بسم الله الرحمن الرحيم
الحَمدُ لله القَادِرِ، العَلِيمِ الفَاطِرِ، الحَكِيمِ المُتَّصِفِ بِالعِلمِ الشَّامِلِ، الَّذِي أَحصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا، وَأَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا، سُبحَانَهُ مِن عَالِمٍ لَا بِفِكرَةٍ وَاجتِهَادٍ، وَلَا بِضَمِيرٍ وَفُؤَادٍ، بَصِيرٌ بِلَا حَدَقَةٍ وَسَوَادٍ، وَعَزِيزٌ بِلَا عُدَّةٍ وَعَتَادٍ، وَمُتَكَلِّمٌ بِلَا لِسَانٍ وَلَهَاةٍ، وَصَانِعٌ بِلَا آلَةٍ وَأَدَاةٍ، تَعَالَى عَنِ الأَندَادِ وَالأَشكَالِ، وَالأَشبَاهِ وَالأَمثَالِ، استَأثَرَ بِنُعُوتِ الجَلَالِ،
بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِن أَوسَطِهِم نَسَبًا، وَأَشرَفِهِم حَسَبًا، وَأَحسَنِهِم أَدَبًا، وَأَشهَرِهِم أُمًّا وَأَبًا، يَتلُو عَلَيهِم آيَاتِهِ، وَيُعَارِضُ أَبَاطِيلَهُم بِبَيِّنَاتِهِ، حَتَّى انكَشَطَت غِشَاوَةُ الشَّكِّ عَن وَجهِ اليَقِينِ، أَنزَلَ عَلَيهِ النُّورَ المُبِينَ، وَالوَحيَ المُستَبِينَ، أَنقَذَ بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَهَدَى بِهِ مِن حَيرَةِ الجَهَالَةِ، فَبَهَرَت مُعجِزَتُهُ، وَظَهَرَت دِلَالَتُه، صَلَّى الله وَسَلَّمَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ صَلَاةً تَنمُو أَبَدًا، وَتَتَّصِلُ مَدَدًا، مَا تَنَاوَبَ الصَّبَاحُ وَالمَسَاءُ سَرمَدًا،
أَمَّا بَعدُ:
مَا زِلنَا نَتَكَلَّمُ فِي الأَذكَارِ الَّتِي يَقُولُهَا العَبدُ المُؤمِنُ عِندَ النَّومِ، وَمِنهَا:
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِى السُّنَنِ وَالنَّسَائِىُّ فِى عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَنَسٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِى أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَءَاوَانَا فَكَمْ مِمَّنْ لا كَافِىَ لَهُ وَلا مُؤْوِى».
الشرح والتعليق على هذا الحديث:
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِى السُّنَنِ وَالنَّسَائِىُّ فِى عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ وفي رواية: إذا أويت إلى فراشك، ومعناه: أَيِ انْضَمَمْتَ إِلَيْهِ وَدَخَلْتَ فِيهِ، وفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: يَقُولُ بَعْدُ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَالَ: «الحَمدُ للهِ نلاحظ في أغلب الأوراد التي شرحناها عن النّبي ﷺ أنّه يبدأها بحمد الله، وهذا يبيّن أهمية أن يكون العبد شاكرًا لله في كلّ أوقاته ولحظات عمره ولا يغفل العبد المؤمن أنّه يتقلّب في نِعَمِ الله عزّ وجلّ، وأنّه يتقلّب في نعيم عظيم، فيبقى شاكرًا لله سبحانه، وقد قال الله تعالى في سورة إبراهيم:﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة إبراهيم/ الآية 32-34]، وهنا أذَكِّرُ بِأَنَّ شُكْرَ اللهِ طاعَةٌ لله، فاللهُ تعالى يُحِبُّ مِن عَبْدِهِ أَنْ يُدِيمَ شُكْرَهُ عَلَى نِعَمِهِ التي لا تُحْصَى. فَشُكْرُ اللهِ عَلَى النِّعَم فِيهِ أَجْرٌ وَثَوابٌ عَظِيم. ثُمَّ إِنَّ شُكْرَ اللهِ سَبَبٌ لِدَوامِ النِّعْمَة وَلِبَقائِها وَلِزِيادَتِها كَما قالَ اللهُ تَعالى وَهُوَ أَصْدَقُ القائِلِين: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [سورة إبراهيم/ الآية 7] فَإِذًا: إِذا أَرَدْتَ أَنْ تَزْدادَ النِّعْمَةُ التّي أَعْطاكَ اللهُ تعالَى إِيّاها وَأَنْ تَدُومَ عِنْدَكَ، فَأَمْسِك بِزِمامِ الشُّكْر لِتَثْبُتَ هذه النِّعْمَةُ وَتَدُوم. وَالله تعالى يَسْتَحِقُّ أَنْ نَحْمَدَهُ وَأَنْ نَشْكُرَهُ سَواءٌ تَفَضَّلَ عَلَينا بِالصِّحَّةِ أَمْ لا، سَواءٌ وَسَّعَ عَلَيْنا فِي المالِ أَمْ لا، سَواءٌ أَعْطانَا الأَوْلاد وَالأموالَ وَنَحوَ ذلِك أَمْ لا!
والمعصية كذلك سبب في زوال النّعم عن الشّخص، الله تعالى مُسْتَحِقٌّ لِأَنْ نَحْمَدَهُ وَلِأَنْ نَشْكُرَهُ.
قالَ بَعْضُ الْشُّعَراء:
| لَكَ الْحَمْدُ مَوْلانا عَلَى كُلِّ نِعْمَةٍ | وَمِنْ جُمْلَةِ النَّعْماءِ قَوْلِي لَكَ الْحَمْدُ |
يَعْنِى أَنْتَ إِذا حَمِدْتَ اللهَ وَشَكَرْتَه، أَنْ مَكَّنَكَ الله وَأَقْدَرَك عَلَى أَنْ تَحْمَدَهُ وَتَشْكُرَه، فَهٰذه نِعْمَةٌ أُخْرَى، لأَنَّكَ إِنْ أُلْهِمْتَ شُكْرَ الله، وَأَعانَكَ اللهُ على حَمْدِهِ كَسِبْتَ ثَوابًا وَبِما أَنَّكَ كَسِبْتَ ثَوابًا بِفَضْلِ اللهِ تعالى عَلَيْكَ وَإِقْدارِهِ لك، إِذًا هذا يَسْتَدْعِي مِنْكَ أَنْ تَشْكُرَهُ شُكْرًا ءاخَرَ جَدِيدًا ثانِيًا، لِذلِكَ قالَ هذا الشّاعِرُ: “لَكَ الْحَمْدُ مَوْلانا” يَعْنِى يا رَبَّنا، “عَلَى كُلِّ نِعْمَةٍ” يَعنِى أَعْطَيْتَنا إِيّاها، “وَمِنْ جُمْلَةِ النَّعْماءِ” يَعْنِى مِنْ جُمْلَةِ النِّعَمِ التي تَفَضَّلْتَ بِها عَلَيْنا، “قَوْلِي لَكَ الْحَمْدُ”؛ لأَنَّ اللهَ هُوَ الذي مَكَّنَكَ أَنْ تَحْمَدَه وَبِما أَنَّهُ سُبحانَهُ مَكَّنَكَ مِنْ أَنْ تَحْمَدَه وَحَمْدُهُ نِعْمَة، فَهذا يَسْتَدْعِي حَمْدًا جَدِيدًا ءاخَرَ فَلِذلِكَ يا أَحْبابَنا، اللهُ تعالى يُحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يُدِيمَ حَمْدَهُ وَشُكْرَهُ وَالثّناءَ عَلَيْهِ عَلَى ما تَفَضَّلَ بِهِ سُبْحانَهُ عَلَى عِبادِهِ مِنْ نِعَم مِنْ غَيرِ وُجُوبٍ عَلَيْهِ. اللهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شىء! اللهُ تعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَنا الصِّحَةَ فِى أَبْدانِنا، اللهُ تعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرزُقَنا! اللهُ تعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ فِى أَبْدانِنا القُوَّةَ وَالمقْدِرَةَ عَلَى العِبادات وَالطّاعات بَلْ هِيَ كُلُّها مَحْضُ فَضْلٍ مِنَ اللهِ سُبحانَه، فاذكروا هذه النِّعَمَ ولا تكفروها ولا تغفلوها. وقد وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: ذِكْرُ النِّعَمِ شُكْرٌ.
وهنا أبيّن وأذكر أنّ من كفر بالله لم يشكره، مَن كفر بالله ليس شاكرًا لله، من كفر بالله هو جاحد لنعمة الله، فلو سأل سائل وقال: لماذا؟ نقول له: الشّكر الواجب هو أن لا تستخدم نعمة الله في معصيته أي بأن تجتنب معاصيه، وهذا الذي كفر بالله وقع في أشدّ الذنوب عند الله وهو الكفر بالله، فلا يقبل منه قليل ولا كثير من صور الأعمال الصّالحة، فالعبد الذي يصحّ منه الشّكر ويعتبر شاكرًا لله لا بدّ أن يكون مؤمنًا أوّلًا ثمّ يؤدي الواجبات ويجتنب المحرمات، وأمّا الكافر فليس شاكرا لله أبدا ما دام على كفره، كم من النّاس اليوم يظنّ نفسه شاكرًا لله مطيعًا لربّه مؤدِّيًا للواجبات مجتنبا للمحرمات ويظنّ نفسه يذكر الله ويشكره ويمدح رسول الله وهو يقع في الفساد والضّلال والكفر تلعب به الشّياطين والعياذ بالله تعالى، وهذا ليس شيئًا جديدًا في النّاس بل هو منذ زمان بعيد، في زمن السّلف كان رجل اسمه الحسين الحلّاج، فقد روى الإِمَامُ عَبْدُ الْكَريِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ الْمَكِيَّ صُوفِيَّ مَكَّةَ فِي عَصْرِهِ رَأَى الْحَلَّاجَ الْحُسَيْنَ بْنَ مَنْصُورٍ يَكْتُبُ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا شَىْءٌ أُعَارِضُ بِهِ الْقُرْءَانَ!! – يَعْنِي أُشَابِهُ بِهِ الْقُرْءَانِ، أَيْ أَعْمَلُ مِثْلَهُ وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْاسْتِخَفَافِ بِالْقُرْءَانِ – فَمَقَتَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُحَسِّنُ بِهِ الظَّنَّ وَصَارَ يَلْعَنُهُ وَيُحَذِّرُ مِنْهُ، حَتَّى بَعْدَ أَنْ غَادَرَ الْحَلَّاجُ مَكَّةَ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ فِي التَّحْذِيرِ مِنْهُ إِلَى النَّاحِيَةِ الَّتِي يَحِلُّ بِهَا الْحَلَّاجُ. ثُمَّ ءَالَ أَمْرُ الْحَلَّاجِ إِلَى أَنَّهُ جَاءَ إِلَى بَغْدَادَ وَسَكَنَهَا وَعَمِلَ هُنَاكَ مِنَ الْتَّمْوِيهِ الْكَثِيرِ الْكَثِير وَصَارَ لَهُ جَمَاعَة فِي بَغْدَادَ عَبَدُوهُ. ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى سَيِّدِ الْصُوفِيَّةِ الجُنَيْد، قَالَ لَهُ سَيِّدُ الْصُوفِيَّةِ: “لَقَدْ فَتَحْتَ فِي الْإِسْلَامِ ثُغْرَةً لَا يَسُدُّهَا إِلَّا رَأْسُكَ” مَعْنَاهُ أَنْتَ سَتُقْتَلُ لِأَنَّكَ عَمِلْتَ فِتْنَةً فِي الإِسْلَامِ أَيْ عَمِلْتَ شَيْئًا جَدِيدًا ضِدُّ الدِّينِ.
الْجُنَيْد مِنْ بَابِ الْكَرامَةِ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَة ثُمَّ الْحَلَّاجُ مَا تَابَ. بَعْدَ ذَلِكَ بِثَمَانِي سَنَوَاتٍ تَقْرِيبًا أُصْدِرَ الْحُكْمُ بِقَتْلِهِ مِنْ قِبَلِ الْخَليفَةِ «المُقتَدِرِ بِاللهِ العَبَّاسِيّ» بَعْدَ أَنْ حَكَمَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ كَلِمَاتٍ كُفْريَّةً، قَالَ: “أَنَا الْحَقُّ” – مَعْنَاهُ أَنَا اللهُ -، فالْحَقُّ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ. كَانَ لَهُ جَمَاعَة يُقَالُ لَهُمْ الْحَلَّاجِيَّة عَبَدُوهُ قَلَّدُوهُ عَلَى الْعَمَى. ثُمَّ قُتِلَ فِي بَغْدَاد بَعْدَ صُدُورِ الْحُكْمِ مِنَ الْخَليفَةِ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ القَاضِي الْمَالِكِيّ الَّذِي فِي بَغْدَادَ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ قَالَ: “إِنَّ هَذَا مُرْتَدٌ يُقْتَلُ” فَنُفِّذَ فِيهِ الْقَتْلُ.
ونحن علينا أن نُحذّر من مثل هذه الكلمات، وَاللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مَدَحَ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِهَذَا العَمَلِ فَقَالَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 110]، وَالرَّسُولُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقُولُ في الحديث الذي رواه الترمذي: «لَيسَ مِنَّا مَن لَم يَأمُر بِالمَعرُوفِ وَيَنهَ عَنِ المُنكَرِ»، يَعنِي لَيسَ مِن أَتقِيَائِنَا، لَيسَ عَلَى طَرِيقَتِنَا الكَامِلَةِ، يَعنِي هَذَا مُسلِمٌ نَاقِصٌ، وَقَد قَالَ العُلَمَاءُ، وَمِنهُم أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ: “السَّاكِتُ عَنِ الحَقِّ شَيطَانٌ أَخرَسُ”، وَفِي الأَثَرِ: “إِذَا ظَهَرَتِ البِدَعُ وَسَكَتَ العَالِمُ لَعَنَهُ اللهُ”.
وَمَعنَى البِدَعِ هُنَا العَقَائِدُ المُخَالِفَةُ لِلقُرءَانِ، العَقَائِدُ الكُفرِيَّةُ وَالفَاسِدَةُ وَالبَاطِلَةُ، المُخَالِفَةُ لِعَقِيدَة أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، إِذَا انتَشَرَت هَذِهِ البِدَعُ الفَاسِدَةُ الكَاسِدَةُ وَسَكَتَ العُلَمَاءُ لَعَنَهُمُ اللهُ.
وَمِن هُنَا وَعَمَلًا بِهَذَا الحُكمِ الشَّرعِيِّ نُحَذِّرُ مِن عَقِيدَةٍ كُفرِيَّةٍ انتَشَرَت بَينَ بَعضِ النَّاسِ وَبَعضِ أَدعِيَاءِ التَّصَوُّفِ وَبَعضِ المُنشِدِينَ أَوِ المُطرِبِينَ أَو مَن يَتَكَلَّمُونَ بِالقَصَائِدِ، وَهي عَقِيدَةُ الحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ وهَذِهِ هِيَ أَكفَرُ مِن عَقِيدَةِ اليَهُودِ؛ لِأَنَّهُم يَعتَقِدُونَ أَنَّ اللهَ وَالعَالَمَ شَيءٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّ اللهَ اتَّحَدَ بِالعَالَمِ، امتَزَجَ بِهِ وَاختَلَطَ بِهِ فَصَارَ اللهُ وَالعَالَمُ عَلَى زَعمِهِم مَادَّةً وَاحِدَةً، وَالحُلُولُ: يَعتَقِدُونَ أَنَّ اللهَ حَلَّ فِي الأَشخَاصِ، بَعضُهُم يَقُولُ: فِي كُلِّ البَشَرِ، بَعضُهُم يَقُولُ: فِي كُلِّ المَخلُوقَاتِ، وَبَعضُهُم يَقُولُ: فِي الأَولِيَاءِ، وَبَعضُهُم يَقُولُ: فِي المَلَائِكَةِ، وَبَعضُهُم يَقُولُ: فِي الأَئِمَّةِ، وَهَذَا كُلُّهُ تَكذِيبٌ لِلقُرءَانِ، وَتَكفِينَا آيَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَيهِم: ﴿لَم يَلِد وَلَم يُولَد﴾ [سورة الإخلاص/ الآية 3]، نَفيٌ لِلمَادِّيَّةِ وَالِانحِلَالِ، أَي أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَيسَ مَادَّةً انحَلَّت مِن شَيءٍ وَلَيسَ هُنَاكَ مَادَّةٌ حَلَّت فِيهِ، ﴿لَم يَلِد وَلَم يُولَد﴾، فَاللهُ لَيسَ أَصلًا وَلَيسَ فَرعًا، لَيسَ كَالسُّكَّرِ الَّذِي يَذُوبُ فِي الشَّرَابِ، وَلَا كَالمِلحِ الَّذِي يَذُوبُ فِي الطَّعَامِ، وَلَا كَالعِطرِ الَّذِي يَحُلُّ فِي الهَوَاءِ، هَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ، فَمَن يَقُولُ بِعَقِيدَةِ الحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ مُكَذِّبٌ لِلقُرءَانِ، مُكَذِّبٌ لِهَذِهِ الآيَةِ.
وَبَعضُ النَّاسِ يَنسُبُونَ هَذِهِ العَقِيدَةَ كَذِبًا وَزُورًا وَبُهتَانًا لِلشَّيخِ مُحيِي الدِّينِ ابنِ عَرَبِيٍّ وَهُوَ مِنهَا بَرِيءٌ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَالَ كَمَا رَوَى عَنهُ وَنَقَلَ عَنهُ الفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الشَّيخُ عَبدُ الوَهَّابِ الشَّعرَانِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ اليَوَاقِيتُ وَالجَوَاهِرُ، نَقَلَ عَن مُحيِي الدِّينِ ابنِ عَرَبِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: “مَا قَالَ بِالحُلُولِ إِلَّا مَن دِينُهُ مَعلُولٌ، وَمَا قَالَ بِالِاتِّحَادِ إِلَّا أَهلُ الإِلحَادِ”، هَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ مِنهُ فِي تَكفِيرِ مَن يَقُولُ بِالحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، وَقَالَ الشَّيخُ ابنُ عَرَبِيٍّ: “مَن قَالَ بِالعِلَّةِ فَلَيسَ مِن أَهلِ المِلَّةِ”، يَعنِي كَافِرٌ، هَذَا كَلَامُهُ صَرِيحٌ.
وهناك كِتَابٌ، عمل فِي تَبرِأَتِهِ مَلِيءٌ بِالأَدِلَّةِ وَالنُّقُولِ وَالمَرَاجِعِ الَّتِي تُبَرِّؤُهُ مِن عَقِيدَةِ الحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، «الأَصلُ المَتِينُ فِي عَقِيدَةِ وَتَبرِئَةِ الشَّيخِ ابنِ عَرَبِيٍّ مُحيِي الدِّينِ»، هَذَا فِي بَيَانِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى التَّنزِيهِ وَأَنَّهُ هُوَ يُكَفِّرُ مَن يَقُولُ بِالحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، وَهَذَا الكِتَابُ مَطبُوعٌ وَمَوجُودٌ لِمَن أَرَادَ أَن يُحَصِّلَهُ.
فَابنُ عَرَبِيٍّ بَرِيءٌ مِن هَذِهِ العَقِيدَةِ، وَكَذَلِكَ الشَّيخُ عَبدُ الغَنِيِّ بنُ إِسمَاعِيلَ النَّابُلُسِيُّ الحَنَفِيُّ، أَيضًا بَرِيءٌ مِن هَذِهِ العَقِيدَةِ، وَقَد صَدَرَ مُؤَلَّفٌ، صَدَرَ رِسَالَةٌ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ تَنسُبُ إِلَيهِ عَقِيدَةَ الحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، وَرُدَ عَلَيهَا بِكِتَابٍ أَيضًا بين فِيهِ أَنَّ الشَّيخَ عَبدَ الغَنِيِّ فِي كِتَابِهِ الفَتحِ الرَّبَّانِيِّ يُكَفِّرُ مَن يَقُولُ بِالحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ.
فَابنُ عَرَبِيٍّ بَرِيءٌ مِن هَذِهِ العَقِيدَةِ، وَالشَّيخُ عَبدُ الغَنِيِّ بَرِيءٌ مِن هَذِهِ العَقِيدَةِ، وَالصُّوفِيَّةُ الصَّادِقَةُ بَرِيئَةٌ مِن هَذِهِ العَقِيدَةِ، فَالإِمَامُ الرِّفَاعِيُّ يُكَفِّرُ مَن يَقُولُ بِالحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، بَل أَكثَرُ مِن ذَلِكَ: نَقَلَ العَلَّامَةُ أَبُو بَكرٍ الكَلَبَاذِيُّ فِي كِتَابِهِ التَّعَرُّفِ إِلَى مَذهَبِ أَهلِ التَّصَوُّفِ الإِجمَاعَ عَلَى أَنَّ الصُّوفِيَّةَ مُنذُ أَلفِ سَنَةٍ إِلَى اليَومِ بَرِيئَةٌ مِنَ الحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ وَتُحَذِّرُ مِن ذَلِكَ.
وَمَعَ هَذَا نَجِدُ بَعضَ النَّاسِ اليَومَ بِاسمِ القَصَائِدِ وَالمَدَائِحِ يَنشُرُونَ عَقِيدَةَ الحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، وَهَذِهِ قَصِيدَةٌ تَنتَشِرُ الآنَ بِاللُّغَةِ التُّركِيَّةِ وَالكُردِيَّةِ وَالإِنجلِيزِيَّةِ وَبِغَيرِهَا مِنَ اللُّغَاتِ لِبَعضِ المُغَنِّينَ، يَقُولُ فِي هَذِهِ القَصِيدَةِ مَا هُوَ مِن أَبشَعِ الكُفرِ وَالضَّلَالِ، وَهُوَ عَلَى زَعمِهِم بِاسمِ الإِنشَادِ الدِّينِيِّ، وَقَد نَقَلَ العُلَمَاءُ كُفرَ مَن يَقُولُ بِالحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ بِإِجمَاعِ الأُمَّةِ الإِسلَامِيَّةِ، فَكَيفَ يَصِحُّ أَن يُقَالَ بَعدَ ذَلِكَ: إِنَّ عَقِيدَةَ الصُّوفِيَّةِ أَو عَقِيدَةَ ابنِ عَرَبِيٍّ هِيَ الحُلُولُ وَالِاتِّحَادُ، هَذَا لَا يَقُولُهُ مُسلِمٌ، وَلَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ بِأَن يَنسُبَ هَذِهِ العَقِيدَةَ لِلمُسلِمِينَ أَو لِلصُّوفِيَّةِ.
فَمَثَلًا انظروا مَاذَا يَقُولُ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي هَذَا الكِتَابِ، الحَاوِي لِلفَتَاوِى: “فَإِذًا أَصلُ الِاتِّحَادِ بَاطِلٌ مُحَالٌ مَردُودٌ شَرعًا وَعَقلًا وَعُرفًا بِإِجمَاعِ الأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ وَمَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ وَسَائِرِ عُلَمَاءِ المُسلِمِينَ، وَلَيسَ هَذَا مِن مَذهَبِ الصُّوفِيَّةِ”، الصُّوفِيَّةُ الصَّادِقَةُ لَا تَقُولُ بِالحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ.
وَانظروا مَاذَا قَالَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي نَفسِ الكِتَابِ أَيضًا: “قَالَ أَقضَى القُضَاةِ أَبُو الحَسَنِ المَاوَردِيُّ صَاحِبُ الحَاوِي الكَبِيرِ: وَلَا يَنفَعُ التَّنزِيهُ مَعَ القَولِ بِالِاتِّحَادِ وَالحُلُولِ، فَإِنَّ دَعوَى التَّنزِيهِ مَعَ ذَلِكَ إِلحَادٌ، وَكَيفَ يَصِحُّ التَّوحِيدُ مَعَ اعتِقَادِ أَنَّهُ سُبحَانَهُ حَلَّ فِي البَشَرِ … بَل يُقطَعُ بِتَكفِيرِ القَائِلِينَ بِالحُلُولِ إِجمَاعًا”، هَذَا هُوَ الَّذِي عَلَيهِ السَّادَةُ الصُّوفِيَّةُ أَهلُ التَّحقِيقِ وَعُلَمَاءُ الإِسلَامِ، رَأَيتُم أَنَّ هَذَا الكِتَابَ يَنقُلُ أَنَّ عَقِيدَةَ الأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ وَسَائِرِ عُلَمَاءِ المُسلِمِينَ وَالصُّوفِيَّةِ بَرِيئَةٌ مِن عَقِيدَةِ الحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ.
وَمَعَ كُلِّ هَذِهِ الأَدِلَّةِ، وَمَعَ هَذَا الإِجمَاعِ، وَمَعَ عَشَرَاتِ النُّقُولِ، نَجِدُ اليَومَ مَن يُحيِي هَذِهِ العَقِيدَةَ الكُفرِيَّةَ مِن جَدِيدٍ، فَهَذِهِ القَصِيدَةُ الَّتِي قُلتُ لَكُم تَنتَشِرُ اليَومَ بِعِدَّةِ لُغَاتٍ، انظروا مِن جُملَةِ الكُفرِيَّاتِ الَّتِي فِيهَا مَاذَا يَقُولُونَ عَن رَبِّ العَالَمِينَ، حَاشَا وَكَلَّا، يَقُولُونَ: إِنَّ اللهَ قَالَ أَنَا السَّهمُ، وَأَنَا القَوسُ!!! ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾، وَيَقُولُونَ: أَنَا الشَّيخُ، وَأَنَا الشَّابُّ، وَيَقُولُونَ: أَنَا الأَشجَارُ الَّتِي تُشعِلُ النَّارَ، وَأَنَا الأَحجَارُ الَّتِي تَقدَحُ النَّارَ، وَأَنَا العَنَاصِرُ الأَربَعَةُ، أَنَا الحَوَاسُّ الخَمسَةُ، أَنَا الأَبعَادُ السِّتَّةُ، اعرِفنِي عَبرَ صُورَتِكَ هَذِهِ وَلَكِنَّهَا لَن تَسَعَنِي، وَإِنِّي أَسَعُ كِلَا العَالَمَينِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الجَوهَرُ!!!
وَيَقُولُونَ: كُلُّ المَوجُودَاتِ أَنَا!!! يَقُولُونَ عَن رَبِّ العَالَمِينَ: هُوَ كُلُّ المَوجُودَاتِ!! الكِلَابُ وَالخَنَازِيرُ، الشَّيَاطِينُ وَالنَّجَاسَاتُ، الكُفَّارُ وَالقَذَارَاتُ وَالحَقَارَاتُ، هَذَا مِنَ المَوجُودَاتِ، اسمَعُوا لِلكُفرِ العَجِيبِ، يَقُولُونَ عَن رَبِّ العَالَمِينَ: وَكُلُّ المَوجُودَاتِ أَنَا!! وَيَقُولُونَ عَلَى زَعمِهِم: قَد أَكُونُ اليَومَ نَسِيمِيًّا وَقَد أَكُونُ هَاشِمِيًّا وَقَد أَكُونُ قُرَشِيًّا، كُلُّ المَوجُودَاتِ أَنَا!! ثُمَّ يَقُولُ بَعدَ ذَلِكَ: أَنَا الَّذِي – وَالعِيَاذُ بِاللهِ – تَتَجَلَّى آيَاتِي فِي الكُلِّ، كُلُّ آيَاتِي لَا تَسَعُنِي وَذَاتُكَ هِيَ بِدَايَتِي!! يَعنِي أَنتَ هُوَ اللهُ بِزَعمِهِم، ثُمَّ يَقُولُونَ: أَنَّا الذَّرَّةُ، وَأَنَا الشَّمسُ، أَنَا سِرُّ الكَنزِ، أَنَا المُحِيطُ، أَنَا كُلُّ المَوجُودَاتِ!! يَقُولُونَ: وَأَنَا الكَونُ الأَعظَمُ، أَو أَنَّ كُلَّ الكَونِ الأَعظَمِ هُوَ ذَاتِي!!
أَعُوذُ بِاللهِ، ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾ [سورة الشورى/ الآية 11]، ﴿فَلَا تَضرِبُوا للهِ الأَمثَالِ﴾ [سورة النحل/ الآية 74]، ﴿وَللهِ المَثَلُ الأَعلَى﴾ [سورة النحل/ الآية 60].
ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الصَّدَفُ، وَأَنَا اللُّؤلُؤُ، أَنَا المَحشَرُ، وَأَنَا المِيزَانُ، أَنَا الرَّحِيقُ، وَأَنَا السُّكَّرُ، أَنَا الشَّمسُ، وَأَنَا القَمَرُ، أَنَا الَّذِي أَهَبُ النَّفسَ وَالرُّوحَ!!
سَمِعتُم إِلَى هَذِهِ الكُفرِيَّاتِ الَّتِي تُكَذِّبُ ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾، تُكَذِّبُ ﴿فَلَا تَضرِبُوا للهِ الأَمثَالَ﴾، تُكَذِّبُ ﴿لَم يَلِد وَلَم يُولَد وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، فَهَا نَحنُ نُوَجِّهُ نَصِيحَةً أَنَّ هَذِهِ الكَلِمَاتِ مُخَالِفَةٌ لِلقُرءَانِ وَلِلسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَلِإِجمَاعِ الأُمَّةِ، هَذَا شَتمٌ لِرَبِّ العَالَمِينَ، تَكذِيبٌ لِلقُرءَانِ، هَذَا تَشبِيهٌ للهِ بِخَلقِهِ، هَذَا نِسبَةُ الحَشَرَاتِ وَالنَّجَاسَاتِ وَالشَّيَاطِينِ وَالعَفَارِيتِ وَالكُفَّارِ وَالنِّعَالِ وَالقَذَارَاتِ أَنَّهَا هِيَ اللهُ بِزَعمِهِم، نَنصَحُهُ للهِ أَنّ من يقول هذه الكلمات أن يَرجِعَ عَن هَذِهِ الكَلِمَاتِ وَأَن يُحَذِّرَ مِنهَا وَأَن يَنطِقَ بِالشَّهَادَتَينِ، لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ سَيَسأَلُهُ يَومَ القِيَامَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [سورة الصافات/ الآية 24]، وَالسَّاكِتُ عَنِ الحَقِّ شَيطَانٌ أَخرَسُ،
الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا ذكر هنا نعمة الأكل والشّرب، وكم من إخواننا المسلمين الضّعفاء والفقراء ومَن هم في الحروب قد مُنِعَهَا هذه الأيام، وهذه نعمة لا يشعر بها إلا القليل من النّاس، وهذا حال أكثر البشر أنّه لا يشعر بالنّعم إلا بعد زوالها، ينبغي على الواحد منّا أن يتفكّر في هذه النّعم ومن فوائد هذا التفكّر أنّه يحملك على طاعة الله عزّ وجلّ ويُبعِدُكَ عن معصية الله تعالى، يجعلك غالبًا تستحي من الله أن تعصيه وأن لا تطيع أمره سبحانه، وأضرب لهذا مثالا، قالَ الشيخُ أحمدُ الدردير: قالَ الله تبارك وتعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [سورة الذاريات/ الآية 21] فأنتَ إذا نظرتَ إلى مبدإِ خلقِكَ وجدْتَ ربَّك – أي علِمْتَ وأيقَنْتَ – سبحانه وتعالى قادَ والِدَيك بزمامِ الشهوةِ مقهورَينِ – أي منساقينَ إلى فِعلِ ما يصدرُ عنهم باختيارِهم لا بالإكراهِ والجبرِ – في صورةِ مختارَينِ مع تمامِ الأنسِ والبسطِ، حتى إذا حصلَ الوِقاعُ صانَك اللهُ في قرارٍ مكينٍ، فخلَقَ تلكَ النّطفةَ علقةً ثمّ خلقَ العلقةَ مضغةً، ثم مدَّها وصوَّرَها في أحسنِ صورةٍ، فجعلَ الرأسَ في أحسنِ خلقةٍ، وخلقَ العينَ والأذنَ والأنفَ وصوَّرَ الوجهَ في أحسنِ صورةٍ، وأودَعَها من الجمالِ والكمالِ ما لا يخفى، ثم أودَعَ البصرَ في العينِ والسّمعِ في الأذنِ والشّمِّ في الأنفِ، وخلقَ الفمَ وزيَّنَهُ بالشَّفَتين، وخلَقَ اللسانَ وخلَقَ فيه الذوقَ وجعَلَه يترجمُ عمَّا في الفؤادِ من العلومِ والمعارفِ، وجعلَ الرقبةَ حاملةً لعرشِ الرأسِ في حُسنٍ بديع، وجعلَ فيها المنفذَ الموصلَ الأكلَ والشربَ إلى المعدة، وأودَع البطنَ مِنَ الأمعاءِ والمصارِينِ والقلبِ والكبدِ وغيرِها مما لا يعلمُ حقيقَته إلا هو تعالى. وخلَقَ الأيديَ وخلَقَ فيها الأكفَّ والأصابعَ وجعلَها مفاصلَ وأبدَعَها والأرجلَ كذلكَ. وخلقَ العظامَ وكساهَا لحمًا، ثم نفخَ – أي أمرَ الملكَ فنفَخ – فيكَ الرّوحَ، وهيَ سرٌّ عظيمٌ عجيبٌ من أسرارِه تعالى، فتحرّكْتَ في بطنِ أمِّكَ، وما زال بكَ رؤوفًا رحيمًا، حافظًا في أضيقِ مكانٍ يوصلُ لكَ غذاءَك وأنتَ لا تعلمُ شيئًا، حتى إذا تمَّ خلقُك أنزلَك مِن الرّحمِ مِن أضيقِ محلٍّ، فلطَفَ بكَ وبأمِّك، حتَّى إذا برزْتَ ألهَمَكَ بمجرّدِ النّزولِ إلى ثدْيِ أمِّك وأجرَى فيهِ اللبنَ وأنزلَ في قلبِها الرأفةَ والرحمةَ. ولَمَّا ءانَ أوانُ الأكلِ خلقَ لكَ الأسنانَ والأضراسَ ورتَّبها ترتيبًا عجيبًا، معَ ما فيها من كمالِ الزينةِ والجمالِ والكمالِ، ثم لَمَّا قَرُبَ بلوغُك وكانَتْ هذهِالأسنانُ ضعيفةً أسقَطَها وأبدَلَهَا بأقوى منها. ثمّ إذا أكلتَ فجَّرَ في فمِك عينًا جاريةً وهي الرّيقُ، لا ينقطعُ جريانُها ما دمتَ تأكلُ، لتبتَلَّ اللقمةُ بها، ويَسهُلَ بلعُها لا تمَلُّها النفسُ، فانظر إلى هذهِ الحكمةِ البديعةِ التي أنتَ في غايةِ الافتقارِ إليها، وليسَ في قدرتِك إجراؤُها ولا منعُها بالضّرورة. فإذا نزلَ الطعامُ والشّرابُ في المعدةِ صرَّفَه إلى ما يشاء، فبعضُه يتربَّى به اللحمُ، وبعضُه يتربَّى به العظمُ، وبعضُه يتربَّى به الشحمُ وبعضُه يتربَّى به الدمُ، مع كمالِ اللذةِ حالَ الأكلِ وبعدَه، ثم ما فضلَ عن ذلكَ وكانَ فيهِ الإيذاءُ للبدنِ على تقديرِ إبقائِه في البطنِ أخرجَه من مخرَجَيك، وانظرْ لهذينِ المخرجَينِ وبديعِ حكمتِهما، وإلى إقدارِك على مسكِهما عندَ تهيُؤِ الفضلةِ للخروجِ. وبالجملةِ فلمْ يزلْ سبحانه وتعالى بك رؤوفًا رحيمًا ودودًا كريمًا وأنتَ غافلٌ عن نفسِك. وَمِنْ أَكْبَرِ عِبَرِهِ العقلُ، الذي به التمييزُ والتدبيرُ، وإدراكُ العلومِ والمعارفِ، وما يضرُّ وما ينفعُ، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [سورة النحل/ الآية 18]، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون/ الآية 14] – أي المصورينَ والمقدِّرينَ -. فيا ليتَ شعري، أهذا ينبغي أن يُعصى فيما أَمَر ونَهَى.اهـ
وَكَفَانَا أَىْ يَسَّرَ لَنَا الرِّزْقَ وَءَاوَانَا مَعْنَاهُ جَعَلَ لَنَا مَأْوَى فَكَمْ مِمَّنْ لا كَافِيَ لَهُ وَلا مُؤْوِي وفي هذا المعنى أذكر اسم الله الكافي، هُوَ الَّذِي يَكفِي المُهِمَّ وَيَدفَعُ المُلِمَّ وَهُوَ الَّذِي يُكتَفَى بِمَعُونَتِهِ عَن غَيرِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [سورة الزمر/ الآية 36]، وَكَم مِنَ النَّاسِ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤوِيَ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، كَم مِن إِخوَانِنَا المُسلِمِينَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ تَشَرَّدَ وَجَاعَ هُوَ وَعِيَالُهُ بِسَبَبِ الفِتَنِ وَالحُرُوبِ الَّتِي فِي الأُمَّةِ الإِسلَامِيَّةِ وَلَا كَافِيَ لِهَؤُلَاءِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، فَاللهُ الوَكِيلُ الكَافِي، لِأَنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، وَهُوَ سُبحَانَهُ الحَفِيظُ، وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ، وَهُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ، فَالمُتَوَكِّلُ عَلَيهِ هُوَ المُكتَفِي بِهِ. فَاللهُ هُوَ الكَافِي الَّذِي يَكفِي عَبدَهُ المُتَوَكِّلَ عَلَيهِ كَيدَ الكَائِدِينَ وَمَكرَهُم وَخِدَاعَهُم، وَقَد وَرَدَ مِن جُملَةِ دُعَاءِ ذَلِكَ الغُلَامِ الَّذِي فِي قِصَّةِ أَصحَابِ الأُخدُودِ قَولُهُ: “اللهم اكفِنِيهِم بِمَا شِئتَ”، وَاللهُ تَعَالَى كَفَى رَسُولَهُ ﷺ كَيدَ الكَائِدِينَ وَالمُستَهزِئِينَ بِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [سورة الحجر/ الآية 95].
متن الحديث الذي بعده:
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِىُّ فِى عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَأَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِىُّ فِى الدُّعَاءِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ خَلَقْتَ نَفْسِى وَأَنْتَ تَتَوَفَّاهَا لَكَ مَمَاتُهَا وَمَحْيَاهَا إِنْ أَحْيَيْتَهَا فَاحْفَظْهَا وَإِنْ أَمَتَّهَا فَاغْفِرْ لَهَا، اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ».
الشرح والتعليق على هذا الحديث:
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِىُّ فِى عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَأَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِىُّ فِى الدُّعَاءِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ خَلَقْتَ نَفْسِي هذا من أعظم مسائل التوحيد وهو من جواهر العقيدة، وهو تذكّر أنّ الله خلقك فأنت تستسلم لحكم ربك فيك وفي خلقه، فهو الخالق يتصرّف في خلقه كيف يشاء، والخالق هُوَ مُبرِزُ الأَشيَاءِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ فَلَا خَالِقَ إِلَّا هُوَ عَزَّ وَجَلَّ، قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [سورة فاطر/ الآية 3]، يَجِبُ أَن يُعتَقَدَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الخَالِقُ الَّذِي أَبرَزَ جَمِيعَ الكَائِنَاتِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ فَلَا خَالِقَ إِلَّا اللهُ، وَمَا سِوَى اللهِ حَدَثَ بِخَلقِهِ تَعَالَى وَتَكوِينِهِ، فَاللهُ تَعَالَى يَفعَلُ بِقُدرَتِهِ الأَزَلِيَّةِ بِلَا جَارِحَةٍ أَي بِلَا عُضوٍ وَلَا حَرَكَةٍ وَلَا ءَالَةٍ وَلَا مُبَاشَرَةٍ وَلَا مُمَاسَّةٍ لِشَيءٍ أَي مِن غَيرِ مَسٍّ، فَاللهُ تَعَالَى لَا يُمَسُّ وَلَا يَمَسُّ، خَلَقَ العَالَمَ مِن غَيرِ مُبَاشَرَةٍ لَيسَ مِثلَ العِبَادِ، العِبَادُ إِذَا أَرَادُوا أَن يَعمَلُوا شَيئًا يُمسِكُونَ الشَّيءَ بِأَيدِيهِم يَتَحَرَّكُونَ نَحوَهُ وَيُمسِكُونَهُ بِأَيدِيهِم أَو يُمسِكُونَ الآلَةَ ثُمَّ الآلَةُ تَتَّصِلُ بِذَلِكَ الشَّيءِ الَّذِي يَعمَلُونَهُ، أَمَّا اللهُ تَعَالَى فَلَيسَ هَكَذَا، فَاللهُ تَعَالَى يَخلُقُ بِمَعنَى الإِخرَاجِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، وَلَا خَالِقَ عَلَى هَذَا الوَجهِ إِلَّا اللهُ، خَلَقَ العَالَمَ وَأَحدَثَهُ مِن غَيرِ أَن يَكُونَ لَهُ احتِيَاجٌ إِلَيهِ وَلَا لِجَلبِ مَنفَعَةٍ أَو دَفعِ مَضَرَّةٍ عَن نَفسِهِ إِنَّمَا خَلَقَهُ إِظهَارًا لِقُدرَتِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الرعد/ الآية 16]، وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات/ الآية 96]، فَالآيَتَانِ صَرِيحَتَانِ فِي أَنَّ اللهَ هُوَ خَالِقُ الأَجسَامِ وَالأَعمَالِ لِأَنَّ لَفظَ الشَّيءِ يَشمَلُ الأَجسَامَ وَالأَعمَالَ، فَكُلُّ مَا دَخَلَ فِي الوُجُودِ مِنَ الأَعيَانِ؛ وَهِيَ الأَشيَاءُ الَّتِي لَهَا حَجمٌ إِن كَانَت صَغِيرَةً كَالذَّرَّةِ أَو مَا كَانَ أَصغَرَ مِنهَا كَالجُزءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ لِكَونِهِ فِي مُنتَهَى القِلَّةِ وَهُوَ الجَوهَرُ الفَردُ، أَو كَبِيرَةً كَالعَرشِ الَّذِي هُوَ أَكبَرُ المَخلُوقَاتِ حَجمًا وَأَوسَعُهَا مِسَاحَةً، وَكَذَلِكَ أَعمَالُ العِبَادِ حَرَكَاتُهُم وَسَكَنَاتُهُم وَعُلُومُهُم وَنَظَرُهُم وَخَوَاطِرُهُمُ الَّتِي تَطرَأُ عَلَيهِم بِدُونِ إِرَادَتِهِم، اللهُ تَعَالَى هُوَ خَلَقَهَا فِيهِم، أَمَّا العِبَادُ فَلَا يَخلُقُونَ شَيئًا وَلَيسَ الأَمرُ كَمَا تَقُولُ المُعتَزِلَةُ: بِأَنَّ العَبدَ يَخلُقُ أَفعَالَهُ الِاختِيَارِيَّةَ أَي يُحدِثُهَا مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، وَكَلَامُهُم هَذَا كُفرٌ قَطعًا لِأَنَّهُ تَكذِيبٌ لِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [سورة فاطر/ الآية 3]، أَي لَا خَالِقَ إِلَّا اللهُ،
وَأَنْتَ تَتَوَفَّاهَا وهذا ما يعطيه اسم الله المميت، فَهُوَ الَّذِي يُمِيتُ الأَحيَاءَ وَيُوهِنُ بِالمَوتِ قُوَّةَ الأَصِحَّاءِ الأَقوِيَاءِ، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [سورة الجاثية/ الآية 26]، وقال تعالى:﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [سورة ق/ الآية 19]، وَسَكرَةُ المَوتِ أَشَدُّ مِن أَلفِ ضَربَةٍ بِسَيفٍ لِمَن شَاءَ اللهُ لَهُ ذَلِكَ وَأَلَمُ سَكَرَاتِ المَوتِ يَحصُلُ لِلأَنبِياِءِ وَالأَتقِيَاءِ وَغَيرِهِم كَأَيِّ مَرَضٍ يُصَابُونَ بِهِ فَفِيهِ رَفعٌ لِلدَّرَجَاتِ فَلَيسَت خَاصَّةً بِالعُصَاةِ، أَمَّا نَزعُ الرُّوحِ فَتَختَلِفُ شِدَّتُهُ عِندَمَا يَحصُلُ لِلعَاصِي أَو لِلتَّقِيِّ فَتُنزَعُ رُوحُ التَّقِيِّ بِحَيثُ لَا يُحِسُّ بِأَلَمٍ عِندَ نَزعِهَا وَهُوَ المُرَادُ بِقَولِهِ تَعَالَى:﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ [سورة النازعات/ الآية 2]، أَمَّا رُوحُ الكَافِرِ فَتَخرُجُ بِشِدَّةٍ وَهُوَ المُرَادُ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ [سورة النازعات/ الآية 1]، فَسُبحَانَ مَن قَهَرَ عِبَادَهُ بِالمَوتِ، سُبحَانَ الَّذِي قَصَمَ بِالمَوتِ رِقَابَ الجَبَابِرَةِ، وَكَسَرَ بِهِ ظُهُورَ الأَكَاسِرَةِ، وَقَصَّرَ بِهِ آمَالَ القَيَاصِرَةِ، الَّذِينَ لَم تَزَل قُلُوبُهُم عَن ذِكرِ المَوتِ نَافِرَةً، حَتَّى جَاءَهُمُ الوَعدُ الحَقُّ فَأَردَاهُم فِي الحَافِرَةِ، فَنُقِلُوا مِنَ القُصُورِ إِلَى القُبُورِ، وَمِن ضِيَاءِ المُهُودِ إِلَى ظُلمَةِ اللُّحُودِ، وَمِن مُلَاعَبَةِ الجَوَارِي وَالغِلمَانِ إِلَى مُقَاسَاةِ الهَوَامِّ وَالدِّيدَانِ، وَمِنَ التَّنَعُّمِ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَى التَّمَرُّغِ فِي التُّرَابِ، وَمِن أُنسِ العِشرَةِ إِلَى وَحشَةِ الوَحدَةِ، وَمِنَ المَضجَعِ الوَفِيرِ إِلَى المَصرَعِ الوَبِيلِ، فَانظُر هَل وَجَدُوا مِنَ المَوتِ حِصنًا وَعِزًّا، أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ حِجَابًا وَحِرزًا، وَانظُر هَل تُحِسُّ مِنهُم مِن أَحَدٍ أَو تَسمَعُ لَهُم رِكزًا، فَسُبحَانَ مَن جَعَلَ المَوتَ مَخلَصًا لِلأَتقِيَاءِ، وَجَعَلَ القَبرَ سِجنًا لِلأَشقِيَاءِ، وَحَبسًا ضَيِّقًا عَلَيهِم إِلَى يَومِ الفَصلِ وَالقَضَاءِ، وَجَعَلَ الآخِرَةَ مَوعِدًا فِي حَقِّهِم لِلِّقَاءِ، فَلَهُ الإِنعَامُ بِالنِّعَمِ المُتَظَاهِرَةِ، وَلَهُ الِانتِقَامُ بِالنِّقَمِ القَاهِرَةِ، وَلَهُ الشُّكرُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، فَجَدِيرٌ بِمَن كَانَ المَوتُ مَصرَعَهُ، وَالتُّرَابُ مَضجَعَهُ وَالدُّودُ أَنِيسَهُ، وَمُنكَرٌ وَنَكِيرٌ جَلِيسَهُ، وَالقَبرُ مَقَرَّهُ وَبَطنُ الأَرضِ مُستَقَرَّهُ، وَالقِيَامَةُ مَوعِدَهُ، وَالجَنَّةُ أَوِ النَّارُ مَورِدَهُ، أَن لَا يَكُونَ لَهُ فِكرٌ إِلَّا فِي المَوتِ، وَلَا ذِكرٌ إِلَّا لَهُ، وَلَا استِعدَادٌ إِلَّا لِأَجلِهِ، وَلَا تَدبِيرٌ إِلَّا فِيهِ وَلَا تَطَلُّعٌ إِلَّا إِلَيهِ وَلَا تَعرِيجٌ إِلَّا عَلَيهِ وَلَا اهتِمَامٌ إِلَّا بِهِ وَلَا انتِظَارٌ وَتَرَبُّصٌ إِلَّا لَهُ، حَقِيقٌ بِأَن يَعُدَّ نَفسَهُ مِنَ المَوتَى وَيَرَاهَا فِي أَصحَابِ القُبُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ. وَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فيما رواه الترمذي: «الكَيِّسُ مَن دَانَ نَفسَهُ – أي حاسبها –وَعَمِلَ لِمَا بَعدَ المَوتِ»، وَلَن يَتَيَسَّرَ الِاستِعدَادُ لِلشَّيءِ إِلَّا عِندَ تَجَدُّدِ ذِكرِهِ عَلَى القَلبِ، وَلَا يَتَجَدَّدُ ذِكرُهُ إلَّا عِندَ التَّذَكُّرِ بِالإِصغَاءِ إِلَى المُذَكِّرَاتِ لَهُ وَالنَّظَرِ فِي المُنَبِّهَاتِ عَلَيهِ، فَقَد قَرُبَ لِمَا بَعدَ المَوتِ الرَّحِيلُ، فَمَا بَقِيَ مِنَ العُمُرِ إِلَّا القَلِيلُ، وَالخَلقُ عَنهُ غَافِلُونَ تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 1]، فَسُبحَانَ المُحيِي المُمِيتِ الَّذِي قَهَرَ عِبَادَهُ بِالمَوتِ، فَسُبحَانَ المُحيِي المُمِيتِ القَادِرِ عَلَى بَعثِ مَن يَشَاءُ وَعَلَى إِمَاتَتِهِ، وَلَا يُعجِزُهُ ذَلِكَ سُبحَانَهُ، وَدَلَائِلُ قُدرَةِ اللهِ عَلَى هَذَا بَينَ النَّاسِ كَثِيرَةٌ، وقدْ قيلَ:
| تَأَهَّبْ لِلمَنِيّـــةِ وَانْوِ خَيْرًا | فلَيْسَ اللهُ يَأْخُذُ فِيْكَ غَيْرَا | |
| فَإِنَّ اللهَ يُحْيِي كُلَّ شَخْصٍ | كَمَا أَحْيَا بِقُدْرَتِــهِ عُزَيْرَا |
لَكَ مَمَاتُهَا وَمَحْيَاهَا حالي في أثناء الحياة وفي أثناء الممات ملك لك يا ربّ، أي إنّ الكلّ منك وبقدرتك، قال ابن الجوزي: الْمَعْنى لَا يملك حَيَاتهَا وموتها إِلَّا أَنْت إِنْ أَحْيَيْتَهَا فَاحْفَظْهَااحفظها من المعصية ومن الكفر والضّلال، وَإِنْ أَمَتَّهَا فَاغْفِرْ لَهَا أي اغفر لها سائر المخالفات والتقصيرات اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ» أي السّلامة في الدّين من الافتنان وكيد الشّيطان والدّنيا من الآلام والأسقام. قال ابن علان: هذا تعميم بعد تخصيص؛ أي أسألك العافية في اليقظة والمنام وفي الحياة من سائر الآلالم وجميع المؤذيات والأسقام، وفي الآخرة من حلول دار الانتقام والبعد عن رضا الملك السّلام.
والله تعالى أعلم وأحكم