بسم الله الرحمن الرحيم
الحَمدُ للهِ سَامِعِ السِّرِّ وَالنَّجوَى، وَكَاشِفِ الضُّرِّ وَالبَلوَى، وَمُغِيثِ المُتَلَهِّفِ قَبلَ الشَّكوَى، وَمُبَلِّغِ المُؤَمِّلِ غَايَةَ أَمَلِهِ القُصوَى، مَن تَفَكَّرَ فِي ذَاتِهِ وَقَعَ بَعِيدَ المَهوَى، وَمَن خَالَفَهُ بِاتِّبَاعِ هَوَاهُ ضَرَّهُ مَا يَهوَى، لَا يُثِيبُ عَلَى صُوَرِ العِبَادِ وَإِنَّمَا يُعطِي عَلَى التَّقوَى، أَهلَكَ فِرعَونَ وَقَد أَضَلَّهُ وَأَغوَى، إِلَى أَن غَرِقَ يَومَ اليَمِّ أَينَ المُنقَلَبُ وَالمَثوَى، كَم أَهلَكَتِ الذُّنُوبُ مَن كَانَ أَكثَرَ مِنهُ وَأَقوَى،
أَحمَدُهُ عَلَى صَرفِ الهَمِّ وَالجَوَى، حَمدَ مَن أَنَابَ وَارعَوَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِيمَا نَشَرَ وَطَوَى، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ أَرسَلَهُ وَعُودُ الهُدَى قَد ذَوَى، فَسَقَاهُ مَاءَ المُجَاهَدَةِ حَتَّى ارتَوَى، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيهِ وَعَلَى أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ صَاحِبِهِ إِن رَحَلَ أَو ثَوَى، وَعَلَى الفَارُوقِ الَّذِي وَسَمَ بِجِدِّهِ جَبِينَ كُلِّ جَبَّارٍ وَكَوَى، وعَلَى ذِي النُّورَينِ الصَّابِرِ عَلَى الشَّهَادَةِ سَاكِنًا مَا التَوَى، وَعَلَى عَلِيٍّ الَّذِي زَهِدَ فِي الدُّنَيا فَبَاعَهَا وَمَا احتَوَى، أَمَّا بَعدُ:
فقد وصلنا في كتاب حلية البشر إلى الباب الذي يقال فيه:
بَابُ مَا يُقَالُ فِى دُبُرِ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ بَعْدَ السَّلامِ
الشرح والتعليق:
بَابُ مَا يُقَالُ فِى دُبُرِ أي بعد انقضائها، ومن هذا اللفظ يُفهَمُ قوله صلى الله عليه وسلم: «وَلَا تَدَابَرُوا» متفق عليه، أي لا يعطِ أحدُكم دبرَه لأخيه المسلم بأن يتدابرا ويتوجه كلُّ واحد منهما لجهة عندما يرى أخاه المسلم، أَيْ لَا يُعْطي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ أخَاه دُبُرَهُ وقفَاه فيُعْرض عَنْهُ ويهْجُره. الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ أي الصوات الخمسة المكتوبة، ولا صلاة مفروضة سوى هذه الصلوات الخمسة، وأداؤها والالتزام بها أعظم الواجبات العملية في الإسلام،
قال الحليمي فيما نقله البيهقي في شعب الإيمان: وليس من العبادات بعد الإيمان الرافع للكفر عبادة سماها الله عزّ وجلّ إيمانا وسمّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تركها كفرًا إلا الصلاة. فالصلاةُ هي أفضلُ العباداتِ العمليةِ.
وفي اللغةِ: الصلاةُ هي الدعاءُ بخيرٍ. أما في الشرعِ: فهي أفعالٌ وأقوالٌ مفتتحةٌ بالتكبيرِ مختتمةٌ بالتسليمِ، وهي أولُ ما يحاسَبُ عليه العبدُ يومَ القيامةِ أي بعدَ الإيمانِ. وفي الحديث الذي رواه مسلم وأحمد وغيرهما: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلً»، قال: «وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ»، إِقامَةُ الصّلاة. بَدَأَ النبي صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ الأَصْلَ والأَساس: لا إِلهَ إِلّا الله، محمد رسول الله، وهاتان الشهادتان هما الأساس في دين الله، لا بد أن ينطق بهما العبد مع الاعتقاد بأنّ الله لا شريك له ولا شبيه ولا مثيل، ليس جسما ولا يشبه الأجسام لا يحتاج لخلقه بأي وجه من الوجوه مع الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
ثُمَّ انْتَقَلَ الرسول بَعْدَ ذلِك إِلَى ذِكْرِ ما يَكْمُلُ بِهِ الإِسْلام، أَهَمّ الأُمُور التي يَكْمُلُ بِهِ الإِسْلام فقال: «وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ» ومَعْناهُ أَنْ تُداوِمَ عَلَى فِعْلِها. أَقامَ كَذا مَعْناهُ داوَمَ عَلَيْها. أَنْ تُداوِمَ عَلَى فِعْلِها مَعَ الإِتْيان بِشُرُوطِها وَأَرْكانِها مَعَ مُراعاةِ شُرُوطِها وَأَرْكانِها أَي عَلَى حَسَبِ ما أَمَرَ الله عزّ وجلّ، ولا عذرَ للجاهل، بل الذي يجهل كيفية الصلاة يجب عليه أن يتعلمها ويؤديها كما أمر الله عزّ وجلّ، بعض الناس يظن الجهل عذرا وهذا غير صحيح، الجهل ليس عذرا في أغلب أمور الشريعة،
وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه: لَوْ عُذِرَ الْجَاهِلُ، لِأَجْلِ جَهْلِهِ لَكَانَ الْجَهْلُ خَيْرًا مِنْ الْعِلْمِ إذْ كَانَ يَحُطُّ عَنْ الْعَبْدِ أَعْبَاءَ التَّكْلِيفِ وَيُرِيحُ قَلْبَهُ مِنْ ضُرُوبِ التَّعْنِيفِ، فَلَا حُجَّةَ لِلْعَبْدِ فِي جَهْلِهِ بِالْحُكْمِ بَعْدَ التَّبْلِيغِ وَالتَّمْكِينِ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.
بَعْدَ السَّلامِ أي بعد الإتيان بركن السلام في الصلاة، والفرض في أركان الصلاة التسليم مرة واحدة والتسليمة الثانية سنة ليست فرضا،
قال الإمام الشيرازي في المهذب: “وينوي الإمام بالتسليمة الأولى الخروج من الصلاة والسلام على من عن يمينه وعلى الحفظة وينوي بالثانية السلام على من على يساره وعلى الحفظة، وينوي المأموم بالتسليمة الأولى الخروج من الصلاة والسلام على الإمام وعلى الحفظة وعلى المأمومين من ناحيته في صفه وورائه وقدامه وينوي بالثانية السلام على الحفظة وعلى المأمومين من ناحيته. فإن كان الإمام قدامه نواه في أي التسليمتين شاء، وينوي المنفرد بالتسليمة الأولى الخروج من الصلاة والسلام على الحفظة وبالثانية السلام على الحفظة. والأصل فيه ما روى سمرة رضي الله عنه قال: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسلم على أنفسنا وأن يسلم بعضنا على بعض)).
وروى علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر أربعا وبعدها ركعتين، ويصلي قبل العصر أربعا يفصل كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن معه من المؤمنين.
وإن نوى الخروج من الصلاة ولم ينو ما سواه جاز لأن التسليم على الحاضرين سنة، وإن لم ينو الخروج من الصلاة ففيه وجهان؛ قال أبو العباس ابن سريج وأبو العباس ابن القاص: لا يجزئه وهو ظاهر النص في البويطي؛ لأنه نطق في أحد طرفي الصلاة فلم يصح من غير نية.
وقال أبو حفص بن الوكيل وأبو عبد الله الختن الجرجاني رحمهم الله: يجزيه لأن نية الصلاة قد أتت على جميع الأفعال والسلام من جملتها.” اهـ
الحديث الأول من هذا الباب:
رَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَابْنُ مَاجَة فِى السُّنَنِ عَنْ ثَوْبَانَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ».
الشرح والتعليق على الحديث:
رَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَابْنُ مَاجَة فِى السُّنَنِ عَنْ ثَوْبَانَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال الفيومي في المصباح المنير: الْمَوْلَى ابْنُ الْعَمِّ وَالْمَوْلَى الْعَصَبَةُ وَالْمَوْلَى النَّاصِرُ وَالْمَوْلَى الْحَلِيفُ وَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ وَهُوَ مَوْلَى النِّعْمَةِ وَالْمَوْلَى الْعَتِيقُ وَهُمْ مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ أَيْ عُتَقَاؤُهُمْ وَالْوَلَاءُ النُّصْرَةُ، لَكِنَّهُ خُصَّ فِي الشَّرْعِ بِوَلَاءِ الْعِتْقِ وَوَلَّيْتُهُ تَوْلِيَةً جَعَلْتُهُ وَالِيًا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاتِهِ أي أنهى الصلاة، بالتسليم منها. وقد ذكرنا شيئا من فضل الصلاة في الإسلام، ويجب المحافظة عليها وعدم تضييعها فإن من كان مضَيِّعًا لصلاته فإنه لغيرها أضيع، فَيَنبَغِي أَنْ يُحافِظَ المسلِم عَلَى الصلاة حَتّى ينالَ الثّواب الذي وَعَدَ اللهُ بِهِ.
عَلَينا أَنْ نُدَرِّب أَنفسنا. قال الشّاعر:
| وَالنَّفْس كَالطّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ على | حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ ينْفَطِمِ |
فَإِمّا أَنْ تَقُودَ النّفسُ إِلَى ما فِيهِ نَجاتُها وَإِمَّا تقُودُها إِلَى ما فِيهِ هَلاكها وهذه نَفْسُكَ فَيَنبَغِي أَنْ تَقُودَها إِلَى ما فِيهِ نَجاتُها وَلَوْ قَسِيتَ عَلَيها! الطفل تقسو عَلَيهِ فَالنّفسُ أَوْلَى. اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا أي قال مثلا: أستغفر الله، فلو قيل: اسْتَغْفَرَ اللَّه مِنْ ذَنْبِهِ وَلِذَنْبِهِ، فنفس المعنى، اهـ وأنشد سيبويه رضي الله عنه:
| أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَه | رَبَّ الْعِبَادِ إِلَيْهِ القولُ والعملُ |
وينبغي على الواحد منا أن يتذلل لخالقه عز وجل ويدعوه متضرعا متذللا يناجيه ليلا ونهارا، ويغتنم بل ويبحث ويتَحَيَّنُ ساعةً يكون فيها وحده ليناجي ربه عز وجل بعيدا عن طرق الأقدام ونظر العيون إليه، وهذا أبلغ في الخشوع والتذلل، وينبغي على الواحد منا أن يبحث عن هذه اللحظات لما فيها من الخضوع لله عز وجل، وهذا حال المخلصين الصادقين، يبحثون عن الخلوة بأنفسهم ليناجوا ربهم، وحتى لو كانوا بين الناس يعملون لوجه الله بالانقطاع إليه والتوجّه لمناجاته وعبادته دون النظر إلى أن الناس ينظرون إليهم، بل يبالغون في ستر أنفسهم وأعمالهم، قال الشافعي: ما أخلص عبد إلا أحب أن يكون في جبٍّ – أي بئر -، لا يُعرف. اهـ
هكذا ينبغي أن يكون الواحد عند ذكره ربَّه أو عند خلوته بنفسه وحتى بين الناس، ينقطع بقلبه عن الناس وإن لم ينقطع عنهم بجسده. دَخَلَ الْمُزَنِيُّ عَلَىْ الشَّافِعِيِّ فِيْ مَرَضِهِ الَّذِيْ مَاتَ فِيْهِ فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا أُسْتَاذُ؟ فَقَالَ: أَصْبَحْتُ مِنَ الدُّنْيا رَاحِلًا، وَلِإِخْوَانِيْ مُفَارِقًا، وَلِكَأْسِ الْمَنِيَّةِ شَارِبًا، وَلِسُوْءِ أَعْمَالِيْ مُلَاقِيًا. قَالَ: ثُمَّ رَمَىْ بِطَرْفِهِ نَحْوَ السَّمَاءِ وَاسْتَعْبَرَ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البحر الطويل]
إِلَيْكَ إلهَ الْخَلْــــقِ أَرْفـعُ رَغْبَتِـــــيْ وَإِنْ كُنْتُ يَا ذَا الْمَنِّ وَالْجُوْدِ مُذْنِبًا وَلَمَّـــا قَسَــا قَلْبِيْ وَضَاقَتْ مَذَاهِبِيْ جَعَلْــتُ رَجَائِيْ دُوْنَ عَفْوِكَ سُلَّمَـا تَعَاظَمَنِــيْ ذَنْبِــيْ فَلَمَّــــا قَرَنْتُــــــهُ بِعَفْوِكَ رَبِّــــي كَانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا فَمَا زِلْتَ ذَا عَفْوٍ عَنِ الذَّنْبِ لَمْ تَزَلْ تَجُـــــوْدُ وَتَعْفُــــوْ مِنَّــــةً وَتَكَرُّمَا فَجُرْمِي عَظِيْــــمٌ مِنْ قَدِيْـمٍ وَحَادِثٍ وَعَفْوُكَ يَا ذَا الْعَفْوِ أَعْلَىْ وَأَجْسَمَا وَإِنِّيْ لَآتِيْ الذَّنْــــبَ أَعْـــرِفُ قَدْرَهُ وَأَعْلَــــمُ أَنَّ اللـــــــهَ يَعْفُوْ تَرَحُّمَا
وَقَالَ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء الصلاة :«اللَّهُمَّ» أي يا الله «أَنْتَ السَّلامُ» أَيِ الَّذِي سَلِمَ مِن كُلِّ عَيبٍ فَلَا يُوصَفُ بِالظُّلمِ أَوِ الوَلَدِيَّةِ أَوِ الزَّوجِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [سورة الحشر/ الآية 23]، فَلَا يَجُوزُ وَصفُ اللهِ بِصِفَاتِ النَّقصِ سُبحَانَهُ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ،
قَالَ الحَلِيمِيُّ فِي مَعنَى السَّلَامِ: إِنَّهُ السَّالِمُ مِنَ المَعَائِبِ إِذ هِيَ غَيرُ جَائِزَةٍ عَلَى القَدِيمِ، وَالقَدِيمُ لَا عِلَّةَ لِوُجُودِهِ فَلَا يَجُوزُ التَّغَيُّرُ عَلَيهِ وَلَا يُمكِنُ أَن يُعَارِضَهُ نَقصٌ أَو شَينٌ، أَو تَكُونَ لَهُ صِفَةٌ تُخَالِفُ الفَضلَ وَالكَمَالَ، فَعُلِمَ من هذا كلِّهِ أنه لا يجوز وصف الله بالجسمية ولا بصفات الأجسام، وَصِفَاتُ الأَجسَامِ نَحوٌ مِن أَربَعِينَ صِفَةً، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنهَا فَهُوَ قُدُّوسٌ مُنَزَّهٌ عَنِ القَبَائِحِ لَا يَحتَاجُ إِلَى المَكَانِ وَالزَّمَانِ وَلَا إِلَى شَيءٍ مِن خَلقِهِ، فَلَا يَجُوزُ وَصفُهُ بِصِفَةِ نَقصٍ أَو قُبحٍ كَالمَكرِ وَالخِدَاعِ وَالنِّسيَانِ وَالمَلَلِ وَالِاستِهزَاءِ وَالفَرَحِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي فِيهِ الِانفِعَالُ كَمَا المَخلُوقُ وَالغَضَبِ الَّذِي فِيهِ الِانفِعَالُ وَغَيرِهَا مِن صِفَاتِ الخَلقِ.
فلا يجوز وصفه عز وجل مثلا بالظل، وأما معنى ما ورد في حديث البخاري عن أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبعَةٌ يُظِلُّهُم اللهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: الإِمَامُ العادِلُ، وَشَابٌ نَشَأَ في عِبَادَةِ ربّه، وَرَجُلٌ قَلبُهُ مَعلَّقٌ في المَسَاجِدِ»الحديث، أَي فِي ظِلِّ العَرشِ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عِندَ سَعِيدِ بنِ مَنصُورٍ عَن سَلمَانَ، وَإِسنَادُهُ حَسَنٌ كَمَا قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ فِي فَتحِ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (ج2 ص144)، وَالظِّلُّ المَعهُودُ مُستَحِيلٌ عَلَى اللهِ لِأَنَّهُ مِن صِفَاتِ الأَجسَامِ وَاللهُ تَعَالَى لَيسَ جِسمًا.
وَمِنْكَ السَّلامُ قَالَ المُنَاوِيُّ: «اللهم أَنتَ السَّلَامُ» أَيِ المُختَصُّ بِالتَّنَزُّهِ عَنِ النَّقَائِصِ وَالعُيُوبِ لَا غَيرُكَ، «وَمِنكَ السَّلَامُ» أَي أَنَّ غَيرَكَ فِي مَعرِضِ النُّقصَانِ وَالخَوفِ مُفتَقِرٌ إِلَيكَ بِأَن تُؤَمِّنَهُ وَلَا مَلَاذَ لَهُ غَيرُكَ، أي وَإِلَيكَ يَعُودُ السَّلَامُ، فهو الَّذِي يُعطِي السَّلَامَةَ وَيَمنَعُهَا وَيَبسُطُهَا وَيَقبِضُهَا، «تَبَارَكْتَ» قال ابن منظور في لسان العرب: تباركَ اللَّهُ: تقدَّس وَتَنَزَّهَ وَتَعَالَى وَتَعَاظَمَ، لَا تَكُونُ هَذِهِ الصِّفَةُ لِغَيْرِهِ، أَيْ تطَهَّرَ. والقُدْس: الطُّهْرُ.
وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَعْنَى البَرَكة الْكَثْرَةُ فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: تَبارَكَ تَعَالَى وَتَعَاظَمَ وَقَالَ ابْنُ الأَنباري: تبارَكَ اللَّهُ أَيْ يُتَبَرَّكُ بِاسْمِهِ.
يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ» أَي أَنَّ اللهَ مُستَحِقٌّ أَن يُجَلَّ فَلَا يُجحَدَ وَلَا يُكفَرَ بِهِ، وَهُوَ المُكرِمُ أَهلَ وِلَايَتِهِ بِالفَوزِ وَالنُّورِ التَّامِ يَومَ« القِيَامَةِ، وَروى أحمد عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الجَلاَلِ وَالإِكرَامِ»، قَالَ ابنُ مَنظُورٍ: “أَلِظُّوا أَيِ الزَمُوا هَذَا وَاثبُتُوا عَلَيهِ وَأَكثِرُوا مِن قَولِهِ وَالتَّلَفُّظِ بِهِ فِي دُعَائِكُم”.اهـ
وَروى الترمذي عَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ وَهُوَ يَقُولُ: يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، قَالَ: «قَدِ استُجِيبَ لَكَ فَسَل»، وَقَد جَاءَ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فيما رواه أبو داود: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ جَالِسًا وَرَجُلٌ يُصَلِّي، ثُمَّ دَعَا: اللهم إِنِّي أَسأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الحَمدَ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنتَ المَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَقَد دَعَا اللهَ باسمِهِ العَظِيمِ الَّذي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعطَى».
الحديث الذي بعده:
وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ فِى الصَّحِيحِ وَالطَّبَرَانِىُّ فِى الدُّعَاءِ وَغَيْرُهُمْ عَنِ الْمُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ. اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ».
هو المُغِيْرَةُ بنُ شُعْبَةَ بنِ أَبِي عَامِرٍ بنِ مَسْعُوْدِ بنِ مُعَتِّبٍ الأَمِيْرُ أَبُو عِيْسَى. وَيُقَالُ: أَبُو عَبْدِ اللهِ.
مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ أُوْلِي الشَّجَاعَةِ وَالمَكِيْدَةِ، شَهِدَ بَيْعَةَ الرُّضْوَانِ. كَانَ رَجُلًا طُوَالًا، مَهِيْبًا، ذَهَبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ اليَرْمُوْكِ، وَقِيْلَ: يَوْمَ القَادِسِيَّةِ.
وَكَانَ دَاهِيَةً، يُقَالُ لَهُ: مُغِيْرَةُ الرَّأْيُ. قال المغيرة بن شعبة: أَنَا آخِرُ النَّاسِ عَهْدًا بِرَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا دُفِنَ، خَرَجَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ القَبْرِ، فَأَلْقَيْتُ خَاتَمِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا الحَسَنِ، خَاتَمِي! قَالَ: انْزِلْ، فَخُذْهُ. قَالَ: فَمَسَحْتُ يَدِي عَلَى الكَفَنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ.
وروي أَنَّ المُغِيْرَةَ بنَ شُعْبَةَ، قَالَ لِعَلِيٍّ حِيْنَ قُتِلَ عُثْمَانُ: اقْعُدْ فِي بَيْتِكَ، وَلَا تَدْعُ إِلَى نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ لَوْ كُنْتَ فِي جُحْرٍ بِمكَّةَ لَمْ يُبَايِعُوا غَيْرَكَ.
وروي عن الشعبي أنه قال: سَمِعْتُ قَبِيْصَةَ بنَ جَابِرٍ يَقُوْلُ: صَحِبْتُ المُغِيْرَةَ بنَ شُعْبَةَ، فَلَو أَنَّ مَدِيْنَةً لَهَا ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، لَا يُخْرَجُ مِنْ بَابٍ مِنْهَا إِلَّا بِدهاء، لَخَرَجَ مِنْ أَبْوَابِهَا كُلِّهَا.
الدهاء هو جُودةُ الرَّأْي، حِذْق ومَهارة في تدبُّر الأُمور.
“رجُلٌ ذو دَهاء” فالمغيرة كان من دهاة الناس ومن أقدرهم على الإجابة بدون تكلف ولا عناء ولا إطالة مع حسن الإجابة وسديد الكلام غالبا،
عندما مات رحمه الله قَالَ الناس: مَاتَ أَمِيْرُ الكُوْفَةِ؛ المُغِيْرَةُ فِي سَنَةِ خَمْسِيْنَ، فِي شَعْبَانَ، وَلَهُ سَبْعُوْنَ سَنَةً. وَلَهُ فِي الصَّحِيْحَيْنِ: اثْنَا عَشَرَ حَدِيْثًا. وَانْفَرَدَ لَهُ البُخَارِيُّ: بِحَدِيْثٍ، وَمُسْلِمٌ بِحَدِيْثَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ كان الصالحون يستأنسون بالصلاة ويرتاحون لها ويفزعون إليها اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويأتي كثير من الناس في هذه الأيام ويقول لك إنه مكتئب ومصاب بالاكتئاب، وما هذا غالبا إلا بسبب ابتعاده عن شريعة الله وعن العبادة وخصوصا الصلاة، الإِعْرَاضُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَالشَّرِيعَةِ، وَالانشِغَالُ بِالمُلهِيَاتِ وَالمُسَلِّيَاتِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنيَا وَزِينَتِهَا، وَالانغِمَاسُ فِي الشَّهَوَاتِ وَالمُنْكَرَاتِ وَمَلَذَّاتِهَا، حَتَّى ءَاثَرَ النَّاسُ الفَانِيَةَ عَلَى البَاقِيَةِ، فَخَفَّ نُورُ الإِيمَانِ مِنْ قُلُوبِهِم، وَانطَفَأَتْ جَذْوَتُهُ عِنْدَ الخُطُوبِ، وَحَلَّ مَحَلَّهُ اليَأسُ وَالقُنُوطُ مِنَ الرَّحمَنِ، وَعَدَمُ القَنَاعَةِ بِالمَوْجُودِ، وَالتَّكَالُبُ وَالشُّحُّ وَالاقْتِتَالُ عَلَى حُطَامِ الدُّنْيَا، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ فِي وَصفِ حَالِ الدُّنيَا وَطَالِبِهَا قَوْلُهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “الدُّنْيَا جِيفَةٌ وَطُلَّابُهَا كِلَابٌ”.
وَمِن أَسْبَابِ الِاكْتِئَابِ الِاهْتِمَامُ بِالْغِذَاءِ الدُّنْيَوِيِّ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَمَلْبَسٍ – مَعَ أَهَمِّيَّتِهَا لِقِيَامِ حَيَاةِ النَّاسِ – الَّتِي فِيهَا صِحَّةُ الجِسْمِ وَقُوَّةُ البَدَنِ، وَالعُدُولُ عَن غِذَاءِ الرُّوحِ الَّذِي فِيهِ صَفَاؤُهَا وَقُوَّتُهَا لِلتَّغَلُّبِ عَلَى المَصَاعِبِ النَّفسِيَّةِ الَّتِي تُوَاجِهُ الإِنسَانَ فِي هَذِهِ الدُّنيَا، وَهَذَا يَتِمُّ بِالإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى وَالإِيمَانِ بِالقَدَرِ وَبِعِبَادَةِ اللهِ مِن صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَبِرٍّ وَصَدَقَةٍ وَنَحوِ ذَلِكَ، وَمِن أَهَمِّ ذَلِكَ تَعَلُّمُ عِلمِ الدِّينِ الَّذِي بِهِ يَحصُلُ صَلَاحُ الفَردِ وَالمُجتَمَعِ. ومن جملة العلاج لكلّ هذا الصّلاة، الصَّلَاةُ لَذَّةُ المُتَّقِينَ وَدَوَاءُ الصَّالِحِينَ وشِعَارُ النَّبِيِّيْنَ، نُورٌ وَرَحْمَةٌ وَبَرَكَةٌ وَضِيَاءٌ وَبُرْهَانٌ وَخَيْرٌ وَنِعْمَةٌ تَبْعَثُ فِي القَلْبِ الرَّاحَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ وَالحِكْمَةَ، وَقَدْ «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ – أَي أَهَمَّهُ شَيءٌ – صلّ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ، وَرَوَى اَلطَّبَرَانِي فِي مُعْجَمِهِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ»، وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»، «وَسَلَّمَ »أي أتى بركن التسليم في الصلاة، يعني انقضت صلاته صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ» وهذه الشهادة فيها بيان أَعْظَمُ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، فَأَعْظَمُ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ هُوَ تَوْحِيدُهُ تَعَالَى وَأَنْ لا يُشْرَكَ بِهِ شَىْءٌ، لِأَنَّ الإِشْرَاكَ بِاللَّهِ هُوَ أَكْبَرُ ذَنْبٍ يَقْتَرِفُهُ الْعَبْدُ وَهُوَ الذَّنْبُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَآءُ﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/ الآية 48] مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ إِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ أَيْ نِهَايَةِ التَّذَلُّلِ هُوَ أَعْظَمُ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ.
وَأَكْبَرُ ذَنْبٍ يَقْتَرِفُهُ الْعَبْدُ هُوَ الْكُفْرُ وَهُوَ عَلَى نَوْعَيْنِ: كُفْرٌ شِرْكٌ وَكُفْرٌ غَيْرُ شِرْكٍ، فَكُلُّ شِرْكٍ كُفْرٌ وَلَيْسَ كُلُّ كُفْرٍ شِرْكًا، لِذَلِكَ كَانَ أَعْظَمُ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. وَالْكُفْرُ أَكْبَرُ الظُّلْمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سُورَةَ الْبَقَرَة/ الآية 254] فُظُلْمُ الْكَافِرِ بِكُفْرِهِ أَعْظَمُ مِنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ ءَالافَ الآلافِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلالٍ لِقَتْلِهِمْ.
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَغْفِرُ كُلَّ الذُّنُوبِ لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَجَنِّبِينَ لِلْكُفْرِ بِنَوْعَيْهِ الإِشْرَاكِ بِاللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ غَيْرِهِ وَالْكُفْرِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِشْرَاكٌ كَتَكْذِيبِ الرَّسُولِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِاللَّهِ أَوْ بِرَسُولِهِ مَعَ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَنْزِيهِهِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَغْفِرُ لِعَبْدِهِ مَا لَمْ يَقَعِ الْحِجَابُ» قَالُوا: وَمَا وُقُوعُ الْحِجَابِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَمُوتَ النَّفْسُ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ. فَالْكُفْرُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ هُوَ الذَّنْبُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ أَيْ لِمَنِ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ إِلَى الْمَوْتِ أَوْ إِلَى حَالَةِ الْيَأْسِ مِنَ الْحَيَاةِ بِرُؤْيَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ وَمَلائِكَةِ الْعَذَابِ أَوْ إِدْرَاكِ الْغَرَقِ بِحَيْثُ أَيْقَنَ بِالْهَلاكِ وَنَحْوِهِ فَذَاكَ مُلْحَقٌ بِالْمَوْتِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكُفْرَ لا يُغْفَرُ إِلَّا بِالإِسْلامِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ مَقْبُولًا فِيهِ، فَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي يُقْبَلُ فِيهِ فَلا يَمْحُو إِسْلامُهُ كُفْرَهُ. فَالْكُفْرُ هُوَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ وَبَعْدَهُ قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، فَالشِّرْكُ هُوَ أَعْظَمُ الظُّلْمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سُورَةَ لُقْمَان/ الآية 13]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وَمَعْنَاهُ أَكْبَرُ الظُّلْمِ هُوَ الْكُفْرُ.
«لَهُ الْمُلْكُ» من أسماء الله الحسنى التي تُطلق عليه عزّ وجلّ ولا يجوز إطلاقها على غيره: مالك الملك، معناه: الَّذِي يَعُودُ إِلَيهِ المُلكُ الَّذِي أَعطَاهُ لِبَعضِ عِبَادِهِ فِي الدُّنيَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 26]، وَلَيسَ هَذَا المُلكُ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لَهُ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ فَصِفَاتُ اللهِ غَيرُ مَخلُوقَةٍ، بَلِ المُرَادُ المُلكُ الَّذِي يُعطِيهِ اللهُ العِبَادَ اللهُ يَملِكُهُ، قَالَ الزَّجَّاجُ: “مَالِكُ المُلكِ: اللهُ تَعَالَى يَملِكُ المُلكَ يُعطِيهِ مَن يَشَاءُ وَهُوَ مَالِكُ المُلُوكِ وَالمُلَّاكِ يَصرِفُهُم تَحتَ أَمرِهِ وَنَهيِهِ لَا مَانِعَ لِمَا أَعطَى وَلَا مُعطِيَ لِمَا مَنَعَ.اهـ أَمَّا مُلكُ اللهِ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ فَهُوَ أَزَلِيٌّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة القصص/ الآية 88]، قَالَ البُخَارِيُّ: أَي إِلَّا مُلكَهُ أَي سُلطَانَهُ.اهـ
وَقَد وَرَدَ فِي الشَّرعِ تَحرِيمُ قَولِ (شَاهَان شَاه) لِلسُّلطَانِ وَغَيرِهِ، لِأَنَّ مَعنَاهُ مَلِكُ المُلُوكِ، وَلَا يُوصَفُ بِذَلِكَ غَيرُ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَخنَعَ اسمٍ عِندَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَملَاكِ» رواه مسلم، لِأَنَّ مَلِكَ المُلُوكِ هُوَ اللهُ تَعَالَى لَا غَيرُهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ سُفيَانُ بنُ عُيَينَةَ: “مَلِكُ الأَملَاكِ مِثلُ شَاهَان شَاه.
»وَلَهُ الْحَمْدُ» أي نحمده عزّ وجلّ على كل نِعَمِهِ سبحانه، ونحمده في حال الرضى والبلاء، ونحمده على ما ابتلانا به، ولا نعترض عليه عزّ وجلّ، نُسَلِّمُ أمرنا له سبحانه ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، نقول عند نزول البلاء والمصائب: قدَّرَ الله وما شاء فعل، ونقول: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، معناه: لا يَحْدُثُ فِي الْعَالَمِ شَىْءٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَلا يُصِيبُ الْعَبْدَ شَىْءٌ مِنَ الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ أَوِ الصِّحَّةِ أَوِ الْمَرَضِ أَوِ الْفَقْرِ أَوِ الْغِنَى أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلا يُخْطِئُ الْعَبْدَ شَىْءٌ قَدَّرَ اللَّهُ وَشَاءَ أَنْ يُصِيبَهُ، كما كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم ويعلم هذا لبناته كما روى أبو داود في سننه وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ الله تعالى قادر على كل شيء، هُوَ الَّذِي لَا يَعتَرِيهِ عَجزٌ وَلَا فُتُورٌ وَهُوَ القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَلَا يُعجِزُهُ شَيءُ، ومن نسب إلى الله العجز عن أمر في هذا العالم فقد كذَّب الدين وخرج من الإسلام والعياذ بالله تعالى، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 65] «اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ» يعني: يا ربِّ الذي أعطيته أمرا لن يقدر الخلق على منعه والذي منعته أمرا لن يقدر الخلق على إعطائه، فأنت من يعطي وأنت من يمنع، وهذا معنى ما ورد في حديث الترمذي ابن عباس رضي الله عنهما حين قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ»، فالخلق بأجمعهم لن يقدروا أن يغلقوا عليك بابا أراد الله فتحه لك والخلق بأجمعهم لن يقدروا أن يفتحوا لك بابا أراد الله إغلاقه عنك، فسلّم أمرك لله. ليسَ شىءٌ يُغَيِّرُ مَشِيئَةَ اللهِ تعالى لا شىءٌ يمنعُ مَشِيئَةَ اللهِ تعالى منَ النَّفاذ، طالَما لا يَحْصُلُ شىءٌ إِلّا بِمَشِيئَةَ اللهِ تعالى، إِذًا لِماذا يَخافُ الإِنسان مِنَ الأَمْرِ بالمعروفِ وَالنَّهِي عَنِ المنكَر؟ إذًا فَليَكن الإنسان على شِدَّةِ توَكُّلٍ على الله تعالى.
سيِّدُنا الزُّبَيْر بنُ العوّام، رَضِيَ اللهُ تعالَى عَنْهُ فِى مَعرَكَةِ اليَرموك وَحْدُهُ يَهْجُمُ عَلَى جَيشِ الرُّوم، قال: “من يُبايِعُنِي”، يَعنِى مَنْ يأتي معي نَهْجُمُ عَلَى هذا الجيْش وَلا يَفِرّ، لا يَترُكُنِي؟ فَجماعَة قالُوا لَهُ نحنُ فَشَدَّ عَلَيهِم، فَخَرَقَ الجيش منْ ناحِيَة إِلَى ناحِيَةِ أُخْرَى ثُمَّ رَجَع، لكِن ما ثَبَتَ مَعَهُ أَحد مِن أُولئِك ما استَطاعُوا! رِضوانُ اللهُ علَيهِ. ولا يَفعَلُ ذلِكَ إِلّا مِنْ شِدَّةِ التَّوَكُّلِ علَى اللهِ تعالَى. وَالصّحابَة فِى بَعضِ المعارِك، قَبلَ المعركَة تَعبوا، فَناموا! الذي يكونُ أَمام العَدُّو ينْعَس ينام؟؟ يَكونُ مُتَوَتِّرًا لأَنَّهُ خائِفًا أَمّا إِذا كانَ فِى شِدَّةِ الطُّمَأْنِينَة، ينام وَذلِكَ لِما أَنزَلَ اللهُ تعالى عَلَى قُلُوبِهِم مِنْ شِدَّةِ الطُّمَأْنِينَة! مِنْ شِدَّةِ السّكِينَة! هذا ثَمَرَةُ التَّوَكُّلِ علَى اللهِ تعالَى. واحِد مِنَ السّلَف، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كانَ اَمامَ العَدُوّ. جيشُ المسلِمِين مُقابِل جَيش الكُفّار، يَعنِى فِى أَيِّ لَحظَة يَنشُبُ القِتال! هُوَ أَصابَهُ النُّعاس فَوَضَع التِّرس الذي يُتَرِّسُ بِهِ عَلى نَفْسِهِ عَلَى الأَرْض وَنامَ عَلَيْهِ! مَنْ يَفْعَلُ هذا إِلّا مَن كانَ فِى قَلْبِهِ شِدَّةُ التَّوَكُّلِ علَى اللهِ تعالَى وهذا ثَمَرَةُ الْمُثابَرَةِ عَلَى طّاعَة الله تعالَى وَالتَّذَلُّلِ لَه وَدُعائِهِ فِى سائِرِ الأَحوال، ليسَ وَقْتَ الشِّدَّة فقط! فِى الرَّخاءِ كما فِى الشِّدَّة وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّالْمَشْهُورُ فَتَحُ الْجِيمِ، بِمَعْنَى الْعَظَمَةِ أَوِ الْحَظِّ أَوِ الْغِنَى أَوِ النَّسَبِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَقَلِيلٍ مِنَ النُّسَخِ بِكَسْرِ الْجِيمِ، فَالْمَعْنَى لَا يَنْفَعُهُ مُجَرَّدُ جِدِّهِ وَجُهْدِهِ، وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ التَّوْفِيقُ وَالْقَبُولُ مِنْكَ بِعَمَلِهِ.
والله تعالى أعلم