شرح التشهد الأخير في الصلاة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ الذي أنشأَ وبَرَا، وخلقَ الماءَ والثَّرى، وأبْدَعَ كلَّ شَيْء وذَرَا، لا يَغيب عن بصرِه صغيرُ النَّمْل في الليل إِذَا سَرى، ولا يَعْزُبُ عن علمه مثقالُ ذرةٍ في الأرض ولاَ في السَّماء، خَلَقَ آدَمَ فابتلاه ثم اجْتَبَاهُ فتاب عليه وهَدَى، وبَعَثَ نُوحًا فصنَع الفُلْكَ بأمر الله وجَرَى، ونَجَّى الخَليلَ من النَّارِ فصار حَرُّها بَرْدًا وسلامًا فاعتَبِرُوا بِمَا جَرَى، وأيَّدَ عيسى بآياتٍ تَبْهَرُ الوَرى، وأنْزلَ الكتابَ على محمد فيه البيَّناتُ والهُدَى، أحْمَدُه على نعمه التي لا تَزَالُ تَتْرَى،

وأصلِّي وأسَلِّم على نبيِّه محمدٍ المبْعُوثِ في أُمِّ القُرَى، صلَّى الله عليه وعلى صاحِبِهِ في الْغارِ أبي بكرٍ بلا مِرَا، وعلى عُمَرَ الْمُلْهَمِ في رأيه فهُو بِنُورِ الله يَرَى، وعلى عثمانَ زوجِ ابْنَتَيْهِ ما كان حديثًا يُفْتَرَى، وعلى ابن عمِّهِ عليٍّ بَحْرِ العلومِ وأسَدِ الشَّرى، وعلى آله وأصحابِه الذين انتَشَرَ فضلُهُمْ في الوَرَىَ، وسَلَّمَ تسليمًا،

أما بعد:

فقد وصلنا في كتاب حلية البشر إلى قوله:

بَابُ مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّشَهُدِ الأَخِيرِ

بَابُ مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّشَهُدِ الأَخِيرِ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاةِ وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّالِثَ عَشَرَ الْجُلُوسُ لِلتَّشَهُّدِ الأَخِيرِ وَمَا بَعْدَهُ وَللتَّشَهُّدِ أَقَلُّ وَأَكْمَلُ، فَأَقَلُّهُ الَّذِي لا تَصِحُّ الصَّلاةُ بِدُونِهِ «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، سَلامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ سَلامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ»،

وَأَكْمَلُهُ «التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ»، هَذَا التَّشَهُّدُ اخْتَارَهُ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ مِنْ بَيْنِ أَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ الْمَأْثُورَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاخْتَارَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ هَذَا اللَّفْظَ وَهُوَ «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، وَاخْتَارَ مَالِكٌ لَفْظًا ءَاخَرَ وَهُوَ تَشَهُّدُ عُمَرَ أَيِ الَّذِي عَلَّمَهُ عُمَرُ النَّاسَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ مِمَّا نُقِلَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبَتَ عَنْهُ وَهُوَ «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ…إِلَخ»، وَكُلٌّ مِنَ الصِّيَغِ الثَّلاثِ مُجْزِئٌ.

 وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ صِيغَةُ التَّشَهُّدِ: السَّلامُ عَلَى اللَّهِ، السَّلامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلامُ عَلَى مِيكَائِيلَ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلامُ» وَعَلَّمَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا وَصَلَ فِي عُرُوجِهِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي سَمِعَ فِيهِ خِطَابَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» فَقَالَ اللَّهُ «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَمْ تُفْرَضْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ هَذِهِ الصِّيغَةُ، إِنَّمَا يَرْوِي بَعْضُ الرُّوَاةِ الْكَذَّابِينَ تِلْكَ الْقِصَّةَ، وَقَدْ نَالَتْ مَعَ كَوْنِهَا مَكْذُوبَةً عَلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ شُهْرَةً كَبِيرَةً فَيَجِبُ بَيَانُ ذَلِكَ لِلنَّاسِ.

الحديث الوارد فيه

رَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُدِ الآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».

الشرح والتعليق على هذا الحديث

رَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُدِ الآخِرِ أما ألفاظ التشهد فلها معان، فَأَمَّا «التَّحِيَّاتُ» فَمَعْنَاهَا مَا يُحَيِّي بِهِ الْعِبَادُ، أَيْ أَنَّ كُلَّ التَّعْظِيمَاتِ الَّتِي يُعَظِّمُهَا الْخَلْقُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ هِيَ مِلْكٌ لِلَّهِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: «التَّحِيَّاتُ الْمُلْكُ» اهـ. وَأَمَّا «الْمُبَارَكَاتُ» فَمَعْنَاهُ النَّامِيَاتُ. وَأَمَّا «الطَّيِّبَاتُ» فَمَعْنَاهَا الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ. «لِلَّهِ» أَيْ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَالَى.

وَأَمَّا «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ» فَمَعْنَاهُ السَّلامَةُ مِنَ الآفَاتِ، وَمَعْنَى «أَيُّهَا النَّبِيُّ» يَا نَبِيَّ اللَّهِ،

وَأَمَّا «وَبَرَكَاتُهُ» فَمَعْنَاهُ الزِّيَادَاتُ فِي الْخَيْرِ.

وَأَمَّا «الصَّالِحِينَ» فَهُوَ جَمْعُ صَالِحٍ، وَالصَّالِحُ مَنْ كَانَ قَائِمًا بِحُقُوقِ الْحَقِّ وَحُقُوقِ الْخَلْقِ. وَحُقُوقُ الْحَقِّ مِنْ جُمْلَتِهَا تَعَلُّمُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وَمِنْهَا أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ فَلا يَكُونُ الْعَبْدُ صَالِحًا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا السَّالِحُونَ بِالسِّينِ فَمَعْنَاهُ الْمُتَغَوِّطُونَ أَوْ أَصْحَابُ السِّلاحِ فَلْيُحْذَرْ قِرَاءَةُ الصَّالِحِينَ بِالسِّينِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى.

 فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ قال الفيومي: اسْتَعَذْتُ بِاَللَّهِ وَعُذْتُ بِهِ مَعَاذًا وَعِيَاذًا اعْتَصَمْتُ، وَتَعَوَّذْت بِهِ وَعَوَّذْتُ الصَّغِيرَ بِاَللَّهِ وَمِنْهُ الْمُعَوِّذَتَانِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [سورة الفلق/ الآية 1] وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [سورة الناس/ الآية 1] لِأَنَّهُمَا عَوَّذَتَا صَاحِبَهُمَا أَيْ عَصَمَتَاهُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ مِنْ أَرْبَعٍ أي من أربعة أمور مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وهو أشد عذاب خلقه الله تعالى لتعذيب الكافرين وبعض عصاة المسلمين فلذلك لا يجوز الاستخفاف به، وكذلك لا يجوز الاستخفاف بِوَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْجَنَّةِ وَمَا أَعَدَّ فِيهَا، فمن سَخِرَ بِوَعِيدِ اللَّهِ لِلْكَافِرِينَ وَالْعُصَاةِ بِعَذَابِ الآخِرَةِ وَكَانَ ذَلِكَ الْوَعِيدُ الَّذِي سَخِرَ بِهِ شَيْئًا لَيْسَ خَافِيًا عَلَى الَّذِي يَسْخَرُ بَلْ هُوَ عَالِمٌ بِوُرُودِهِ فِي دِينِ الإِسْلامِ فَقَدْ كَفَرَ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ بَعْضِ السُّفَهَاءِ عِنْدَ ذِكْرِ جَهَنَّمَ «نَتَدَفَّأُ بِهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ» لِأَنَّ هَذَا يَتَضَمَّنُ تَكْذِيبَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ شِدَّةِ نَارِ جَهَنَّمَ. وَأَمَّا مَنْ أَنْكَرَ أَوْ سَخِرَ بِنَوْعٍ مِنَ الْوَعِيدِ يَجْهَلُهُ مِمَّا هُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ بِحَيْثُ يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ فَلا نُكَفِّرُهُ، كَأَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ عَقَارِبَ فِي جَهَنَّمَ.

 وَكَذَلِكَ لا يَكْفُرُ مَنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ فَأَنْكَرَ جَهَنَّمَ أَيْ مَا كَانَ يَسْمَعُ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَعْتَقِدُونَ بِوُجُودِ جَهَنَّمَ دِينًا لَهُمْ، أَمَّا الَّذِي كَانَ يَسْمَعُ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَعْتَقِدُونَ بِوُجُودِ جَهَنَّمَ وَمَعَ ذَلِكَ أَنْكَرَهَا فَهَذَا يَكْفُرُ.

 لَيْسَ مِنَ الِاسْتِخْفَافِ بِوَعِيدِ اللَّهِ سَبُّ جَهَنَّمَ لِأَنَّ جَهَنَّمَ لَيْسَتْ مُعَظَّمَةً إِنَّمَا هِيَ شَىْءٌ شَدِيدٌ، وَلَوْ كَانَتْ مُعَظَمَّةً مَا كُنَّا نَقُولُ اللَّهُمَّ أَجِرْنَا مِنَ النَّارِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ عَنْ جَهَنَّمَ إِنَّهَا خَبِيثَةٌ، إِنَّمَا الْكُفْرُ أَنْ يُقَالَ عَنْهَا لَيْسَتْ بِشَىْءٍ أَوْ هِيَ شَىْءٌ خَفِيفٌ.

جَهَنَّمُ يُسْتَعَاذُ بِاللَّهِ مِنْهَا فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَلَّمَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ أَنْ يَقُولُوهُ فِي الصَّلاةِ كما رواه البخاري ومسلم: «اللَّهُمَّ ‌إِنِّي ‌أَعُوذُ ‌بِكَ ‌مِنْ ‌عَذَابِ ‌الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ». وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَمَّ جَهَنَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [سورة إبراهيم/ الآية 29] وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [سورة النساء/ الآية 97] فَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَثَلًا “وَحَقِّ جَهَنَّمَ” لِأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا شَرَفٌ وَكَلِمَةُ “وَحَقِّ كَذَا” تُشْعِرُ بِشَرَفِ الشَّىْءِ الْمَذْكُورِ.

 وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ عَرْضُ النَّارِ عَلَى الْكَافِرِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً أَوَّلَ النَّهَارِ وَمَرَّةً ءَاخِرَ النَّهَارِ يَتَعَذَّبُ بِنَظَرِهِ وَرُؤْيَتِهِ لِمَقْعَدِهِ الَّذِي يَقْعُدُهُ فِي الآخِرَةِ، وَتَضْيِيقُ الْقَبْرِ عَلَيْهِ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلاعُهُ، فَالأَضْلاعُ الَّتِي فِي إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ تَدْخُلُ فِي الأَضْلاعِ الَّتِي فِي الْجِهَةِ الأُخْرَى، وَبَعْضُ النَّاسِ يُسَلَّطُ عَلَيْهِمُ الثَّعَابِينُ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَأْتِيهِمْ رِيحُ جَهَنَّمَ إِلَى الْقَبْرِ، وَكَذَلِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الِانْزِعَاجُ مِنَ ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَوَحْشَتِهِ، وَضَرْبُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ لِلْكَافِرِ بِمِطْرَقَةٍ بَيْنَ أُذُنَيْهِ؛ وَيَشْمَلُ ذَلِكَ مَا يَحْصُلُ لِبَعْضِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَاتُوا بِلا تَوْبَةٍ لا لِجَمِعِيهِمْ مِمَّا هُوَ دُونَ مَا يَحْصُلُ لِلْكَافِرِ كَضَغْطَةِ الْقَبْرِ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلاعُهُ فَهَذِهِ الضَّغْطَةُ تَحْصُلُ لِبَعْضِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ، أَمَّا الأَتْقِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ وَالأَطْفَالُ فَلا تَحْصُلُ لَهُمْ. وَلَمْ يَصِحَّ حَدِيثُ (لَوْ نَجَا مِنْهَا أَحَدٌ لَنَجَا سَعْدٌ) كَمَا حَكَمَ بِضَعْفِهِ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، فَسَعْدُ بنُ مُعَاذٍ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الأَوْلِيَاءِ وَاللَّهُ تعالى يَقُولُ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة يونس/ الآية 62]. فَحَدِيثُ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ عَلَى سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ غَيْرُ ثَابِتٍ وَإِنْ صَحَّحَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ لِأَنَّهُ خِلافُ مَضْمُونِ الآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَخِلافُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا الضَّغْطَةُ عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ إِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِيهَا الْكَافِرُ الْمُعْلِنُ لِكُفْرِهِ وَالْمُنَافِقُ الَّذِي يُخْفِي كُفْرَهُ.

وَمِثْلُهُ حَدِيثُ ضَغْطَةِ الصِّبْيَانِ فَإِنَّهُ لا يَصِحُّ فَالأَحَادِيثُ الْمُعَمِّمَةُ لِكُلِّ مَيِّتٍ سِوَى الأَنْبِيَاءِ لا تَصِحُّ وَهِيَ تُخَالِفُ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَسَنَتُهُ فَإِذَا فَارَقَ الدُّنْيَا فَارَقَ السِّجْنَ وَالسَّنَةَ» رَوَاهُ أحمد في مسنده لِأَنَّ هَذَا لا يَتَّفِقُ مَعَ ضَغْطَةِ  الْقَبْرِ عَلَى الْمُؤْمِنِ التَّقِيِّ، وَمَا ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّ تِلْكَ الضَّغْطَةَ كَضَمَّةِ الأُمِّ لِطِفْلِهَا لا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ ضَغْطَةَ الأُمِّ لِطِفْلِهَا لَيْسَ فِيهَا إِيذَاءٌ.

 وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ قال ابن دقيق العيد: “فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه، ويجوز أن يراد بها فتنة القبر”. النبي صلى الله عليه وسلم حذرنا من الفتن، فقد روي عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَادِرُوْا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِيْ كَافِرًا، وَيُمْسِيْ مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيْعُ دِيْنَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ويفهم من هذا التحذيرُ من وقوع الفتن والتنبيهُ عليها والتحذيرُ منها وبيانُ أنها سوداءُ مظلمةٌ شَبَّهَهَا الرسول صلى الله عليه وسلم بقطع الليل المظلم الذي يشتبه على الناظر إليه،

وهذا الحديث كأننا نعيش في واقعه «بادِرُوا بالأعمالِ الصالحةِ فتنًا كقِطعِ الليلِ المظْلِم، يصبحُ الرجلُ مؤمِنًا ويُمسِي كافِرا» ألا ترى من الناس من يبيع الدين بشىء من الدنيا؟ وذلك لغلبة الفتن وشدة الغفلة وكثرة الجهل بدين الله تعالى، وإننا اليوم في معترك فتن عظيمة من هذه، فتن كقطع الليل المظلم، يتبع بعضها بعضًا، وينسي بعضها بعضًا، فالمال فتنة هلك به كثير من الناس في هذه الأزمنة، والأولاد فتنة وكم استعصى أمرهم على معظم أولياء الأمور، ومخالطة الأشرار من المنافقين فتنة وكم امتلأت منهم الديار وعظمت بسببهم الأخطار، والنساء فتنة وكم جلبن من المصائب على الكثيرين، وكم يكيد بهن الأعداء لإفساد مجتمع المسلمين، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونسأله الهدى والسداد والصلاح في الحال والمآل.

وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ هو من جملة علامات الساعة الكبرى، وَأَشْرَاطُ السَّاعَةِ الْكُبْرَى عَشَرَةٌ وَهِيَ: خُرُوجُ الدَّجَّالِ، وَنُزُولُ الْمَسِيحِ، وَخُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ دَابَّةِ الأَرْضِ، بَعْدَ ذَلِكَ لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ أَحَدٍ تَوْبَةً، وَهَاتَانِ الْعَلامَتَانِ تَحْصُلانِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بَيْنَ الصُّبْحِ وَالضُّحَى، وَدَابَّةُ الأَرْضِ هَذِهِ تُكَلِّمُ النَّاسَ وَتُمَيِّزُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ وَلا أَحَدَ مِنْهُمْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْرُبَ مِنْهَا، ثُمَّ الدُّخَانُ، يَنْزِلُ دُخَانٌ يَنْتَشِرُ فِي الأَرْضِ فَيَكَادُ الْكَافِرُونَ يَمُوتُونَ مِنْ شِدَّةِ هَذَا الدُّخَانِ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ يَصِيرُ عَلَيْهِ كَالزُّكَامِ، وَثَلاثَةُ خُسُوفٍ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَهَذِهِ الْخُسُوفُ لا تَأْتِي إِلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ وَنُزُولِ الْمَسِيحِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَتَقَعُ فِي أَوْقَاتٍ مُتَقَارِبَةٍ، وَالْخُسُوفُ مَعْنَاهُ انْشِقَاقُ الأَرْضِ وَبَلْعُ مَنْ عَلَيْهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَقَعَ هَذِهِ الْخُسُوفُ فِي ءَانٍ وَاحِدٍ، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ فَتَسُوقُ النَّاسَ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَعَدَنُ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ،

من جملة علامات الساعة الكبرى خُرُوجُ الدَّجَّالِ وَيُقَالُ لَهُ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ وَالْمَسِيحُ الْكَذَّابُ، وَسُمِّيَ بِالْمَسِيحِ لِأَنَّهُ يُكْثِرُ السِّيَاحَةَ فَهُوَ يَطُوفُ الأَرْضَ فِي نَحْوِ سَنَةٍ وَنِصْفٍ يَسِيحُ فِي الدُّنْيَا إِلَى كُلِّ الْجِهَاتِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَة لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ وَلا الْمَدِينَةَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الدَّجَّالَ يَأْتِي إِلَى الْمَدِينَةِ فَيَجِدُ عَلَى كُلِّ نَقَبٍ مِنْ أَنْقَابِهَا مَلَكًا مَعَهُ سَيْفٌ مُسَلَّطٌ فَيَفِرُّ. وَالدَّجَّالُ شَأْنُهُ غَرِيبٌ فِي تَنَقُّلِهِ لَيْسَ مِثْلَنَا لِيَفْتِنَ اللَّهُ بِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ فَيَضِلُّوا مَعَهُ، يُسَهِّلُ لَهُ التَّنَقُّلَ فِي الأَرْضِ بِطَرِيقٍ غَرِيبٍ فَيُضِلُّ هُنَا وَهُنَا وَهُنَا يَقُولُ لِلنَّاسِ أَنَا رَبُّكُمْ وَيُظْهِرُ لَهُمْ تَمْوِيهَاتٍ فَيُؤْمِنُ بِهِ الْيَهُودُ ثُمَّ بَعْضُ الَّذِينَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الشَّقَاوَةَ مِنْ غَيْرِ الْيَهُودِ، فَلِكَثْرَةِ سِيَاحَتِهِ يُسَمَّى الْمَسِيحَ، لَكِنَّهُ بِمَا أَنَّهُ كَافِرٌ يُضِلُّ النَّاسَ يُسَمَّى الدَّجَّالَ.

الحديث الذي بعده

وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ فِى الصَّحِيحِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فِى الصَّلاةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ».

الشرح والتعليق على هذا الحديث

وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ فِى الصَّحِيحِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فِى الصَّلاةِ وكذلك أُنبه على أمر مهم في ذِكر كَلِمَاتِ التَّشَهُّدِ فينبغي مُرَاعَاةُ ألفاظها فَعَلَى قَوْلٍ لَوْ قَرَأَ (أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) بِفَكِّ الإِدْغَامِ الَّذِي فِي (أَنْ لا) لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ فَكَّ الإِدْغَامَ فِي (مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) أَيْ إِدْغَامَ تَنْوِينِ الدَّالِ فِي رَاءِ (رَسُولِ) لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ إِنْ مَضَى عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُعِدْهُ عَلَى الصَّوَابِ لَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لا يَضُرُّ فِي صِحَّةِ الصَّلاةِ لَوْ قَرَأَ (أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) بِلا إِدْغَامٍ أَوْ قَرَأَ (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) بِلا إِدْغَام وَكَذَلِكَ لا يَضُرُّ فِي صِحَّةِ الإِسْلامِ لِمَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي الإِسْلامِ.

«اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ هذا فيه إثبات عذاب القبر وعود الروح إلى الجسد، يقول عزّ وجلّ في القرءان الكريم: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [سورة غافر/ الآية 46] اعلم رحمنا الله وإياك أن من معاني الشهادة الثانية أي أشهد أن محمدًا رسول الله أن يصدق الإنسان بعذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين منكر ونكير عليهما السلام، فمن أنكر عذاب القبر: كذب القرءان ومن كذب القرءان كفر، فهذه الآية فيها إثبات عذاب القبر وهي صريحة لأن الله تعالى قال: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ معناه أن ءال فرعون أي أتباعه الذين اتبعوه على الكفر والشرك يعرضون على النار في البرزخ أي في مدة القبر والبرزخ ما بين الموت إلى البعث يعرضون على النار عرضًا من غير أن يدخلوها حتى يمتلئوا رعبًا أول النهار مرة وءاخر النهار مرة ووقت الغداة من الصبح إلى الضحى وأما العشي فهو وقت العصر ءاخر النهار، ويوم تقوم الساعة أي يقال للملائكة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب، وءال فرعون هم الذين عبدوه واتبعوه في أحكامه الجائرة ليس معناه أقاربه.

 أما بعضهم فمن جهله قرأ الآية أوّلًا خطأ فقال: “النار” بالفتح بدل الضم، ثم قال أنت لما تذهب إلى السوق أنت تعرض على البضاعة وإلا البضاعة تعرض عليك؟! فقال العذاب أن تعرض علي النار وليس أنا أعرض على النار!! فلذلك بزعمه نفى عذاب القبر.

وفسّر الآية أن أسماء الكفار تعرض على جهنم حتى وهم في الدنيا، يعني على زعمه أن النار هي التي ترى أسماء الكفار كل يوم وليس الكفار هم من يعرضون على النار!!! وهذا يدل على  جهله الشديد في اللغة وفي القرءان وأنه لا يجوز له أن يقدم على تفسير القرآن لأنه ليس أهلًا لذلك.

في اللغة لا فرق بين أن تعرض النار عليه أو يعرض هو على النار بل هذا للتخويف، فقد قال المفسرون إنها من باب القلب؛ أي المقلوب، أنت تقول: “عرضت الدابة على الماء” والمعنى عرضت الماء على الدابة، وتقول: “أدخلت إصبعي في الخاتم، وأدخلت الخاتم في إصبعي” وتقول: “أدخلت القلنسوة رأسي، وأدخلت رأسي في القلنسوة” كما في لسان العرب ومختار الصحاح والمصباح المنير عند كلمة عرض. وأما جهله في القرآن أدّى به إلى هذا الكلام.

فالله تعالى قال: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [سورة الشورى/ الآية 45]، وقال: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [سورة الأحقاف/ الآية 34]، ويؤيد هذا الحديث الذي رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ أحدَكم إذا مات عُرِض عليه مقعدُه بالغَدَاة والعَشِي، إن كان من أهل الجنة فمِن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمِن أهل النار، فيُقال: هذا مقعدُك حتى يبعثك الله يوم القيامة».

 وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ لَمَّا يَخْرُجُ الدَّجَّالُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ يَشْبَعُونَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْتِنُ بِهِ بَعْضَ الْخَلْقِ، فَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ يُيَسِّرُ اللَّهُ لَهُمُ الأَرْزَاقَ وَيُوَسِّعُ عَلَيْهِمْ، وَالْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَهُ وَلا يَتَّبِعُونَهُ تَحْصُلُ لَهُمْ مَجَاعَةٌ، فَيُعِينُهُمُ اللَّهُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ، فَهَذَا يَقُومُ مَقَامَ الأَكْلِ فَلا يَضُرُّهُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمَّا يَنْزِلُ الْمَسِيحُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْتُلُ الدَّجَّالَ، بَعْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ رَخَاءٌ كَبِيرٌ، وَيَلْتَقِي الْمَهْدِيُّ بِعِيسَى أَوَّلَ نُزُولِهِ فَعِيسَى يُقَدِّمُ الْمَهْدِيَّ إِمَامًا إِظْهَارًا لِكَرَامَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ وَإِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَنْزِلُ لِيُطَبِّقَ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ فِي عَهْدِ الْمَسِيحِ يَصِيرُ رَخَاءٌ كَثِيرٌ وَأَمْنٌ فَتُخْرِجُ الأَرْضُ مَا فِي دَاخِلِهَا مِنَ الذَّهَبِ حَتَّى إِنَّهُ لا يُوجَدُ إِنْسَانٌ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ مِنْ عُمُومِ الْغِنَى.

 وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ موقف المؤمن من الفتن: الثبات على الحق والدعاء، فللدعاء أثرٌ عظيم في الثبات والنصر، والاستعاذةُ بالله تعالى من الفتن، ففي الحديث المتفق عليه «وأعُوذُ بِكَ مِنْ فتنةِ المحيَا والممَات»، والعبادة وقتَ الفتن هي وصيّة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، وقد نزلت الفتن في هذه الأمة منذ عصر الصحابة وما تزال إلى أيامنا هذه، فقد روى البخاري عن حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْفِتْنَةِ كَمَا قَالَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: أَنَا. قَالَ: إِنَّكَ لَجَرِيءٌ. وَكَيْفَ قَالَ؟ قَالَ قُلْتُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ يَقُولُ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، يُكَفِّرُهَا الصِّيامُ وَالصَّلاَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ». فَقَالَ عُمَرُ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ. إِنَّمَا أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ. قَالَ: فَقُلْتُ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: أَفَيُكْسَرُ الْبَابُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لاَ. بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ: ذلِكَ أَحْرَى أَنْ لاَ يُغْلَقَ أَبَدًا. قَالَ: فَقُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: هَلْ كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ؟ قَالَ: نَعَمْ. كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ. إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ. قَالَ: فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ: مَنِ الْبَابُ؟ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ. فَسَأَلَهُ: فَقَالَ: عُمَرُ.

 وروى ابن أبي شيبة عن علي قال: وضع الله في هذه الأمة خمس فتن: فتنة عامة ثم فتنة خاصة ثم فتنة عامة ثم فتنة خاصة، ثم فتنة تموج كموج البحر، يصبح الناس فيها كالبهائم.

وقال البخاري في صحيحه: قال ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ خَلَفِ بنِ حَوْشَبٍ: كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يَتَمَثَّلُوا بِهذِهِ الأبْياتِ عِنْدَ الفِتَنِ، قال امرُؤ القَيْسِ:

الحَرْبُ أوَّلُ ما تَكُــــــــونُ فَتِيّـــةً *** تَسْعَى بِزِينَتها لِكُــــلِّ جَهُــولِ

حتَّى إذَا اشْتَعَلَتْ وشَبَّ ضِرامُـها *** ولّتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيـلِ

شَمْطاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهــــا، وتَغَيَّــرَتْ *** مَكْرُوهَـــةً لِلشَّــــمِّ والتَّقْبِيـــلِ

اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ قال النووي: وَمَعْنَاهُ مِنَ الْإِثْمِ وَالْغُرْمِ وَهُوَ الدَّيْنُ.

الحديث الذي بعده

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَأَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ عَنْ عَلِىِّ بنِ أَبِى طَالِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ ءَاخِرَ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّى أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».

الشرح والتعليق على هذا الحديث

من أركان الصلاة التسليم، وهو الركن السَّادِسَ عَشَرَ، وَأَقَلُّهُ «السَّلامُ عَلَيْكُمْ». مِنْ شُرُوطِ إِجْزَاءِ السَّلامِ الإِتْيَانُ بِأَلْ فَلا يَكْفِي سَلامٌ عَلَيْكُمْ، وَكَذَلِكَ لا يَكْفِي إِبْدَالُ كَلِمَةِ عَلَيْكُمْ بِعَلَيْكَ بِدُونِ الْمِيمِ. وَالْمُوَالاةُ بَيْنَ كَلِمَتَيْهِ. وَأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ. وَكَوْنُهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِصَدْرِهِ إِلَى تَمَامِهِ وَذَلِكَ بِالإِتْيَانِ بِمِيمِ عَلَيْكُمْ، قَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أَلْ وَالتَّنْوِينِ أَجْزَأَ ذَلِكَ، أَوْ زَادَ وَاوًا فَقَالَ: السَّلامُو عَلَيْكُمْ. أَوْ أَتَى بِحَرْفِ الْعَطْفِ – أَيْ قَبْلَ السَّلامِ – فَقَالَ: وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ أَجْزَأَ ذَلِكَ. أَمَّا أَكْمَلُهُ فَيَحْصُلُ بِزِيَادَةِ «وَرَحْمَةُ اللَّهِ» أَخْرَجَ الْحَدِيثَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ زِيَادَةَ «وَبَرَكَاتُهُ» وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ فِي التَّسْلِيمَةِ الأُولَى.

وَتُسَنُّ تَسْلِيمَةٌ ثَانِيَةٌ وَإِنْ تَرَكَهَا الإِمَامُ، هَذَا إِذَا لَمْ يَعْرِضْ مَعَهَا أَوْ قَبْلَهَا مُبْطِلٌ كَحَدَثٍ وَإِلَّا حَرُمَتِ الزِّيَادَةُ.

وَالْفَصْلُ بَيْنَ التَّسْلِيمَتَيْنِ بِقَدْرِ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالِابْتِدَاءُ بِهِ مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ.

«اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّى النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستغفار بهذه الصيغ حتى نكثر منه، ومعنى الاستغفار طلب المغفرة من الله تعالى، كأنه قال: اللهم اغفر لي، وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الِاسْتِغْفَارِ فِى الْقُرْءَانِ بِمَعْنَى طَلَبِ مَحْوِ الذَّنْبِ بِالإِسْلامِ وَذَلِكَ كَالَّذِى ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِى الْقُرْءَانِ عَنْ نُوحٍ عليه السلام: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [سورة نوح/ الآية 10] فَإِنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ مُشْرِكُونَ فَمَعْنَاهُ اطْلُبُوا مِنْ رَبِّكُمُ الْمَغْفِرَةَ بِتَرْكِ الْكُفْرِ الَّذِى أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ فِى اسْتِحْقَاقِ الأُلُوهِيَّةِ وَالإِيمَانِ بِنُوحٍ أَنَّهُ نَبِىُّ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلَيْكُمْ.

 وبالاستغفارِ يُنزلُ اللهُ المطرَ، وبالاستغفارِ يرزقُكَ اللهُ الولدَ، وبالاستغفارِ يرزقُكَ اللهُ المالَ ويقضي عنك الدين، وبالاستغفارِ يفرجُ اللهُ همَّكَ وكربَكَ، وبالاستغفارِ تدخلُ الجنةَ بإذنِ الله تعالى، يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى حكاية عن نوح عليه السلام: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [سورة نوح/ الآية 10-12].

ويقول رسولُ اللهِ ﷺ فيما رواه ابن ماجه والطبراني: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» ولزومُ الاستغفارِ أي الإكثارُ منه، وأقلُّ الإكثارِ منه أن تستغفرَ اللهَ تعالى: بقول “أستغفرُ اللهَ” مثلا ثلاثَمائةِ مرةٍ في يومِك، وروى الحاكمُ عن الصحابيِّ الجليلِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال أستغفرُ اللهَ الذي لا إلهَ إلا هوَ الحيُّ القيومُ، وأتوبُ إليه ثلاثًا غُفرتْ له ذنوبُه و إن كانَ فارًّا من الزَّحْفِ»، أي ولو كان هاربًا من قتالِ الكفارِ ومرتكبًا لكبيرةٍ من أعظمِ الكبائرِ، قد يغفرُ اللهُ تعالى له بهذا الذكرِ البسيط،

 وقد قال قتادةُ: “إن القرءانَ يدلُّكم على دائِكم ودوائِكم، أما داؤُكم فذنوبُكم، وأما دواؤُكم فالاستغفار”.

أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ المقدم المؤخر من أسماء الله الحسنى معناه أنه هُوَ المُنزِلُ لِلأَشيَاءِ مَنَازِلَهَا، يُقَدِّمُ مَا يَشَاءُ مِنهَا وَيُؤَخِّرُ مَا يَشَاءُ بِحِكمَتِهِ، فَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُقَدِّمُ مَا يَشَاءُ وَيُؤَخِّرُ مَا يَشَاءُ سُبحَانَهُ، فَمَخلُوقَاتُ اللهِ تَعَالَى يَجُوزُ عَلَيهَا مِن حَيثُ العَقلُ مَا يَجُوزُ عَلَى بَعضٍ، وَلَكِنَّ اللهَ قَدَّمَ مَا شَاءَ وَأَخَّرَ مَا شَاءَ سُبحَانَهُ فَهُوَ الَّذِي جَعَلَ السَّمَاءَ فَوقَ الأَرضِ وَجَعَلَ العَرشَ سَقفًا لِلجَنَّةِ وَجَعَلَ مَحَلَّ جَهَنَّمَ الآنَ تَحتَ الأَرضِ السَّابِعَةِ، وَجَعَلَ الأَنبِيَاءَ مُفَضَّلِينَ عَلَى بَعضٍ فِي الدَّرَجَاتِ، فَفَضَّلَ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ عَلَيهِم وَخَصَّهُ بِالوَسِيلَةِ وَالفَضِيلَةِ وَالدَّرَجَةِ العَالِيَةِ الرَّفِيعَةِ مِنَ الجَنَّةِ وَرَفَعَ لَهُ ذِكرَهُ فِي الأَرضِ وَالسَّمَاءِ، حَيثُ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [سورة الشرح/ الآية 4]، فَقَدَّمَ اللهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى أَنبِيَائِهِ فِي الحَشرِ يَومَ الدِّينِ وَفِي الدُّنيَا وَخَصَّهُ بِمَرَاتِبَ عَظِيمَةٍ فَهُوَ أَوَّلُ مَن يَخرُجُ مِن قَبرِهِ وَهُوَ أَوَّلُ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ وَهُوَ أَوَّلُ مَن يُكسَى فِي الجَنَّةِ مِن حُلَلِ أَهلِ الجَنَّةِ وَهُوَ صَاحِبُ الحَوضِ المَورُودِ وَالمَقَامِ المَحمُودِ وَهُوَ صَاحِبُ لِوَاءِ الحَمدِ يَومَ الدِّينِ وَقَائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ ﷺ.

الحديث الذي بعده

وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ فِى الصَّحِيحِ وَالتِّرْمِذِىُّ وَالنَّسَائِىُّ وَابْنُ مَاجَه فِى السُّنَنِ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِى دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِى صَلاتِى. قَالَ: «قُلْ اللَّهُمَّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى ظُلْمًا كَثِيرًا وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِى مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِى إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»، وَفِى رِوَايَةٍ «كَبِيرًا» بِالْبَاءِ الْمُوَحَدَّةِ.

 داوموا على هذه الأذكار التي نشرحها كل درس لما فيها من الفضائل والخيرات، وفي هذه الراوية اجمعوا بين اللفظين، فقولو: «كثيرا كبيرا». النبي صلى الله عليه وسلم علَّم أبا بكر الصديق أن يدعو بهذه الدعاء ويكثر من الاستغفار لما في الاستغفار من البركات والخيرات والمبرات التي لا يعلمها إلا الله عز وجل،

جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: واذنوباه واذنوباه. فقال هذا القوْلَ مرَّتَيْن أو ثلاثًا، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «قلِ: اللَّهمَّ مغفرتُك أوسعُ من ذنوبي ورحمتُك أرجَى عندي من عملي» فقالها، ثمَّ قال: عدْ. فعاد، ثمَّ قال: عدْ. فعاد، ثمَّ قال: «قمْ فقد غفر اللهُ لك» رواه الحاكم.

 ومن بركات الاستغفار تروى قصص كثيرة نذكر منها قصة تروى عن أحمد بن حنبل:

يروى أن الإمامَ ‌أحمدَ بنَ حنبلٍ رضي الله عنه كان يريدُ أن يقضِيَ ليلتَهُ في ‌المسجدِ ولكنَّ حارسَ ‌المسجدِ مَنَعَه من المبيتِ في ‌المسجدِ، والإمامُ يحاول معه ولكن دون جدوَى، فقال له الإمامُ: سأنام موضِعَ قدمَي، وبالفعلِ نامَ الإمامُ فقامَ حارسُ ‌المسجدِ بجرِّهِ لإبعادِهِ من مكانِ ‌المسجدِ، وكانَ الإمامُ ‌أحمدُ بنُ حنبلٍ شيخًا وَقُورًا تبدُو عليهِ ملامحُ الكِبَرِ، فرآهُ خبازٌ فلما رآهُ يُجَرُّ بهذه الهيئةِ عَرَضَ عليهِ المَبيتَ، فذهبَ الإمامُ ‌أحمدُ بنُ حنبلٍ معه، فأكرَمَهُ ونعَّمَه، وذهب ‌الخبازُ لتحضيرِ عجينِهِ لعملِ الخبزِ، فسمعَ الإمامُ ‌أحمدُ بنُ حنبلٍ ‌الخبازَ يستغفرُ ويستغفر، ومضى وقتٌ طويلٌ وهو على هذه الحالِ فتعجَّبَ الإمامُ ‌أحمدُ بن حنبل، فلما أصبحَ سألَ الإمامُ ‌أحمدُ ‌الخبازَ عن استغفاره في الليل: فأجابه ‌الخبازُ: أنه دائمُ الاستغفارِ. فسأله الإمام ‌أحمد: وهل وجدتْ لاستغفارِكَ ثمرَةً؟ سأله الإمام أحمد هذا السؤال وهو يعلم ثمراتِ الاستغفارِ. فقال ‌الخباز: نعم، والله ما دعوتُ دعوةً إلا أُجيبَتْ، إلا دعوةٌ واحدةٌ! فقال الإمام ‌أحمد: وما هي؟ فقال ‌الخباز: رؤيةُ الإمامِ ‌أحمدَ بنِ حنبلٍ! فقال الإمام ‌أحمد: أنا ‌أحمد بن حنبل والله إني جُررت إليك جرًّا.

والله تعالى أعلم وأحكم