فضائل سورة (ق)

خطبة الجمعة فضائل سورة (ق)

الخطبة الأولى

  الحمد لله ذي العزِّ المجيد، والبطشِ الشديد، المُبدئِ المعيدِ، الفعَّالِ لما يُريد، المُنتقمِ ممن عصاهُ بنارٍ بعد الإنذارِ بها والوعيد، المُكرِمِ لِمَنْ خافَهُ واتّقاهُ بدارٍ لهم فيها من كلِّ خيرٍ مزيد، العالمِ بخافي السرّ فهو القائلُ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ”، فسبحانَ من قسَمَ خلقَه قسمينِ فمنهم شقيٌّ ومنهم سعيدٌ وما ربُّكَ بظلَّامٍ للعبيد. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له ولا ضدّ ولا نِد له ولا نديد، وأشهدُ أن سيدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا محمدًا عبدُه ورسولُه ، الداعي للتوحيد، والساعِي بالنُّصحِ للقريبِ والبعيد، اللهم صلِّ وسلم وأنعمْ وأكرمْ وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه كلما جَدَّ جديد.

  عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ”. والقائلَ في كتابِهِ الكريمِ:”وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ” (البقرة:281) فاتَّقِ اللَّهَ تعالى أخي المسلم فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا تَخفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ.

  إخوة الإسلام: روى الإمام مسلمٌ في صحيحهِ عن أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: “وَمَا أَخَذْتُ ق وَالْقُرْءانِ الْمَجِيدِ إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ” فهذه السورةُ العظيمةُ سورةُ: “ق” كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقرأها كلَّ جمعةٍ على المنبر، وما ذاك إلا لأهميتِها وما حوتْهُ من معانٍ ينبغي أن تكونَ حاضرةً في قلبِ كلِّ مسلم، ومن هذه المعاني إخوة الإسلام أن هذه السورةَ بدأت بالردّ على الكافرينَ منكري البعثِ، فردّ الله تعالى عليهم بقوله: “قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ” (ق:4)فاللهُ تعالى العالمُ بما تَنْقُصُ الأرضُ من أجسادِ الموتى، وما تأكلُهُ من لحومهم وعظامِهم قادرٌ على إرجاعِهم أحياءً كما كانوا، ثم ذكّرهم ونبّههم سبحانه وتعالى إلى أن ينظروا إلى السماءِ فوقَهم كيف رُفعتْ من غيرِ أعمدةٍ ومع ذلك فليس فيها شقوقٌ ولا صدوعٌ ولا خلل، وكيف أنّ الأرض بسطت وأنزلَ اللهُ لها من السماء ماءً مباركا فأنبتَ اللهُ عندهُ أصنافًا شتى من الأشجار والثمارِ ونحوِ ذلك، ثم ذكرهم سبحانه وتعالى بحالِ الأقوامِ السابقةِ من عادٍ وفرعونَ وغيرِهم وأنهم لما كذّبوا الرسلَ حلَّ ما حلّ بهم من العذابِ، فكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقرأ كلَّ جمعةِ هذه الآيات التي حوت هذه المعنى ليذكّرَ وينبِّهَ أصحابَهُ على أن من يكذّبُ الحقَّ فحالُهُ كحال الأقوامِ السابقةِ نسألُ اللهَ السلامة.

  إخوة الإسلام: ثم بيّنِ اللهُ تعالى في هذه الآياتِ العظيمةِ معنى في غايةِ الأهميةِ فاسمع جيدا أخي المسلم؛ فقد قال الله تعالى: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ” (ق:16)  فأولُ هذه الآيةِ يبيّنُ ويظهرُ تأويلَ ءاخرِها، فاللهُ تعالى يخبرُنا أنه الخالقُ للإنسان خلقَ أعمالَهُ وأقوالَه؛ بل ونواياهُ وخواطرُهُ كلّها بخلق اللهِ تعالى، وكما أن اللهَ تعالى خلقها فهو العالمُ بها بلا ريب؛ بل نبّهنا الله تعالى إلى أنه عالمٌ بوسوسةِ أنفسِنا أي بما يخطُرُ في بالِنا من حديثِ النفسِ ونحوهِ، ثم قال عزّ وجلّ: “وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ” أي أن الله تعالى أعلم بنا من أنفسِنا، فاللهُ سبحانه وتعالى أعلم بالعبدِ من نفسِه. فأولُ الآيةِ يبينُ ويظهرُ معنى ءاخرِها. ثم قال سبحانه وتعالى: “إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)” ومن العجبِ العجاب إخوة الإسلام أن اللهَ تعالى يقولُ: “مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ” وبعضُ الناسِ اليوم يقولون: الكلامُ ما عليه جمرك!! حاثّين الشخصَ على التكلمِ كيفما أراد!! فيا كثيرَ الكلامِ حسابُك شديد، ويا مُؤْثرًا ما يضرُّه على ما ينفعُهُ ما رأيكَ بسديد، ويا ناطقًا بما لا يُجدي ولا يُفيد تذكرْ قولَ اللهِ تعالى :“مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ” فكلامُك مكتوبٌ وقولُكَ محسوبٌ وأنت يا هذا مطلوبٌ ولك ذنوبٌ وما تتوب!! وشمسُ الحياةِ قد أَخذت في الغروب، فما أقسى قلبَكَ من بينِ القلوب. وقد روي عن حاتم الأصمّ أنه قال: “تعهدْ نفسَك في ثلاثةِ مواضع: إذا عملتَ فاذكرْ نظرَ اللهِ إليك، وإذا تكلّمتَ فاذكرْ سمعَ اللهِ إليك، وإذا سكتَّ فاذكرْ علمَ اللهِ فيك”.

  إخوةَ الإسلام: ثم إن اللهَ تعالى بيّن للكافرين أن ما أنكروه من البعثِ أي خروجِ الناسِ من قبورِهِم بعد إعادةِ الأجسادِ التي أكلها الترابُ إن كانت من الأجسادِ التي يأكلُها التراب هذا ما أنكروهُ سيلاقوهُ عند قيامِ الساعةِ كما قال تعالى: “لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ” (ق:22) ثم إن الكافرَ يبقى يُبصِرُ ويرى عيانا الأمورَ التي كان يخوّفُ بها في الدنيا حتى يُلقى في نار جهنّمَ ولا شيء له غيرَ ذلك، كما أخبرنا سبحانَه وتعالى في هذه السورة العظيمةِ سورةِ ق؛ حيث قال عزّ وجلّ : “مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ” (ق:29) فلا يبدِّلُ اللهُ وعيدَهُ بإدخالِ الكافرِ النارَ، نسأل اللهُ السلامة.  ونسألُهُ عزَّ وجلَّ أن ينصُرَ إخوانَنا المسلمين المرابطين في غزةَ وفي فلسطين، وأن يتقبّل شهداءهم، ويشفيَ جرحاهُم، هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.

الخطبة الثانية

 الحمدُ للهِ نستعينُه ونستغفرُه ونستهديه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا، من يهدِ اللهُ فلا مضلَّ له ومن يضللْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه أرسلَهُ بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ:

اختُتِمت سورةُ: “ق” بمعنًى عظيمٍ ينبغي لكلِّ واحدٍ منا أن يضعَهُ نصبَ عينيه في أمورِ حياتِهِ جميعِها؛ فقد قال الله تعالى في آخرِ ءايةٍ من سورةِ: “ق” “فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ” (45)فكلُّ خيرٍ وفلاحِ ونجاحٍ لك أخي المسلم في دينِكَ ودنياك تجدُهُ في القرءانِ الكريم، وبدل أن يضيِّعَ أبناؤكَ أوقاتَهم في العطلةِ الصيفيةِ بما لا خيرَ فيه، أحضرْ لهم معلما ثقةً يعلِمهمُ القرءانَ الكريمَ، فإن قلتَ لي ومن أين أعرِفُ المعلِّمَ الثقةَ من غيرِهِ وأين أجدُهُ؟!! أقولُ لك تعالَ إليَّ بعد الصلاةِ وأنا أدلُّكَ بإذنِ اللهِ تعالى، فلا تترُكْ أبناءك تائهينَ ضائعينَ لا يعرفونَ كيف يقرؤونَ سورةَ الفاتحةِ التي لا تصحُّ ولا تُقبلُ الصلاةُ إلا بها، ولا تتركْ أبناءَكَ تائهينَ لا يعرفونَ أحكامَ دينِهم الضرورية؛ فإنك إن تركتهم كذلك حوسبتَ يومَ القيامةِ.نسألُ اللهَ تعالى أن يعلِمَنا القرءان وينفعَنا به، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.

  عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، يا الله احفظِ المسلمين والمسجدَ الأقصى من أيدي اليهودِ المدنسين، يا اللهُ انصرِ الإسلامَ والمسلمين، يا قويُّ يا متينُ انصرِ المسلمين في غزة، يا اللهُ يا من لا يعجِزُكَ شيءٌ ثبِّتْ المسلمينَ في غزّة وأمدّهم بمددٍ من عندِك، وارزقهم نصرا قريبا، اللهم عليك باليهودِ أعداءِ هذا الدين، اللهم احصِهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادرْ منهم أحدا، يا الله يا رحمنُ يا رحيمُ اشفِ جرحى المسلمين في غزة وفلسطين، وتقبّلْ شهداءهم، وأنزلِ الصبرَ والسكينةَ على قلوبِ أهلِهم، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ،  لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.

مقال يتحدث عن سيرة أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما

أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعدُ: المقدمة…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share