتَنَعُوا مِنَ القِتَالِ وَدَفَعُوا الجِزيَةَ لِإِمَامِ المُسلِمِينَ تَرَكَ قِتَالَهُم، وَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَعنَاهَا: لَا تَستَطِيعُ يَا مُحَمَّدُ أَن تُكرِهَ القُلُوبَ عَلَى الدُّخُولِ فِي الإِسلَامِ، فَعَلَيكَ إِكرَاهُ الظَّوَاهِرِ بِالقِتَالِ أَوِ الجِهَادِ.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [سورة الغاشية/ الآية 22] مَعنَاهُ لَا تَستَطِيعُ يَا مُحَمَّدُ أَن تُسَيطِرَ عَلَى قُلُوبِهِم فَتَقلِبَهَا مِنَ الكُفرِ إِلَى الإِيمَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُم﴾ [سورة البقرة/ الآية 272] مَعنَاهُ لَا تَستَطِيعُ خَلقَ الهِدَايَةِ فِي قُلُوبِهِم لِأَنَّ الخَلقَ بِيَدِ اللهِ.
فَلَيسَ مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَكُم دِينُكُم وَلِيَ دِينِ﴾ وَنَحوِهِ أَنَّ مَنِ اختَارَ الإِيمَانَ كَمَنِ اختَارَ الكُفرَ، بَل مَنِ اختَارَ الكُفرَ مُؤَاخَذٌ وَمَنِ اختَارَ الإِيمَانَ مُثَابٌ.
فَائِدَةٌ:
أَفَادَتِ الآية أَنَّ مَا سِوَى دِينِ الإِسلامِ مِنَ الأَديَانِ يُسَمَّى دِينًا مَعَ كَونِهِ بَاطِلًا فَاسِدًا، فَالآيَةُ مَعنَاهَا: أَيُّهَا الكَافِرُونَ لَكُم دِينُكُمُ الفَاسِدُ البَاطِلُ وَلِيَ دِينُ الحَقِّ وَهُوَ الإِسلامُ.
ثُمَّ نَم عَلَى خَاتِمَتِهَا فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّركِ» فَالتَّبَرُّؤُ مِنَ الشِّركِ هُوَ دِينُ جَمِيعِ الأَنبِيَاءِ، رَسُولُ اللهِ ﷺ أَوَّلَ مَا دَعَا قَومَهُ دَعَاهُم إِلَى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَحدَهُ وَعَدَمِ الإِشرَاكِ بِهِ وَعَدَمِ عِبَادَةِ الأَصنَامِ الَّتِي كَانُوا يَعبُدُونَهَا بِغَيرِ حَقٍّ، فَقَد قَالَ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿وَاعبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا﴾ [سورة النساء/ الآية 36]، وَكَذَلِكَ غَيرُهُ مِنَ الأَنبِيَاءِ أَمَرُوا أَقوَامَهُم بِعِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَنَبذِ عِبَادَةِ غَيرِهِ، فَقَد أَخبَرَ سُبحَانَهُ عَن عِيسَى أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَا بَنِي إِسرَائِيلَ اعبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُم إِنَّهُ مَن يُشرِكْ بِاللَّهِ فَقَد حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ وَمَأوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن أَنصَارٍ﴾[سورة المائدة/ الآية 72]، وَأَخبَرَ عَن نُوحٍ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَا قَومِ اعبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِن إِلَهٍ غَيرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُم عَذَابَ يَومٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 59]، وَأَخبَرَ عَن هُودٍ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَا قَومِ اعبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِن إِلَهٍ غَيرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 65]، وَأَخبَرَ عَن صَالِحٍ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَا قَومِ اعبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِن إِلَهٍ غَيرُهُ قَد جَاءَتكُم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُم﴾ [سورة الأعراف/ الآية 73]، وَأَخبَرَ عَن شُعَيبٍ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَا قَومِ اعبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِن إِلَهٍ غَيرُهُ قَد جَاءَتكُم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُم﴾ [سورة الأعراف/ الآية 85]، وَأَخبَرَ عَن إِبرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ لِقَومِهِ: ﴿اعبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُم خَيرٌ لَكُم إِن كُنتُم تَعلَمُونَ إِنَّمَا تَعبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوثَانًا وَتَخلُقُونَ إِفكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَملِكُونَ لَكُم رِزقًا فَابتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزقَ وَاعبُدُوهُ وَاشكُرُوا لَهُ إِلَيهِ تُرجَعُونَ﴾ [سورة العنكبوت/ الآية 16-17]، بَل وَأَخبَرَ سُبحَانَهُ أَنَّهُ مَا مِن نَبِيٍّ وَلَا رَسُولٍ إِلَّا دَعَا إِلَى التَّوحِيدِ فَقَالَ تَعَالَى:﴿وَلَقَد بَعَثنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعبُدُوا اللَّهَ وَاجتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنهُم مَن هَدَى اللَّهُ وَمِنهُم مَن حَقَّت عَلَيهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرضِ فَانظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾[سورة النحل/ الآية 36].
فَدِينُ كُلِّ الأَنبِيَاءِ هُوَ الإِسلَامُ، لَم يَنزِل جِبرِيلُ عَلَى نَبِيٍّ مِنَ الأَنبِيَاءِ بِغَيرِ الإِسلَامِ، كُلُّ الأَنبِيَاءِ مِن لَدُن آدَمَ إِلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِم وَسَلَّمَ جَاؤُوا بِدِينِ الإِسلَامِ وَأَمَرُوا النَّاسَ بِعِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى وَحدَهُ، فقد قَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ فِي العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ: وَدِينُ اللهِ فِي الأَرضِ وَالسَّمَاءِ وَاحِدٌ وَهُوَ دِينُ الإِسلامِ، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَبتَغِ غَيرَ الإِسلَامِ دِينًا فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 85]، وَهُوَ الدِّينُ الَّذِي رَضِيَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ حَيثُ قَالَ:﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسلَامُ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ/ الآية 19]، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: «الأَنبِيَاءُ إِخوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُم شَتَّى وَدِينُهُم وَاحِدٌ»، وَقَالَ نُوحٌ عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿وَأُمِرتُ أَن أَكُونَ مِنَ المُسلِمِينَ﴾ [سُورَةُ يُونُسَ/ الآية 72]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشرِكِينَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ/ الآية 67]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسلِمُونَ﴾ [سُورَةُ البَقَرَةِ/ الآية 132]، وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَن يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ:﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسلِمًا وَأَلحِقنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [سُورَةُ يُوسُفَ/ الآية 101]، وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَن مَلِكَةِ سَبَأَ: ﴿وَأَسلَمتُ مَعَ سُلَيمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [سُورَةُ النَّملِ/ الآية 44]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَوحَيتُ إِلَى الحَوَارِيِّينَ أَن آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشهَد بِأَنَّنَا مُسلِمُونَ﴾ [سُورَةُ المَائِدَةِ/ الآية 111].
وَقَد أَمَرَنَا اللهُ بِالثَّبَاتِ عَلَى الإِسلَامِ إِلَى آخِرِ العُمُرِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسلِمُونَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمرَان/ الآية 102]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعبُد رَبَّكَ حَتَّى يَأتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [سُورَةُ الحِجرِ/ الآية 99]، فَلَم يَرضَ سُبحَانَهُ مِن عِبَادِهِ وَلَم يَقبَل مِنهُم دِينًا غَيرَ الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ وَهُوَ دِينُ الإِسلَامِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَبتَغِ غَيرَ الإِسلَامِ دِينًا فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمرَان/ الآية 85]، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الأَنبِيَاءَ جَمِيعًا دِينُهُم وَاحِدٌ وَشَرَائِعُهُم مُختَلِفَةٌ، وَلَيسَت دِيَانَاتُهُم مُختَلِفَةً بَل كُلُّهُم دَعَوا إِلَى تَوحِيدِ اللهِ وَإِلَى تَنزِيهِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى قَولِ: “لَا إلهَ إِلَّا اللهُ”، فَفِي مُوَطَّأ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَفضَلُ مَا قُلتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِن قَبلِي: لَا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ».اهـ
فَكَيفَ بَعدَ هَذَا كُلِّهِ وَبَعدَ هَذِهِ الأَدِلَّةِ القَاطِعَةِ وَالبَرَاهِينِ السَّاطِعَةِ يَأتِي مَن يَنسُبُ إِلَى الأَنبِيَاءِ أَنَّهُم دَعَوا إِلَى غَيرِ الإِسلَامِ، أَو يَنسُبُ لِلأَنبِيَاءِ أَنَّهُم كَانُوا عَلَى اليَهُودِيَّةِ أَوِ النَّصرَانِيَّةِ أَوِ الشِّركِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.
والله تعالى أعلم وأحكم