الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ الملكِ الجليلِ، المنزهِ عن النظيرِ والعديلِ، المُنعِمِ بقَبولِ القليلِ المتكرمِ بإعطاءِ الجزيل، تقدَّسَ عما يقولُ أهلُ التعطيل، وتعالى عما يعتقدُ أهلُ التمثيل، نَصبَ للعقلِ على وجودِه أوضحَ دليل وهدى إلى وجودِه أبينَ سبيل، أحمدُه كلما نُطِقَ بحمدِهِ وقيل. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له المنزَّهُ عن النظيرِ والمثيلِ وأشهدُ أن سيدَنا وحبيبَنا محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وسلم سيدُ ولدِ إسماعيل، اللهم صلِّ وسلمْ وأنعمْ وباركْ على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه كلما نُطقَ بذلك وقيل.
عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتقوا اللهَ تعالى في السرِّ والعلنِ، اتقُوا اللهَ تعالَى القائلَ في كتابهِ العظيمِ:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)”(سورة الأحزاب) . وتفكّرْ أخي المسلمَ في قولِ اللهِ تعالى:”أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى”(سورة العلق:14)واجعلْه نُصْبَ عينيك، فاللهَ اللهَ يا عبادَ الله.
إخوةَ الإيمان والإسلام: يقولُ اللهُ تعالى في مُحكمِ كتابهِ: “إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5)” (سورة الانفطار) فيا أخي المسلم كيفَ بكَ وقد تَصَدَّعَتِ الجِبالُ ونُسِفَتْ؟! وانشقتِ السماءُ وانفطرتْ؟! وانتثرتِ الكواكبُ وتساقطتْ؟! وفُتحتِ القبورُ وبُعثِرت؟! واشتعلتِ البحارُ بالنارِ وسُجِّرت؟! وانصدعتِ الأرضُ وتبدَّلت؟! وعلمتْ كلُّ نفسٍ ما قدمتْ من طاعةٍ وعملت وما أخَّرت من طاعةٍ فقصّرتْ؟! يا أخي المسلم تخيّلْ وتفكّر ماذا يُصيبُك من الخوفِ إذا رأيتَ الصراطَ، ثم وقعَ نظرُك على سوادِ جهنّمَ من تحتِه، ثم قرَعَ سمعَكَ شهيقُ النارِ وتغيُّظُها، وقد كُلِّفتَ بالمشيِ على الصِّراطِ مع ضَعفِ حالِك واضطرابِ قلبِكَ والخلائِقُ أمامَكَ يَزِلّونَ ويسقُطُون، ماذا تتمنى في ذلك الموقفِ؟ لا شكَ ولا ريبَ تتمنى النجاةَ وأن تثبُتَ قدمُكَ وتدخُلَ الجنةَ، وأن يفرِّجَ اللهُ عنك كربَ القيامةِ فاسمعْ معي أخي للحديثِ الذي رواهُ مسلمٌ في صحيحِهِ عن الصحابيِّ الجليلِ أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ” وروى البخاريُّ في صحيحِهِ عن الصحابيِّ الجليلِ عبدِ اللهِ بن عمرَ رضي الله عنهما أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: “وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ”والكربةُ هي الشدةُ العظيمةُ التي توقعُ صاحبَها في الكَرْبِ، وتنفيسُها أنْ يخفَّفَ عنهُ منها والتفريجُ أعظمُ من ذلكَ وهو أنْ تزالَ عنهُ الكربةَ فيزولُ همُّهُ وغمُّهُ، فجزاءُ التنفيسِ التنفيسُ والتخفيفُ من كربِ القيامةِ، وجزاءُ التفريجِ التفريجُ والسلامةُ من كُرَبِ القيامة، فيا أخي المسلم اكشِفْ وفرِّجْ عن إخوانِكَ المسلمينَ كُرُباتِهم، واقضِ دينَهم، وأبعدْ عنهم جوعَهم، واقضِ حاجاتِهم، يفرِّجِ اللهُ عنك كربةً أو أكثرَ من كربِ يومِ القيامةِ، وشتّانَ بين كربِ الدنيا وكربِ القيامةِ.
إخوة الإسلام: سيدُنا عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه طاف ليلةً على بعضِ البيوتِ، فإذا هو بامرأةٍ في جوفِ دارٍ لها وحولَها صِبيانٌ يَبْكون، وإذا قِدْرٌ(1) على النارِ قد مَلَأتْهَا ماءً، فدنا سيدُنا عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه من البابِ، فقال: يا أمةَ اللهِ، لماذا بكاءُ هؤلاءِ الصِّبيانِ؟ فقالتْ: بكاؤُهُم من الجُوع، قال: فما هذه القِدْرُ التي على النار؟ فقالت: قد جعلتُ فيها ماءً أُعَلِّلُهم بها حتى يناموا(2)، فجلسَ عمرُ رضي الله عنه فبكى، ثم جاءَ إلى دارِ الصدقةِ، فأخذَ غِرارةً(3) وجعلَ فيها شيئًا من دقيقٍ وسمنٍ وشحْمٍ، وتمرٍ وثيابٍ ودراهمَ، حتى ملأَ الغِرارةَ، ثم قال: يا أسلمُ(4)، احمِلْ عليّ(5)، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، أنا أحمِلُهُ عنك، فقال لي: لا أمَّ لكَ(6) يا أسلم، أنا أحمِلُه، قال: فحملَهُ على عُنقِه، حتى أتى به مَنزِلَ المرأةِ، قال: وأخذَ القِدْرَ، فجعل فيها شيئًا من دقيقٍ، وشيئًا من شحمٍ وتمرٍ، وجعل يحرِكُه بيدِه، وينفخُ تحتَ القِدْرِ، حتى طَبَخَ لهم، ثم جعلَ يغرِفُ بيدِه ويقولُ لأمِّهم أطْعميهم، فأَطعمتْهم حتى شبِعوا، ثم خرج وربَضَ(7) بحذائِهم(8) فلم يزلْ كذلك حتى لعبوا وضحكوا، ثم قالَ: يا أسلمُ، أتدري لم ربضتُ بحذائِهم؟ قلت: لا يا أميرَ المؤمنين، قال: رأيتُهم يبكون، فكرِهت أن أذهبَ وأدَعَهُم حتى أراهُم يضحكون، فلما ضحكوا طابتْ نفسِي(9). فهنيئا لمن أدخلَ السرورَ على المسلمين، ولا تقلْ أخي المسلم أنا ليسَ معي مالٌ أُدخِلُ به السرورَ عليهم، فابتسامتُكَ في وجهِ أخيك المسلمِ تُدخِلُ عليه السرورَ، وهكذا كان الصحابةُ رضوانُ الله عليهم فرحينَ مسرورينَ بتبسّمِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لهم، فعن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ رضي اللهُ عنه قال: “ما رأيتُ أحدًا أَكثرَ تبسُّمًا من رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّم” رواه الترمذيُّ في سننِه، وعن جريرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنه قال: “ما حَجَبَنِي(10) النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُنْذُ أسْلَمْتُ، ولَا رَآنِي إلَّا تَبَسَّمَ في وجْهِي” رواه البخاريُّ في صحيحِه. لأجل ذلك كان التبسُّمُ بنيةٍ حسنةٍ صدقةً يؤجرُ عليها المُسلم، كما قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “تبسُّمك في وجهِ أخيكَ لكَ صدقةٌ” رواهُ الترمذيُّ في سننِه، وقال صلى الله عليه وسلم: “لا تَحقِرنَّ(11) من المعروفِ شيئًا، ولو أن تلقَى أخاكَ بوجهٍ طَلْق” رواه الإمامُ مسلمٌ في صحيحِه.
نسألُ اللهَ تعالى أن يرحمَنا رحمةً واسعة، وأن يجعلَنا ممن يُدْخِلُ السرورَ على المسلمين، هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: وأما أنت أخي المكروبَ في هذه الدنيا، فلا تغفُلْ عن ذكرِ اللهِ تعالى؛ فإنه أحدُ أسبابِ زوالِ الكربِ بإذنِ اللهِ تعالى، فقد روى الحافظُ ابنُ أبي شيبةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنهم، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ رضي الله عنه زَوَّجَ ابْنَتَهُ فَخَلا بِهَا فَقَالَ لها: إذَا نَزَلَ بِكِ الْمَوْتُ(12) ، أَوْ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا فَظِيعٌ فَاسْتَقْبِلِيهِ بِأَنْ تَقُولِي: لاَ إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ : فَبَعَثَ إلَيَّ الْحَجَّاجُ فَقُلْتُهُنَ ، فَلَمَّا قُمْت بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ : لقد بَعَثْتُ إلَيْك ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَكَ وَلَقَدْ صِرْت ، وَمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَيَّ مِنْك ، سَلْنِي حَاجَتَك. فردِّدْ أخي المسلمَ المكروبَ هذه الكلماتِ: لاَ إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يُفرِّجِ اللهُ كربكَ بإذنِه تعالى، نسألُ اللهَ تعالى أن يفرِّجَ كروبَنا، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: “إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ،اللهم ثبت أقدامَنا على الصراط المستقيم يوم تَزِلُّ الأقدامُ في النار، اللهم فرِّجْ كروبَنا واسترْ عيوبَنا وأَذهبْ همومَنا يا ربَّ العالمين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم اسقِنا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.
الحاشية
- وعاء يطبخ فيه.
- أي أوهمهم أن فيها شيئا من دقيقٍ وسمْن.
- كيسا كبيرا.
- كان يخدُم سيدَنا عمر رضي الله عنه.
- أي ساعدني في حمل الكيس.
- كلمة تقال للزجر، وليس للشتم.
- جلس.
- قربهم.
- ذكرها الحافظ ابن عساكر في تاريخِ دمشق.
- أي ما مَنَعني الدخولَ عليه حين أردت ذلك .
- لا تستصغر.
- أي أصابكِ ضررٌ فظيعٌ قد يسبب موتك.