أسرار سورة الفلق ومعانيها في دفع الشرور والسحر والحسد

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحَمدُ للهِ الذي تُسَبِّحُهُ البِحَارُ الطَّوَافِحُ، وَالسُّحُبُ السَّوَافِحُ، وَالأَبصَارُ اللَّوَامِحُ، وَالأَفكَارُ وَالقَرَائِحُ. العَزِيزِ فِي سُلطَانِهِ، الكَرِيمِ فِي امتِنَانِهِ، سَاتِرِ المُذنِبِ فِي عِصيَانِهِ، رَازِقِ الصَّالِحِ وَالطَّالِحِ. تَقَدَّسَ عَن مِثلٍ وَشَبِيهٍ، وَتَنَزَّهَ عَن نَقصٍ يَعتَرِيهِ، يَعلَمُ خَافِيَةَ الصَّدرِ وَمَا فِيهِ مِن سِرٍّ أَضمَرَتهُ الجَوَانِحُ. لا يَشغَلُهُ شَاغِلٌ، وَلا يُبرِمُهُ سَائِلٌ، وَلا يُنقِصُهُ نَائِلٌ، تَعَالَى عَنِ النِّدِّ المُمَاثِلِ، وَالضِّدِّ المُكَادِحِ. مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَم يَشَأ لَم يَكُن، وَيَتَكَلَّمُ فَكَلامُهُ بِغَيرِ صَوتٍ وَلَا حَرفٍ وَلَا لُغَةٍ وَلَا آلَاتٍ وَلَا أَدَوَاتٍ وَلَا جَوَارِحَ. أَنزَلَ القَطرَ بِقُدرَتِهِ، وَصَبَغَ لَونَ النَّبَاتِ بِحِكمَتِهِ، وَخَالَفَ بَينَ الطُّعُومِ بِمَشِيئَتِهِ، وَأَرسَلَ الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ. 

مَوصُوفٌ بِالسَّمعِ وَالبَصَرِ، مَن شَبَّهَهُ أَو كَيَّفَهُ فَقَد كَفَرَ، هَذَا مَذهَبُ أَهلِ السُّنَّةِ وَالأَثَرِ، وَدَلِيلُهُم جَلِيٌّ وَاضِحٌ.

أَحمَدُهُ عَلَى تَسهِيلِ المَصَالِحِ، وَأَشكُرُهُ عَلَى سَترِ القَبَائِحِ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ أَفضَلِ غَادٍ وَخَيرِ رَائِحٍ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكرٍ ذِي الفَضلِ الرَّاجِحِ، وَعَلَى عُمَرَ العَادِلِ فَلَم يُهادِن وَلَم يُسَامِح، وَعَلَى عُثمَانَ الَّذِي بَايَعَ عَنهُ الرَّسُولُ فَيَا لَهَا مِن صَفقَةِ رَابِحٍ، وَعَلَى عَلِيٍّ البَحرِ الخِضَمِّ الطَّافِحِ، 

أَمَّا بَعدُ:

فَمَا زِلنَا نَتَكَلَّمُ فِي الأَذكَارِ الَّتِي يَقُولُهَا العَبدُ المُؤمِنُ عِندَ النَّومِ، وَكُنَّا بَدَأنَا بِالحَدِيثِ:

وَفِى الصَّحِيحَينِ وَغَيرِهِمَا عَن عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنهَا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيلَةٍ جَمَعَ كَفَّيهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا وَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾، وَ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا مَا استَطَاعَ مِن جَسَدِهِ، يَبدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأسِهِ وَوَجهِهِ وَمَا أَقبَلَ مِن جَسَدِهِ، يَفعَلُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ.

وَوَصَلنَا إِلَى قَولِ أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: وَ ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ أَي يَقرَأُ السُّورَةَ كَامِلَةً، وَهَذِهِ السُّورَةُ وَالَّتِي بَعدَهَا (سُورَةُ النَّاسِ) تُسَمَّيَانِ المُعَوِّذَتَينِ، وَقَد وَرَدَ فِي فَضلِهِمَا وَفَضلِ التَّحَصُّنِ بِهِمَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنهَا:

مَا رُوِيَ عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ خُبَيبٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ وَمَعَهُ أَصحَابُهُ، فَوَقَعَت عَلَينَا ضَبَابَةٌ مِنَ اللَّيلِ حَتَّى سَتَرَت بَعضَ القَومِ عَن بَعضٍ، فَلَمَّا أَصبَحنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:«قُل يَا ابنَ خُبَيبٍ» فَقُلتُ: مَا أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ فَقَرَأَهَا، وَقَرَأتُهَا، ثُم قَالَ: «قُل» فَقُلتُ: مَا أَقُولُ؟ فَقَالَ: ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وَقَرَأَهَا، وَقَرَأتُهَا، حَتَّى فَرَغَ مِنهَا، ثُمَّ قَالَ: «مَا استَعَاذَ» أَوِ «استَعَانَ أَحَدٌ بِمِثلِ هَاتَينِ السُّورَتَينِ قَطُّ». 

وَعَنِ ابنِ عَايِشٍ الجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا ابنَ عَايِشٍ، أَلَا أُخبِرُكَ بِأَفضَلِ مَا تَعَوَّذَ بِهِ المُتَعَوِّذُونَ؟» قُلتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ وَ ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾». 

وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُنزِلَت عَلَيَّ آيَاتٌ لَم تُنزَل عَلَيَّ مِثلُهُنَّ قَطُّ: المُعَوِّذَتَانِ». 

وَعَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا أنها قَالَت: «مَن صَلَّى الجُمُعَةَ ثُمَّ قَرَأَ بَعدَهَا ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالمُعَوِّذَتَينِ حُفِظَ» أَو «كُفِيَ مِن مَجلِسِهِ ذَلِكَ إِلَى مِثلِهِ». 

وَعَنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ: ((مَن قَرَأَ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالمُعَوِّذَتَينِ بَعدَ صَلَاةِ الجُمُعَةِ حِينَ يُسَلِّمُ الإِمَامُ قَبلَ أَن يَتَكَلَّمَ سَبعًا سَبعًا كَانَ ضَامِنًا)).

وَقَد ذَكَرَ أَهلُ التَّفسِيرِ فِي سَبَبِ نُزُولِهِمَا أَنَّ غُلَامًا مِنَ اليَهُودِ كَانَ يَخدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَلَم يَزَل بِهِ اليَهُودُ حَتَّى أَخَذَ مُشَاطَةَ رَأسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعِدَّةَ أَسنَانٍ مِن مُشطِهِ، فَأَعطَاهَا اليَهُودَ فَسَحَرُوهُ بِهَا، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى ذَلِكَ لَبِيدُ بنُ أَعصَمَ اليَهُودِيُّ، ثُمَّ دَسَّهَا فِي بِئرٍ لِبَنِي زُرَيقٍ يُقَالُ لَهَا: بِئرُ ذَروَانَ، فَمَرِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. فَبَينَا هُوَ ذَاتَ يَومٍ نَائِمٌ أتاه مَلَكَانِ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِندَ رَأسِهِ وَالآخَرُ عِندَ رِجلَيهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: طُبَّ. قَالَ: وَمَا طُبَّ؟ قَالَ: سُحِرَ. قَالَ: وَمَن سَحَرَهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بنُ الأَعصَمِ. قَالَ: وَبِمَ طَبَّهُ؟ قَالَ: بِمُشطٍ وَمُشَاطَةٍ. قَالَ: وَأَينَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئرِ ذِي أَروَانَ. فَانتَبَهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، أَمَا شَعَرتِ أَنَّ اللهَ أَخبَرَنِي بِدَائِي»، ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا وَالزُّبَيرَ وَعَمَّارَ بنَ يَاسِرٍ فَنَزَحُوا مَاءَ تِلكَ البِئرِ، وَإِذَا فِيهِ مُشَاطَةُ رَأسِهِ وَأَسنَانُ مِشطِهِ، وَإِذَا وَتَرٌ مَعقُودٌ فِيهِ [كَانُوا يَزْعُمون أَنَّ التَّقَلُّد بالأوتارِ يَرُدُّ العَينَ، ويَدْفَع عَنْهُمُ المَكارِهِ، فعندما يعقدون مثل هذا يسمونه وَتَرًا] إِحدَى عَشرَةَ عُقدَةً مَغرُوزَةً بِالإِبرَةِ، فَأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ المُعَوِّذَتَينِ، فَجَعَلَ كُلَّمَا قَرَأَ آيَةً انحَلَّت عُقدَةٌ. وَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خِفَّةً حِينَ انحَلَّتِ العُقدَةُ الأَخِيرَةُ، وَجَعَلَ جِبرِيلُ يَقُولُ: بِاسمِ اللهِ أَرقِيكَ، مِن كُلِّ شَيءٍ يُؤذِيكَ، وَمِن حَاسِدٍ وَعَينٍ، وَاللهُ يَشفِيكَ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نَأخُذُ الخَبِيثَ فَنَقتُلَهُ؟ فَقَالَ: «أَمَّا أَنَا فَقَد شَفَانِي اللهُ، وَأَكرَهُ أَن أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا» رواه البخاري.

وَليُنتَبَه إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَا يُروَى فِي هَذِهِ القِصَّةِ مِن أَنَّ السِّحرَ أَثَّرَ فِي عَقلِ النَّبِيِّ ﷺ فَصَارَ يُخَيَّلُ إِلَيهِ أَنَّهُ يَأتِي النِّسَاءَ وَلَم يَأتِهِنَّ وَأَنَّهُ فَعَلَ الشَّيءَ وَلَم يَفعَلهُ، فَالسِّحرُ وَإِن أَثَّرَ فِي أَجسَادِ الأَنبِيَاءِ وَأَتعَبَهُم صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيهِم أَجمَعِينَ، إِلَّا أَنَّهُ يَستَحِيلُ أَن يُؤَثِّرَ السِّحرُ فِي عُقُولِهِم، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ رَفعًا لِلثِّقَةِ عَمَّا يَقُولُونَهُ فِي التَّشرِيعَاتِ وَفِيمَا يُبَلِّغُونَهُ عَنِ اللهِ سُبحَانَهُ، فَقَد يَقُولُ قَائِلٌ: لَعَلَّهُ قَالَهُ وَهُوَ مَسحُورٌ، أَو نَحوُ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ يَستَحِيلُ عَلَيهِم أَيضًا سَبقُ اللِّسَانِ فِي الشَّرعِيَّاتِ وَالعَادِيَّاتِ، وَيَستَحِيلُ عَيَلهِمُ الجُنُونُ. 

فالسحر لا يؤثر في عقل وقلب واعتقاد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، أمّا أن يؤثر في أجسادهم فيمكن، 

ولذلك فإنّ العلماء استنكروا لفظة ((حَتَّى كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الشىء وَمَا فَعَلَهُ)).

 قال الإمام أبو سليمان الخطَّابي (388هـ) في كتابه أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري:

 ودفع آخرون من أهل الكلام هذا الحديث، وقالوا: لو جاز أن يَعملَ في نبي الله السحر، أو يكونَ له تأثير فيه، لم يؤمَن أن يؤثِّرَ ذلك فيما يوحى إليه من أمور الدين والشريعة، ويكون في ذلك ضلال الأمة، والجواب أنّ السّحر ثابت، وحقيقته موجودة، اتفق أكثر الأمم من العرب والفرس والهند وبعض الروم على إثباته» اهـ. ونقله عنه المفسر الحسين بن مسعود البغوي في كتابه «شرح السنة». 

وكذا قال الحافظ ابن الجوزي في كتاب «كشف المشكل لابن الجوزي على صحيح البخاري».وقال القاضي عياض اليحصبي المالكي (544هـ) في كتابه «إكمال المعلم بفوائد مسلم» في شرحه على صحيح مسلم: قال المازري: أهل السنة وجمهور العلماء من الأمّة على إثبات السّحر، وأنّ له حقيقة كحقائق غيره من الأشياء الثابتة، خلافًا لمن أنكره ونفى حقيقته» وقال بعد كلام ص79: فقد استبان من معاني هذه الروايات أنّ السّحر إنّما يسّلط على جسده وجوارحه، لا على عقله وقلبه واعتقاده» اهـ.

وكذا قاله الحافظ النووي الشافعي (676هـ) في شرحه على صحيح مسلم.

 وكذا قال محمد بن خليفة الوَشتاني (827 أو 828هـ) في شرحه على صحيح مسلم المسمّى «إكمالُ إكمالِ المُعَلِّم».

وقال القاضي عياض المالكي في الشفا:((واعلم أنّ الأمّة مجمعة على عصمة النبي ﷺ من الشيطان وكفايته منه لا في جسمه بأنواع الأذى ولا على خاطره بالوساوس)). 

وقال: ((قال أئمتنا في هذا الحديث إن النبي ﷺ غير معصوم من الأمراض وما يكون من عوارضها من شدة وجع وغشى ونحوه مما يطرأ على جسمه معصوم أن يكون منه من القول أثناء ذلك ما يطعن في معجزته ويؤدى إلى فساد في شريعته من هذيان أو اختلال في الكلام)). 

وقال: ((وكذلك أقول إنّه في هذه الأحوال كلّها من وصب ومرض وسحر وغضب لم يجر على باطنه ما يخل به ولا فاض منه على لسانه وجوارحه ما لا يليق به كما يعترى غيره من البشر)) اهـ.

 والخلاصة من كلام الشيخ رحمه الله: ((والصحيح أنّه ﷺ سُحِرَ ولم يؤثِّر السّحرُ في عقله وجسمه بالمرّة، فما قيل من أنّه ﷺ كان يُخَيَّلُ إليه أنّه كان يأتي النّساء وما يأتيهنَّ أو يفعل الشىء وما يفعله، أي أثّر على عقله، فهذا غير صحيح ولا يليق بعصمة النبي».

وَأَمَّا فِي مَعنَاهَا فَقَد قَالَ العُلَمَاءُ: مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ (1)﴾ ﴿قُل﴾ أَي يَا مُحَمَّدُ ﴿أَعُوذُ﴾ أَي أَستَجِيرُ وَأَلجَأُ ﴿بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ أَي رَبِّ الصُّبحِ لِيَحفَظَنِي، 

وَالرَّبُّ: هُوَ السَّيِّدُ المَالِكُ، وَلَا يُقَالُ الرَّبُ أَي بِالأَلِفِ وَاللَّامِ مُفرَدًا إِلَّا للهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، أَي مَالِكِ كُلِّ مَا دَخَلَ فِي الوُجُودِ وَخَالِقِهِ وَمُدَبِّرِهِ. وَأَمَّا مُجَرَّدًا عَنِ اللَّامِ مُضَافًا فَقَد يَأتِي لِمَعَانٍ أُخرَى يَجُوزُ استِعمَالُهَا فِي حَقِّ المَخلُوقِ، نَحوُ قَولِنَا: رَبُّ هَذِهِ الدَّابَّةِ وَرَبُّ هَذَا العَبدِ أَي صَاحِبُهُمَا وَمَالِكُهُمَا، وَمِنهُ قَولُهُ ﷺ فِي ضَالَّةِ الإِبِلِ: «حَتَّى يَلقَاهَا رَبُّهَا»، وَمِنهُ قَولُهُ عَلَيهِ السَّلَامُ: «حَتَّى تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا»، وَفِي رِوَايَةٍ «رَبَّهَا»، وَفِي التَّنزِيلِ حِكَايَةً عَن يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَامُ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسقِي رَبَّهُ خَمرًا﴾.

﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2)﴾ أَي مِنَ المَخلُوقَاتِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَخلُوقٍ فِيهِ شَرٌّ مِن حَيَوَان مُكَلَّف وَغَير مُكَلَّف وَجَمَاد كَالسُّمِّ وَالنَّارِ وَالشَّيطَانِ وَغَير ذَلِكَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَقِيدَةِ أَهلِ الحَقِّ مِن أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ تَعَالَى شَامِلَةٌ لِأَعمَالِ العِبَادِ جَمِيعِهَا، سَوَاءٌ كَانَت خَيرًا أَم شَرًّا، فَكُلُّ مَا دَخَلَ فِي الوُجُودِ مِن أَعمَالِ الخَيرِ كَالطَّاعَةِ وَالإِيمَانِ وَمِن أَعمَالِ الشَّرِّ كَالكُفرِ وَالعِصيَانِ فَقَد حَصَلَ بِمَشِيئَةِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَم يَخلُقِ الشَّرَّ أَحَدٌ غَيرُ اللهِ تَعَالَى، لَا مِنَ العِبَادِ وَلَا مِن غَيرِهِم، وَقَد خَالَفَتِ المُعتَزِلَةُ فِي هَذِهِ المَسأَلَةِ وَقَالَت إِنَّ العَبدَ يَخلُقُ فِعلَهُ الَّذِي هُوَ شَرٌّ وَلَيسَ اللهُ خَالِقَهُ، وَبَعضُهُم قَالَ العَبدُ يَخلُقُ فِعلَهُ الِاختِيَارِيَّ، وَهَذَا ضَلَالٌ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ. وَشُمُولُ المَشِيئَةِ لِكُلِّ الأَشيَاءِ وَالأَعمَالِ سَوَاءٌ كَانَت خَيرًا أَو شَرًّا يَدُلُّ عَلَى الكَمَالِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِجَلَالِ اللهِ سُبحَانَهُ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ يَقَعُ فِي مُلكِهِ مَا لَا يَشَاءُ لَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلَ العَجزِ، وَالعَجزُ مُستَحِيلٌ عَلَى اللهِ لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِلأُلُوهِيَّةِ.

﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3)﴾ أَي اللَّيل إِذَا أَظلَمَ 

﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ (4)﴾ ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ﴾ السَّوَاحِر تَنفُث ﴿فِي العُقَدِ﴾ الَّتِي تَعقِدهَا فِي الخَيط تَنفُخ فِيهَا بِشَيءٍ تَقُولهُ مِن غَير رِيق.

وَكَانَ انتِشَارُ السِّحرِ فِي زَمَنِ سَيِّدِنَا سُلَيمَانَ بنِ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنَ المَخَازِي الَّتِي ارتَكَبَهَا الكُفَّارُ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ أَنَّهُم فِي عَهدِ سَيِّدِنَا سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ تَرَكُوا كِتَابَ اللهِ وَاتَّبَعُوا مَا أَلقَت إِلَيهِمُ الشَّيَاطِينُ مِن كُتُبِ السِّحرِ، فَقَد كَانَتِ الشَّيَاطِينُ تَصعَدُ إِلَى الفَضَاءِ فَتَصِلُ إِلَى السَّحَابِ حَيثُ يَستَرِقُونَ السَّمعَ مِن كَلَامِ المَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَتَحَدَّثُونَ بِبَعضِ مَا سَيَكُونُ بِإِذنِ اللهِ فِي الأَرضِ مِن مَوتٍ أَو أَمرٍ أَو شَيءٍ مِمَّا قَرَأُوهُ فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ، فَيَأتُونَ الكَهَنَةَ الكُفَّارَ الَّذِينَ يَزعُمُونَ بِأَنَّهُم يَعلَمُونَ الغَيبَ وَيُخبِرُونَهُم، فَتُحَدِّثُ الكَهَنَةُ النَّاسَ فَيَجِدُونَهُ كَمَا قَالُوا، فَلَمَّا رَكَنَت إِلَيهِمُ الكَهَنَةُ أَدخَلُوا الكَذِبَ عَلَى أَخبَارِهِم، فَزَادُوا مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ سَبعِينَ كَلِمَةً، وَكَتَبَ النَّاسُ ذَلِكَ الكَلَامَ فِي الكُتُبِ، وَفَشَا فِي بَنِي إِسرَائِيلَ أَنَّ الجِنَّ وَالشَّيَاطِينَ يَعلَمُونَ الغَيبَ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَبَعَثَ سَيِّدُنَا سُلَيمَانُ عَلَيهِ السَّلَامُ بَعضَ جُنُودِهِ وَجَمَعَ تِلكَ الكُتُبَ فَجَعَلَهَا فِي صُندُوقٍ ثُمَّ دَفنَهَا تَحتَ كُرسِيِّهِ، وَقَالَ سُلَيمَانُ: لَا أَسمَعُ أَحَدًا يَذكُرُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَعلَمُونَ الغَيبَ إِلَّا ضَرَبتُ عُنُقَهُ.

وَلَمَّا مَاتَ سُلَيمَانُ عَلَيهِ السَّلَامُ وَقَلَّ عَدَدُ العُلَمَاءِ الَّذِينَ عَرَفُوا مَاذَا فَعَلَ سُلَيمَانُ بِكُتُبِ السِّحرِ وَأَنَّهُ دفَنَهَا تَحتَ كُرسِيِّهِ، وَمَضَى جِيلٌ وَأَتَى غَيرُهُ، تَمَثَّلَ إِبلِيسُ فِي صُورَةِ إِنسَانٍ، ثُمَّ أَتَى جَمَاعَةً مِن بَنِي إِسرَائِيلَ فَقَالَ لَهُم: هَل أَدُلُّكُم عَلَى كَنزٍ لَا يَنفَدُ بِالأَخذِ مِنهُ؟ قَالُوا: نَعَم، قَالَ: إِنَّ سُلَيمَانَ لَم يَكُن نَبِيًّا، إِنَّمَا كَانَ سَاحِرًا، فَاحفِرُوا تَحتَ كُرسِيِّهِ، فَاعتَرَضَ المُسلِمُونَ وَغَضِبُوا وَقَالُوا: بَل كَانَ سُلَيمَانُ نَبِيًّا مُسلِمًا مُؤمِنًا، وَعَادَ إِبلِيسُ لِتَزيِينِ الشَّرِّ فَوَسوَسَ لِلكُفَّارِ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ مِمَّن صَدَّقُوا كَلَامَهُ، وَذَهَبَ مَعَهُم وَأَرَاهُمُ المَكَانَ وَوَقَفَ جَانِبًا، فَقَالُوا لَهُ: اقتَرِب يَا هَذَا، فَقَالَ: لَا، وَلَكِنَّنِي هَهُنَا بَينَ أَيدِيكُم، فَإِن لَم تَجِدُوا الصُّندُوقَ فَاقتُلُونِي، فَحَفَرُوا فَوَجَدُوا الصُّندُوقَ وَأَخرَجُوا تِلكَ الكُتُبَ، فَلَمَّا أَخرَجُوهَا قَالَ إِبلِيسُ اللَّعِينُ: إِنَّ سُلَيمَانَ إِنَّمَا كَانَ يَضبِطُ الإِنسَ وَالشَّيَاطِينَ وَالطَّيرَ بِهَذَا السِّحرِ، فَقَالَ الكُفَّارُ: لَقَد كَانَ سُلَيمَانُ سَاحِرًا هَذَا سِحرُهُ، بِهِ كَانَ يَأمُرُنَا وَبِهِ يَقهَرُنَا، ثُمَّ طَارَ إِبلِيسُ، وَفَشَا بَينَ النَّاسِ أَنَّ سُلَيمَانَ كَانَ سَاحِرًا وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُهُ ءَاصِفُ بنُ بَرخِيَا الَّذِي جَلَبَ لَهُ عَرشَ بِلقِيسَ بِكَرَامَةٍ أَكرَمَهُ اللهُ بِهَا، وَأَخَذَ كُفَّارُ بَنِي إِسرَائِيلَ يَعمَلُونَ بِمَا فِي تِلكَ الكُتُبِ وَرَفَضُوا كُتُب أَنبِيَائِهِم.

وَالحَقُّ أَنَّ السِّحرَ لَيسَ مِن عَمَلِ الأَنبِيَاءِ وَلَا الأَولِيَاءِ، وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ عَلَيهِ السَّلَامُ وَلَا عَمِلَ السِّحرَ لِأَنَّهُ نَبِيٌّ مِن عِندِ اللهِ مُنَزَّهٌ عَنِ الكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الخِسَّةِ وَعَن كُلِّ القَبَائِحِ وَالرَّذَائِلِ فَضلًا عَن أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الكُفرِ، لَكِن مِن شِدَّةِ اغتِيَاظِ الشَّيَاطِينِ مِنهُ قَالُوا عَنهُ: إِنَّهُ كَانَ مَلِكًا مِنَ المُلُوكِ وَكَانَ يَعمَلُ بِالسِّحرِ، كَانُوا مُغتَاظِينَ مِنهُ لِأَنَّ اللهَ أَعطَاهُ سِرًّا، فَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ تُطِيعُهُ وَتَخدُمُهُ وَتَعمَلُ لَهُ أَعمَالًا شَاقَّةً مَعَ كُفرِهِم مِن غَيرِ أَن يُؤمِنُوا بِهِ، وَكَانَ الَّذِي يُخَالِفُ أَمرَهُ مِنهُم يُنزِلُ اللهُ تَعَالَى بِهِ عَذَابًا فِي الدُّنيَا.

وَالسِّحرُ هُوَ مُزَاوَلَةُ أَفعَالٍ وَأَقوَالٍ خَبِيثَةٍ، وَهُوَ مِنَ الكَبَائِرِ، مِنَ السَّبعِ المُوبِقَاتِ أَيِ المُهلِكَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَدِيثِهِ، وَهُوَ أَنوَاعٌ: مِنهُ مَا يُحوِجُ إِلَى عَمَلٍ كُفرِيٍّ كَالسُّجُودِ لِلشَّمسِ أَوِ السُّجُودِ لِإِبلِيسَ، وَمِنهُ مَا يُحوِجُ إِلَى كُفرٍ قَولِيٍّ، وَمِنهُ مَا يُحوِجُ إِلَى تَعظِيمِ الشَّيَاطِينِ بِغَيرِ ذَلِكَ، فَمَا يُحوِجُ إِلَى الكُفرِ وَلَا يَحصُلُ إِلَّا بِالكُفرِ فَهُوَ كُفرٌ، وَمَا لَا يُحوِجُ إِلَى الكُفرِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ، وَالسِّحرُ سَوَاءٌ كَانَ لِلتَّحبِيبِ، أَو لِلتَّبغِيضِ، أَو لِلإِمرَاضِ فَهُوَ حَرَامٌ مِنَ الكَبَائِرِ. وَقَولُ بَعضِ النَّاسِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «تَعَلَّمُوا السِّحرَ وَلَا تَعمَلُوا بِهِ» كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ.

وَلَمَّا كَثُرَ فِي بَنِي إِسرَائِيلَ العَمَلُ بِالسِّحرِ وَاحتِيجَ لِلتَّفرِيقِ بَينَ السِّحرِ وَالمُعجِزَةِ أَنزَلَ اللهُ المَلَكَينِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ لِيُظهِرَا لِلنَّاسِ الفَرقَ بَينَ السِّحرِ المَطلُوبِ تَجَنُّبُهُ وَبَينَ المُعجِزَةِ الَّتِي هِيَ دَلِيلُ نُبُوَّةِ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ، وَلِيُعَلِّمُوا النَّاسَ أَنَّ السِّحرَ يُعَارَضُ بِسِحرٍ أَقوَى مِنهُ، فَقَد يُبطِلُ السِّحرَ سَاحِرٌ ءَاخَرُ، وَفِيهِ التَّموِيهُ وَالتَّخيِيلُ عَلَى النَّاسِ وَخُدَعٌ وَشَعوَذَاتٌ، وَمِن جِهَةٍ أُخرَى هُوَ نَوعٌ مِن خِدمَةِ الشَّيَاطِينِ لِلسَّحَرَةِ، 

وَأَمَّا المُعجِزَةُ فَهِيَ أَمرٌ خَارِقٌ لِلعَادَةِ يَأتِي عَلَى وَفقِ دَعوَى مَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ سَالِمٌ مِنَ المُعَارَضَةِ بِالمِثلِ، وَلَيسَ مِن شَرطِهَا أَن تَكُونَ مَقرُونَةً بِالتَّحَدِّي، وَإِنَّمَا مِن شَرطِهَا أَن تَكُونَ صَالِحَةً لِلتَّحَدِّي، فَيُعلَمُ مِن هَذَا أَنَّ هَارُوتَ وَمَارُوتَ مَلَكَانِ مِن مَلَائِكَةِ اللهِ الَّذِينَ لَا يَعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ، نَزَلَا إِلَى الأَرضِ بِأَمرِ اللهِ لِهَذَا الغَرَضِ أَي لِتَعلِيمِ النَّاسِ الفَرقَ بَينَ السِّحرِ وَالمُعجِزَةِ، 

وَلَا صِحَّةَ أَبَدًا لِمَا يُروَى عَنهُمَا مِن أَنَّهُمَا لَمَّا نَظَرَا إِلَى مَا يَصنَعُ أَهلُ الأَرضِ مِنَ المَعَاصِي أَنكَرَا ذَلِكَ وَأَكبَرَاهُ وَدَعَوَا عَلَى أَهلِ الأَرضِ، فَأَوحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيهِمَا إِنِّي لَوِ ابتَلَيتُكُمَا بِمَا ابتَلَيتُ بِهِ بَنِي آدَمَ مِنَ الشَّهَوَاتِ لَعَصَيتُمَانِي، فَقَالَا يَا رَبِّ لَوِ ابتَلَيتَنَا لَم نَفعَل فَجَرِّبنَا، فَأَهبَطَهُمَا إِلَى الأَرضِ وَابتَلَاهُمَا اللَّهُ بِشَهَوَاتِ بَنِي آدَمَ فَمَكَثَا فِي الأَرضِ، وَأَمَرَ اللَّهُ الكَوكَبَ المُسَمَّى بِالزُّهَرَةِ وَالمَلَكَ المُوَكَّلَ بِهِ فَهَبَطَا إِلَى الأَرضِ فَجَعَلَ الزُّهرَةَ فِي صُورَةِ امرَأَةٍ وَالمَلَكَ فِي صُورَةِ رَجُلٍ ثُمَّ إِنَّ الزُّهَرَةَ اتَّخَذَت مَنزِلًا وَزَيَّنَت نَفسَهَا وَدَعَتهُمَا إِلَى نَفسِهَا، وَجَعَلَ المَلَكُ نَفسَهُ فِي مَنزِلِهَا فِي مِثَالِ صَنَمٍ، فَأَقبَلَا إِلَى مَنزِلِهَا وَدَعَوَاهَا إِلَى الفَاحِشَةِ فَأَبَت عَلَيهِمَا إِلَّا أَن يَشرَبَا خَمرًا فَقَالَا: لَا نَشرَبُ الخَمرَ، ثُمَّ غَلَبَتِ الشَّهوَةُ عَلَيهِمَا فَشَرِبَا، ثُمَّ دَعَوَاهَا إِلَى ذَلِكَ فَقَالَت: بَقِيَت خَصلَةٌ لَستُ أُمكِنُكُمَا مِن نَفسِي حَتَّى تَفعَلَاهَا، قَالَا: وَمَا هِيَ؟ قَالَت: تَسجُدَانِ لِهَذَا الصَّنَمِ، فَقَالَا: لَا نُشرِكُ بِاللَّهِ، ثُمَّ غَلَبَتِ الشَّهوَةُ عَلَيهِمَا فَقَالَا: نَفعَلُ ثُمَّ نَستَغفِرُ، فَسَجَدَا لِلصَّنَمِ فَارتَفَعَتِ الزُّهَرَةُ وَمَلَكُهَا إِلَى مَوضِعِهِمَا مِنَ السَّمَاءِ، فَعَرَفَا حِينَئِذٍ أَنَّهُ إِنَّمَا أَصَابَهُمَا ذَلِكَ بِسَبَبِ تَعيِيرِ بَنِي آدَمَ، 

وَفِي رِوَايَةٍ أُخرَى مكذوبةٍ أَنَّ الزُّهَرَةَ كَانَت فَاجِرَةً مِن أَهلِ الأَرضِ وَإِنَّمَا وَاقَعَاهَا بَعدَ أَن شَرِبَا الخَمرَ وَقَتَلَا النَّفسَ وَسَجَدَا لِلصَّنَمِ، وَعَلَّمَاهَا الِاسمَ الأَعظَمَ الَّذِي كَانَا بِهِ يَعرُجَانِ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَكَلَّمَتِ المَرأَةُ بِذَلِكَ الِاسمِ وَعَرَجَت إِلَى السَّمَاءِ فَمَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَصَيَّرَهَا هَذَا الكَوكَبَ المُسَمَّى بِالزُّهَرَةِ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ تَعَالَى عَرَّفَ ‌هَارُوتَ ‌وَمَارُوتَ قَبِيحَ مَا وَقَعَا فِيهِ، ثُمَّ خَيَّرَهُمَا بَينَ عَذَابِ الآخِرَةِ آجِلًا وَبَينَ عَذَابِ الدُّنيَا عَاجِلًا، فَاختَارَا عَذَابَ الدُّنيَا، فَجَعَلَهُمَا بِبَابِلَ مَنكُوسَينِ فِي بِئرٍ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، وَهُمَا يُعَلِّمَانِ النَّاسَ السِّحرَ وَيَدعُوَانِ إِلَيهِ وَلَا يَرَاهُمَا أَحَدٌ إِلَّا مَن ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ المَوضِعِ لِتَعَلُّمِ السِّحرِ خَاصَّةً، 

فَقَد قَالَ عَبدُ اللهِ الغُمَارِيُّ فِي قِصَّةِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ فِي كِتَابِهِ “بِدَعِ التَّفَاسِيرِ” مَا نَصُّهُ: ((وَتَتَبَّعَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ طُرُقَهَا فِي التَّفسِيرِ المُسنَدِ وَفِي الدُرِّ المَنثُورِ فَأَوصَلَهَا إِلَى نَيِّفٍ وَعِشرِينَ طَرِيقًا أَغلَبُهَا ضَعِيفٌ أَو وَاهٍ، وَقَد تَتَّبَعتُ طُرُقَهَا المُشَارَ إِلَيهَا وَأَعمَلتُ فِيهَا فِكرِي فَوَجَدتُهَا قِصَّةً شَاذَّةً مُنكَرَةَ المَعنَى تُخَالِفُ القُرءَانَ وَالسُّنَّةَ وَقَوَاعِدَ العِلمِ، هَذَا إِلَى مَا فِيهَا مِن تَضَارُبِ أَلفَاظِهَا وَرِوَايَاتِهَا)).اهـ

وَليُعلَم أَنَّهُ تَجِبُ العِصمَةُ مُطلَقًا مِن كُلِّ ذَنبٍ لِجَمِيعِ المَلَائِكَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، فَلَا يَجُوزُ عَلَيهِمُ الصَّغِيرَةُ مُطلَقًا، فَضلًا عَمَّا هُوَ أَشنَعُ مِنهَا كَالكَبَائِرِ وَالكُفرِ، فَلَا يَصدُرُ مِنهُم مَعصِيَةٌ قَطُّ.

 وَالنُّصُوصُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَىَ عِصمَةِ المَلَائِكَةِ صَرِيحَةٌ وَكَثِيرَةٌ، مِنهَا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [سورة التحريم/ الآية 6]، وَقَالَ تَعَالَى عَنِ المَلَائِكَةِ: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ۝ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [سورة الأنبياء/ الآية 26-27]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [سورة الأنبياء/ الآية 20]، قَالَ الفَخرُ الرَّازِيُّ: «وَمَا كَانَت صِفَتُهُ كَذَلِكَ لَا يَصدُرُ عَنهُ الذَّنبُ» اهـ. يَعنِي أَنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى عِصمَتِهِمُ انشِغَالُهُم بِخَالِصِ العِبَادَةِ كُلَّ الوَقتِ. 

وَقَد نَقَلَ الإِجمَاعَ عَلَى ذَلِكَ غَيرُ وَاحِدٍ، كَالخَازِنِ المُفَسِّرِ وَالفَخرِ الرَّازِيِّ فِي كِتَابِهِ عِصمَةِ الأَنبِيَاءِ وَغَيرِهِمَا.

﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)﴾ أَي إِذَا أَظهَر حَسَدَهُ وَعَمِلَ بِمُقتَضَاهُ، لِأَنَّهُ إِذَا لَم يُظهِر فَلَا ضَرَرَ يَعُودُ مِنهُ عَلَى مَن حَسَدَهُ، بَل هُوَ الضَّارُّ لِنَفسِهِ لِاغتِمَامِهِ بِسُرُورِ غَيرِهِ، وَالحَسَدُ هُوَ الأَسَفُ عَلَى الخَيرِ عِندَ الغَيرِ، وَالِاستِعَاذَةُ مِن شَرِّ هَذِهِ الأَشيَاءِ بَعدَ الِاستِعَاذَةِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ إِشعَارٌ بِأَنَّ شَرَّ هَؤُلَاءِ من أَشَدّ الأشياء، وَخَتَمَ بِالحَسَدِ لِيُعلَمَ أَنَّهُ من أكثرها شرًّا، وَهُوَ أَوَّلُ ذَنبٍ عُصِيَ اللهُ بِهِ فِي السَّمَاءِ مِن إِبلِيسَ وَفِي الأَرضِ مِن قَابِيلَ.

فَمِن أَحكَامِ الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ أَنَّ مِن مَعَاصِي القَلبِ الحَسَدَ. وَهُوَ أَن يَكرَهَ الشَّخصُ النِّعمَةَ الَّتِي أَنعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى المُسلِمِ، دِينِيَّةً كَانَت أَو دُنيَوِيَّةً، وَيَتمَنَّى زَوَالَهَا وَيَستَثقِلُهَا لَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَعصِيَةً إِذَا عَمِلَ بِمُقتَضَاهُ تَصمِيمًا أَو قَولًا أَو فِعلًا، فَهَذَا حَرَامٌ، أَمَّا إِذَا لَم يَقتَرِن بِهِ العَمَلُ فَلَيسَ فِيهِ مَعصِيَةٌ.

فَمَثَالُ الحَسَدِ الَّذِي فِيهِ مَعصِيَةٌ كَشَخصٍ رَأَى عِندَ آخَرَ مَالًا كَثِيرًا فَتَمَنَّى زَوَالَهُ وَصَارَ يَذهَبُ لِلنَّاسِ وَيَقُولُ لَهُم: لَا تُعَامِلُوهُ، حَتَّى لَا يَكثُرَ مَالُهُ، فَهَذَا عَمِلَ بِمُقتَضَى كَرَاهِيَتِهِ النِّعمَةَ لِلمُسلِمِ وَاستِثقَالِهَا وَهُوَ حَرَامٌ.

فَيَنبَغِي تَركُ الحَسَدِ، لِأَنَّ الحَسَدَ مُهلِكٌ ومُفَرِّقٌ لِجَمَاعَةِ المُسلِمِينَ، فَلَا يَنبَغِي عَلَينَا أَن نُعَامِلَ بَعضَنَا البَعضَ عَلَى التَّحَاسُدِ، بَل يَنبَغِي لِلمُسلِمِ أَن يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ، فَفِي صحِيحِ مسلم:«فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، ‌فَلْتَأْتِهِ ‌مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ»، وَإِذَا رَأَيتَ نِعمَةً عَلَى أَخِيكَ المُسلِمِ فَادعُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَن يُبَارِكَ لَهُ فِي هَذِهِ النِّعمَةِ وَأَن يَحفَظَهَا لَهُ مِنَ الزَّوَالِ وَأَن يَرزُقَكَ مِثلَهَا، وَفَكِّر بِأَمرِ الآخِرَةِ فَإِنَّ العَيشَ عَيشُ الآخِرَةِ وَلَيسَ العَيشُ عَيشَ الدُّنيَا، فَالدُّنيَا زَائِلَةٌ وَفَانِيَةٌ، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ مُقَسِّمُ الأَرزَاقِ فِيهَا، فَلَا تَنظُرُوا لِمَا عِندَ إِخوَانِكُم نَظَرَ التَّحَاسُدِ وَالتَّبَاغُضِ وَإِيثَارِ الفَانِيَةِ عَلَى البَاقِيَةِ، لَا، فَرِزقُ رَبِّكَ فِي الآخِرَةِ خَيرٌ وَأَبقَى، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَن يَرضَى بِمَا قُسِمَ لَهُ وَلا يَحسُدَ أَخَاهُ عَلَى حَظِّهِ، وَليَتَذَكَّرِ الوَاحِدُ مِنَّا قَولَهُ ﷺ: «‌انْظُرُوا ‌إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ» قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: عَلَيْكُمْ، رَوَاهُ مُسلِمٌ.

وَالحَسَدُ يُعمِي القَلبَ وَيُوقِعُ الشَّخصَ بِمَعَاصٍ أُخرَى غَالِبًا، قَد يُوقِعُهُ فِي النَّمِيمَةِ وَالغِيبَةِ وَالبُهتَانِ وَإِيذَاءِ الغَيرِ ظُلمًا بَل قَد يَسعَى فِي قَتلِهِ وَإِهلَاكِهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ لأَجلِ أَن تَزُولَ النِّعمَةُ عَنِ الغَيرِ، وَلَنَا فِي هَذَا أَمثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، إِبلِيسُ حَسَدَ آدَمَ وَتَكَبَّرَ وَبَعدَ ذَلِكَ كَفَرَ بِاللهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَقَابِيلُ حَسَدَ أَخَاهُ هَابِيلَ وَبَعدَ ذَلِكَ أَدَّى بِهِ حَسَدُهُ إِلَى أَن قَتَلَهُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.

ثُمَّ إِنَّ الحَسَدَ أَوَّلُ مَا يَضُرُّ يَضُرُّ صَاحِبَهُ، فَإِنَّهُ يَعِيشُ وَالنَّارُ تَأكُلُ قَلبَهُ مِن تَضَايُقِهِ بِنِعمَةِ غَيرِهِ، فَيَعِيشُ فِي أَسَفٍ وَحَسرَةٍ وَهَمٍّ وَغَمٍّ وَنَكَدٍ وَضِيقٍ، فَقَد رُوِيَ عَنِ الأَحنَفِ بنِ قَيسٍ: خَمسٌ هُنَّ كَمَا أَقُولُ: لَا رَاحَةَ لِحَسُودٍ، وَلَا مُرُوءَةَ لِكَذُوبٍ، وَلَا وَفَاءَ لِمُلُوكٍ، وَلَا حِيلَةَ لِبَخِيلٍ، وَلَا سُؤدَدَ لِسَيِّءِ الخُلُقِ، 

وَعَنِ الخَلِيلِ بنِ أَحمَدَ: مَا رَأَيتُ ظَالِمًا أَشبَهَ بِمَظلُومٍ مِن حَاسِدٍ، لَه نَفَسٌ دَائِمٌ، وَعَقلٌ هَائِمٌ، وَحُزنٌ لَازِمٌ.

وَقَد قَالَ ﷺ فيما رواه الترمذي: «دَبَّ إِلَيكُم دَاءُ الأُمَمِ قَبلَكُم: الحَسَدُ وَالبَغضَاءُ هِيَ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحلِقُ الشَّعرَ وَلَكِن تَحلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا تَدخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤمِنُوا، وَلَا تُؤمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلاَ أُنبِّئُكُم بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكم: أَفشُوا السَّلاَمَ بَينَكُم».

ثُمَّ إِنَّ مِنَ الحُسَّادِ مَن يَحسُدُ أَهلَ الحَقِّ ظُلمًا وَعُدوَانًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [سورة البقرة/ الآية 109]، وَهَذَا حَالُ أَهلِ الجَهلِ وَالجَفَاءِ، كَم حَسَدُوا الأَئِمَّةَ عَبرَ الزَّمَنِ وَعَادَوهُم، عَادَوا أَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَحمَدَ حَتَّى كاد بَعضُهُم أَن يُقتَلَ وَسُجِنَ بَعضُهُم وَضُرِبَ بِسَبَبِ حَسَدِ الَّذِينَ عَادَوهُم وَالعِيَاذُ بِاللهِ.

وَقَد قَالَ الإِمَامُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي فَضلِ العِلمِ وَالعُلَمَاءِ:

مَا الفَخرُ إِلَّا لِأَهــــلِ العِلمِ إِنَّهُمُ عَلَى الهُدَى لِمَنِ استَهدَى أَدِلَّاءُ
وَقَدرُ كُلِّ امرِئٍ مَا كَانَ يُحسِنُهُ وَلِلرِّجَالِ عَلَى الأَفعَـــالِ أَسمَاءُ
وَضِدُّ كُلِّ امرِئٍ مَا كَـانَ يَجهَلُهُ وَالجَاهِلُونَ لِأَهلِ العِلـــمِ أَعدَاءُ
فَفُز بِعِلــــمٍ تَعِش حَيًّــــا بِهِ أَبَدًا النَّاسُ مَوتَى وَأَهلُ العِلمِ أَحيَـاءُ

وَقَالَ ابنُ دُرَيدٍ:

وَمَا أَحَدٌ مِن أَلسُنِ النَّــاسِ سَالِمًا وَلَو أَنَّـــــــهُ ذَاكَ النَبِيُّ المُطَهَّرُ
فَإِن كَانَ مِقدَامًا يَقُولُـــونَ أَهوَجٌ وَإِن كَانَ مِفضَالًا يَقُولُونَ مُبذِرُ 
وَإِن كَــــــانَ سِكِّيتًا يَقُولُونَ أَبكَمٌ  وَإِن كَانَ مِنطِيقًا يَقُولُـونَ مِهذَرُ
وَإِن كَـــانَ صَوَّامًا وَبِاللَّيلِ قَائِمًا يَقُولُونَ زَرَّافٌ يُرَائِـــي وَيَمكُرُ
فَلَا تَحتَفِل بِالنَّاسِ فِي الذَمِّ وَالثَّنَا  وَلَا تَخــــشَ غَيرَ اللهِ فَاللهُ أَكبَرُ

مِفضَالًا: كَرِيمًا. مُبذِرُ: مُبَذِّرٌ.

سِكِّيتًا: يَلزَمُ الصَّمتَ.

مِنطِيقًا: بَلِيغًا. مِهذَرُ: يَهذِي

زَرَّافٌ: مُرَاءٍ

وَقَد قِيلَ:

أَقِلُّوا عَلَيهِم وَيلَكُم لَا أَبَا لَكُــــمُ مِنَ اللَّومِ أَو سُدُّوا المَكَانَ الَّذِي سَدُّوا

أَي لَا تُكثِرُوا فِي الكَلَامِ عَلَى الأَئِمَّةِ، وَهَل تَستَطِيعُونَ سَدَّ المَكَانِ الَّذِي سَدُّوهُ؟ وَهَل تَقدِرُونَ عَلَى الوُصُولِ لِرُتبَتِهِم؟ وَمَا مَثَلُ مَن تَكَلَّمَ فِي مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَنُظَرَائِهِمَا مِنَ الأَئِمَّةِ إِلاَّ كَمَا قَالَ الأَعشَى:

كَنَاطِــحٍ صَخرَةً يَومًا لِيُوهِنَهَا فَلَم يَضِرهَا وَأَوهَى قَرنَهُ الوَعِلُ

وَأَمَّا الغِبطَةُ، فَلَا حَرَجَ فِيهَا، وَهِيَ أَن يُحِبَّ الإِنسَانُ لِنَفسِهِ مَا هُوَ عِندَ غَيرِهِ مِنَ النِّعمَةِ مِن غَيرِ أَن يَتَمَنَّى زَوَالَهَا عَنِ الغَيرِ، مِن غَيرِ أَن يَسعَى لِزَوَالِهَا عَنِ الغَيرِ، فَهَذَا شَيءٌ حَسَنٌ لَا حَرَجَ فِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:«لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثنَتَينِ» رواه الشيخان، أَرَادَ بِالحَسَدِ هُنَا الغِبطَةَ، فَأَثبَتَ ﷺ الغِبطَةَ.

وَمِن أَضرَارِ الحَسَدِ العَظِيمَةِ الإِصَابَةُ بِالعَينِ، فَقَد أَثبَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ العَينَ مِن قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، فَقَد رَوَى مُسلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «العَينُ حَقٌّ – أَي شَىءٌ ثَابِتٌ -، فَلَو كَانَ شَىءٌ سَابَقَ القَدَرَ سَبَقَتهُ العَينُ» مَعنَاهُ لَو كَانَ شَىءٌ يَغلِبُ قَدَرَ اللهِ تَعَالَى، لَكِن لَا شَيءَ يَغلِبُ قَدَرَ اللهِ، مَعنَاهُ العَينُ لَهَا تَأثِيرٌ كَبِيرٌ. وَأَثبَتَ القُرءَانُ أَيضًا الإِصَابَةَ بِالعَينِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [سُورَةَ القَلَم/ الآية 51].

وَلَا تَحصُلُ الإِصَابَةُ بِالعَينِ إِلّا مِن نَظرَةِ حَسَدٍ أَو عُجبٍ، أَمَّا النَّظرَةُ البَرِيئَةُ فَلَا يَحصُلُ مِنهَا الإِصَابَةُ بِالعَينِ. 

قَالَ القَاضِي أَبُو بَكرٍ ابنُ العَرَبِيِّ: إِذَا لَم يَتَكَلَّمِ الشَّخصُ الَّذِي يُصِيبُ بِعَينِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الإِعجَابِ بِالشَّخصِ أَوِ الشَّيءِ الَّذِي أَعجَبَهُ لَا يَحصُلُ الضَّرَرُ، إِنَّمَا يَحصُلُ الضَّرَرُ إِذَا تَكَلَّمَ، 

وَقَالَ بَعضُهُم: يَحصُلُ الضَّرَرُ لَو لَم يَتَكَلَّم.

وَقَد حَصَلَ فِي أَيَّامِ النَّبِيِّ ﷺ فيما رواه الإمام مالك في الموطأ أَنَّ اثنَينِ مِن أَصحَابِهِ خَرَجَا مَعَهُ فِي سَفرَةٍ، فَتَجَرَّدَ أَحَدُهُمَا مِن ثِيَابِهِ مِمَّا سِوَى العَورَةِ لِيَغتَسِلَ مِن مَاءِ المَطَرِ المُتَجَمِّعِ بَينَ الصُّخُورِ، فَلَمَّا نَظَرَ رفيقه إِلَى بَيَاضِ جِسمِهِ وَحُسنِ مَنظَرِهِ قَالَ: «وَاللهِ مَا رَأَيتُ كَاليَومَ وَلا جِلدَ عَذرَاءَ»، أَي مَا رَأَيتُ مِثلَ هَذَا الجَسَدِ فِي الحَلاوَةِ وَالحُسنِ، فَصُرِعَ، أَي وَقَعَ فِي الحَالِ عَلَى الأَرضِ، فَأُخبِرَ الرَّسُولُ بِذَلِكَ فَغَضِبَ وَقَالَ:«لأِيِّ شَيءٍ يَضُرُّ أَحَدُكُم أَخَاهُ، لِمَاذَا لَم يُبَرِّك عَلَيهِ» أَي لِمَاذَا لَم يَقُلِ اللهم بَارِك فِيهِ وَلَا تَضُرَّهُ أَو نَحوَ ذَلِكَ، ثُمَّ الرَّسُولُ ﷺ دَعَا لَهُ فَتَعَافَى وَقَامَ كَأَنَّهُ لَم يَكُن بِهِ شَيءٌ.

فالشَّخصُ عِندَمَا يُعجَبُ بِشَيءٍ فَيَتَكَلَّمُ يَخلُقُ اللهُ الضَّرَرَ فِي الشَّخصِ المَنظُورِ إِلَيهِ تِلكَ النَّظرَةَ الخَبِيثَةَ، وَالشَّيطَانُ تِلكَ السَّاعَةَ يُلَاحِظُ ذَلِكَ فَيُصِيبُ هَذَا الإِنسَانَ بِضَرَرٍ فَيَزدَادُ الضَّرَرُ فِي هَذَا الشَّخصِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَولُهُ ﷺ: «العَينُ حَقٌّ يَحضُرُهَا الشَّيطَانُ وَحَسَدُ بَنِي ءَادَمَ» رَوَاهُ الطبراني والبَزَّارُ، أَمَّا لَو قَالَ الشَّخصُ عِندَ النَّظَرِ إِلَى الشَّيءِ الَّذِي يُعجِبُهُ: اللهم بَارِك فِيهِ وَلَا تَضُرَّهُ وَنَحوَ ذَلِكَ فَلَا يَحصُلُ ضَرَرٌ لِلشَّخصِ ويَكُونُ حَصَّنَ ذَلِكَ الإِنسَانَ.

وَقَد رَوَى الحَاكِمُ أَنَّ رَسُولَ اللهُ ﷺ قَالَ: «مَن وَجَدَ فِي نَفسِهِ أَو مَالِهِ أَو وَلَدِهِ مَا يُعجِبُهُ فَليَدعُ بِالبَرَكَةِ فَإِنَّ العَينَ حَقٌّ»، فَيُفهَمُ مِن هَذَا الحَدِيثِ أَيضًا أَنَّ الشَّخصَ قَد يُصِيبُ نَفسَهُ بِالعَينِ إِذَا نَظَرَ إِلَى نَفسِهِ نِظرَةَ العُجبِ وَالكِبرِ وَتَكَلَّمَ عَن نَفسِهِ عَلَى هَذَا الوَجهِ.

ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِن إِصَابَاتِ الجِنِّ لِلبَشَرِ إِنَّمَا تَكُونُ فِي المُغتَسَلِ وَفِي الخَلَاءِ، فَإِذَا قَالَ الإِنسَانُ قَبلَ أَن يَضَعَ رِجلَهُ فِي الخَلَاءِ: بِسمِ اللهِ، أَو قَالَ بِسمِ اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَعِندَ التَّجَرُّدِ لِلاِغتِسَالِ قَالَ مِثلَ ذَلِكَ يَكُونُ حَفِظَ نَفسَهُ مِن إِصَابَةِ الجِنِّ لَهُ وَهُوَ فِي هَذَا المَكَانِ.

وَيَحسُنُ إِذَا أَرَادَ الشَّخصُ أَن يُحَصِّنَ وَلَدَهُ أَن يَقُولَ: «أُعِيذُكَ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِن كُلِّ شَيطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِن كُلِّ عَينِ لامَّةٍ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ. فَإِن كَانَ لَهُ عِدَّةُ أَولادٍ يُحَصِّنُهُم جُملَةً فَيَقُولُ أُعِيذُكُم، وَإِن شَاءَ يُحَصِّنُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُم بِمُفرَدِهِ.

وَقَد عَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمَّتَهُ الطَّرِيقَةَ الَّتِي يُعَالَجُ بِهَا مَن أُصِيبَ بِالعَينِ فَقَالَ: «العَينُ حَقٌّ فَإِذَا استُغسِلتُم فَاغسِلُوا» رَوَاهُ مُسلِمٌ. 

المَعنَى أَنَّهُ إِذَا أُصِيبَ شَخصٌ بِالعَينِ فَوَقَعَ عَلَيهِ الضَّرَرُ فَليَغسِلِ الَّذِي أَصَابَهُ أَطرَافَ جِسمِهِ أَي وَجهَهُ وَيَدَيهِ وَرُكبَتَيهِ وَنَحوَ ذَلِكَ كَهَيأَةِ الَّذِي يَتَوَضَأُ ثُمَّ يُؤخَذُ هَذَا المَاءُ فِي إِنَاءٍ ثُمَّ يُصَبُّ عَلَى المَرِيضِ مِن خَلفِهِ ثُمَّ يُرمَى هَذَا الإِنَاءُ مَقلُوبًا خَلفَ المُصَابِ رَأسُهُ إِلَى الأَرضِ وَأَسفَلُهُ إِلَى فَوقٍ فَيَتَعَافَى المُصَابُ بِإِذنِ اللهِ.

وَعَلامَةُ العَينِ أَنَّ الإِنسَانَ قَد يَكُونُ بِحَالَةِ الصِّحَّةِ لا يَشكُو شَيئًا فَإِذَا بِهِ يُصَابُ عَلَى الفَورِ بِسُخُونَةٍ أَو وَجَعِ العَينِ أَو فَالِجٍ أَو حُمَّى أَو غَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأَمرَاضِ، وَقَد يَعمَى كَمَا حَصَلَ لِلقَارِىءِ المَشهُورِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ رِفعَتِ المِصرِيِّ صَاحِبِ الصَّوتِ الجَمِيلِ، فَقَد قِيلَ إِنَّهُ فِي صِغَرِهِ كَانَ يَمشِي مَعَ أَبِيهِ فَأُعجِبَ رَجُلٌ بِحُسنِ عَينَيهِ فَقَالَ هَذَا كَأَولادِ المُلُوكِ، فَمِن هُنَاكَ أُصِيبَ حَتَّى عَمِيَ وَبَقِيَ عُمُرَهُ أَعمَى.

وَإِنَّ مِمَّا يُعِينُ عَلَى تَركِ الحَسَدِ تَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ الحَسَدَ مَعصِيَةٌ مِن مَعَاصِي القَلبِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ اعتِقَادُ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، فَهُوَ سُبحَانَهُ مُقَسِّمُ الأَرزَاقِ، وَهُوَ الَّذِي أَعطَى فُلَانًا كَذَا مِنَ الرِّزقِ وَأَعطَى فُلَانًا كَذَا مِنَ الرِّزقِ لِحِكمَتِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَعِلمِهِ بِمَا يَنفَعُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُم، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَن لَو بُسِطَ لَهُ الرِّزقُ لَفَسَدَ، وَمِنهُم مَن لَو قُدِّرَ عَلَيهِ رِزقُهُ فَسَدَ، فَليَقنَعِ الوَاحِدُ مِنَّا بِالرِّزقِ الَّذِي رَزَقَهُ اللهُ إِيَّاهُ وَلَا يَتبَع مَا تَجُرُّهُ نَفسُهُ إِلَيهِ مِن حَسَدِ أَخِيهِ وَغِيبَتِهِ وَتَتَبُّعِ عَورَاتِهِ، فَهَذَا مَهلَكَةٌ، وَكَذَلِكَ مِمَّا يَنفَعُ أَن يُخَالِفَ الإِنسَانُ هَوَى نَفسِهِ فَإِنَّهُ يَجُرُّ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الحَسَدِ.

وَهُنَا تَنبِيهٌ مُهِمٌ

أَنبِيَاءُ اللهِ لَا يَحسُدُونَ، لَا يَجُوزُ أَن يَقَعَ مِن نَبِيٍّ أَن يُصِيبَ أَحَدًا بِالعَينِ، لِأَنَّ الإِصَابَةَ بِالعَينِ تَصحَبُهَا نَظرَةُ الحَسَدِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى دَنَاءَةِ نَفسٍ، وَهَذَا مُستَحِيلٌ فِي حَقِّ الأَنبِيَاءِ، فَهُم مُبَرَّؤُونَ عَنِ القَبَائِحِ أَو مَا فِيهِ رَذَالَةٌ وَدَنَاءَةُ نَفسٍ قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَهَا، وَقَد دَسَّ الكُفَّارُ فِي بَعضِ كُتُبِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ وَكَتَبُوا فِيهَا أَنَّ نَبِيًّا مِنَ الأَنبِيَاءِ نَظَرَ نَظرَةَ حَسَدٍ لِقَومِهِ فَمَاتَ مِنهُم كَذَا وَكَذَا وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَهَذَا لَا يَلِيقُ وَلَا يَجُوزُ، وَهُوَ مَدسُوسٌ فِي بَعضِ الكُتُبِ.

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى شُؤمِ الحَسَدِ مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الصَّالِحِينَ كَانَ يُخَالِطُ بَعضَ المُلُوكِ، فَيَقُومُ بِجَانِبِ المَلِكِ وَيَنصَحُهُ فَيَقُولُ: أَحسِن إِلَى المُحسِنِ بِإِحسَانِهِ، وَإِنَّ المُسِيءَ سَتَكفِيهِ إِسَاءَتُهُ. فَحَسَدَهُ رَجُلٌ عَلَى ذَلِكَ المَقَامِ، فَوَشَى بِهِ إِلَى المَلِكِ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا الَّذِي يَقُومُ بِحِذَائِكَ يَقُولُ مَا يَقُولُ، زَعَمَ أَنَّ المَلِكَ أَبخَرُ – أَي لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ مِن فَمِهِ -، قَالَ لَهُ المَلِكُ: وَكَيفَ عَرَفتَ؟ قَالَ: إِذَا وَقَفَ بَينَ يَدَيكَ فَادعُ بِهِ إِلَيكَ، فَإِنَّهُ إِذَا دَنَا مِنكَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ كَي لَا يَشَمَّ رِيحَ البَخَرِ، قَالَ لَهُ: انصَرِف حَتَّى أَنظُرَ، قَالَ: فَخَرَجَ، فَدَعَا الرَّجُلَ إِلَى مَنزِلِهِ وَأَطعَمَهُ طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ ثُمَّ خَرَجَ مِن عِندِهِ، فَجَاءَ إِلَى المَلِكِ فَقَامَ بِحِذَائِهِ وَقَالَ: أَحسِن إِلَى المُحسِنِ بِإِحسَانِهِ، وَإِنَّ المُسِيءَ سَتَكفِيهِ إِسَاءَتُهُ. فَنَادَاهُ المَلِكُ وَقَالَ لَهُ: اقتَرِب، فَاقتَرَبَ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ خَشيَةَ أَن يَشَمَّ المَلِكُ مِنهُ رَائِحَةَ الثُّومِ، فَقَالَ المَلِكُ فِي نَفسِهِ: مَا أَرَى فُلَانًا إِلَّا قَد صَدَقَنِي. وَكَانَ مَعرُوفًا أَنَّهُ لَا يَكتُبُ بِخَطِّهِ لِأَحَدٍ إِلَّا بِجَائِزَةٍ أَو صِلَةٍ أَو مَعرُوفٍ، فَكَتَبَ لَهُ بِخَطِّهِ إِلَى عَامَلٍ مِن عُمَّالِهِ: إِذَا أَتَاكَ صَاحِبُ كِتَابِي هَذَا فَاذبَحهُ وَاسلخهُ وَاحشُ جِلدَهُ تِبنًا وَابعَث بِهِ إِلَيَّ. قَالَ: فَخَرَجُ وَالكِتَابُ مَعَهُ، فَلَقِيَهُ الَّذِي سَعَى بِهِ فَقَالَ: مَا هَذَا الكِتَابُ؟ قَالَ: كِتَابٌ كَتَبَهُ لِيَ المَلِكُ بِخَطِّهِ، فَقَالَ: هَبهُ لِي. قَالَ: فَدَفَعَ الكِتَابَ إِلَيهِ، فَمَضَى الرَّجُلُ إِلَى العَامِلِ، فَلَمَّا قَرَأَ الكِتَابَ قَالَ: أَتَدرِي مَا فِيهِ؟ قَالَ: كِتَابُ خَطِّ المَلِكِ بِالحَبَايِرِ وَالصِّلَةِ، قَالَ: إِنَّهُ فِي كِتَابِكَ يَأمُرُنِي أَن أَذبَحَكَ وَأَسلخُكَ وَأَحشُوَ جِلدَكَ تِبنًا وَأَبعَثَ بِكَ إِلَيهِ، قَالَ: اللهُ، اللهُ، لَيسَ هَذَا الكِتَابُ لِي، إِنَّمَا كَتَبَهُ لِغَيرِي، رَاجِع إِلَى المَلِكِ فِيَّ، قَالَ: لَيسَ لِكِتَابِ المَلِكِ مُرَاجَعَةٌ. فَذَبَحَهُ وَسَلَخَهُ وَحَشَاهُ تِبنًا وَبَعَثَ بِهِ إِلَى المَلِكِ، وَجَاءَ الرَّجُلُ فَقَامَ بِحِذَاءِ المَلِكِ فَقَالَ: أَحسِن إِلَى المُحسِنِ بِإِحسَانِهِ، وَإِنَّ المُسِيءَ سَتَكفِيهِ إِسَاءَتُهُ. قَالَ لَهُ المَلِكُ: مَا فَعَلتَ بِالكِتَابِ الَّذِي كَتَبتُهُ لَكَ؟ قَالَ: لَقِيَنِي فُلَانٌ فَاستَوهَبَنِي فَوَهَبتُهُ لَهُ، قَالَ: إِنَّ فُلَانًا ذَكَرَ أَنَّكَ تَزعُمُ أَنِّي أَبخَرُ؟ قَالَ: مَعَاذَ اللهِ، مَا قُلتُ هَذَا أَيُّهَا المَلِكُ، قَالَ: فَلِمَ وَضَعتَ يَدَكَ عَلَى فَمِكَ حِينَ قَرُبتَ مِنِّي؟ قَالَ: أَطعَمَنِي طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ فَوَضَعتُ يَدِي عَلَى فَمِي كَي لَا تَشَمَّ مِنِّي رِيحَ الثُّومِ، قَالَ: صَدَقتَ، قُم ذَلِكَ المَكَانَ وَقُل كَمَا كُنتَ تَقُولُ.اهـ

والله تعالى أعلم وأحكم