الزكاة تزكية للنفس وتطهير للمال

خطبة الجمعة الزكاة تزكية للنفس وتطهير للمال

الخطبة الأولى

  الحمدُ للهِ الذي لا واضعَ لما رفعَ ولا رافعَ لما وَضعَ، ولا واصلَ لما قطعَ ولا مُفرِّقَ لما جَمعَ، سبحانَهُ قدّرَ كلَّ ما ضَرَّ أو نَفَع، حكَمَ فالكلُّ حكمُهُ كيفما وقَع، أحمدُهُ تعالى على ما أعطى ومنَع، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ولا شبيهَ ولا مثيلَ له، واحدٌ أحكمَ ما صَنعَ. وأشهدُ أنَّ محمدا عبدُه ورسولُهُ ﷺ، أرسلَهُ والكفرُ قد علا وارتفع، ففرَّقَ بمجاهدتِهِ من شرِّ الكفرِ ما اجتمع، اللهمّ صلِّ وسلمْ وأنعمْ وأكرمْ وباركْ على سيدِنا محمدٍ وعلى صاحبِهِ أبي بكرٍ الذي نَجَمَ نجمُ سعادتِه يومَ الردةِ وطلَع، وعلى عمرَ الذي عزّ الإسلامُ به وامتنع، وعلى عثمانَ المقتولِ ظلمًا وما ابتدَع، وعلى عليٍّ الذي دحضَ الكفرَ بجهادِهِ وقَمَع.

عبادَ اللهِ خافوا اللهَ العظيمَ واتّقوه؛ فإنه القائلُ في كتابِهِ:{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} (البقرة:235). والقائلُ: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} (البقرة: 281) فاللهَ اللهَ يا عبادَ الله.

  إخوة الإيمانِ والإسلام: روى الإمامُ مسلمٌ في صحيحِهِ أن رجلًا جاء للنبيِّ ﷺ وَهُوَ يَقْرَأُ أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ –أي حتى ختَمَها– ثم قَالَ(1): “يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي قَالَ(2) وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ” فمالُك ينفعك في دنياك بما تأكلُ وتلبسُ، وينفعُكَ في ءاخرتِكَ بما أردتَ التصدّقَ بهِ فأمضيتَهُ ونفّذتهُ، فهذا ما يبقى لك في ءاخرتِكَ، وهذا ما تقدِّمهُ للقبرِ، وهذا الذي يُدّخرُ لك للموقفِ الصعبِ العجيبِ حيث تدنو الشمسُ من رؤوسِ العباد، فعجبا ممن يغفُلُ عن ذلك فيبخلُ على نفسِهِ فيتركُ التصدقَ وبذلَ المالِ في وجوهِ الخير، وأعجبُ منه من يتركُ الصدقةَ الواجبةَ التي هي أحدُ أعظمِ أمورِ الإسلام، فيرتكبُ معصيةً من الكبائرِ، لم أعنِ بذلكَ إلا الزكاةَ، والتي قالَ الله تعالى في بيانِ وجوبِها في القرءانِ الكريمِ: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءاتُوا الزَّكَاةَ} (البقرة:43) بل وقَرَنَهَا اللَّهُ تَعَالَى في هذه الآيةِ بِالصَّلاَةِ؛ دلالةً على أن السَّعِيدَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحُسْنَيَيْنِ فَحَافَظَ عَلَى صَلاَتِهِ، وَأَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ.

 إخوة الإيمان: يقولُ الله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)} (التوبة) فدلّت الآية على أن من يمتنع عن إخراجِ الزكاة في الذهب والفضة، من جملة عذابِهِ الخاصّ يومَ القيامةِ – إن عذّبه الله تعالى ولم يعفُ عنه – أن اللهَ تعالى القادرَ على كلِّ شيءٍ يعيدُ الذهبَ والفضةَ التي كانت مِلكا لهذا الإنسانِ ووجبت فيها الزكاة، ولكنه امتنعَ عن أدائِها، وتصيرُ هذه المعادنُ كالألواحِ ويحمّى عليها في نارِ جهنم ثم تكوى بها جبهةُ وجنبُ وظهرُ هذا الإنسانَ الذي منع الزكاةَ فيها، نسألُ اللهَ السلامة. 

  إخوة الإسلام: بعضُ الناسِ اليومَ يتمنَّون لو أن رجلًا صالحًا من الصالحينَ يدعو لهم، ويخافُون ويخشَون أن يدعوَ عليهِم رجلٌ صالحٌ، فكيف إذا ما كانت الدعوة لك أو عليك من وليٍّ من أولياءِ الله تعالى، فقد روى البخاريُّ في صحيحِهِ عن الصحابيِّ الجليلِأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا” فملكٌ ووليٌّ من أولياءِ اللهِ تعالى يدعو لمن ينفِقُ كمن يؤدّي الزكاةَ الواجبةَ بأن يخلُفَهُ اللهُ في مالِهِ، فيباركُ اللهُ له فيهِ فيزدادُ أكثرَ فأكثر، كما قال عليه الصلاةُ والسلامُ: “مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ”(3)والحديث على ظاهرِه كما ذكر بعضُ العلماءِ، أي من تصدّق بجزءٍ من مالِه لا بد وأن يعوضَهُ اللهُ بدلَه أو أكثر، فعجبًا ممن يترك الزكاةَ او الصدقةَ بعد ذلك خائفا من نُقصانِ مالِهِ!!

إخوة الإسلام: ولا يفوتني أن أذكرَ بعضَ أحكامِ الزكاة فاعلمْ أخي المسلم أن الزَّكَاةَ واجبةٌ فِي الذهب والفضة إِذَا بَلَغَا النِّصَابَ الشَّرْعِيَّ الْمُقَدَّرَ ومَرَّ عَلَيْهِما عَامٌ هِجْرِيٌّ كَامِلٌ، وكذا تجب الزكاة في الأنعام الثلاثة الإبلِ والبقرِ والغنمِ إذا مضى عليها حولٌ كاملٌ وبلغت النصابَ الشرعيَّ، وَكذا تجب الزكاةُ في التمرِ والزبيبِ والزروعِ التي يقتاتُها الناس ويعتاشون عليها كالقمحِ والشعيرِ وغيرِهما إذا بلغت النصاب، وَكذا تجب الزكاةُ في أموالِ التجارةُ إذا بلغت نصابًا ءاخرَ الحول، وَكَذَلِكَ تجب الزكاةُ في العملةِ الورقيةِ إذا بلغتْ نصابًا ومضى عليها عامٌ هجريٌّ(4). ولكلِّ ذلك تفاصيلُ يذكرُها الفقهاءُ يطولُ ذكرُها في مَقامِنا هذا، ولكن حذارِ أخي المسلم أن تجبَ الزكاةُ عليك في صنفٍ منها، ولا تبالي بتعلمِ أحكامِ الزكاةِ فيه. وإياك أخي المسلم وأن تعطيَ الزكاةَ لغيرِ الأصنافِ الثمانيةِ الذين وردوا في قولِ اللهِ تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة:60)، فلا تُعطى لمسجدٍ ولا لمستشفى ولا غيرِ ذلك من الأصنافِ التي لم يفرضْها اللهُ تعالى، واسعَ أخي لإعطائها لِذَوِي الأَرْحَامِ وَالأَقْرَبِينَ الْمُحْتَاجِينَ فإنك تجمعُ بين الزكاةِ وصلةِ الرحم، فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :“إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَإِنَّهَا عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ”(5). فهلمَّ أخي يا من وجبت عليك الزكاةُ لإخراجِها فالصدقةُ دليلٌ على كمالِ إيمانِ فاعلِها؛ إذ المنافقُ لا يتصدّق إلا أمامَ الناسِ ليظهرَها نفاقا، لذلك فقد قال رسول الله ﷺ: “والصدقةُ برهانٌ”  نسألُ اللهَ تعالى أن يجعلَنا من المتقين الصادقينَ المُزكِّين، هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم. 

الخطبة الثانية

  الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: فقد سُئل رسولُ الله ﷺ عن أيّ الصدقةِ أفضل؟ فقَالَ عليه الصلاة والسلام: “صَدَقَةٌ فِي رَمَضَانَ” وانتبهْ أخي المسلم فليس معنى الحديثِ أنه يجوزُ أن تؤخِرَ إخراجَ ما يشترطُ فيه حولانُ الحولِ من الزكاةِ إلى رمضانَ بحُجَّةِ أنَّ الصدقةَ فيه أفضل!!، فرمضانُ ليس شرطًا لإخراجِ الزكاةِ فليُنتبَه لذلك، والفقراء ليسوا فقط موجودين في رمضان وحسب!! فمن وجبت عليهِ الزكاةُ في رمضانَ فليخرجْها في رمضانَ، ومن لم تجبْ عليه الزكاةُ فيه أو لم تجبْ عليه الزكاةُ أصلا فليبادرْ إلى الصدقةِ على الفقراءِ في شهرِ الرحمةِ والصدقةِ رمضان، وإياك أخي المسلم وأن تقولَ: “الوضع تعبان” “وفش مصاري”؛ بل احرص على هذه الفرصةِ العظيمة، فقد قال رسولُ الله ﷺ: “سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفٍ” قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ؟ قَالَ: “رَجُلٌ لَهُ دِرْهَمَانِ فَأَخَذَ أَحَدَهُمَا فَتَصَدَّقَ بِهِ وَرَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فَأَخَذَ مِنْ عُرْضِ مَالِهِ مِائَةَ أَلْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا”(6)فالأولُ تصدّق بنصفِ مالِهِ، والثاني لعله تصدّق بِعُشُرِهِ أو أقلّ. نسألُ اللهَ تعالى أن يعيننا على الصدقةِ والصيامِ والقيام، وأن يخرجَنا من هذه الدنيا بسلامٍ، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.

  عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: {إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم تقبّل صيامنا وقيامنا وطاعاتنا واجعلنا من المتقين ، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ، اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين. اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.

الحاشية

  1. أي رسول الله ﷺ.
  2. أي رسول الله ﷺ.
  3. رواه الترمذي في سننه وقال: “حديث حسن صحيح”.
  4. وهذا عند الإمام أبي حنيفة كما لا يخفى، والأحوط أن تخرج فيه.
  5. رواه الترمذيُّ في سننه.
  6. رواه النَّسائي في سننه.
الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان

الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، أما بعد: اجتهاد…

ربما يعجبك أيضا

Total
0
Share