الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ مدبرِ الليالي والأيامِ، ومصرِّفِ الشهورِ والأعوامِ، المنفردِ بالكمالِ والتمامِ الملكِ القدوسِ السلامِ، تنزَّهَ ربِّي عنْ دَرَكِ الأفهامِ وتعالَى وتقدَّسَ عنْ إحاطَةِ الأوهامِ ليسَ بجسمٍ فلا يُشْبِهُ الأجسامَ، سبحانه لا يعزُبُ عن سمعِهِ صريفُ الأقلام، ولا يخفى على بصرِهِ دبيبُ النملِ تحتَ سُجُفِ الظَّلام، إلهٌ رحيمٌ عظيمُ الإنعامِ، وربٌّ قديرٌ شديدُ الانتقامِ. وأشهدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لَا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنَا وحبيبَنَا وعظيمَنَا محمدًا عبدُه ورسولُه خيرُ الأنام، اللهم صلِّ وسلِّمْ وأنعِمْ وأكرِمْ علَى سيدِنَا محمدٍ مصباحِ الظلامِ، وعلىصاحبِهِ أبي بكرٍ أولِ سابقٍ إلى الإسلام، وعلى عمرَ الذي كان إذا رءاهُ الشيطانُ هام، وعلى عثمانَ الذي أنهضَ جيشَ العسرةِ بنفقتِه وأقام، وعلى عليٍّ بحرِ العلمِ والأسدِ الضِّرغام.
عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)}(سورة الأحزاب). وتفكّرْ أخي المسلمَ في قولِ اللهِ تعالى:{أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}(سورة العلق:14)واجعلْه نُصْبَ عينيك، فاللهَ اللهَ يا عبادَ الله.
أخي المسلم: أتحبُّ أن تكونَ من أصحابِ الميمنةِ؟ أتريدُ أخي المؤمنَ أن تؤتَى كتابَك بيمينِك؟ اسمعْ معي قولَ اللهِ تعالى في سورةِ البلد:{أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18)}. فيا أخي المسلم إنْ أطعمتَ أخاكَ المسلمَ وقريبَك اليتيمَ، والمسكينَ ذا الفقرِ حيثُ لا طعامَ لهم ولا بيتَ يَأْويهم، وكنتَ مؤمنًا مسلمًا موحدًا منزّهًا لربكَ وصبرتَ عن المعصيةِ وعلى أداءِ الطاعةِ والبلاءِ، وتواصيتَ بالمرحمةِ أي بما يؤدِّي لرحمةِ اللهِ تعالى من وجوهِ الخير، تَكُنْ بإذنِ اللهِ تعالى من أصحابِ الميمنة، وتُؤْتَ كتابَك بيمينِك، كيف لا؟ وفي ذلك تحقيقٌ لمبدأِ التكافلِ بين المسلمينَ، والتخفيفُ عنهم، سيما في النوازِلِ التي تنزِلُ في الأمة.
إخوة الإسلام: عجبًا ممن يعلمُ بجارٍ له يبيتُ وأهلَه جائعين، وهو غيرُ مُبالٍ بهم ولا بغيرِهم من إخوانِه المسلمين. والعجيبُ الغريبُ أن البعضَ يقولُ: “شو دخلني فيهم” ألم يسمعْ قولَ رسولِ اللهِ ﷺ الذي رواهُ البخاريُ في صحيحِه: “الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ” وقولَه ﷺ الذي رواه مسلمٌ في صحيحِه:” مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”فهل إذا اشتكى منك عضوٌ؛ بل ضرسٌ تنامُ عينُك، وتقولُ: “شو دخلني” وهكذا ينبغي أن تكونَ مع أخيك المسلم، كأنه عضوٌ من أعضائِك، إذا اشتكى من شيءٍ بادرتَ فورًا لإغاثتِه ومساعدتِه. سيما في الأيام التي تنزِلُ بها النوازلُ كالزلازلِ وغيرها من الكوارث. وللهِ دَرُّ الأشعريينَ والذين منهم الصحابيُ الجليلُ أبو موسى الأشعريُّ رضي الله عنه، الذين قال فيهم رسولُ اللهِ ﷺ في الحديثِ الصحيحِ الذي رواهُ البخاريُّ: “إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ –أي فَنِيَ زادُهم– أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ”. ولم يقلْ الواحدُ منهم:” شو دخلني” بل تقاسموا الطعامَ بينهم، وبارك اللهُ لهم فيه.
إخوةَ الإيمان والإسلام: يقولُ اللهُ تبارك وتعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} وفي ذلك يقولُ الإمامُ القرطبيُ في تفسيرِه:” وهو أمرٌ لجميعِ الخلقِ بالتعاونِ على البرِّ والتقوى؛ أي ليُعِنْ بعضُكم بعضًا، وتحاثُّوا على ما أمرَ اللهُ تعالى واعملوا به، وانتهُوا عما نهى اللهُ عنه وامتنعوا منه” فليُعِنْ بعضُنا بعضًا على الخير، تفقدْ جارَك، وقريبَك وأخاك المسلمَ، فالواحدُ منا يقوى بغيرِهِ ويعِزُّ كما قال الشاعر:
| لَــكَ العِـــزُّ إِنْ أخاك عَـــزَّ وإنْ يَهُنْ | *** | فَأَنْتَ لدَى بُحْبُوْحَةِ الهُونِ كَائِنُ |
فإن كان أخوكَ وقريبُكَ عزيزا قويا، كنت أنت به وبسببه عزيزا قويا، وأما إن كان ضعيفا فستكون ضعيفا. وتذكرْ أخي المسلم أن بعضَ المسلمينَ ينطبقُ عليهم قولَ اللهِ تعالى:{يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ}. فكم من فقيرٍ ومسكينٍ ومحتاجٍ عفيفِ النفسِ لا يَسألُ الناسَ، فسَلْ عن أخيكَ المسلمِ وتفقدْ حالَه وفرِّجْ كربتَه، علَّ اللهَ تعالى يفرجُ عنك كربةً من كربِ الدنيا والآخرةِ؛ فقد قال رسولُ الله ﷺ:” مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”. تقضي له حاجةً من حوائجِ الدنيا فيقضي اللهُ لك حاجتَك، وتفرجُ عنه كربةً من كربِ الدنيا فيفرجُ اللهُ عنك كربةً من كربِ الآخرةِ، وتسترُه في الدنيا فيسترُكَ اللهُ تعالى في الآخرةِ، وشتّانَ بين الدنيا والآخرة. نسأل الله تعالى أن يفرّجَ همومَنا وكروبَنا ويقضيَ لنا حاجاتِنا إنه على كل شيءٍ قدير وبعبادِه لطيفٌ خبير، أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ : وأما أنت أخي المكروبَ في هذه الدنيا، فلا تغفُلْ عن ذكرِ اللهِ تعالى؛ فإنه أحدُ أسبابِ زوالِ الكربِ بإذنِ اللهِ تعالى، فقد روى الحافظُ ابنُ أبي شيبةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنهم، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ رضي الله عنه زَوَّجَ ابْنَتَهُ فَخَلا بِهَا فَقَالَ لها: إذَا نَزَلَ بِكِ الْمَوْتُ(1) ، أَوْ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا فَظِيعٌ فَاسْتَقْبِلِيهِ بِأَنْ تَقُولِي: لاَ إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ: فَبَعَثَ إلَيَّ الْحَجَّاجُ فَقُلْتُهُنَ، فَلَمَّا قُمْت بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: لقد بَعَثْتُ إلَيْك، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَكَ وَلَقَدْ صِرْت، وَمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَيَّ مِنْك، سَلْنِي حَاجَتَك. فردِّدْ أخي المسلمَ المكروبَ هذه الكلماتِ: لاَ إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يُفرِّجِ اللهُ كربكَ بإذنِه تعالى، نسألُ اللهَ تعالى أن يفرِّجَ كروبَنا، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ:{إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.
الحاشية
- أي أصابكِ ضررٌ فظيعٌ قد يسبب موتك.