شرح سيد الاستغفار: دعاء قوله يغفر الذنوب ويفتح لك أبواب الجنة

الدرس ٣ من ٣ في هذا البابحلية البشر مدة الدرس ١:١٢:٠٧

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمد لله المنزَّهِ عَمَّا يخْطر بالبال أَو يُتَوَهَّم فِي الْفِكر والخيال، الموصوفِ بالْعِزّ والجلال، لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير، تحيّرت الْعُقُول فِي الإحاطة بحَقِيقَة ذَاته وأيقنت القلوب بأَسْمَائِهِ وَصِفَاته، لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير، سبحانه موجودٌ بلا مكان ولا يجري عليه زمان، ليس جسمًا ولا يُشبِه الأجسام، لا هو مِثلُ شيءٍ ولا شيءٌ مِثلُه.

وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيّدنا محمد خيرِ خلقه وأفضلِ رسلِه، سيد ولد آدم في الدنيا ويوم القيامة، المقدّمِ على الأنبياء في الاصطفاء، وقائد الأولياء والشفعاء، وحبيب ربّ العالمين وسيد الأنبياء والمرسلين، وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين سلكوا طَرِيق الْأَدَب مَعَ الله وَرَسُوله وسلَّمُوا فَسَلِمُوا من مزلّة الْقدَم ومذلّة التَّقْصِير، وعلى من سار على دربهم واتبع نهجهم إلى يوم الفصل والدين، وسلم تسليما كثيرًا.

الحديث

أمّا بعد:

فقد وصلنا في شرحنا لأذكار رسول الله صلى الله عليه وسلم في شرح كتاب حلية البشر في أذكار خير البشر إلى حديث عظيم يُسمّى سيد الاستغفار، فقد رَوَى الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِى عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ عَنْ شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ».

الشرح والتعليق على هذا الحديث

رَوَى الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِى عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ عَنْ شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ:

هو ‌شَدَّادُ ‌بنُ ‌أَوْسِ بنِ ثَابِتِ بنِ المُنْذِرِ بنِ حَرَامٍ الأَنْصَارِيُّ، أَبُو يَعْلَى، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيُّ، النَّجَّارِيُّ، الخَزْرَجِيُّ.

وَشَدَّادٌ: هُوَ ابْنُ أَخِي حَسَّانِ بنِ ثَابِتٍ، شَاعِرِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وهو مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، وَعُلَمَائِهِمْ، نَزَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ. حَدَّثَ عَنْهُ: ابْنُهُ؛ يَعْلَى، وَأَبُو إِدْرِيْسَ الخَوْلَانِيُّ، وَآخَرُوْنَ.

شَدَّادٌ: كَنَّاهُ مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ: أَبَا يَعْلَى. وَكَانَ لَهُ خَمْسَةُ أَوْلَادٍ، مِنْهُمْ: بِنْتُهُ خَزْرَجٌ، وَتَزَوَّجَتْ فِي الأَزْدِ. وَكَانَ أَكْبَرُ أولاده يَعْلَى، ثُمَّ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ عَبْدُ الوَهَّابِ، وَالمُنْذِرُ. فَمَاتَ شَدَّادٌ، وَخَلَّفَ عَبْدَ الوَهَّابِ، وَالمُنْذِرَ صَغِيْرَيْنِ، وَأَعْقَبُوا سِوَى يَعْلَى، وَنَسَأَ لابْنَتِهِ نَسْلٌ إِلَى سَنَةِ ثَلَاثِيْنَ وَمائَةٍ، وَكَانَتِ الرَّجْفَةُ الَّتِي كَانَتْ بِالشَّامِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، كانت زلازل عظيمة أقامت أربعين يوما،وَكَانَ أَشَدُّهَا بِبَيْتِ المَقْدِسِ، فَفَنِيَ كَثِيْرٌ مِمَّنْ كَانَ فِيْهَا مِنَ الأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ، وَوَقَعَ مَنْزِلُ شَدَّادٍ عَلَيْهِمْ، وَسَلِمَ مُحَمَّدٌ، وَقَدْ ذَهَبَتْ رِجْلُهُ تَحْتَ الرَّدْمِ. وَكَانَتِ النَّعْلُ [أي نعل الرسول] زَوْجاً، خَلَّفَهَا شَدَّادٌ عِنْدَ وَلَدِهِ، فَصَارَتْ إِلَى مُحَمَّدِ بنِ شَدَّادٍ، فَلَمَّا أَنْ رَأَتْ أُخْتُهُ خَزْرَجٌ مَا نَزَلَ بِهِ وَبِأَهْلِهِ جَاءتْ، فَأَخَذَتْ فَرْدَ النَّعْلَيْنِ، وَقَالَتْ: يَا أَخِي، لَيْسَ لَكَ نَسْلٌ، وَقَدْ رُزِقْتُ وَلَداً، وَهَذِهِ مَكْرُمَةُ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أُحِبُّ أَنْ تُشْرِكَ فِيْهَا وَلَدِي فَأَخَذَتْهَا مِنْهُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ أَوَانِ الرَّجْفَةِ، فَمَكَثَتِ النَّعْلُ عِنْدَهَا حَتَّى أَدْرَكَ أَوْلَادُهَا، فَلَمَّا جَاءَ المَهْدِيُّ العباسي إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، أَتَوْهُ بِهَا، وَعَرَّفُوْهُ نَسَبَهَا مِنْ شَدَّادٍ، فَعَرَفَ ذَلِكَ، وَقَبِلَهُ، وَأَجَازَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَلْفِ دِيْنَارٍ، وَأَمَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِضَيْعَةٍ – أَرْض مُغِلّة -وَبَعَثَ إِلَى مُحَمَّدِ بنِ شَدَّادٍ، فَأُتِيَ بِهِ يُحْمَلُ لِزَمَانَتِهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ خَبَرِ النَّعْلِ، فَصَدَّقَ مَقَالَةَ الرَّجُلَيْنِ فَقَالَ لَهُ المَهْدِيُّ: ائْتِنِي بِالأُخْرَى فَبَكَى، وَنَاشَدَهُ اللهَ، فَرَقَّ لَهُ، وَخَلَاّهَا عِنْدَهُ.

وروي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فَقِيْهًا، وَإِنَّ فَقِيْهَ هَذِهِ الأُمَّةِ شَدَّادُ بنُ أَوْسٍ. وَقَالَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّ شَدَّادَ بنَ أَوْسٍ أُوْتِيَ عِلْماً وَحِلْماً. وَقَالَ سَعِيْدُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ: فَضَلَ شَدَّادُ بنُ أَوْسٍ الأَنْصَارَ بِخَصْلَتَيْنِ: بِبَيَانٍ إِذَا نَطَقَ، وَبِكَظْمٍ إِذَا غَضِبَ، وَكَانَتْ لَهُ عِبَادَةٌ وَاجْتِهَادٌ.

وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ البَرْقِيِّ: كَانَ أَبُوْهُ أَوْسُ بنُ ثَابِتٍ بَدْرِيًّا، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ. قال ابْنُ سَعْدٍ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ ثَوْرَ بنَ يَزِيْدَ، عَنْ خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ، قَالَ لَمْ يَبْقَ بِالشَّامِ أَحَدٌ كَانَ أَوْثَقَ، وَلَا أَفْقَهَ، وَلَا أَرْضَى مِنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، وَشَدَّادِ بنِ أَوْسٍ. قَالَ المُفَضَّلُ الغَلَابِيُّ: زُهَّادُ الأَنْصَارِ ثَلَاثَةٌ: أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَعُمَيْرُ بنُ سَعْدٍ، وَشَدَّادُ بنُ أَوْسٍ رضي الله عنهم.

وروي عَنْ مُطَرِّفِ بنِ الشِّخِّيْرِ، عَنْ رَجُلٍ أَحْسِبُهُ مِنْ بَنِي مُجَاشِعٍ، قَالَ: انْطَلَقْنَا نَؤُمُّ البَيْتَ، فَإِذَا نَحْنُ بِأَخْبِيَةٍ – أي خيام-بَيْنَهَا فُسْطَاطٌ – بَيْتٌ من الشَّعَر-، فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: عَلَيْكَ بِصَاحِبِ الفُسْطَاطِفَإِنَّهُ سَيِّدُ القَوْمِ. فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى بَابِ الفُسْطَاطِ، سَلَّمْنَا، فَرَدَّ السَّلَامَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا شَيْخٌ، فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ، هِبْنَاهُ مَهَابَةً لَمْ نَهَبْهَا وَالِدًا قَطُّ، وَلَا سُلْطَانًا. فَقَالَ: مَا أَنْتُمَا؟ قُلْنَا: فِتْيَةٌ نَؤُمُّ البَيْتَ. قَالَ: وَأَنَا قَدْ حَدَّثَتْنِي نَفْسِي بِذَلِكَ، وَسَأَصْحَبُكُمْ. ثُمَّ نَادَى، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الأَخْبِيَةِ شَبَابٌ، فَجَمَعَهُمْ، ثُمَّ خَطَبَهُمْ، وَقَالَ: إِنِّي ذَكَرْتُ بَيْتَ رَبِّي، وَلَا أُرَانِي إِلَاّ زَائِرُهُ فَجَعَلُوا يَنْتَحِبُوْنَ عَلَيْهِ بُكَاءً، فَالْتَفَتُّ إِلَى شَابٍّ مِنْهُم، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا الشَّيْخُ؟ قَالَ: شَدَّادُ بنُ أَوْسٍ، كَانَ أَمِيْرًا، فَلَمَّا أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ، اعْتَزَلَهُمْ. قَالَ: ثُمَّ دَعَا لَنَا بِسَوِيْقٍ، فَجَعَلَ يَبُسُّ – أي يخلطه بسمن أو زيت -لَنَا، وَيُطْعِمُنَا، وَيَسْقِيْنَا ثُمَّ خَرَجْنَا مَعَهُ، ثم قال لنا: أُزَوِّدُكُمَا حَدِيْثًا كَانَ رَسُوْلُ اللهِ يُعِلِّمُنَا فِي السَّفَرِ وَالحَضَرِ، فَأَمْلَى عَلَيْنَا، وَكَتَبْنَاهُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَأَسْأَلُكَ عَزِيْمَةَ الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ يَقِيْنًا صَادِقًا، وَقَلْبًا سَلِيْمًا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَاّمُ الغُيُوبِ».

وروي عَنْ شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الفِرَاشَ يَتَقَلَّبُ عَلَى فِرَاشِهِ، لَا يَأْتِيْهِ النَّوْمُ، فَيَقُوْلُ: “اللَّهُمَّ إِنَّ النَّارَ أَذْهَبَتْ مِنِّي النَّوْمَ” فَيَقُوْمُ، فَيُصَلِّي حَتَّى يُصْبِحَ.

قال قتادة: إنَّ شَدَّادَ بنَ أَوْسٍ خَطَبَ، فَقَالَ: “أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ الدُّنْيَا أَجَلٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْهَا البَرُّ وَالفَاجِرُ، وَإِنَّ الآخِرَةَ أَجَلٌ مُسْتَأْخَرٌ، يَحْكُمُ فِيْهَا مَلِكٌ قَادِرٌ، أَلَا وَإِنَّ الخَيْرَ كُلَّهُ بِحَذَافِيْرِهِ فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّ الشَّرَّ كُلَّهُ بِحَذَافِيْرِهِ فِي النَّارِ”.

اتَّفَقُوا عَلَى مَوْتِهِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ، خَرَّجُوا لَهُ فِي الكُتُبِ السِّتَّةِ وَعَدَدُ أَحَادِيْثِهِ فِي (مُسْنَدِ بَقِيٍّ): خَمْسُوْنَ حَدِيْثاً، أَعْنِي بِالمُكَرَّرِ.

قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتُعِيرَ لَفْظُ السَّيِّدِ مِنَ الرَّئِيسِ الْمُقَدَّمِ الَّذِي يُعْمَدُ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ،ويُرجع إليه في الأمور بهذا الدعاء الَّذِي هُوَ جَامِعٌ لِمَعَانِي التَّوْبَةِ كُلِّهَا،

أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ أي: المكلف اللَّهُمَّ اللهم: اختلف أهل اللغة في معنى هذه الكلمة، فقال الخليل: أصلها “يا الله” حذف حرف النداء “يا” وعوض عنها بالميم. فلا نقول يا اللهم.

 قال الفراء: أصلها يا الله أُمَّنَا بخير؛ أي اقصدنا بخير. فحذف الجار والمجرور (بخير) وحذفت (نا) للعلم بها، وحذف (يا) فبقي “الله أمَّ” وحذفت الهمزة تخفيفا فصارت اللهم، وقال النووي: هو مذهب ضعيف لكثرة المحذوفات فيه.

أَنْتَ رَبِّي وكلمة «رب» هنا بمعنى الخالق هو الله تعالى، وهي تطلق في اللغة على أكثر من معنى، فقد تأتي بمعنى السيد أو المالك، فكل ذلك جائزٌ في لغة العرب، فيقال: أنا رب هذه الدابة بمعنى مالكها، أو رب الدار، أو أنا رب النجارة أو أنا رب الخياطة بمعنى متقنها، أي متقن هذه الصنعة، معناه محسن هذه الصنعة، فذلك جائزٌ لغةً وشرعًا.

لكن أن يقال: أنا ربُّ من فعل كذا. فهذا ممنوعٌ لأنّه تكذيب للدّين، فقائل هذه العبارة كأنه يقول: أنا خالق الإنسان.

أما العبد المملوك فإذا قيل فيه: فلان رب هذا العبد؛ بمعنى أنَّه سيده فهذا كان في الماضي موجودًا بكثرة وهو جائز.

قال الفيومي في «المصباح المنير»: الرَّبُّ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُعَرَّفًا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ.

وكلمة رب بدون الألف واللام تطلق عَلَى مَالِكِ الشَّىْءِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ مُضَافًا إلَيْهِ، فَيُقَالُ رَبُّ الدَّيْنِ وَرَبُّ الْمَالِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ: ((حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا)).

وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى السَّيِّدِ مُضَافًا إلَى الْعَاقِلِ أَيْضًا وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «حَتَّى تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: «رَبَّهَا».

وَفِي التَّنْزِيلِ حِكَايَةً عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ ‌خَمۡرٗا) [سورة يوسف/ الآية 41] أي سيّده.

قَالُوا: وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ لِلْمَخْلُوقِ بِمَعْنَى الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ اللَّامَ لِلْعُمُومِ، وَالْمَخْلُوقَ لَا يَمْلِكُ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ.

لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وهذه كلمة التوحيد، وهذا اللفظ فيه ردّ على من يقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، فَلْيُعْلَمْ أَنَّ تَقْسِيْمَ بَعْضِ النَّاسِ التَّوْحِيْدَ إِلَى ثَلَاثِ تَوْحِيْدَات هُوَ بِدْعَةٌ بَاطِلَةٌ مُنْكَرَةٌ لَم يَرِدْ ذَلِكَ فِي القُرْءَانِ وَلَا فِي الحَدِيْثِ وَلَا عَلَى لِسَانٍ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَوْ أَحَدٍ مِنَ العُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِيْنَ الْمُتَقَدِّمِيْنَ وَالْمُتَأَخِّرِيْنَ، وَإِنَّمَا هِيَ بِدْعَةٌ سَيِّئَةٌ خَالَفَتِ الدِّيْنَ تَفَرَّدَ بِهَا طَائِفَةُ مُشَبِّهَةِ العَصْرِ مَعَ زَعْمِهِم أَنَّهُم يُحَارِبُوْنَ البِدْعَةَ السَّيِّئَةَ.

فَالدَّلِيْلُ السَّاطِعُ وَالبُرْهَانُ النَّاصِعُ الَّذِي لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَلَا لُمْعَةَ فِيْهِ وَالْمُبْطِلُ لِفَسَادِ تَقْسِيْمِهِم هَذَا هُوَ قَوْلُ الرَّسُوْلِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُوْلُ اللهِ» وَلَم يَقُلِ الرَّسُوْلُ “حَتَّى يُوَحِّدُوا ثَلاثَةَ تَوْحِيْدَاتٍ”. وَهَذَا الحَدِيْثُ مُتَواتِرٌ مَعْنَوِيٌّ أَيْ مَعْنَاُه وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُ كَمَا قَالَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي الجَامِعِ الصَّغِيْرِ، فَقَدْ رَوَاهُ عَن رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمُ العَشَرَةُ الْمُبَشَّرُوْنَ بِالجَنَّةِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُم،

وَمُرَادُ الْمُشَبِّهَةِ مِن هَذِهِ البِدْعَةِ أَنْ يُكَفِّرُوا الْمُسْلِمَ الَّذِي يُوَحِّدُ اللهَ إِذَا تَوَسَّلَ إِلَى اللهِ بِالرَّسُوْلِ أَوْ بِوَليٍّ مِنَ الأَوْلِيَاءِ لِأَنَّهُم يَزْعُمُوْنَ أَنَّهُ لَا يَكُوْنُ وَحَّدَ اللهَ تَوْحِيْدَ الأُلُوْهِيَّةِ، وَلَيْسَ هَذَا فَحَسْبُ بَلْ يُرِيْدُوْنَ بِذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يُكَفِّرُوا مَنْ أَوَّلَ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ لِصَرْفِهَا عَنِ الْمَعْنَى الظَّاهِرِ الَّذِي يَتَبَادَرُ مِنْهُ مَعْنًى لَا يَلِيْقُ بِاللهِ، فَثَبَت بِهَذَا الحَدِيْثِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّ تَقْسِيْمَهُمُ التَّوْحِيْدَ إِلَى ثَلَاثَةٍ بَاطِلٌ وَأَنَّهُم هُمُ الْبِدْعِيُّوْنَ وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهُم يُحَارِبُوْنَ البِدَعَ الفَاسِدَةَ.

فَانْظُرْ كَيْفَ أَدْخَلُوا فِي دِيْنِ اللهِ بِدْعَةً جَدِيْدَةً لَم يَقُلْ بِهَا الْمُسْلِمُونَ قَطُّ مِنْ قَبْلُ وهِيَ بِدْعَةُ ضَلَالَةٍ مُعَارِضَةٌ لِلنُّصُوْصِ الشَّرْعِيَّةِ وَالإِجْمَاعِ القَاطِعِ، فَقَوْلُهم بِعَدَمِ كِفَاَيَةِ تَوْحِيْدِ الأُلُوْهِيَّةِ لِصِحَّةِ الإِيْمَانِ وَاشْتِرَاطُهُم مَا سَمَّوْهُ تَوْحِيْدَ الرُّبُوْبِيَّةِ هُوَ ضِدُّ قَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُوْلُ اللهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَمْوَالَهُم إِلَّا بِحَقِّهَا»، إِذْ جَعَلَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ اعْتِرَافَ العَبْدِ بِتَفْرِيْدِ اللهِ بِالأُلُوْهِيَّةِ وَبِوَصْفِ رَسُوْلِ اللهِ بِالرِّسَالَةِ كَافِيًا لِلدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ.

وَكَانَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَطَقَ الكَافِرَ بِهَذَا يَحْكُمُ بِإِسْلَامِهِ وَإِيْمَانِهِ لِمَا بَدَا لَهُ ظَاهِرًا ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ غَيْرِهَا مِن أُمُوْرِ الدِّيْنِ لِلْحَدِيْثِ الَّذِي رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ الاعْتِقَادِ،

فهَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعَةُ فِي هَذِهِ الْمَسْئَلَةِ قَدْ عَمِلُوا دِيْنًا جَدِيْدًا، وَمَا اشْتِرَاطُهُم لِمَا اشْتَرَطُوْهُ إِلَّا أَمَارَةٌ عَلَى ضَعْفِ فَهْمِهِم وَغَبَاوَتِهِم؛ لِأَنَّ تَوْحِيْدَ الأُلُوْهِيَّةِ هُوَ تَوْحِيْدُ الرُّبُوْبِيَّةِ، بِدَلِيْلِ أَنَّه جَاءَ فِي سُؤَالِ القَبْرِ حَدِيْثَانِ، حَدِيْثٌ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَحَدِيْثٌ بِلَفْظِ: «اللهُ رَبِّي»، وَهَذَا دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ شَهَادَةٌ بِرُبُوْبِيَّةِ اللهِ.

خَلَقْتَنِي الله تعالى خالق لكل ما دخل في الوجود، وقد قال سبحانه في ذمِّ المشركين: (أَمۡ ‌جَعَلُواْ ‌لِلَّهِ ‌شُرَكَآءَ ‌خَلَقُواْ ‌كَخَلۡقِهِۦ ‌فَتَشَٰبَهَ ‌ٱلۡخَلۡقُ ‌عَلَيۡهِمۡۚ ‌قُلِ ‌ٱللَّهُ ‌خَٰلِقُ ‌كُلِّ ‌شَيۡءٖ ‌وَهُوَ ‌ٱلۡوَٰحِدُ ‌ٱلۡقَهَّٰرُ) [سورة الرعد/ الآية 16]. لقد أمرَ اللهُ نبيّه المصطفى في هذه الآيةِ أن يُنْكِرَ على المشركينَ الذين كانوا يعبدونَ الأصنامَ مِنْ دونِ اللهِ ويُبَيِّنُ لهم أنَّ اللهَ هو خالقُ كلِّ شىءٍ وأنَّهُ الواحدُ الذي لا شريكَ له ولا مثيل له ولا نظيرَ له ولا خالقَ لشىءٍ من الأشياءِ إلا هو القهَّارُ؛ أي الغالبُ لكلِّ ما عداهُ الذي كلُّ ما سواه تحت قدرتِهِ مقهورٌ له سبحانه وتعالى.

قال الإمام ابن الجوزي (ت 597 هـ) في كتابه زاد المسير في علم التفسير: (أَمۡ ‌جَعَلُواْ ‌لِلَّهِ ‌شُرَكَآءَ) قال ابن الأنباري: معناه: أجعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه، فتشابه خلق الله بخلق هؤلاء؟ وهذا استفهام إنكار، والمعنى: ليس الأمر على هذا، بل إذا فكّروا علموا أن الله هو المنفرد بالخلق، وغيره لايخلق شيئًا.

 قوله تعالى: (قُلِ ‌ٱللَّهُ ‌خَٰلِقُ ‌كُلِّ ‌شَيۡءٖ) [سورة الرعد/ الآية 16]  قال الزجاج: قُل ذلك وبيِّنه بما أخبرت به من الدلالة في هذه السورة مما يدل على أنه خالق كل شيء.اهـ

وإنَّ من أصولِ عقائدِ الإسلامِ اعتقادَ أنَّ الله خالُقنا أي مُخْرِجُنا من العدمِ إلى الوجودِ وخالقُ أعمالِنا أي الذي يُبْرِزُها من العدم إلى الوجود،

وقد رُوِيَ عن إمامِ الصوفيةِ العارفينَ الجنيدِ البغداديِّ أنه سُئل مرة عن التوحيدِ فقال: “إنه لا مُكَوِّنَ لشىءٍ منَ الأشياءِ من الأعيانِ والأعمالِ خالقٍ لها إلا اللهُ تعالى” والأعيانُ إخوةَ الإيمان هي كلُّ ما لَهُ حجمٌ صغيرًا كانَ أو كبيرًا، أما الأعمالُ فالمرادُ بها أعمالُ العبادِ ما كان خيرًا وما كان شرًا، فيجبُ علينا أيها الأحبةُ اعتقادُ أنَّ كلَّ ما دخلَ في الوجودِ مِنَ الأعيانِ أي الأحجامِ والأعمالِ وُجِدَ بِخَلْقِ اللهِ سبحانه وتعالى، كما قالَ الله عَزَّ وجلَّ في مُحْكَمِ كتابِهِ: (وَٱللَّهُ ‌خَلَقَكُمۡ ‌وَمَا ‌تَعۡمَلُونَ) [سورة الصافات/ الآية 96].

وَأَنَا عَبْدُكَ هذا وصف لنفسك أيها الداعي بالعبودية لله عزّ وجلّ، وهذا من مظاهر التذلل، وهو مما يستحب عند الدعاء، وهذا اعترافٌ للحقِّ بالألوهيَّة، وقال بعضُهُم: “لَمَّا كانت العبادةُ أشرفَ الخِصَالِ والتّسمّي بها أشرفَ الخُطَط، سَمّى اللهُ نبيَّه عبدًا”،

فقد ورد أنَّه لَمَّا وصلَ النبيُّ محمدٌ صلواتُ اللهِ عليهِ إلى الدَّرَجَاتِ العاليةِ والمراتبِ الرَّفيعةِ أوحى اللهُ تعالى إليهِ: «يا مُحَمَّد بمَ أُشرِّفُك»؟ قالَ: «رب بأن تَنسبَني إلى نفسِك بالعُبُوديَّةِ» فأنزل الله فيه: (سُبۡحَٰنَ ‌ٱلَّذِيٓ ‌أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ) [سورة الإسراء/ الآية 1]، ولله درُّ القاضي عياضٍ المالكيِّ حيثُ قالَ:

وَمِمَّـــــــا زَادَنِي شَرَفًا وَتِيهًا *** وَكِدْتُ بِأَخْمَصِـي أَطَأُ الثُّرَيَّا

دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ: يَا عِبَادِي *** وَأَنْ صَيَّرْتَ أَحْمَــدَ لِي نَبِيَّا

ثمَّ إنَّ عيسى عليه السَّلامُ أولُ ما نَطَقَ به هو اعترافُهُ بالعبوديَّةِ، فقد ورد أنَّ السيدةَ مريمَ عليهَا السلامُ أَتَت قومَهَا تحمِلُ مولودَهَا عيسى عليه السَّلام على يدِها في بَيتِ لحمٍ، يقول اللهُ تَعَالى: (فَأَتَتۡ ‌بِهِۦ ‌قَوۡمَهَا ‌تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُواْ يَٰمَرۡيَمُ لَقَدۡ جِئۡتِ شَيۡـٔٗا فَرِيّٗا) [سورة مريم/ الآية 27]، قَالُوا لها: لقد فعلتِ فعلةً مُنكَرَةً عظيمةً، فإنّ أباكِ لم يكن رجلَ سوءٍ، ولم تكن أمُّك زانيةً، وظنُّوا بها السوءَ وصارُوا يُوَبّخونها ويُؤَنّبونَها، وهي رضي الله عنها ساكتةٌ لا تُجيبُ لأنَّها أخبرتهم أنها نذرتْ للرحمنِ صومًا. وَلَمَّا ضاقَ بها الحالُ أشارتْ إلى عيسى عليهِ السلامُ، عندها قالوا لها مَا أخبر الله بِهِ بِقولِهِ: (فَأَشَارَتۡ ‌إِلَيۡهِۖ ‌قَالُواْ ‌كَيۡفَ ‌نُكَلِّمُ ‌مَن ‌كَانَ ‌فِي ‌ٱلۡمَهۡدِ ‌صَبِيّٗا) [سورة مريم/ الآية 29]، عندَ ذلكَ أنطقَ اللهُ تباركَ وتعالى بقدرته سيّدَنَا عيسى عليهِ السلامُ وكانَ رضيعًا، (قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا) [سورة مريم/ الآية 30-31]، فهذا اعترافٌ بالعبودية لله عزَّ وجلَّ، وهذاَ أوّلُ ما نَطَقَ به عليه السلام وَهُوَ في الـمَهدِ، (قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ) إِقرارٌ منه بالعبوديَّةِ للهِ ربِّ العالمين.

وقولُهُ: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا) أي جعلني نفّاعًا مُعَلِّمًا للخير حيثُ ما توجَّهتُ.

وأمَّا العبوديَّة فتُطلق على ذوي الأرواحِ والعقُولِ، فلا يُقال عن البَهِيمةِ عبدٌ لأنه ليس من ذَوِي العقول، ولا عن الجدارِ عبدٌ لأنّه ليسَ مِن ذَوِي الأرواحِ ولا العقول،

وهذه مرتبة عظيمة أن تكون عبدًا لله خاشعًا خاضعًا تقيًّا صالحًا ولصاحب هذه المرتبة منزلة في دين الله تعالى، فالله عزّ وجلّ يحفظ عباده الصالحين من الشيطان الرجيم قال تعالى: (إِنَّ ‌عِبَادِي ‌لَيۡسَ ‌لَكَ ‌عَلَيۡهِمۡ ‌سُلۡطَٰنٌ) [سورة الحجر/ الآية 42]، والله عزّ وجلّ يلطف بهم، قال تعالى: (ٱللَّهُ ‌لَطِيفُۢ ‌بِعِبَادِهِۦ) [سورة الشورى/ الآية 19]،

 والله تعالى قريب من عباده قرب الإجابة والحفظ لهم وليس قرب المكان والجهة فالله منزه عن المكان والجهات قال تعالى: (وَإِذَا ‌سَأَلَكَ ‌عِبَادِي ‌عَنِّي ‌فَإِنِّي ‌قَرِيبٌۖ ‌أُجِيبُ ‌دَعۡوَةَ ‌ٱلدَّاعِ ‌إِذَا ‌دَعَانِ) [سورة البقرة/ الآية 186]،

والله تعالى يغفر ذنوبهم، قال تعالى: (قُلۡ ‌يَٰعِبَادِيَ ‌ٱلَّذِينَ ‌أَسۡرَفُواْ ‌عَلَىٰٓ ‌أَنفُسِهِمۡ ‌لَا ‌تَقۡنَطُواْ ‌مِن ‌رَّحۡمَةِ ‌ٱللَّهِۚ ‌إِنَّ ‌ٱللَّهَ ‌يَغۡفِرُ ‌ٱلذُّنُوبَ ‌جَمِيعًاۚ ‌إِنَّهُۥ ‌هُوَ ‌ٱلۡغَفُورُ ‌ٱلرَّحِيمُ) [سورة الزمر/ الآية 53]،

 والله تعالى يقبل توبتهم، قال تعالى: (وَهُوَ ‌ٱلَّذِي ‌يَقۡبَلُ ‌ٱلتَّوۡبَةَ ‌عَنۡ ‌عِبَادِهِۦ ‌وَيَعۡفُواْ ‌عَنِ ‌ٱلسَّيِّـَٔاتِ) [سورة الشورى/ الآية 25]،

والله تعالى يرحمهم، قال تعالى: (نَبِّئۡ ‌عِبَادِيٓ ‌أَنِّيٓ ‌أَنَا ‌ٱلۡغَفُورُ ‌ٱلرَّحِيمُ) [سورة الحجر/ الآية 49]، ولهم الأمن يوم الفزع الأكبر، قال تعالى: (يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ ‌وَلَآ ‌أَنتُمۡ ‌تَحۡزَنُونَ) [سورة الزخرف/ الآية 68]، وهؤلاء الذين يُدخِلُهم الله الجنة، (جَنَّٰتِ ‌عَدۡنٍ ‌ٱلَّتِي ‌وَعَدَ ‌ٱلرَّحۡمَٰنُ ‌عِبَادَهُۥ ‌بِٱلۡغَيۡبِۚ ‌إِنَّهُۥ ‌كَانَ ‌وَعۡدُهُۥ ‌مَأۡتِيّٗا) [سورة مريم/ الآية 61]،

وروى الشيخان عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قال، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلّم: «قال اللهُ تعالى: أعدَدتُ لِعبادي الصالحينَ ما لا عَينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعت، ولا خَطرَ على قلبِ بَشَر. فاقرؤوا إن شِئتم: “فَلَا ‌تَعۡلَمُ ‌نَفۡسٞ ‌مَّآ ‌أُخۡفِيَ ‌لَهُم ‌مِّن ‌قُرَّةِ ‌أَعۡيُنٖ ‌جَزَآءَۢ ‌بِمَا ‌كَانُواْ ‌يَعۡمَلُون) [سورة السجدة/ الآية 17]»،

والله تعالى يرحم عباده الصالحين، فقد روى البخاري عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِى، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِى السَّبْىِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِى النَّارِ». قُلْنَا: لاَ. فَقَالَ: «اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا».

وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ قال الخطابي: “يريد أنا على ما عاهدتك عليه وواعدتك من الإِيمان وإخلاص الطاعة لك” مَا اسْتَطَعْتُ وقال ابن بطال: “قوله «وأنا على عهدك ووعدك» يريد العهد الذي أخذه على عباده في عالم (أَلَسۡتُ ‌بِرَبِّكُمۡۖ ‌قَالُواْ ‌بَلَىٰ) [سورة الأعراف/ الآية 172]،  وبالوعد ما قال نبيه صلى الله عليه وسلم إنّ من مات لا يشرك بالله شيئاً وأدّى ما افترض عليه أدخله الجنة”. قال في الفتح قوله: “جعل العهد الميثاق المأخوذ في عالم الذّر وهو التوحيد خاصة، فالوعد هو إدخال من مات على ذلك الجنة”، -معناه أنا يا ربي باقٍ على الإيمان والتوحيد لآخر العمر لا أزيغ عن ذلك فلا أفارق الإيمان- أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَىَّ أبوء أي أقرّ وأعترف؛ أي بنعمتك التي لا تحصر ولا تحصى، وأصل البوء: معناه اللزوم، ومنه بوأه الله منزلاً أي: أسكنه فكأنه ألزمه به.

ونعم الله علينا عظيمة كثيرة لا يحصيها إلا هو سبحانه، وأعظم نعمة أنعم الله بها علينا هي الإسلام، وأن جنبنا الكفر. والحمد لله رب العالمين، فنعمةُ الإيمانِ أفضلُ مِنْ نعمةِ الصحةِ والمالِ، وقدِ اعتادَ بعض المسلمين قولَ كلمةٍ حُلوةٍ هيَ: “الحمدُ للهِ على نعمةِ الإسلامِ وكفَى بها من نعمَةٍ”. ولذلكَ قالوا: “مَنْ أُعطيَ الدنيا ولم يعطَ الإيمانَ فكأنَّمـا ما أُعطيَ شيئًا، ومَنْ أُعطيَ الإيمانَ ولم يُعطَ الدنيا فكأنَّما ما مُنِعَ شيئًا”،

يقول ﷺ: «وإِنَّ الله عَزَّ وجلَّ يُعْطِي الدُّنْيا مَنْ يُحِبُّ ومَنْ لا يُحِبُّ، ولا يُعْطِي الدِّينَ إِلاَّ مَنْ أَحَبَّ، فمنْ أَعطاهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحبَّهُ» رواه أحمد. فرحمةُ اللهِ بالمؤمنِ عظيمةٌ كبيرةٌ فهو سبحانه الذي أسبَغَ علينا نِعَمَه ظاهرةً وباطنةً، فنحن نحمدُه تعالى حمدًا كثيرًا على إنعاماتِه وهِباتِه وعطيَّاتِه الواصلَةِ إلينا والفائضةِ علينا؛ يعني نشكرُه عليها (وَمَا ‌بِكُم ‌مِّن ‌نِّعۡمَةٖ ‌فَمِنَ ‌ٱللَّهِ) [سورة النحل/ الآية 53]  وقالَ جلَّ جلالُه: (وَإِن ‌تَعُدُّواْ ‌نِعۡمَةَ ‌ٱللَّهِ ‌لَا ‌تُحۡصُوهَآ) [سورة النحل/ الآية 18] معناهُ نحنُ لا نحصرُها بالعدِّ، فأقسامُ نِعَمِ اللهِ علينا خارجةٌ عنِ التحديدِ والإحصاءِ مِنْ جهتِنا، فلا يقوَى عقلُ الإنسانِ على الوقوفِ عليها بكلِّيَّتِها. وقالَ عزَّ وجلّ: (وَأَسۡبَغَ ‌عَلَيۡكُمۡ ‌نِعَمَهُۥ ‌ظَٰهِرَةٗ ‌وَبَاطِنَةٗ) [سورة لقمان/ الآية 20]، فَمِنَ النعمِ الظاهرةِ صحةُ الجسدِ والحواسُّ الخمسُ والماءُ الباردُ وغيرُها، وأما الباطنةُ فأعظمُها الإيمانُ باللهِ وما يتبَعُ ذلكَ مِنَ التسليمِ للهِ تعالى ومحبتِه وغيرِ ذلك.

وإنّما ذَكر اللهُ سبحانه وتعالى النعمةَ الظاهرةَ قبلَ الباطنةِ لأن النعمةَ الظاهرةَ هي التي يعرِفها أكثرُ الناس.

والجنةُ وما فيها مِنْ نعيمٍ لا يدخلُها ولا يذوقُ نعيمَها إلا المؤمنونَ قال تعالى: (سَابِقُوٓاْ ‌إِلَىٰ ‌مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ) [سورة الحديد/ الآية 21]  وهيَ حرامٌ على الكافرينَ أيْ مَنْ ماتَ على غيرِ الإسلامِ. ومِنْ رحمةِ اللهِ بنا أنْ رزَقَنا الإيمانَ وجعلنا مِنْ أمةِ سيِّدِنا محمدٍ ﷺ مِنْ أهلِ السنةِ والجماعةِ في زمنِ غُربةِ الإسلامِ الذي ذَكَرَهُ رسولُ اللهِ ﷺ فقد أخبرَ رسولُ اللهِ ﷺ عن حالِ زمانِنا هذا بقولهِ: «إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَتِي» رواه الطبراني.

وقدْ جاءَ مِنْ قولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: «إنَّ اللهَ لا يَقبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوْسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوْا فَأَفْتَوا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوْا وَأَضَلُّوْا» رواه البخاري، معنى الحديثِ أنَّه يَقِلُّ العلماءُ فَيُنَصَّبُ الجهَّالُ للاستفتاءِ. كما هوَ حالُ زمانِنا هذا فيسألُهم الناسُ فَيُفتونَهم بغيرِ علمٍ فيضِلُّ السائلُ والمسؤولُ.

فأعظم نعمة لله علينا هي أن رزقنا الإيمان وجنبنا الكفر، فمن لم يكن مؤمنا بأن كفر بالله فقد خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، والكُفْرُ نَقِيضُ الإيمانِ كَمَا أنَّ الظَلامَ نَقِيضُ النُّورِ، وَهُوَ ثَلاثَةُ أبْوَابٍ التَّشْبِيهُ وَالتَّكْذِيبُ وَالتَّعْطِيلُ.

التَّشْبِيهُ: أي تَشْبِيهُ اللهِ بِخَلْقِهِ، كالذي يَصِفُ اللهَ بأنّهُ جالسٌ أو أنَّ له شكلاً وهيئةً أو يصِفه بأنّ له مكانًا أو جهَةً.

التَّكْذِيبُ: أي تَكْذِيبُ مَا وَرَدَ في القرآن الكَرِيمِ أو ما جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَجْهٍ ثابتٍ كَإنْكَارِ بَعْثِ الأجْسَادِ وَالأرْوَاحِ معًا وَإنكارِ وُجُوبِ الصَّلاةِ والصّيامِ والزَّكَاةِ.

التَّعْطِيلُ: وَهُوَ نَفْيُ وُجُودِ اللهِ تَعَالَى وَهُو أشَدُّ الكُفْرِ.

فيَجِبُ على كلّ مُسْلِمٍ أنْ يَحْفَظَ إسْلامَهُ وَيَصُونَهُ عَنْ هذِهِ الرّدّةِ التي تُفْسِدُهُ وَتُبْطِلُهُ وتَقْطَعُهُ والعِيَاذُ باللهِ تَعالى.

وليُعلَم أنَّ مَنْ كَفَرَ لا يَرجِعُ إلى الإسلامِ إلا بالنُّطقِ بالشهادتين بعد رجوعه عن الكفر، فلا يرجع الكافر إلى الإسلام بقول (أستغفِرُ اللهَ) بل يَزيده ذلك كفرًا، ولا تنفعه الشَّهادتان ما دام على كفرِه لم يرجِع عنه.

وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي قال الطيبي: “اعترف أوّلًا بأنّه أنعم عليه ولم يقيده، ليشمل جميع أنواع الإِنعام، ثم اعترف بالتقصير وهضم النفس” فَاغْفِرْ لِى فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ يؤخذ منه أنّ من اعترف بذنبه وتاب تاب اللهُ عليه،جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: وَاذُنُوبَاهُ وَاذُنُوبَاهُ. فقال هذا القوْلَ مرَّتَيْن أو ثلاثًا، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «قلِ اللَّهمَّ مغفرتُك أوسعُ من ذنوبي، ورحمتُك أرجَى عندي من عملي». فقالها ثمَّ قال: «عُدْ» فعاد، ثمَّ قال: «عُدْ» فعاد، ثمَّ قال: «قمْ فقد غَفَرَ اللهُ لك» رواه الحاكم.

وروى الحاكم بإسناد صحيح من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أنّ رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ أحدُنا يُذنب الذنبَ، قال صلى الله عليه وسلم: «يكتب عليه»، فقال: ثم يستغفر ويتوب، قال صلى الله عليه وسلم: «يغفر له ويثاب عليه» أي يثاب على التوبة والاستغفار، قال الرجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم يعود فيذنب، فأجابه صلى الله عليه وسلم: «يكتب عليه»، قال أي الرجل ثم يستغفر ويتوب، قال صلى الله عليه وسلم: «يغفر له ويثاب عليه، ولا يمل الله حتى تملُّوا».

معناه مهما تكرر الذنب من العبد ثمّ تاب فإنّ الله يغفر له، وليس معناه أنّ الله يتصف بالملل الذي هو ضعف الهمة بالنسبة للمخلوق؛ لأنّ ذلك صفة الحادث أي المخلوق والله منَـزّه عن صفات المخلوقين.

وقد جاء في الحديث: «عَلَيْكُم بِمَا تُطِيقُون فَوَاللهِ لا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا»، قال الإمامُ الحَافظُ أبو الحَسَن بنُ بَطَّالٍ (ت 449 هـ) في شرحه على البخاريّ ما نَصُّه: “وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنَ اللهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» يعني أنّ الله لا يَقْطَعُ الْمُجَازاةَ عَلَى العِبَادَةِ حَتَّى تَقْطَعُوا العَمَلَ، فأخرج لَفْظَ الْمُجَازاةِ بِلَفْظِ الفِعْلِ، لأنَّ الْمَلَلَ غَيْرُ جَائِزٍ علَى اللهِ تَعالَى وَلا هُوَ مِن صِفَاتِه”. انتهى

وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا أي: مخلصًا من قلبه مصدقًا بِهَا بثوابها فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِىَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ».

 قال ابن أبي جمرة: “جمع صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ ما يحق له أن يسمّى به سيد الاستغفار. ففيه الإِقرار لله وحده بالألوهية، والاعتراف بأنه الخالق، والإِقرار بالعهد الذي أخذه عليه والرجاء بما وعد به، والاستعاذة من شر ما جنى العبد على نفسه، وإضافة النعماء إلى موجِدها ورغبته في المغفرة واعترافه بأنّه لا يقدر أحد على ذلك إلا هو”.

والله تعالى أعلم وأحكم.