شرح سيد الاستغفار | اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت

حلية البشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحَمدُ للهِ الَّذِي أَنشَأَ الآدَمِيَّ وَقَوَّمَهُ، وَشَقَّ سَمعَهُ وَبَصَرَهُ وَفَمَهُ، وَكَلَّفَهُ مَا شَاءَ وَأَلزَمَهُ، وَفَرَضَ عَلَيهِ مَا أَرَادَ وَحَتَّمَهُ، وَأَخَّرَهُ إِذَا شَاءَ وَقَدَّمَهُ، أَحمَدُهُ تَعَالَى الَّذِي جَعَلَنَا بِإِنعَامِهِ عَلَينَا خَيرَ أُمَّةٍ، وَمَنَحَنَا الأَنَفَةَ مِنَ الجَهلِ وَعُلُوَّ الهِمَّةِ، وَرَزَقَنَا حِفظَ القُرآنِ وَالعُلُومِ المُهِمَّةِ، وَشَرَّفَنَا بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحمَةِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيهِ مَا اختَلَفَ ضَوءٌ وَظُلمَةٌ، وَعَلَى الصِّدِّيقِ صَاحِبِهِ فِي الهِجرَةِ وَعَضُدِهِ فِي كُلِّ مُلِمَّةٍ، وَعَلَى عُمَرَ الفَارُوقِ مَن فَتَحَ البِلَادَ وَنَصَرَ اللهُ بِهِ الأُمَّةَ، وَعَلَى عُثمَانَ الحَيِيِّ الَّذِي اشتَرَى الجَنَّةَ، وَعَلَى عَلِيٍّ ابنِ عَمِّهِ وَكَاشِفِ هَمِّهِ الَّذِي فَدَاهُ بِنَفسِهِ وَمَا أَهَمَّهُ، وَعَلَى ءَالِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَن تَبِعَ طَرِيقَهُ وَأَمَّهُ،

أَمَّا بَعدُ:

فقد وصلنا في كتاب حلية البشر إلى قوله:

بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَعِنْدَ الْمَسَاءِ

متن الحديث:

رَوَى الْبُخَارِىُّ فِى صَحِيحِهِ وَأَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ عَنْ شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّى لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِى وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَىَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِى، فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. إِذَا قَالَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِى فَمَاتَ دَخَلَ الْجَنَّةَ أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِذَا قَالَ ذَلِكَ حِينَ يُصْبِحُ فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ مِثْلُهُ».

الشرح والتعليق على اسم الباب

قال: بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَعِنْدَ الْمَسَاءِ جاءتْ هذهِ الأذكارُ الواردةُ عنِ النبيِّ ﷺ وتقالُ صباحًا ومساءً لأسبابٍ وفوائدَ عديدةٍ منها:

  • أن يبقى العبدُ المؤمنُ متَّصِلًا بطاعةِ اللهِ وذِكرِهِ في كلِّ الأحيانِ ولَا ينقطعَ عنْ ذكرِ اللهِ
  • وكانت هذهِ الأذكارُ لبيانِ أهميةِ ذِكرِ اللهِ وعَظَمَةِ الأجرِ لذلكَ
  • وبعضُها كذلكَ فيهِ تحصينٌ للشخصِ مِنْ أذَى الجنِّ والإنسِ بإذنِ اللهِ
  • وقراءةُ هذهِ الأذكارِ فِي الصباحِ والمساءِ فيهِ اقتداءٌ بالنبيِّ ﷺ فقد ثبتَ في الصحيح أنَّ الرسولَ ﷺ كانَ يذكرُ اللهَ تعالى في كلِّ أحيانِه وأحوالِه، وهذَا فيه ردٌّ على مَنْ يُحَرِّمُ ذِكْرَ اللهِ فِي الجَنَائِزِ فَمِنْ أحيانِهِ الجَنَائِزُ.
  • وردَ فِي حديثٍ عندَ الطبرانيِّ أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: «مَنِ ‌اسْتَفْتَحَ ‌أَوَّلَ نَهَارِهِ بِخَيْرٍ وَخَتَمَهُ بِخَيْرٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ لِمَلَائِكَتِهِ: لَا تَكْتُبُوا عَلَيْهِ مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنَ الذُّنُوبِ».

قال الفيومي: الصُّبْحُ الْفَجْرُ وَالصَّبَاحُ مِثْلُهُ وَهُوَ أَوَّلُ النَّهَارِ وَالصَّبَاحُ أَيْضًا خِلَافُ الْمَسَاءِ و‌الْمَسَاءُ خِلَافُ الصَّبَاحِ وَأَمْسَيْتُ إمْسَاءً دَخَلْتُ فِي ‌الْمَسَاءِ وَمَسَّاهُ اللَّهُ بِخَيْرٍ دُعَاءٌ لَهُ يُقَالُ كَمَا صَبَّحَهُ اللَّهُ بِالْخَيْرِ.

الشرح والتعليق على هذا الحديث

لماذا سمّي هذا الحديث بـ سيّد الاستغفار؟

رَوَى الْبُخَارِىُّ فِى صَحِيحِهِ وَأَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ عَنْ شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أمَّا سببُ تسميةِ هذَا الحديثِ بسيدِ الاستغفارِ، فقدْ قالَ ابنُ حجرٍ: قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا كَانَ ‌هَذَا ‌الدُّعَاءُ ‌جَامِعًا لِمَعَانِي التَّوْبَةِ كُلِّهَا اسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُ السَّيِّدِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الرَّئِيسُ الَّذِي يُقْصَدُ فِي الْحَوَائِجِ، وَيُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الْأُمُورِ.اهـ قالَ الطيبيُّ: السيدُ هنَا مستعارٌ مِنَ الرئيسِ المُقَدَّمِ.اهـ

معناه الأكثرُ ثوابًا للمُستَغْفِر بهِ مِنَ المستغفِرِ بغيرِهِ أوْ أنَّهُ أفضلُ أنواعِهِ لأنَّ فيهِ الإقرارَ بالإلهيةِ والعبوديةِ وأنَّ اللهَ خالقٌ وأنَّ العبدَ مخلوقٌ.

قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: جَمَعَ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ بَدِيعِ الْمَعَانِي وَحُسْنِ الْأَلْفَاظِ مَا يَحِقُّ لَهُ أَنَّهُ يُسَمَّى سَيِّدَ الِاسْتِغْفَارِ فَفِيهِ الْإِقْرَارُ لِلَّهِ وَحْدَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَالِاعْتِرَافُ بِأَنَّهُ الْخَالِقُ، وَالْإِقْرَارُ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِ، وَالرَّجَاءُ بِمَا وَعَدَهُ بِهِ وَالِاسْتِعَاذَةُ مِنْ شَرِّ مَا جَنَى الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِضَافَةُ ‌النَّعْمَاءِ ‌إِلَى ‌مُوجِدِهَا وَإِضَافَةُ الذَّنْبِ إِلَى نَفْسِهِ، وَرَغْبَتُهُ فِي الْمَغْفِرَةِ، وَاعْتِرَافُهُ بِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا هُوَ.اهـ

 معنى السّيّدِ لغةً:

السيدُ في الأصلِ الرئيسُ الذِي يُقصَدُ فِي الحوائجِ ويُرجَعُ إليهِ فِي الأمورِ، ويقالُ فِي اللُّغَةِ سيّدُ القومِ أفضَلُهُم.

وهوَ مِنَ الفعلِ سَادَ يسودُ، قالَ الفيوميُّ: وَسَادَ يَسُودُ سِيَادَةً وَالِاسْمُ السُّوْدُدُ وَهُوَ الْمَجْدُ وَالشَّرَفُ فَهُوَ سَيِّدٌ وَالْأُنْثَى سَيِّدَةٌ بِالْهَاءِ، ويقال سَيِّدُ الْعَبْدِ وَسَيِّدَتُهُ وَالْجَمْعُ سَادَةٌ وَسَادَاتٌ وَزَوْجُ الْمَرْأَةِ يُسَمَّى سَيِّدَهَا، وَسَيِّدُ الْقَوْمِ رَئِيسُهُمْ وَأَكْرَمُهُمْ وَالسَّيِّدُ الْمَالِكُ. اهـ

لا يصحُّ ما ينسبونَه للنبيِّ ﷺ أنه حديثٌ وهو قولُهُم: “لا تُسَيِّدُونِي في الصلاةِ”:

هنَا أبيّنُ أمرًا أنَّهُ لم يثبتْ ولَمْ يَصِحَّ عنِ النبيِّ ﷺ أنه قال: “لا تسيدوني في الصلاة”، فهذا كذبٌ على رسولِ الله ﷺ، بعضُهم يقول: لا تقولوا اللهمَّ صلِّ على سيدِنا محمدٍ وقولوا اللهمَّ صلِّ على محمدٍ، دون لفظِ “سيدنا”، فنقول: هذا مِنَ الغلوِّ والجهلِ الصريحِ فاللهُ تعالى وصَفَ يحيى عليهِ السلام بنصِّ القرآنِ أنَّه سيّدٌ فقالِ: وَسَيِّدًا ﴿وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 39]، فكيفَ بمحمدٍ ﷺ الذِي هو أفضلُ الأنبياءِ والمرسلينَ،

ثمّ النبيُّ ﷺ قالَ فيما رواه مسلم في صحيحه: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشْفَّعٍ».

 وقال ﷺ فيما رواه البخاريُّ ومسلم: «أنا سيِّدُ الناسِ»،

وروى البخاريُّ عَنْ ‌أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، إليه فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قُومُوا ‌إِلَى ‌سَيِّدِكُمْ»، يَعْنِي سعْدَ بْنَ مُعاذ. أَرَادَ أَفْضَلَكُمْ رَجُلًا.

وفي البخاريِّ كَانَ ‌عُمَرُ بن الخطاب رضي الله عنه يَقُولُ: “أَبُو بَكْرٍ ‌سَيِّدُنَا، ‌وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا”، يَعْنِي بِلَالًا.

وفي الترمذي عَن أَبي سَعِيدٍ الخدري رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ: «الحَسنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ».

وروى السخاويُّ في كتابِه القولِ البديعِ في الصلاةِ على الحبيبِ الشفيعِ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ رضي الله عنه كانَ يقول: “اللهم صلِّ على سيدِ المرسلين“.

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الذي رواه ابن ماجه: «أَنَا سَيِّدُ وَلدِ آدَم وَلَا فَخْرَ» قَالَهُ إِخْبَارًا عَمَّا أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الْفَضْلِ والسُّودَد، وتحدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُ، وَإِعْلَامًا لأمُّته لِيَكُونَ إيمانُهم بِهِ عَلَى حَسَبه ومُوجَبه. وَلِهَذَا أتْبَعه بِقَوْلِهِ «وَلَا فَخْر»: أَيْ أنَّ هَذِهِ الفَضِيلة الَّتِي نِلْتها كَرامةٌ مِنَ اللَّهِ لَمْ أنَلْها مِنْ قِبَل نَفْسي، وَلَا بَلْغتُها بقُوَّتي، فَلَيْسَ لِي أَنْ أفْتَخِر بِهَا.

وَفِي صحيح البخاري أَنَّهُ قَالَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما: ‌«إِنَّ ‌ابْنِي ‌هَذَا ‌سَيِّدٌ» قِيلَ أَرَادَ بِهِ الحليمَ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي تَمَامِهِ: «وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ من المسلمين».

وَفِي حَدِيثِ السنن الكبرى للبيهقي عن عَائِشَةَ: إِنَّ امْرأةً سألتْها عَنِ الخِضاب فَقَالَتْ: «كَانَ سَيِّدِي رسولُ اللَّهِ ﷺ يكرَهُ رِيحَه» أرادَت مَعْنى السِّيَادَةِ تَعْظِيمًا لَهُ.

وَمِنْهُ حَدِيثُ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: «حَدَّثَنِي سَيِّدِي أَبُو الدَّرداء» رواه أبو داود في سننه.

وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ رضي الله عنه: «تفقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا» رواه البخاري، أَيْ تعلَّمُوا العلمَ مَا دُمْتُمْ صِغَارًا، قَبْلَ أَنْ تَصِيرُوا سَادَةً مَنْظُورًا إِلَيْكُمْ فَتَسْتَحْيُوا أَنْ تَتَعَلَّمُوهُ بَعْدَ الْكِبَرِ فَتَبْقَوْا جُهَّالًا.

 أمّا ما يروونَه على أنَّه حديثٌ ويقولونَ إنَّ النبيَّ ﷺ قال: “‌لا ‌تسيّدوني في الصّلاة”، فقد قالَ السخاويُّ في المقاصدِ الحسنةِ: لا أصلَ له. وقال زكريا الأنصاريُّ في شرحِ الروضِ: وَحَدِيثُ “‌لَا ‌تُسَيِّدُونِي فِي الصَّلَاةِ” بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ. وكذلكَ قالَ الرمليُّ وابنُ حجرٍ الهيتميُّ وملَّا عليٌّ القاري وابنُ علان وغيرُهم، فلا عبرةَ بمن يحرّمُ قولَنَا: “سيدُنا محمدٍ”، وهوَ نفسُه الذِي يحرّمُ، لو جلسَ معَ شخصٍ مسؤولٍ أو نحوِ ذلكَ كمْ مرةً يقولُ له سيّدي، أمَّا عن النّبي فيحرّمُ ذلكَ والعياذُ بالله ويقولُ بزعمِه: العباداتُ توقيفيةٌ. نسألُ اللهَ أنْ ينفعَنا بسيدِنَا محمّدٍ ﷺ وأن يجمَعَنا بهِ في جناتِ النعيمِ.اهـ

الفرق بين السِّيْدِ والسَّيِّدِ:

وكذلكَ أبيِّنُ أمرًا آخرَ وهوَ: أنَّهُ لَا يقالُ سِيدِي عنِ المؤمنِ، فالسِّيْدُ الذئبُ، فرقٌ بينَ السِّيْدِ والسَّيِّدِ.

وهذا المعنَى معروفٌ مِن لغةِ العربِ ومِن زمانِ الجاهليةِ، ففي ديوانِ طَرَفَةَ بنِ العبدِ الشّاعرِ الجاهليِّ يقولُ:

وكَرّي، إذا نادى المُضافُ، مُحَنَّبًا *** كسِيْدِ الغَضا نَبّهَتْهُ المُتَوَرِّدِ

لنْ أشرَحَ كلَّ البيتِ ولكنْ قَالَ شُرَّاحُ هذهِ القصيدةِ لطَرَفَةَ بنِ العَبدِ: السِّيدُ: الذِّئبُ، وَالغَضَا: شَجَرٌ، وَذِئَابُهُ أَخبَثُ الذِّئَابِ.

وَفِي لَامِيَّةِ الشَّنْفَرَى الشَّاعِرِ الجَاهِلِيِّ يَقُولُ:

‌ولِي دُونَكُم ‌أهْلُونَ ‌سِيدٌ ‌عَمَلَّسٌ *** وأرْقَطُ زُهْلُولٌ وعَرْفاءُ جَيْألُ

لنْ أشرحَ البيتَ كُلَّهُ، ولكنْ قالَ الشراحُ هنَا: ‌السَّيِّد ‌الذِّئْب.اهـ

وفي كتابِ العينِ للفراهيديِّ شيخِ سيبويْهِ رضيَ اللهُ عنهمَا: ‌السِّيدُ: ‌الذئبُ.اهـ

وقالَ هذَا الكلامَ أيضًا وأثبَتَ هذَا المعنَى مِنَ اللُّغَويينَ والفقهاءِ كثيرٌ منهم: اللُّغويُّ المعروفُ بِكُرَاعِ النَّمْلِ فِي المُنجِدِ، وأبُو بكرٍ الأزديُّ فِي جَمهَرَةِ اللغةِ، وأبو علِيٍّ القالِي فِي البَارِعِ فِي اللغَةِ، والأصمعيُّ، وفِي المحيطِ فِي اللغةِ، والخطابيُّ فِي غريبِ الحديثِ، وابنُ جِنِّيٍّ فِي الْمُبهِجِ، وفِي كتابِ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ، وفِي الْمُخَصَّصِ لِابنِ سِيدَهْ، وفِي الْمُجمَلِ لِابنِ فارِسٍ، وفِي الأَنسَابِ للسمعَانِيِّ، وفِي تاريخِ ابنِ عساكرَ، وفي كتابِ تقويمِ اللسانِ للَّخْمِيِّ، وقالَ ابنُ الأثيرِ فِي النهايةِ: فِي حَدِيثِ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو «لَكَأَنِّي بِجُنْدُبِ بْنِ عَمْرٍو أَقْبَلَ كَالسِّيدِ» أَيِ ‌الذّئبِ.اهـ وفِي شرحِ لَامِيَّةِ الشَّنْفَرَى لِلْعُكْبُرِيِّ، وَفِي مُعجَمِ البلدانِ لياقوتٍ الحمويِّ، وفِي لسانِ العربِ لابنِ منظورٍ، وفِي القاموسِ المحيطِ للفيروزأباديِّ، وفِي المقَاصِدِ النَّحويَّةِ لِلْعَينِيِّ، وقالَ الزبيديُّ فِي تاجِ العروسِ إطلاقُ السِّيْدِ على الذئبِ هوَ المعروفُ.اهـ

ولذلك لا نقولُ للمؤمنِ: سِيْدِي، ويأتي بعضُ الجهالِ في هذهِ الأيامِ ويعتبرُ نفسَه عالِمًا وفقيهًا وحولَهُ مريدونَ لَهُ ويقولُ سِيْدِي ويريدُ بِهَا سَيِّدِي!!! فَرْقٌ بَينَ الكَلِمَتَينِ.

هَلْ يجوزُ أَنْ نقولَ عَنِ اللهِ: “سَيِّدٌ”؟

ومعنى حديث: «السَّيِّدُ ‌اللَّهُ»

وأَذْكُرُ أَمْرًا آخرَ وهُوَ هَلْ يجوزُ أَنْ نقولَ عَنِ اللهِ: “سَيِّدٌ”؟

نَعَمْ يجوزُ، لأنَّهُ وردَ فِي الحديثِ الذي رواه البخاري في الأدب المفرد: «السَّيِّدُ اللهُ»، أي مَنْ لَهُ السيادةُ الكامِلَةُ. ولكنْ لَا نقولُ كمَا يقولُ بعضُ الجهالِ، يقولونَ: سِيْدِي وَسِيْدَك اللهُ. والعياذُ باللهِ. فهذَا لَا يُقَالُ ويَنْهَى عنْهُ، وهُمْ لَا يَفهَمُونَ المَعنَى الفَاسِدَ لَكِنْ نَنْهَاهُمْ عَنهُ.

قَالَ ابنُ الأثيرِ فِي النهايةِ: وَرَدَ فِي الحديثِ: «فَقَالَ: ‌السَّيِّدُ اللهُ» أَيْ هُوَ الَّذِي تَحِقُّ لَهُ السِّيَادَةُ.

والسَّيِّدُ يُطْلق عَلَى الرّبِّ والمالِك، والشَّرِيف، والفاضِل، والكَرِيم، والحَليِم، ومُتَحمِّل أذَى قَومِه، والزَّوج، وَالرَّئِيسِ، والمقدَّم. وَأَصْلُهُ مِنْ سَادَ يَسُودُ فَهُوَ سَيْوِد، فقُلبت الْوَاوُ يَاءً لأجْل الياءِ السَّاكِنَة قَبْلَهَا ثُمَّ أُدْغِمَتْ.اهـ

إذًا النبيُّ ﷺ سمَّى هذَا الدعاءَ الوَارِدَ في هذَا الحديثِ: سَيِّدَ الاستغفارِ، اللهم أَنْتَ رَبِّى لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ. ابْتُدِئَ هذَا الحديثُ بذكرِ إفرادِ اللهِ بالرّبوبيةِ، والرّبوبيةُ والألوهيةُ للهِ بمعنًى واحدٍ، فَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىءٍ وَهُوَ الإِلَهُ بِحَقٍّ سُبحَانَهُ، لَا إلهَ إِلَّا هُوَ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ،

الرّدّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِتَقسِيمِ التَوحِيدِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقسَامٍ:

وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِتَقسِيمِ التَوحِيدِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقسَامٍ، فَتَقسِيمُهُمْ هَذَا بَاطِلٌ فَاسِدٌ مُبتَدَعٌ لَهَجَتْ بِهِ بَعضُ أَلسُنِ المُبْتَدِعَةِ قَدِيمًا وَنَثَرَتْهُ بَعضُ الفِرَقِ الضَّالَّةِ فِي زَمَانِنَا، لِيَتَوَصَّلُوا بَعدَ ذَلِكَ إِلَى تَكفِيرِ المُسلِمِينَ، وَالحَقُّ أَنَّ تَوحِيدَ الأُلُوْهِيَّةِ هُوَ تَوحِيدُ الرُّبُوْبِيَّةِ، فَالرَّسُولُ ﷺ جَعَلَ اعْتِرَافَ العَبْدِ بِإِفرَادِ اللهِ بِالأُلُوْهِيَّةِ وَبِوَصْفِ رَسُوْلِ اللهِ بِالرِّسَالَةِ كَافِيًا لِلدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ، فكَانَ يَحكُمُ بِإِسلَامِ الشَّخصِ بِأَنْ يَقُولَ: “لَا إلهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ”، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: قُلْ مَعَ ذَلِكَ: “لَا رَبَّ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ”. وَهُمْ بِتَقْسِيمِهِمْ هَذَا أَرَادُوا التَّوَصُّلَ إِلَى تَكفِيرِ المُسلِمِينَ المُتَوَسِّلِينَ وَالمُستَغِيثِينَ وَالمُتَبَرِّكِينَ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَو غَيرِهِ حَيثُ قَالُوا: “إِنَّ الرُّسُلَ لَم يُبعَثُوا إِلَّا بِتَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ وَهُوَ إِفرَادُ اللهِ بِالعِبَادَةِ، وَأَمَّا تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ وَهُوَ اعتِقَادُ أَنَّ اللهَ رَبُّ العَالَمِينَ المُتَصَرِّفُ فِي أُمُورِهِم فَلَم يُخَالِف فِيهِ أَحَدٌ مِنَ المُشرِكِينَ وَالمُسلِمِينَ بِدَلِيلِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾” [سورة الزمر/ الآية 38]، وَهَذَا كَلَامٌ بَاطِلٌ رَدَّ عَلَيهِ العُلَمَاءُ مِن كُلِّ الوُجُوهِ وَأَسهَبُوا فِي الرَّدِّ عَلَيهِ، وَتَقسِيمُهُم التَّوحِيدَ بِدعَةٌ بَاطِلَةٌ مُنكَرَةٌ لم يَرِد ذَلكَ في القُرءَانِ وَلا في الحَدِيثِ وَلا على لِسَانِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَو أَحَدِ العُلَمَاءِ المعتَبَرِينَ، إِنَّمَا هِي بِدعَةٌ تَفَرَّدَ بِها البَعْضُ فِي زَمَانِنَا وَقَبْلَهُ. وَالدَّلِيلُ على فَسَادِ تَقسِيمِهِم هَذَا أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قال: «أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَن لَا إله إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ»، وَلَم يَقُل الرَّسُولُ ﷺ: حَتَّى يُوَحِّدُوا تَوحِيدَ الأُلُوهِيَّةِ وَتَوحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ كَمَا زَعَمُوا. وَهَذا الحديثُ مُتَواتِرٌ رَوَاهُ عَن رسولِ اللهِ ﷺ جَمعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنهم العَشَرَةُ المُبَشَّرُونَ بِالجَنَّةِ وَقَد أَورَدَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، فَفِيهِ جَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ اعْتِرَافَ العَبْدِ بِتَفْرِيْدِ اللهِ بِالأُلُوْهِيَّةِ وَبِوَصْفِ رَسُوْلِ اللهِ بِالرِّسَالَةِ كَافِيًا لِلدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ، وَكَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ إِذَا نَطَقَ الكَافِرُ بِهَذَا يَحْكُمُ بِإِسْلَامِهِ وَإِيْمَانِهِ لِمَا بَدَا لَهُ ظَاهِرًا ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ غَيْرِهَا مِن أُمُوْرِ الدِّيْنِ كَمَا رَوَى البَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ الاعْتِقَادِ، وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي سُؤَالِ القَبْرِ حَدِيْثَانِ، حَدِيْثٌ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَحَدِيْثٌ بِلَفْظِ: “اللهُ رَبِّي”، وَهَذَا دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ (أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ) شَهَادَةٌ بِرُبُوْبِيَّةِ اللهِ.

وَمُرَادُ المشبِّهَةِ النُّفَاةِ مِن هَذِه البِدعَةِ أَن يُكَفِّرُوا المسلِمَ الَّذِي يُوَحِّدُ اللهَ إِذا تَوَسَّلَ بِالرَّسُولِ أَو بِوَلِيٍّ مِن الأَولِيَاءِ، فَهُم يَزعُمُونَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَحَّدَ اللهَ تَوحِيدَ الأُلُوهِيَّةِ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى خَلَقْتَنِي يَجِبُ أَن يُعتَقَدَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الخَالِقُ الَّذِي أَبرَزَ جَمِيعَ الكَائِنَاتِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ فَلَا خَالِقَ إِلَّا اللهُ، وَمَا سِوَى اللهِ حَدَثَ بِخَلقِهِ تَعَالَى وَتَكوِينِهِ، فَاللهُ تَعَالَى يَفعَلُ بِقُدرَتِهِ الأَزَلِيَّةِ بِلَا جَارِحَةٍ أَي بِلَا عُضوٍ وَلَا حَرَكَةٍ وَلَا ءَالَةٍ وَلَا مُبَاشَرَةٍ وَلَا مُمَاسَّةٍ لِشَيءٍ أَي مِن غَيرِ مَسٍّ، فَاللهُ تَعَالَى لَا يُمَسُّ وَلَا يَمَسُّ، خَلَقَ العَالَمَ مِن غَيرِ مُبَاشَرَةٍ لَيسَ مِثلَ العِبَادِ، العِبَادُ إِذَا أَرَادُوا أَن يَعمَلُوا شَيئًا يُمسِكُونَ الشَّيءَ بِأَيدِيهِم يَتَحَرَّكُونَ نَحوَهُ وَيُمسِكُونَهُ بِأَيدِيهِم أَو يُمسِكُونَ الآلَةَ ثُمَّ الآلَةُ تَتَّصِلُ بِذَلِكَ الشَّيءِ الَّذِي يَعمَلُونَهُ، أَمَّا اللهُ تَعَالَى فَلَيسَ هَكَذَا، فَاللهُ تَعَالَى يَخلُقُ بِمَعنَى الإِخرَاجِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، وَلَا خَالِقَ عَلَى هَذَا الوَجهِ إِلَّا اللهُ، خَلَقَ العَالَمَ وَأَحدَثَهُ مِن غَيرِ أَن يَكُونَ لَهُ احتِيَاجٌ إِلَيهِ وَلَا لِجَلبِ مَنفَعَةٍ أَو دَفعِ مَضَرَّةٍ عَن نَفسِهِ إِنَّمَا خَلَقَهُ إِظهَارًا لِقُدرَتِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الرعد/ الآية 16]، وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات/ الآية 96]، فَالآيَتَانِ صَرِيحَتَانِ فِي أَنَّ اللهَ هُوَ خَالِقُ الأَجسَامِ وَالأَعمَالِ لِأَنَّ لَفظَ الشَّيءِ يَشمَلُ الأَجسَامَ وَالأَعمَالَ، فَكُلُّ مَا دَخَلَ فِي الوُجُودِ مِنَ الأَعيَانِ وَهِيَ الأَشيَاءُ الَّتِي لَهَا حَجمٌ إِن كَانَت صَغِيرَةً كَالذَّرَّةِ أَو مَا كَانَ أَصغَرَ مِنهَا كَالجُزءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ لِكَونِهِ فِي مُنتَهَى القِلَّةِ وَهُوَ الجَوهَرُ الفَردُ، أَو كَبِيرَةً كَالعَرشِ الَّذِي هُوَ أَكبَرُ المَخلُوقَاتِ حَجمًا وَأَوسَعُهَا مِسَاحَةً، وَكَذَلِكَ أَعمَالُ العِبَادِ حَرَكَاتُهُم وَسَكَنَاتُهُم وَعُلُومُهُم وَنَظَرُهُم وَخَوَاطِرُهُمُ الَّتِي تَطرَأُ عَلَيهِم بِدُونِ إِرَادَتِهِم اللهُ تَعَالَى هُوَ خَلَقَهَا فِيهِم، أَمَّا العِبَادُ فَلَا يَخلُقُونَ شَيئًا وَلَيسَ الأَمرُ كَمَا تَقُولُ المُعتَزِلَةُ: بِأَنَّ العَبدَ يَخلُقُ أَفعَالَهُ الِاختِيَارِيَّةَ أَي يُحدِثُهَا مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، وَكَلَامُهُم هَذَا كُفرٌ قَطعًا لِأَنَّهُ تَكذِيبٌ لِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [سورة فاطر/ الآية 3]، أَي لَا خَالِقَ إِلَّا اللهُ، وَيَكفِي فِي إِبطَالِ قَولِهِم قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [سورة الأنفال/ الآية 17]، فَنَفَى اللهُ الرَّميَ مِن جِهَةِ الخَلقِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أَي أَنتَ مَا خَلَقتَ ذَلِكَ الرَّميَ يَا مُحَمَّدُ، وَأَثبَتَهُ لَهُ مِن جِهَةِ الِاكتِسَابِ أَيِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ وَجَّهَ إِرَادَتَهُ نَحوَ ذَلِكَ الفِعلِ وَاللهُ أَبرَزَهُ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، فَقَدِ اجتَمَعَ النَّفيُ وَالإِثبَاتُ فِي الآيَةِ لَكِن مِن جِهَتَينِ، وَعَلَى قَولِ المُعتَزِلَةِ تَكُونُ الآيَةُ جَمَعَتِ النَّفيَ وَالإِثبَاتَ مِن جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَذَلِكَ بَاطِلٌ مُحَالٌ كَقَولِ القَائِلِ: قَامَ زَيدٌ وَلَم يَقُم زَيدٌ وَأَنَا عَبْدُكَ وهيَ مِنْ أشرَفِ المقَامَاتِ أنْ تكونَ عبدًا للهِ عزَّ وجلَّ، يجوزُ أنْ تكونَ حالًا مؤكّدةً، وأنْ تكونَ مقدَّرَةً أيْ أنَا عابدٌ لكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ قالَ الخطابيُّ: يريدُ أنَا علَى مَا عَاهَدْتُكَ عليهِ ووَاعَدْتُكَ مِنَ الإِيمانِ وإخلاصِ الطاعةِ لكَ.اهـ وجَوَّزَ الطِيبِيُّ حَمْلَ معنَى العهدِ علَى مَا أخذَهُ اللهُ تَعَالى عَلَى عبادِهِ حينَ أخْرَجَهُمْ مِنْ صُلبِ آدمَ عليهِ السلام أمثالَ الذَّرِّ وأَشْهَدَهُم على أنفسِهِمْ بأنْ قَالَ لَهُمْ الْمَلَكُ: إِنَّ رَبَّكُمْ يقولُ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُم؟ قالوا: بلى، فأقرُّوا لله بالرّبوبية وأذْعَنُوا لَهُ بالوَحدَانِيَّةِ، قَالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [سورة الأعراف/ الآية 172].

 وهذهِ هيّ الفطرةُ المذكورةُ في حَدِيثِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ فَمَعْنَى يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ أَيْ يَكُونُ مُسْتَعِدًّا مُتَهَيِّئًا لِقَبُولِ دِينِ الإِسْلامِ، عَلَى الْفِطْرَةِ أَيْ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلامِ لِأَنَّهُمْ يُولَدُونَ عَلَى مُقْتَضَى اعْتِرَافِهِمْ وَتَوْحِيدِهِمْ الَّذِي حَصَلَ يَوْمَ أُخْرِجَتِ الأَرْوَاحُ مِنْ ظَهْرِ ءَادَمَ بِنَعْمَانِ الأَرَاكِ فَإِنَّهُمْ سُئِلُوا: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 172] قَالُوا: بَلَى لا إِلَهَ لَنَا غَيْرُكَ، اعْتَرَفُوا كُلُّهُمْ بِأُلُوهِيَّةِ اللَّهِ. ثُمَّ لَمَّا دَخَلَتِ الرُّوحُ فِي جَسَدِ الْوَلَدِ نَسِيَ هَذَا وَيَبْقَى نَاسِيًا إِلَى أَنْ يَسْمَعَ مِنْ أَبَوَيْهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا الإِسْلامَ فَيَعُودَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوْ يَسْمَعَ مِنْ أَبَوَيْهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا الْكُفْرَ فَيَعْتَقِدَهُ فَيَكُونُ الآنَ كَفَرَ بِالْفِعْلِ. هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَعْرِفُ أَوَّلَ مَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ الإِسْلامَ تَفْصِيلًا فَإِنَّهُ أَوَّلَ مَا يَخْرُجُ مَنْ بَطْنِ أُمِّهِ لا يَعْلَمُ شَيْئًا وَهُوَ صَرِيحُ الآيَةِ ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [سورة النحل/ الآية 78]  وَوَعْدِكَ ولذلكَ تفسيرانِ: الأولُ: معناه أنَا على وعدِك لي كمَا في القرءانِ وعلى لسانِ نبيكَ أنَّ مَنْ ماتَ لَا يُشْرِكُ بِكَ شيئًا وأدَّى مَا افتَرَضَ عليهِ أَنْ تُدخِلَهُ الجنةَ بلَا عذابٍ، قالَهُ الحافظُ فِي الفتحِ. الثاني: معناهُ أنا مُوقِنٌ بوعدِك يومَ الحشرِ والتلاقِ، قالَه المُلَّا عليٌّ القارِي مَا اسْتَطَعْتُ أي بِقَدرِ طاقَتِي، أو معناهُ أنَا علَى مَا عاهَدْتُكَ ووعَدْتُكَ مِنَ الإيمانِ بِكَ والإخلاصِ مِنْ طاعَتِكَ وأنَا مُقِيمٌ عَلَى مَا عَهِدْتَ إليَّ مِنْ أمرِ دينِكَ ومُتَمَسِّكٌ بِهِ وأنتَ مُنجِزٌ وعدَكَ بالمثوبةِ والأجْرِ علَى ذلكَ فِي الآخرةِ. فليسَ معنَى وَأَنا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ أَنِّي لا أستطيعُ أنْ أوفِيَ بالعهدِ. فقولُه: «مَا اسْتَطَعْتُ» ليسَ للنَّفيِ بلْ «ما» مصدريةٌ أيْ قدرَ استطاعَتِي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أي ما صنعْتُه؛ أيْ أعوذُ بكَ مِنَ الإثمِ وأستَجِيرُ بكَ مِنَ العذابِ والبلاءِ المُتَرَتِّبِ عَلَى ذلكَ، وَ«صنَعْتُ» هنا بمعنى عَمِلتُ، أي مِن شرِّ ما عمِلْتُ وأخطَأتُ بهِ مِنَ الذنوبِ، ويجوزُ أنْ يقالَ: صنعتُ كذا على معنَى عملتُه. ويقالُ عنِ اللهِ الصانعُ، هذا لا ضررَ فيهِ، وَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ صَانِعُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ»، رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ. الصَّنْعَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُرَادُ بِهَا الْعَمَلُ الَّذِي يَعْمَلُهُ الْعَبْدُ حَرَكَاتُهُ وَسُكُونُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ عَامِلٍ وَعَمَلِهِ. وَفِي هَذَا إِبْطَالٌ لِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ بِقُدْرَةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ فِيهِ. فَالإِنْسَانُ جِسْمُهُ وَاحِدٌ، وَأَمَّا أَعْمَالُهُ حَرَكَاتُهُ وَسَكَنَاتُهُ تُعَدُّ بِالْمَلايِينِ، فَلَوْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَ الْجِسْمَ فَقَطْ وَالْعَبْدُ يَخْلُقُ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ لَكَانَ مَخْلُوقُ الْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ مَخْلُوقِ اللَّهِ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَىَّ أي أعترفُ وأُقِرُّ لك بأنّك المُنعِمُ عَلَيَّ بجميعِ النعمِ التي أعطيتَها، هذا اعترافٌ بِنِعَمِ اللهِ تعالَى وَفَضْلِهِ وآلائِهِ، وَكثيرٌ مِنَ النِّعَمِ لَا يدرِكُهَا كثيرٌ مِنَ الناسِ إلَّا بعدَ زَوَالِهَا، قالَ الشيخُ أحمدُ الدردير: قالَ الله تباركَ وتعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [سورة الذاريات/ الآية 21] فأنتَ إذا نظرتَ إلى مبدإِ خلقِكَ وجدْتَ ربَّك – أي علِمْتَ وأيقَنْتَ – سبحانه وتعالى قادَ والِدَيك بزمامِ الشهوةِ مقهورَينِ – أي منساقينَ إلى فِعلِ ما يصدرُ عنهم باختيارِهم لا بالإكراهِ والجبرِ – في صورةِ مختارَينِ مع تمامِ الأنسِ والبسطِ، حتى إذا حصلَ الوِقاعُ صانَك اللهُ في قرارٍ مكينٍ، فخلَقَ تلكَ النطفةَ علقةً ثم خلقَ العلقةَ مضغةً، ثم مدَّها وصوَّرَها في أحسنِ صورةٍ، فجعلَ الرأسَ في أحسنِ خلقةٍ، وخلقَ العينَ والأذنَ والأنفَ وصوَّرَ الوجهَ في أحسنِ صورةٍ، وأودَعَها من الجمالِ والكمالِ ما لا يخفى، ثم أودَعَ البصرَ في العينِ والسمعِ في الأذنِ والشمَّ في الأنفِ، وخلقَ الفمَ وزيَّنَهُ بالشَّفَتين، وخلَقَ اللسانَ وخلَقَ فيه الذوقَ وجعَلَه يترجمُ عمَّا في الفؤادِ من العلومِ والمعارفِ، وجعلَ الرقبةَ حاملةً لعرشِ الرأسِ في حُسنٍ بديع، وجعلَ فيها المنفذَ الموصلَ الأكلَ والشربَ إلى المعدة، وأودَع البطنَ مِنَ الأمعاءِ والمصارِينِ والقلبِ والكبدِ وغيرِها مما لا يعلمُ حقيقَته إلا هو تعالى. وخلَقَ الأيديَ وخلَقَ فيها الأكفَّ والأصابعَ وجعلَها مفاصلَ وأبدَعَها والأرجلَ كذلكَ. وخلقَ العظامَ وكساهَا لحمًا، ثم نفخَ – أي أمرَ الملكَ فنفَخ – فيكَ الرّوحَ، وهيَ سرٌّ عظيمٌ عجيبٌ من أسرارِه تعالى، فتحرّكْتَ في بطنِ أمِّكَ، وما زال بكَ رؤوفًا رحيمًا حافظًا في أضيقِ مكانٍ يوصلُ لكَ غذاءَك وأنتَ لا تعلمُ شيئًا، حتّى إذا تمَّ خلقُك أنزلَك مِن الرّحمِ مِن أضيقِ محلٍّ، فلطَفَ بكَ وبأمِّك، حتَّى إذا برزْتَ ألهَمَكَ بمجردِ النزولِ إلى ثدْيِ أمِّك وأجرَى فيهِ اللبنَ وأنزلَ في قلبِها الرأفةَ والرحمةَ. ولَمَّا ءانَ أوانُ الأكلِ خلقَ لكَ الأسنانَ والأضراسَ ورتَّبها ترتيبًا عجيبًا، معَ ما فيها من كمالِ الزينةِ والجمالِ والكمالِ، ثم لَمَّا قَرُبَ بلوغُك وكانَتْ هذهِ الأسنانُ ضعيفةً أسقَطَها وأبدَلَهَا بأقوى منها. ثم إذا أكلتَ فجَّرَ في فمِك عينًا جاريةً وهي الريقُ، لا ينقطعُ جريانُها ما دمتَ تأكلُ، لتبتَلَّ اللقمةُ بها، ويَسهُلَ بلعُها لا تمَلُّها النفسُ، فانظر إلى هذهِ الحكمةِ البديعةِ التي أنتَ في غايةِ الافتقارِ إليها، وليسَ في قدرتِك إجراؤُها ولا منعُها بالضرورة. فإذا نزلَ الطعامُ والشرابُ في المعدةِ صرَّفَه إلى ما يشاء، فبعضُه يتربَّى به اللحمُ، وبعضُه يتربَّى به العظمُ، وبعضُه يتربَّى به الشحمُ وبعضُه يتربَّى به الدمُ، مع كمالِ اللذةِ حالَ الأكلِ وبعدَه، ثم ما فضلَ عن ذلكَ وكانَ فيهِ الإيذاءُ للبدنِ على تقديرِ إبقائِه في البطنِ أخرجَه من مخرَجَيك، وانظرْ لهذينِ المخرجَينِ وبديعِ حكمتِهما، وإلى إقدارِك على مسكِهما عندَ تهيُؤِ الفضلةِ للخروجِ. وبالجملةِ فلمْ يزلْ سبحانه وتعالى بك رؤوفًا رحيمًا ودودًا كريمًا وأنتَ غافلٌ عن نفسِك. وَمِنْ أَكْبَرِ عِبَرِهِ العقلُ، الذي به التمييزُ والتدبيرُ، وإدراكُ العلومِ والمعارفِ، وما يضرُّ وما ينفعُ، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [سورة النحل/ الآية 18]،  ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون/ الآية 14]  – أي المصوِّرينَ والمقدِّرينَ -. فيا ليتَ شعري، أهذا ينبغي أن يُعصى فيما أَمَر ونَهَى.اهـ

 وَأَبُوءُ بِذَنْبِى أي أعترفُ أيضًا بوقوعِ الذنبِ منّي، فاعترفَ أوّلًا بأنَّه أنْعَمَ عليهِ ولم يُقيِّدْهُ لأنَّهُ يشمَلُ أنواعَ الإنعامِ، ثمَّ اعترَفَ بالتقصيرِ وأنَّهُ لمْ يَقُمْ بأدَاءِ شُكرِهَا حَقَّ الشكرِ، ثمَّ اتَّهَمَ نفسَهُ بالتقصيرِ والوقوعِ فِي الذنبِ معَ مَا فِي ذلكَ مِنَ التذللِ للهِ والتّضرعِ مَعَ هضمِ النفسِ والتّسليمِ للهِ. فَاغْفِرْ لِى فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ أي مَغفرةُ الذنوبِ ليسَتْ إلَّا إليكَ يَا اللهُ، فَلَا يَتَوَلَّاهَا غَيرُكَ ولَا يَقدِرُ عليهَا سِوَاكَ.

وأمَّا مَا جاءَ فِي قولِهِ تعالَى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ [سورة الشورى/ الآية 43] فَغفَرَ هنَا بمعنَى سامَحَ وصبرَ ولم ينتصِرْ مِمَّنْ ظَلَمَهُ بلْ عَفَا عنهُ، ومثلُ ذلكَ مَا جاءَ فِي الحديثِ المرفوعِ الذي رواه البيهقي والطبراني: «مَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، وأُعْطِيَ فَشَكَرَ، وَظَلَمَ فَاسْتَغْفَرَ، وظُلِمَ فَغَفَرَ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُهْتَدُونَ». فقوله: فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ معناهُ أنا أعترفُ بذنوبي التِي أعلَمُهَا والَّتِي لَا أَذْكُرَهَا يَا رَبِّ فَاغفِرهَا لِي واسْتُرهَا عَلَيَّ، وهذَا فيهِ نهايةُ الخضوعِ والتذللِ والاعترافِ بالعبوديةِ للهِ تعالَى والخشوعِ  لَهُ، وينبغِي علَى العبدِ مهمَا عَمِلَ أنْ لَا يَنْغَرَّ بِعَمَلِهِ وأنْ لَا يَركَنَ إلَى هذِهِ الدنيا، بلْ يبقَى علَى الخوفِ مِنَ اللهِ، فالخوفُ مِنَ اللهِ طريقٌ لكلِّ خيرٍ وهوَ علامةُ خيرٍ وبركةٍ وفضلٍ، وهذَا حالُ الصالحينَ مِنْ عبادِ اللهِ أنَّهُم يتَّهِمُونَ أنفُسَهُم ويخَافُونَ سوءَ العملِ وسوءَ الحالِ، الإمامُ أبو حنيفةَ رضيَ اللهُ عنهُ أربعينَ سنةً وهوَ يصلِّي الفجرَ بوُضوءِ العشاءِ ومَعَ ذلكَ مَا انقطَعَ عنْ رجاءِ مغفرةِ الذنوبِ وعنِ التذللِ للهِ عزَّ وجلَّ، لَا يطمَئِنُّ إلَّا وَهُوَ فِي منَاجَاتِهِ لرَبِّهِ سبحانَهُ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِيْ رَجَاءٍ: سَمِعْتُ أَبِيْ يَقُوْلُ: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ: إِلَامَ صِرْتَ؟ قَالَ: غُفِرَ لِيْ، ثُمَّ قِيْلَ لِيْ: لَمْ نَجْعَلْ هَذَا الْعِلْمَ فِيْكَ إِلَّا وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَغْفِرَ لَكَ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا فَعَلَ أَبُوْ يُوسُفَ؟ قَالَ: فَوْقَنَا بِدَرَجَةٍ. قُلْتُ: وَأَبُوْ حَنِيْفَةَ؟ قَالَ: فِيْ أَعْلَىْ عِلِّيِّيْنَ.اهـ

قَالَ فِيْ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: كَيْفَ وَقَدْ صَلَّى الْفَجْرَ بِوُضُوْءِ الْعِشَاءِ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً، وَحَجَّ خَمْسًا وَخَمْسِيْنَ حَجَّةً. وَفِيْ حَجَّتِهِ الْأَخِيْرَةِ اِسْتَأْذَنَ حَجَبَةَ الْكَعْبَةِ بِالدُّخُوْلِ لَيْلًا فَقَامَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ عَلَىْ رِجْلِهِ الْيُمْنَىْ وَوَضَعَ الْيُسْرَىْ عَلَى ظَهْرِهَا حَتَّىْ خَتَمَ نِصْفَ الْقُرْآنِ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ ثُمَّ قَامَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَوَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِهَا حَتَّى خَتَمَ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا سَلَّمَ بَكَىْ وَنَاجَىْ رَبَّهُ وَقَالَ: إِلَهِيْ مَا عَبَدَك هَذَا الْعَبْدُ الضَّعِيْفُ حَقَّ عِبَادَتِكَ لَكِنْ عَرَفَكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ، فَهَبْ نُقْصَانَ خِدْمَتِهِ لِكَمَالِ مَعْرِفَتِهِ، فَهَتَفَ هَاتِفٌ – أَيْ قَالَ مَلَكٌ مُبَلِّغًا عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ – مِنْ جَانِبِ الْبَيْتِ: يَا أَبَا حَنِيْفَةَ قَدْ عَرَفْتَنَا حَقَّ الْمَعْرِفَةِ وَخَدَمْتَنَا فَأَحْسَنْتَ الْخِدْمَةَ، قَدْ غَفَرْنَا لَكَ.

قالَ الكِرمانيُّ: “وهذَا الدعاءُ مِنَ الجوامعِ؛ إذْ فيهِ اعترافٌ بغايةِ التقصيرِ وطلبِ غايةِ الإنعامِ، فالمغفرةُ سَترُ الذنوبِ ومحوُهَا، والرحمةُ إيصالُ الخيراتِ، ففِي الأولِ طلبُ الزَّحزَحَةِ عنِ النارِ، وفِي الثانِي طلبُ إدخالِ الجنةِ، وهوَ الفوزُ العظيمُ”.اهـ إِذَا قَالَ ذَلِكَ أيْ هذَا الذكرَ وهذهِ الصيغةَ المذكورةَ في هذَا الحديثِ حِينَ يُمْسِي أيْ يَدخُل في المساءِ حينَ يدخلُ الليلُ، لأنَّ الإمساءَ ضدُّ الإصباحِ كمَا أنَّ المساءَ ضدُّ الصباحِ، كَمَا قالَ الجَوَاهِرِيُّ فِي الصحاح فَمَاتَ دَخَلَ الْجَنَّةَ قالَ الكِرمانيُّ: “فإنْ قُلْتَ: المؤمِنُ وإنْ لم يقلْهَا يدخلُ الجنةَ. قلتُ: المرادُ أنَّهُ يدخُلُهَا ابتداءً مِنْ غيرِ دخولِ النارِ”.اهـ أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِذَا قَالَ ذَلِكَ حِينَ يُصْبِحُ أي يدخلُ في الصباحِ فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ مِثْلُهُ أي دخلَ الجنةَ».

الفائدةُ مِنْ قولِ سيّد الاستغفار فِي الصباحِ والمساءِ:

والفائدةُ مِنْ قولِ ذلكَ فِي الصباحِ والمساءِ أنْ يكونَ مُفتَتَحُ الأعمالِ وابتداؤُهَا ذكرُ اللهِ تعالَى، وكذلكَ ذِكرُ اللهِ عندَ النومِ ليَختِمَ عمَلَهُ بذكرِهِ عزَّ وجلَّ فتَكْتُبُ الحفظةُ مِنَ الملائكةِ فِي أوَّلِ صَحِيفَتِهِ ذلكَ اليومَ عملًا صالحًا فِي الصباحِ وتَختِمُهَا بمثْلِهِ فِي المساءِ فيُرجَى لَهُ مغفرةُ مَا بينَ ذلكَ مِنْ ذُنُوبِهِ، كَمَا قالَ ابنُ بطَّالٍ.

والله تعالى أعلم وأحكم