شرح الدعاء بعد التشهد الأخير

حلية البشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للهِ الذي أكرمنا بالتوحيد ودين الإسلام، وأنزل إلينا أشرف الكتب وأحسن الكلام، وجعله معجزًا في المعنى واللفظ والنظام، مشتملًا على علوم حارت فيها عقول الأنام، فمنه ما يُوضح الحلالَ ويُبيّنُ الحرام، ومنه وعدٌ على التُقى ووعيدٌ على الآثام، ومنه مجمَل يُنبِّه الفكرَ ومُفَصَلٌ يُصَحِّحُ الأفهام، ومنه متشابه يجب له التسليم، ومنه مخصوص بالإحكام.

أحمده إذْ أمرنا بحفظه ودراسته، ومراعاة لفظه وسياسته، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد أشرف رسل الله وأنبيائه، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ حَارِسِ الإِسْلامِ يَوْمَ الرِّدَّةِ عَنِ ارْتِدَادِهِ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي نَطَقَ الْقُرْآنُ بِمُرَادِهِ، وَعَلَى عُثْمَانَ مُشْتَرِي سِلَعِ السَّهَرِ بِنَقْدِ رُقَادِهِ، وَعَلَى عَلِيٍّ قَامِعِ أَعْدَائِهِ وَمُهْلِكِ أَضْدَادِهِ، وعلى ءاله وأصحابه وأتباعه،

أما بعد:

فقد وصلنا في كتاب حلية البشر في شرح الأذكار التي يقولها المصلي بعد انقضاء صلاته وكنا قد شرحنا شيئا منها الدرسَ الماضي ونكمل شرحنا بما تبقى منها مما ذُكر، ووصلنا إلى قوله:

الحديث

وَرَوَى الْبُخَارِىُّ فِى الصَّحِيحِ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِى وَقَّاصٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَوَّذُ دُبُرَ الصَّلاةِ بِهَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ:«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ».

الشرح والتعليق على هذا الحديث

وَرَوَى الْبُخَارِىُّ فِى الصَّحِيحِ أي صحيح البخاري رضي الله عنه، واسم هذا الصحيح هو: «الجامع المسنَد الصحيح المختصر من أُمور رسول الله صلى الله عليه وسلّم وسننه وأيامه»، وهو معروف بصحيح البخاري، لكن هذا اسمه كما ذكرت، وهو أبرز كتب الحديث النبوي عند أهل السنة والجماعة عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِى وَقَّاصٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ هُوَ سَيِّدُنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ بَشَّرَهُ رَسُولُ اللهِ بِالجِنَانِ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَبَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، سَابِعُ سَبْعَةٍ فِي الإِسْلَامِ، أَسَدٌ هَصُورٌ مِقْدَامٌ. عَنْ اللَّيْثِ عَنْ عَقِيلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَعَا بِجُبَّةِ صُوفٍ بَالِيَةٍ فَقَالَ: كَفِّنُونِي فِيهَا، فَإِنِّي لَقِيَتُ الْمُشْرِكِينَ فِيهَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَإِنَّمَا خَبَّأْتُهَا لِهَذَا الْيَوْمِ. قَالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ: كَانَ رَأْسُ أَبِي فِي حِجْرِي وَهُوَ يَقْضِي (أَي يَمُوتُ)، قَالَ فَدَمَعَتْ عَيْنَايَ فَنَظَرَ إِلَيَّ أَبِي فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يا بُنَيَّ؟ فَقُلْتُ: لِمَكَانِكَ وَمَا أَرَى بِكَ، قَالَ: فَلا تَبْكِ عَلَيَّ فَإِنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُنِي أَبَدًا وَإِنِّي مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.

يروى أنه كَانَ سَعْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمِيرَ جَيْشِ المُسْلِمِينَ فِي قِتَالِ الفُرسِ، فَلَمَّا فَتْحَ بَهْرَسِيرَ ـ وَهِيَ مَدِينَةٌ عَلَى ضِفَّةِ نَهْرِ دِجْلَةَ ـ لَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ الغَنَائِمِ وَلَا السُّفُنِ، وَكَانَ الفُرْسُ قَدْ رَكِبُوا السُّفُنَ وَنَقَلُوا الغَنَائِمَ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَقَدْ عَزَمَ كِسْرَى يَزْدَجَرْدُ عَلَى نَقْلِ الغَنَائِمِ مِنْ المَدَائِنِ إِلَى حُلْوَانَ، فَخَطَبَ سَعْدٌ فِي جَيْشِ المُسْلِمِينَ وَحَثَّهُمْ عَلَى الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَأَنَّهُ سَيَخُوضُ النَّهْرَ بِمَنْ تَبِعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [سورة آل عمران/ الآية 145]، وَدَعَا سَعْدٌ اللَّهَ أَنْ يَنْصُرَ الجَيْشَ وَأَنْ يُسَلِّمَهُ، وَعَبَرَ النَّهْرَ بِلَا سَفِينَةٍ مُتَسَلِّحًا بِسِلَاحِ الإِيمَانِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ، فَطَافَ بِهِمُ المَاءُ وَعَبَرُوا إِلَى الضِّفَّةِ الأُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الفُرْسُ ارْتَعَدَتْ قُلُوبُهُمْ وَقَالُوا إِنَّا نُقَاتِلُ جِنًّا لَا إِنْسًا، وَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى المُسْلِمِينَ وَرَزَقَهُمُ النَّصْرَ وَغَنِمُوا مَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافِ أَلْفِ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ ذَهَبًا بِبَرَكَةِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَوَّذُ اسْتَعَذْتُ بِاَللَّهِ وَعُذْتُ بِهِ مَعَاذًا وَعِيَاذًا اعْتَصَمْتُ دُبُرَ الصَّلاةِ أي بعد انقضاء الصلاة المفروضة بِهَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من هذه الأمور المذكورة ليعلمنا أن نستعيذ مثلَه، فالجبن مستحيل على الأنبياء، بل إن نبينا صلى الله عليه وسلم هو أشجع الناس على الإطلاق، قال القاضي عياض: وَأَمَّا الشَّجَاعَةُ وَالنَّجْدَةُ: فَالشَّجَاعَةُ فَضِيلَةُ قُوَّةِ الْغَضَبِ وَانْقِيَادِهَا لِلْعَقْلِ، وَالنَّجْدَةُ ثِقَةُ النَّفْسِ عِنْدَ اسْتِرْسَالِهَا إِلَى الْمَوْتِ حَيْثُ يُحْمَدُ فِعْلُهَا دُونَ خَوْفٍ، وَكَانَ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمَا بِالْمَكَانِ الَّذِي لَا يُجْهَلُ قَدْ حَضَرَ الْمَوَاقِفَ الصَّعْبَةَ وَفَرَّ الْكُمَاةُ وَالْأَبْطَالُ عَنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَهُوَ ثَابِتٌ لَا يَبْرَحُ وَمُقْبِلٌ لَا يُدْبِرُ وَلَا يَتَزَحْزَحُ، وما شُجَاعٌ إِلَّا وَقَدْ أُحْصِيَتْ لَهُ فَرَّةٌ وَحُفِظَتْ عَنْهُ جَوْلةٌ سِوَاهُ.

وروى أحمد في مسنده عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ، فَقَالَ: أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ فَقَالَ الْبَرَاءُ: وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفِرَّ، كَانَتْ هَوَازِنُ نَاسًا رُمَاةً، وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ، انْكَشَفُوا، فَأَكْبَبْنَا عَلَى الْغَنَائِمِ، فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ ‌آخِذٌ ‌بِلِجَامِهَا وَهُوَ يَقُولُ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ». قيل فما رؤي يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْهُ،

وَقِيلَ كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذَا غَضِبَ – وَلَا يَغْضَبُ إِلَّا لِلَّهِ – لَمْ يَقُمْ لِغضَبِهِ شئ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا رَأَيْتُ أَشْجَعَ وَلَا أَنْجَدَ وَلَا أَجْوَدَ وَلَا أرْضَى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم،

وَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: إِنَّا كُنَّا إِذَا حَمِي الْبَأْسُ – وَيُرْوَى اشْتَدَّ الْبَأْسُ – وَاحْمَرَّتِ الْحَدَقُ اتْقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَمَا يَكُونُ أَحَدٌ أَقْرَبَ إلى الْعَدُوِّ مِنْهُ وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَلُوذُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ أَقْرَبُنَا إلى العدو كان مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَأْسًا. وَقِيلَ كَانَ الشُّجَاعُ هُوَ الَّذِي يَقْرُبُ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَنَا الْعَدُوُّ لِقُرْبِهِ مِنْهُ،

وروى البخاري في صحيحه عَنْ ‌أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ يَقُولُ: «لَنْ ‌تُرَاعُوا، ‌لَنْ ‌تُرَاعُوا»، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا، أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ.

وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: مَا لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَتِيبَةً إِلَّا كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَضْرِبُ، وَلَمَّا رَآهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفِ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ يَقُولُ: أَيْنَ مُحَمَّدٌ؟ لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا! وَقَدْ كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم حِينَ افْتَدَى يَوْمَ بَدْرٍ: عِنْدِي فَرَسٌ أَعْلِفُهَا كُلَّ يَوْمٍ فَرَقًا من ذُرَةٍ أَقْتُلُكَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَنَا أَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» فَلَمَّا رَآهُ يَوْمَ أُحُدٍ شَدَّ أُبَيٌ عَلَى فَرَسِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاعْتَرَضَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَكَذَا أَيْ خَلُّوا طَرِيقَةُ، وَتَنَاوَلَ الْحَرْبَةَ مِنَ الْحَارِثِ بْنِ الصَّمَّةِ فَانْتَفَضَ بِهَا انْتِفَاضَةً تَطَايَرُوا عَنْهُ تَطَايُرَ الشَّعْرَاءِ – وهو ذباب صغير له لذع – عَنْ ظَهْرِ الْبَعِيرِ إِذَا انْتَفَضَ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَطَعَنَهُ فِي عُنُقِهِ طَعْنَةً تَدَأْدَأَ مِنْهَا عَنْ فَرَسِهِ مِرَارًا – أي سقط وتدحرج – فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ يَقُولُ: قَتَلَنِي مُحَمَّدٌ. وَهُمْ يَقُولُونَ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ. فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ أَنَا أَقْتُلُكَ!! وَاللَّهِ لَوْ بَصَقَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي فَمَاتَ بِسَرِفَ.

وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ قال ابن الأثير: أَيْ آخِره فِي حَالِ الكِبَر وَالْعَجْزِ وَالْخَرَفِ. والْأَرْذَلُ مِنْ كل شىء: الرّدئ مِنْهُ.اهـ

 يقولُ اللهُ تعالى في محكمِ التنزيلِ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [سورة المؤمنون/ الآية 115]، وقدْ حثَّ الشرعُ الحنيفُ على اغتنامِ الأوقاتِ في هذهِ الدنيا، فإنَّ الدنيا دارُ العملِ والآخرةَ دارُ الجزاءِ على العمل، ولبيانِ نعمةِ هذا العمُرِ وللتنبيهِ على أهميةِ اغتنامِ الزمنِ بما فيهِ رضَى اللهِ عزَّ وجلَّ أقسمَ سبحانَه في أكثرَ من آيةٍ في القرآنِ الكريمِ ببعضِ الأزمانِ خصوصًا، فإنَّنا نقرأُ في كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ التنبيهَ على نعمةِ الزمنِ ومدحَ مَنِ اغتنمَه في طاعةِ اللهِ وذمَّ مَنْ لم يغتنمْه بما يُرضِي خالقَهُ عزَّ وجلَّ، قال تعالَى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر/ الآية 1-3]، ونقرأُ آياتٍ كريمةً في ذمِّ مَنْ يُضَيِّعُ وقتَه فِي هذهِ الدنيَا ولَا يغتَنِمُهُ فِي طاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وفيهَا زجرٌ للكفارِ، إذْ أضاعُوا أعمَارَهُم، واستَبْقَوا أنفُسَهُم فيهَا علَى الكفرِ، ولَمْ يخرجُوا معَ امتدادِ العمُرِ مِنَ الكفرِ إلَى الإيمانِ وقدْ آتَاهُمُ اللهُ الزَّمَانَ الْمَدِيْدَ وَالعُمُرَ العريضَ، قَالَ تعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [سورة فاطر/ الآية 37]، فجعلَ الله سبحانَه التعميرَ سببًا للتذكرِ والاستبصارِ، وميدانًا للإيمانِ والاستذكارِ،

وقدْ أقسمَ جلَّ شأنُه بالليلِ والنهارِ، والفجرِ والصبحِ والشفَقِ، والضحَى والعصرِ، قالَ الإمامُ الفخرُ الرازيُّ: أقسمَ اللهُ تعالى بالعصرِ الذي هوَ الزمن، لِمَا فيهِ مِنَ الأعَاجيبِ، لأَنَّهُ يحصلُ فيهِ السراءُ والضراءُ، والصحةُ والسَّقَمُ، والغِنَى والفَقْرُ، ولأَنَّ العمُرَ مِنْ أعظمِ النِّعَمِ نفَاسَةً وغَلَاءً فَلَوْ ضَيَّعْتَ أَلْفَ سَنَةٍ فِيْمَا لَا يَعنِي، ثُمَّ تُبْتَ وثَبَتَتْ لكَ السعادةُ في الَّلمْحَةِ الأخيرةِ مِنَ العُمُرِ، بَقِيْتَ فِيْ الجنةِ أبَدَ الآبادِ، فَعَلِمْتَ أَنَّ من أَشْرَفِ الأشياءِ حياتُكَ فِي تلكَ الَّلمْحَةِ، فَكَانَ الزَّمَانُ مِنْ جملةِ أصولِ النِّعَمِ، فلذلِكَ أقْسَمَ اللهُ بهِ ونَبَّهَ سبحانَه علَى أَنَّ الَّليلَ والنَّهارَ فرصةٌ يُضَيِّعُهَا كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ ويَفْرَحُوْنَ بِتَضْيِيعِهَا وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ ‌الدُّنْيَا ‌حُلْوَةٌ ‌خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» رواه مسلم.

قال السيوطي: يحتمل أن المراد لذتُها ونضارتُها كالفاكهة الحلوة الخضراء أو سرعةِ فنائِها فإن الفاكهة الخضراء سريعة الذهاب، وهي دارُ الفناءِ والعملِ والزوالِ فيها تتقلبُ الأحوال، ويكفيها مِن بلاغةِ الوصفِ لها ودقتِه ما جاء في كتابِ الله عز وجل: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [سورة الحديد/ الآية 20]. قال البغوي في قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾: باطلٌ وغرور. وقال: سُمّيتِ الدنيا لدنوِّها، وقيل: لدناءَتها. وسُميتِ الآخرة لأنها بعدَ الدنيا. اهـ وقد قيل:

مَـــنْ يَذُقِ الدُّنْيَــــا فَإنـــي طَعِمْتُهَا *** وَسِيْقَ إِلَيْنَـــــا عَذْبُـــهَا وَعَذَابُهَا

فَلَمْ أَرَهَا إِلَّا غُرُوْرًا وبَاطِــــــــــلًا *** كَمَا لَاحَ فِي ظهر الفلَاةِ سَرَابُهَا

وَمَا هِيَ إِلَّا جِيْفَةٌمُسْتَحِيْلَةٌ(1) عَلَيْهَا *** كِـــــلَابٌ هَمُّهُنَّ اجْتِذَابُهَــــــــــا

إِنْ تَجتنبها كُنْتَ سِلْمًا لأَهْلِهَـــــا وَ *** إِنْ تَجْتَذِبْهَا ‌نَازَعَتْــــكَ ‌كِلَابُهَــــا

وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وعذاب القبر ليس لكل أحد من الناس بل هو للكفار ولعصاة المسلمين ممن شاء الله لهم العذاب في قبورهم، ويعلم من هذا أنه لم يصح حديث: “لو نجا أحدٌ من ضَمَّة القبر، لنجا منها سعد” فإذا كان من اهتز عرش الرحمن لموته لا ينجو من ضغطة القبر فمن ينجو منها؟! وإن كان صححه بعضهم، فلا عبرة إلا بالحق وهو أحقّ أن يُتَّبع، فالشرع أولى بالاتباع، وحتى وإن قال بعض العلماء: إن الضغطة تحصل للمؤمن ضغطة محبة، فهذا لا معنى له. قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة يونس/ الآية 62]. وقال ﷺ: «الدُّنْيَا ‌سِجْنُ ‌الْمُؤْمِنِ ‌وَسَنَتُهُ، فَإِذَا فَارَقَ الدُّنْيَا، فَارَقَ السِّجْنَ وَالسَّنَةَ» رواه أحمد في مسنده. فقول من قال بحصول ضغطة القبر للمؤمن التقي ينافي هذه الآية والحديث السابقين، قولهم بحصول الضغطة لسعد الذي هو من كبار الأولياء وهو شهيد، فيه مساواةٌ للولي مع الفساق والعامة، فقولهم حديث “لونجا منها أحدٌ لنجا سعد” مخالفٌ للأصول، وكل حديثٍ يُروى مخالفًا للأصول فهو مردودٌ لا يصحّ. وقد ورد في صفة ضغطة القبر أن الأضلاع تختلف، فكيف تكون ضغطة حنانٍ أو كضمّة الأم لطفلها، وضمة الأم لطفلها ليس فيها إيذاء.اهـ

وما يُروى عنه من أنّه كان لا يحترز من البولِ فغيرُ صحيحٍ بدليلِ ما وَرَدَ عن رسولِ الله من أنّه وَصَفَ سعدًا بأنّه شديدٌ في أمرِ الله،

ووردَ عن عائشة أنّها قالت في حقّ سعدٍ: لم يكن في عشيرةِ بني الأشهلِ أفضلَ من سعدِ بن معاذٍ وأسيدِ بن حُضيرٍ وعبّاد بن بشرٍ. وكان أسيدُ بن حضيرٍ رضي الله عنه عندما يقرأ القرءانَ أحيانًا تنزلُ الملائكةُ إليه من السّماءِ. والحديثُ الذي في الصحيحِ أن ضغطةَ القبرِ للكافرِ والمنافقِ فكيف يقال إنها تصيبُ كلَّ ميّت إلا الأنبياء. ومما يمنعُ صحةَ ما وَرَدَ في حقّ سعدٍ من ضغطةِ القبرِ أنه كان شهيدًا لأنّه ماتَ من جُرحٍ أصيبَ به في غزوةِ الخندقِ.

الحديث الذي بعده

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِىُّ فِى السُّنَنِ وَأَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ عَنْ مُعَاذٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّى لَأُحِبُّكَ. ثُمَّ قَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لا تَدَعَنَّ فِى دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّى عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ».

 هذا الحديث يسميه العلماء: الحديث المسلسل بالمحبة، والمسلسَل اسم مأخوذ من سلسَلُ يُسَلسِلُ فهو مسَلسَل، من التسلسُل وهو في اللغةِ التتابع، فالمسَلسَلُ هو الحديثُ الذي تتابعت رُواتُه على وصفٍ من الأوصاف أو حالٍ من الأحوال سواءٌ كان هذا الوصفُ قوليا أم فعليًّا. ومثالُه أيضًا مثالُ الوصفِ القولي: قولُه عليه الصلاة والسلام لمعاذِ بن جبل: «إني أحبكَ، فقل في دُبُرِ كلِّ صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادَتِك» فهو مسلسلٌ بقولِ كلٍّ من الرواة: «إني أُحبكَ فقل في دُبُرِ كلِّ صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادَتِك» يعني يأتي الشيخُ إلى تلميذِه يقول له «إني أُحبكَ فقل في دُبُرِ كلِّ صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادَتِك» فقد حدثني شيخي عن شيخه عن فلان عن فلان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ بن جبل: «إني أُحبكَ فقل في دُبُرِ كلِّ صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادَتِك».

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِىُّ فِى السُّنَنِ وَأَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ عَنْ مُعَاذٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: يَا مُعَاذُ وَاللَّهِ إِنِّى لَأُحِبُّكَ ما أعظمها من مَنْقَبَةٍ وفضيلة، هنيئا لك يا معاذ، ما هو شعوره رضي الله عنه وهو يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: إني لأحبّك، والنبي لا يحب أي شخص، بل المحبة عند رسول الله بناء على التقوى والصلاح لا بناء على أمر الدنيا والجاه والمال فيها. وهو مُعَاذُ بنُ جَبَلِ بنِ عَمْرِو بنِ أَوْسٍ الأَنْصَارِيُّ. السَّيِّدُ، الإِمَامُ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيُّ، الخَزْرَجِيُّ، المَدَنِيُّ، البَدْرِيُّ، شَهِدَ العَقَبَةَ، شَابًّا أَمْرَدَ، وروي أَنَّ مُعَاذًا شَهِدَ بَدْرًا وَلَهُ عِشْرُوْنَ سَنَةً، أَوْ إِحْدَى وَعِشْرُوْنَ.

وروى أبو نعيم في الحلية عن أبي سعيد الخدري، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَرَامِ اللهِ وَحَلاَلِهِ».

وروى أحمد في مسنده عَنْ عَاصِمِ بنِ حُمَيْدٍ السَّكُوْنِيِّ: أَنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى اليَمَنِ، خَرَجَ يُوْصِيْهِ، وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ، وَرَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ! إِنَّكَ عَسَى أَنْ لاَ تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي وَقَبْرِي» فَبَكَى مُعَاذٌ جَشَعًا لِفِرَاقِ رَسُوْلِ اللهِ. فقَالَ: «لاَ تَبْكِ يَا مُعَاذُ». وروي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِيْنَ وَدَّعَهُ مُعَاذٌ قَالَ: «حَفِظَكَ اللهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ، وَدَرَأَ عَنْكَ شَرَّ الإِنْسِ وَالجِنِّ».

قيل: قُبِضَ مُعَاذٌ وَهُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً ثُمَّ قَالَ: ((أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لا تَدَعَنَّ فِى دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ أي أن أكون لك من الذاكرين على الدوام وَشُكْرِكَ أي أن أكون لك من الشاكرين، والشكر قسمان: شكرٌ واجبٌ وشكرٌ مندوبٌ. فالشكر الواجبُ هو ما على العبدِ من العمل الذي يدلُّ على تعظيم المُنعِم الذي أنعمَ عليه وعلى غيرهِ بتركِ العصيان لله تبارك وتعالى في ذلك، هذا هو الشكرُ المفروض على العبد، وهذا معناه أنّ الشكر لله على النعم هو بمعنى أن لا يعصي الله بهذه النعمة، فمن حفظَ قلبه وجوارحه وما أنعم الله به عليهِ من استعمالِ شئٍ من ذلك في معصيةِ الله فهوَ العبدُ الشاكر، ثمّ إذا تمكّنَ في ذلك سُمّيَ عبدًا شكورًا، قال الله تعالى: (وَقَلِيلٞ ‌مِّنۡ ‌عِبَادِيَ ‌ٱلشَّكُورُ) [سورة سبأ/ الآية 13]، والشكور أقلُّ وجودًا من الشّاكر الذي دونه.

والشكرُ المندوبُ هو الثناء على الله تعالى الدّالّ على أنّه هو المتفضّل على العبادِ بالنّعم التي أنعمَ بها عليهم مما لا يدخل تحتَ إحصائنا. ويطلق الشّكرُ شرعًا على ”القيام بالمُكافأةِ لمن أسدى معروفًا منَ العبادِ بعضهم لبعضٍ”، ومن هذا الباب الحديث المشهور الذي رواه أحمد في مسنده والترمذي في سننه: «مَنْ ‌لَمْ ‌يَشْكُرِ ‌النَّاسَ، ‌لَمْ ‌يَشْكُرِ ‌اللهَ عَزَّ وَجَلَّ» أي أنّ كمال شكر الله يقتضي شكرَ الناس، وشكرُ الناس يكونُ بالمكافأة والدعاءِ ونحو ذلك.

وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ بِأَدَاءِ شَرَائِطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَالْقِيَامِ بِإِخْلَاصِهَا، وهذا فيه بيان أنّ الجاهل ليس معذورًا مطلقًا في أمر الدّين، فهذا يؤدّي إلى هدم الشّريعة، كيف يكون الجاهل معذورا في كل الأحوال والنبي صلى الله عليه وسلم ما عذر المسيءَ صلاته، كيف يكون معذورًا وقد جعل الله لأهل العلم ميزة وفضيلة كلكم يعرفها فقال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزمر/ الآية 9]، لا يجوز أن يقال: إن الجاهل معذور بكل الأحوال، فلو كان كذلك لكان الجاهلُ أفضلَ من العالم كما قال الشافعي رحمه الله، وهذا لا يصح ولا يقال به. ففي حديث المسيء صلاته أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَأَخْبَرَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُقْبَلُ إِلَّا هَكَذَا فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي إِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِتَكُونَ صَلَاتُهُ كَفَّارَةً لِمَا يَفْعَلُ قَبْلَهَا مِنَ الزَّلَلِ وَالْخَطَايَا دُونَ الْكَبَائِرِ.

الحديث الذي بعده

وَرَوَى ابْنُ السُّنِّىِّ وَالنَّسَائِىُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِى بَكْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِى دُبُرِ الصَّلاةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ».

((اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ فقد قال الدِّمياطيُّ صاحب كتاب إعانة الطالبين وهو من فقهاء الشافعية: “واعلمْ أنَّه يجري على ألسنةِ العامَّةِ جملةٌ ِمن أنواعِ الكفرِ من غيرِ أنْ يعلموا أنها كذلك، فيجبُ على أهلِ العلمِ أن يُبيِّنوا لهم ذلك لعلهم يجتنبونَه إذا علموه لئلا تحبَطَ أعمالُهم ويخلُدونَ في أعظمِ العذابِ وأشدِّ العقابِ ومعرفةُ ذلك أمرٌ مهمٌّ جدًا وذلك لأنّ من لم يعرفِ الشرَّ يقَعْ فيه وهو لا يدري وكلُّ شرٍّ سببُه الجهلُ وكلُّ خيرٍ سببُه العلمُ، فهو النّورُ المبين والجهلُ بئسَ القرينُ”.اهـ

ومن هنا قسَّم العلماء الكفر من حيث سبب التكفير إلى: كفر تكذيب؛ والمراد تكذيب الشريعة بكل ما ثبت عنده كونه من الدين، وكفر تشبيه؛ والمراد تشبيه الله بخلقه فهذا لا يكون من المسلمين. وكفر تعطيل؛ أي نفي وجود الله أو أي صفة من صفاته الثابتة له إجماعًا.

 قالَ الشيخُ عبدُ الغنيِّ النابُلُسِيُّ الحنفيُّ (1050 هـ –1143 هـ) : “وأما أقسامُ الكفرِ فهي بحسبِ الشرعِ ثلاثةُ أقسامٍ ترجِعُ جميعُ أنواعِ الكفرِ إليها وهي: التشبيهُ، والتعطيلُ، والتكذيبُ، وأما التشبيهُ: فهو الاعتقادُ بأنَّ اللهَ تعالى يُشْبِهُ شيئًا مِن خلقِه، كالذين يعتقدون أنَّ اللهَ تعالى جسمٌ فوقَ العرش، أو يعتقدونَ أنَّ له يدَين بمعنى الجارحتينِ، وأنَّ له الصورةَ الفلانيةَ أو على الكيفيةِ الفلانيةِ، أو أنه نورٌ يتصوَّرُه العقلُ، أو أنه في السماءِ – أي ساكنُ السماءِ -، أو في جهةٍ من الجهاتِ الستِّ، أو أنه في مكانٍ من الأماكنِ أو في جميعِ الأماكنِ، أو أَنَّه ملأَ السمواتِ والأرضَ، أو أنَّ له الحلولَ في شىءٍ مِن الأشياء أو في جميعِ الأشياءِ، أو أنه مُتَّحِدٌ بشىءٍ مِن الأشياءِ أو في جميعِ الأشياءِ، أو أنَّ الأشياءَ مُنْحلَّةٌ منه أو شيئًا منها. وجميعُ ذلكَ كفرٌ صريحٌ والعياذُ باللهِ تعالى، وسببُه الجهلُ بمعرفةِ الأمرِ على ما هوَ عليهِ”. اهـ

 أما التكذيب للشريعة فأمثلته كثيرة متنوعة، كمن يقول بتحليل حرام مجمع على حرمته أو بتحريم حلال مجمع على حلّه، فهذا كذّب الشريعة أي قلب أحكامها، وكذلك من يرمي المصحف في القاذورات أو يدوس على ورقة فيها اسم الله مع علمه بأنه فيها.

وليُعلمْ أنَّ الخلاصَ مِنَ الكفرَ يكونَ بتركِ ما صدَرَ منه والنطقِ بالشهادتينِ للدخولِ في الإسلامِ.

فتوبة المرتد هي الإقلاع عن الكفر فورًا والنّطق بالشهادتين بقول أشهد أنْ لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمّدًا رسول الله، ولا ينفعه قول أستغفر الله قبل الشهادتين، كما نقل الإجماع على ذلك الإمام المجتهد أبو بكر بن المنذر المتوفى سنة 318هـ .اهـ

وَالْفَقْرِ الفقر منه ما هو ممدوح في دين الله ومنه ما هو مذموم، فالممدوح كفقر كثير من الصالحين مع صبرهم وعدم اعتراضهم على قلّة المال وتسليمهم لأمر الله عزّ وجلّ، فهذا ممدوح في الشرع، وأما المذموم فهو كمن يكون فقيرا ومع ذلك يتضجر على رزق الله القليل له، وبعضهم والعياذ بالله يعترض على الله فيقع في الكفر، فالفقر منه ما هو ممدوح ومذموم، فعلم من هذا أننا كمسلمين لا نذم الفقر مطلقا، ويطلق الفقر على أكثر من معنى والمراد هنا الفقر المذموم الذي يُبْعِدُ صاحبه عن طاعة الله عز وجل، فهذا استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن حجر: “وَأَمَّا الْفَقْرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر/ الآية 15] فَالْمُرَادُ بِهِ احْتِيَاجُ الْمَخْلُوقِ إِلَى الْخَالِقِ، فَالْفَقْرُ لِلْمَخْلُوقِينَ أَمْرٌ ذَاتِيٌّ لَا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ لِأَحَدٍ وَعَذَابِ الْقَبْرِ نسأل الله أن يجيرنا من عذاب القبر،

روى ابن أبي الدنيا في كتابه أهوال القبور فقال: إنَّ رَجُلًا مَاتَ وَكَانَ لَهُ أَخٌ ضَعِيفُ الْبَصَرِ، قَالَ أَخُوهُ: فَدَفَنَّاهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّاسُ وَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى الْقَبْرِ، فَإِذَا أَنَا بِصَوْتٍ مِنْ دَاخِلِ الْقَبْرِ يَقُولُ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَسَمِعْتُ صَوْتَ أَخِي وَعَرَفْتُهُ وَعَرَفْتُ صِفَتَهُ، فَقَالَ: اللَّهُ رَبِّي، وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّي، ثُمَّ ارْتَفَعَ شَبِيْهُ سَهْمٍ مِنْ دَاخِلِ الْقَبْرِ إِلَى أُذُنِي فَاقْشَعَرَّ جِلْدِي فَانْصَرَفْتُ.

 وَيُحْكَى أَنَّهُ قِيْلَ لِنَبَّاشٍ يَنْبِشُ القُبُوْرَ فَيَسْرِقُ الأَكْفَانَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَكَانَ تَابَ بَعْدَهَا: مَا أَعْجَبُ مَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: نَبَشْتُ رَجُلًا فَإِذَا هُوَ مُسَمَّرٌ بِالْمَسَامِيْرِ فِي سَائِرِ جَسَدِهِ وَمِسْمَارٌ كَبِيْرٌ فِي رَأْسِهِ وَءَاخَرُ فِي رِجْلَيْهِ.

وَقِيْلَ لِنَبَّاشٍ ءَاخَرَ: مَا كَانَ سَبَبُ تَوْبَتِكَ؟ قَالَ: كَانَ عَامَّةُ أَيْ أَكْثَرُ مَنْ كُنْتُ أَنْبُشُ كُنْتُ أَرَاهُ مُحَوَّلًا عَنِ القِبْلَةِ.

 وَعَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ أَحَدِ أَكَابِرِ التَّابِعِيْنَ الزُّهَّادِ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي الْمَقَابِرِ إِذْا هَاتِفٌ يَهْتِفُ مِنْ وَرَائِي وَهُوَ يَقُوْلُ: يَا ثَابِتُ، لَا يَغُرَّنَّكَ سُكُوْنُهَا، فَكَمْ مِنْ مَغْمُوْمٍ فِيْهَا، قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَلَم أَرَ أَحَدًا.

الحديث الذي بعده

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِىُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِىُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّى أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».

الشرح والتعليق على هذا الحديث

هذا الدعاء الوارد في هذا الحديث كنا قد شرحناه في درس سابق

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِىُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِىُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَلَّمَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّى قلنا إنّ رسول الله يدعو بمثل هذا الدعاء ليعلمنا ذلك وليس أنه يقع بالذنوب الكبيرة أو بالصغيرة التي فيها خسة ودناءة نفس، حاشاه فهو معصوم عن مثل ذلك عليه الصلاة والسلام.

الله سبحانهُ وتَعَالَى حفِظ الأَنْبِيَاءَ مِنْ أن يقعوا فِي الْكُفْر ومِنْ أن يقعوا فِي الْكَبَائِرِ فِي الذّنوبِ الكَبيرة قبل أن ينزِل عَلَيْهِمُ  الْوَحْيُ وبعد أن ينزل عَلَيْهِمُ  الْوَحْيُ فكلهم كما سبق وقُلنا ينشؤون عَلَى الإيمان بالله عَلَى التَوحيد، أمّا قول الله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [سورة الشورى/ الآية 52] فلَيْسَ معَنْاه أنَّ الرسولَ ﷺ كان نَشَأَ عَلَى غيِر الإيمان، لا، إنّمَا معَنْى هَذِهِ الآية أَنَّهُ بعد أن أُرسِل الملَك إلى الرّسول ﷺ الرّسول عرفَ القُرآن نَزلَ عليه القرآن، قبل ذَلِك مَا كان يعرف الكتاب وهُوَ  القرآن الكريم، ومَا كان الرسول ﷺ  يعرف تَفاصيلَ الإيمان هَذِهِ الأشياء الّتي وردت فِي حديث جبريل الطّويل أما أصلُ الإيمان أصلُ الاعتقاد فِي حقّ الله أَنَّهُ واحدٌ لا شريكَ له لا يُشبِهُ شيئا لا يحتاجُ لشيء لَيْسَ لوجودهِ بداية ولَيْسَ لوجودهِ نهاية فهَذَا كُل نَبِيٍّ ينشأُ عليه، أمَا التّفاصيل يعرفها بالوحي التّفاصيل الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره التفاصيل عرفها الرسول ويعرفها الرسول بعد نزول الوحي عليه أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».

والله تعالى أعلم وأحكم


(1) أي متغيّرة