الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ الواحدِ الأحدِ، الفردِ الصمدِ، الذي لمْ يلِدْ ولمْ يولدْ، ولم يكنْ لهُ كفوًا أحدٌ، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، الكريمُ البَرُّ الرحيمُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، خيرُ الخلقِ وخاتمُ الرسلِ، ذو الخلقِ العظيمِ، وخيرُ مَنْ أنفقَ في سبيلِ اللهِ وتصدَّق، ودعا إلى الخيرِ وكانَ إليهِ أسبق، فصلاةُ ربِّي وسلامُه علَى محمدٍ وعلى ءالِه وأصحابِه ومَنِ اتَّبَعَ هدَاهُم إلى يومِ الدينِ، عِبَادَ اللهِ أُوْصِيْكُمْ وَنَفْسِيَ بِتَقْوَى اللهِ العظيمِ، القائلِ فِي كتابِهِ الكريمِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ إخوةَ الإيمانِ لقدْ حثَّنا دينُنا الحنيفُ على الزيادةِ فِي الخيراتِ والمبرَّاتِ وأصنافِ الطاعاتِ ولا سيَّما في أيامٍ تكثرُ فيها البلايا العامةُ، ولا سيما في شهرِ رمضانَ المباركِ، وقد بُعِثَ سيدُنا محمدٌ ﷺ ليُخرجَ الناسَ مِنَ الظلماتِ إلى النورِ ويرشدَهم إلَى الخيرِ والفلاحِ، وكانَ ﷺ مثلًا حسنًا وقدوةً صالحةً لأصحابِه وأتباعِه، فقد روى البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عليه السلام يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ)، وسارَ صحابتُه الكرامُ على دربِه عليه الصلاة والسلام، فكانُوا نجومًا ومشاعلَ هدايةٍ للناسِ.
عباد الله: إنَّ مِنَ الأمورِ التي وردَ الشرعُ الحنيفُ بالحثِّ عليهَا، وعملَ بها الرسولُ الكريمُ ﷺ وصحابتُه الكرامُ الزكاةَ والصدقةَ والإنفاقَ في سبيلِ اللهِ، وقدْ كانَ نبيُّنا الأكرمُ ﷺ ذا كرمٍ فيَّاضٍ وجودٍ سيَّالٍ وكانَ كرمُه كرمَ رجلٍ عافَتْ نفسُه الدنيا، إنَّه أكرمُ الناسِ وأجودُهم، وكانَ لا يَرُدُّ سائلًا، ويجودُ حتَّى بما هوَ أحوجُ الناسِ إليهِ. ولشدةِ كرمِه ﷺ يقولُ جابرٌ فيما رواهُ البخاريُّ: «مَا سئلَ النبيُّ ﷺ عنْ شىءٍ قطُّ؟ فقالَ: لا»، وفِي يومِ حنينٍ جاءَه رجلٌ فسأَلَه غنمًا بينَ جبلَينِ، فأعطاهُ إياهُ، فأتَى الرجلُ قومَه، فقالَ: أيْ قومِ أسلموا، فواللهِ إنَّ محمدًا ليعطي عطاءَ مَنْ لا يخافُ الفقرَ. كيفَ لا وقدْ وصفَ النبيُّ ﷺ الصدقةَ بأنَّها برهانٌ على صدقِ إيمانِ صاحبِها فقالَ فيما رواهُ الترمذيُّ «وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ» لذلكَ جعَلَها اللهُ تعالى مِنْ مفاتيحِ الفرجِ التي تقي العبدَ مِنَ الابتلاءاتِ والفتنِ، وبهَا ينالُ المؤمنُ رضا اللهِ سبحانَه وتعالى، فقدْ قالَ ﷺ فيمَا رواهُ الترمذيُّ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ ” أيْ ءاثارَ غضبِ اللهِ” وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ» أي بمشيئةِ اللهِ، فأداءُ الصدقةِ سببٌ لتعميمِ مغفرةِ اللهِ تعالَى ورحمتِه على العبادِ والبلادِ، وسببٌ لِتيسيرِ الأمورِ، وتذليلِ الصِّعَابِ، وتجاوزِ العَقَباتِ، وسببٌ لنشرِ المحبةِ والطمأنينةِ بينَ الناسِ وهيَ علاجٌ للأمراضِ والبلايا العامةِ والخاصةِ، فقدْ قالَ ﷺ فيمَا رواهُ البيهقيُّ: «دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَحَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ».
وقد روى الإمامُ مسلمٌ في صحيحِهِ أن رجلًا جاء للنبيِّ ﷺ وَهُوَ يَقْرَأُ سورةَ التَّكَاثُرِ ثم قَالَ عليه السلام: (يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ)، فإنفاقُ المالِ في سبيلِ اللهِ مِن أعظمِ طرقِ الخيرِ سواءٌ كانَ إنفاقُه في الزكاةِ الواجبةِ أمْ في صدقاتِ التطوعِ، ولكنْ لِيُنْتَبَهْ أنَّ الزكاةَ الواجبةَ تصرفُ في الأصنافِ الثمانيةِ المذكورةِ في كتابِ اللهِ ولا تصرفُ في شيءٍ غيرِها، وأما صدقاتُ التطوعِ فهي أوسعُ في أبوابِ الإنفاقِ، والوجوهُ الواجبةُ هي المذكورةُ في قولِهِ تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
عباد الله: لا يشترطُ فيمَنْ يتصدقُ أنْ يكونَ كثيرَ المالِ، أوْ أنْ يكونَ المالُ الذي يتصدقُ بهِ كبيرًا، ولكنْ يكفي معَ الصدقةِ إخلاصُ النيةِ للهِ تعالَى، فقدْ قالَ ﷺ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» متفقٌ عليهِ، وقالَ ﷺ: «سَبقَ دِرهَمٌ مائةَ ألفِ دِرهَم». قيلَ وكيفَ ذلكَ يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ: «رَجلٌ لهُ دِرهمَانِ فتَصدّقَ بأَحدِهمَا ورَجُلٌ تَصدَّقَ بمائةِ أَلفٍ مِنْ عُرضِ مَالِهِ» رواهُ النسائيُّ. نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يجعَلَنا مِنَ المتصدِّقينَ وأنْ يتقَبَّلَ منَّا، أَقُوْلُ قَوْلِيَ هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَيَا فَوْزَ الْمُسْتَغْفِرِيْنَ..
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله والفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ، عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ: روى البيهقي أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، أَوْ وَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، أَوْ مُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَكْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ». وروى البيهقي أنَّ رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ أَوْ قَالَ حَتَّى يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ». وروى السيوطي أن رسول الله ﷺ قال: «استَنْزِلُوا الرزق بالصدقة». وروى السيوطي أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الصدقة تمنع سبعين نوعًا من أنواع البلاء أهونها الجذام والبرص». وروى الإمام أحمد أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من أراد أن تُستجاب دعوته وأن تُكشف كُربته، فليُفرِّج عن مُعسِرٍ». نسألُ اللهَ أنْ يجعلَنا مِن المتصدقِين.
عِبَادَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ {إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ، اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، اللهم عليك باليهودِ أعداءِ هذا الدين، اللهم أحصِهمْ عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادرْ منهم أحدا، يا الله يا رحمنُ يا رحيمُ اشفِ جرحى المسلمين في غزة وفلسطين، وتقبّلْ شهداءهم، وأنزلِ الصبرَ والسكينةَ على قلوبِ أهلِهم، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ، اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تعينه وتقويه، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ وأقمِ الصلاةَ.