حلية البشر| باب ما يقال عند الريح ونزول الغيث: آداب الدعاء ومعاني الرحمة والعذاب

حلية البشر مدة الدرس ٥٨:١٣

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اصْطَفَى الإِسْلَامَ دِينًا لِصَفْوَةِ بَرِيَّتِهِ، وَبَعَثَ بِهِ المُرْسَلِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ مِنْ خَلِيقَتِهِ، وَجَعَلَنَا قَوَّامِينَ بِشَرِيعَتِهِ، وَعَلَى مِلَّتِهِ ذَابِّينَ عَنْ حَرِيمِهِ، عَامِلِينَ بِسُنَّتِهِ، نَحْمَدُهُ حَقَّ حَمْدِهِ، وَنَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ لِرُشْدِهِ، وَنَرْغَبُ إِلَيْهِ فِي المَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ. 

وَأَشْهَدُ أَنَّهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ المُصْطَفَى عَلَى المُرْسَلِينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ أَفْضَلِ الصِّدِّيقِينَ، وَعَلَى عُمَرَ المَعْرُوفِ بِالقُوَّةِ فِي الدِّينِ، وَعَلَى عُثْمَانَ المَقْتُولِ ظُلْمًا بِأَيْدِي المُجْرِمِينَ، وَعَلَى عَلِيٍّ أَقْرَبِهِمْ نَسَبًا عَلَى اليَقِينِ. 

فَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَى خَاتَمِ الرُّسُلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، أَفْضَلِ النَّبِيِّينَ، وَخِيرَةِ اللهِ مِنَ الخَلْقِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى صَحَابَتِهِ الأَخْيَارِ المُنْتَجَبِينَ، وَتَابِعِيهِمْ بِالإِحْسَانِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ:

فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِ الأَذكَارِ الوَارِدَةِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن كِتَابِ حِليَةِ البَشَرِ إِلَى قَولِهِ:

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ تَأْتِى بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِى بِالْعَذَابِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلا تَسُبُّوهَا وَسَلُوا اللهَ خَيْرَهَا وَاسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا)).

شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «الرّيحُ من رَوْحِ الله… فلا تسبّوها»

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَيْ: رَحْمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ، وَرَحْمَةُ اللهِ بِعِبَادِهِ فِي الدُّنْيَا شَمِلَتِ المُؤْمِنَ وَالكَافِرَ، وَفِي الآخِرَةِ لَا يَنَالُهَا إِلَّا مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا؛ فَلَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ.

وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا))، وَمَعْنَاهُ: لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ. 

وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((وَلَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ)). 

وَالرَّحْمَةُ بَعْدَ المَوْتِ وَمَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ تَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِ فَقَطْ، وَلَيْسَ لِلْكَافِرِ، 

فيُفْهَمُ مِمَّا ذَكَرْتُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّرَحُّمُ عَلَى كَافِرٍ بَعْدَ المَوْتِ؛ فَالجَنَّةُ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَالكَافِرُ لَا تَنَالُهُ رَحْمَةُ اللهِ بَعْدَ المَوْتِ، مَهْمَا عَمِلَ مِنْ صُوَرِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَمَهْمَا أَكْثَرَ مِنْ صُوَرِ الحَسَنَاتِ.

أقسام الكفر: القولي، والفعلي، والاعتقادي، والتنبيه إلى الرجوع إلى الإسلام بالشهادتين عند الوقوع في شيء من ذلك.

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [سورة الفرقان/ الآية 23]،وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 156]، فَالرَّحْمَةُ بَعْدَ المَوْتِ خَاصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ، لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَنْسُبُ إِلَى اللهِ الوَلَدَ، أَوِ الشَّبِيهَ، أَوِ المَكَانَ، أَوِ الجِسْمَ. فَيُعْلَمُ مِنْ هٰذَا أَنَّ الَّذِي مَاتَ كَافِرًا أَصْلِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا؛ بِأَنْ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ، وَمَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الرِّدَّةِ، لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.

وَقَدْ ذَكَرَ العُلَمَاءُ أَنَّ الكُفْرَ يُقْسَمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: فَمِنْهُ مَا هُوَ قَوْلِيٌّ، كَمَنْ يَسُبُّ اللهَ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ، أَوْ يَسُبُّ دِينَ الإِسْلَامِ، أَوْ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، أَوْ مَلَكًا مِنَ المَلَائِكَةِ الكِرَامِ، أَوْ يَسْتَهْزِئُ بِشَرْعِ اللهِ وَبِشَرِيعَتِهِ وَبِمَعَالِمِ دِينِهِ، أَوْ يَسْتَخِفُّ بِعَذَابِ جَهَنَّمَ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَذَابٍ خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى. 

وَالقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الكُفْرِ هُوَ الفِعْلِيُّ، كَالَّذِي يُلْقِي المُصْحَفَ فِي القَاذُورَاتِ، أَوْ يَسْجُدُ لِلشَّمْسِ وَالقَمَرِ. 

وَالقِسْمُ الثَّالِثُ هُوَ الكُفْرُ الِاعْتِقَادِيُّ، كَالَّذِي يَعْتَقِدُ خِلَافَ عَقِيدَةِ المُسْلِمِينَ، كَالَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا، أَوْ زَوْجَةً، أَوْ شَرِيكًا، أَوْ يَعْتَقِدُ عَقِيدَةَ اليَهُودِ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَعِبَ فِي اليَوْمِ السَّابِعِ، وَاسْتَرَاحَ جَالِسًا عَلَى العَرْشِ، فَنَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [سورة ق/ الآية 38]. فَاللهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالتَّعَبِ، وَلَا بِالجُلُوسِ، وَلَا بِالجِسْمِيَّةِ، وَلَا بِالحَدِّ، وَلَا بِالمَكَانِ، وَلَا بِالزَّمَانِ؛ فَهُوَ خَالِقُ المَكَانِ وَالزَّمَانِ، كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَهُمَا بِدُونِهِمَا، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، مَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبَالِكَ فَاللهُ بِخِلَافِ ذٰلِكَ.

وَلْيُعْلَمْ أَنَّ مَنْ وَقَعَ فِي أَيِّ قِسْمٍ مِنَ الكُفْرِ فَعَلَيْهِ فَوْرًا الرُّجُوعُ إِلَى الإِسْلَامِ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَتَرْكِ مَا صَدَرَ مِنْهُ. نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُجَنِّبَنَا الكُفْرَ، وَمَا يُقَرِّبُ إِلَيْهِ مِنْ قَوْلٍ، أَوْ عَمَلٍ، أَوِ اعْتِقَادٍ.

من دلائل خير الريح: نصر الله تعالى للنبي ﷺ بريح الصَّبا يوم الأحزاب

))، فَقَدْ نَصَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ بِرِيحِ الصَّبَا يَوْمَ الْأَحْزَابِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [سورة الأحزاب/ الآية 9]،

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الصَّبَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾، وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ))، فَكَانَتِ الرِّيحُ عَذَابًا لِأَقْوَامِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَانَتْ نَصْرًا لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَذَابًا لِمُخَالِفِيهِ.

وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَحْزَابَ مِنَ الْيَهُودِ وَالْعَرَبِ اجْتَمَعُوا لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى أَيْضًا بِغَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، وَذَلِكَ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَحَفَرَ الْمُسْلِمُونَ الْخَنْدَقَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ لِيَحْمُوهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَاشْتَدَّ الْجُوعُ وَالْخَطْبُ بِالْمُسْلِمِينَ وَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ))، ثُمَّ جَعَلَ ﷺ يَدْعُو عَلَى الْأَحْزَابِ فَيَقُولُ: ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، 

فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ مِنْ شَيْءٍ نَقُولُهُ فَقَدْ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ أَيْ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْخَوْفِ، فَقَالَ ﷺ: ((نَعَمْ، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا)) رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَبَشَّرَهُ أَنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا، فَأَعْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ وَشَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَثْنَى عَلَيْهِ.

وَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى رِيحًا عَاصِفًا وَهِيَ الصَّبَا وَهِيَ الرِّيَاحُ الشَّرْقِيَّةُ فِي لَيَالٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَقَلَعَتِ الْأَوْتَادَ، وَأَطْفَأَتْ نِيرَانَهُمْ، وَصَارَتِ الرِّيحُ تُلْقِي الرِّجَالَ عَلَى أَمْتِعَتِهِمْ، وَسَفَّتْ عَلَيْهِمُ التُّرَابَ وَرَمَتْهُمْ بِالْحَصَى، وَلَمْ تُجَاوِزِ الرِّيحُ مُعَسْكَرَهُمْ، وَصَارُوا يَسْمَعُونَ فِي نَوَاحِي مُعَسْكَرِهِمُ التَّكْبِيرَ وَقَعْقَعَةَ السِّلَاحِ – وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ – وَفِي ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ۝ إِذْ جَاءُوكُمْ مِّنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ۝ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [سورةالأحزاب/ الآية 9-11]، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [سورة الأحزاب/ الآية 25].

وَحَصَلَ اخْتِلَافُ كَلِمَةِ الْمُشْرِكِينَ وَدَبَّ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبُ وَالْقَلَقُ مَعَ شِدَّةِ الظُّلْمَةِ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ مِنِ انْطِفَاءِ نِيرَانِهِمْ، بِحَيْثُ كَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَا يَرَى إِصْبَعَهُ إِذَا مَدَّهَا، فَجَعَلَ سَيِّدُ كُلِّ حَيٍّ مِنْهُمْ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يَا بَنِي فُلَانٍ هَلُمَّ إِلَيَّ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَسْتُمْ بِدَارِ مُقَامٍ، وَلَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ وَالْخُفُّ وَلَقِينَا مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ مَا تَرَوْنَ، فَارْتَحِلُوا فَإِنِّي مُرْتَحِلٌ، فَذَهَبُوا جَمِيعًا.

فَلَمَّا انْجَلَى الْأَحْزَابُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا، نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَكَانَ كَمَا قَالَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ، فَلَمْ تَرْجِعْ قُرَيْشٌ بَعْدَهَا إِلَى غَزْوِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ ﷺ يَغْزُو الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ.

النهي عن سبّ الريح

وَتَأْتِى بِالْعَذَابِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلا تَسُبُّوهَا وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ حَدِيثًا عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الفَقْرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَعَلَّكَ تَسُبُّ الرّيحَ)). قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَسُبَّ الرِّيَاحَ فَإِنَّهَا خَلْقٌ للهِ تَعَالَى مُطِيعٌ، وَجُنْدٌ مِنْ أَجْنَادِهِ، يَجْعَلُهَا رَحْمَةً وَنِقْمَةً إِذَا شَاءَ.

 وَسَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا وَاسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا)) الرِّيحُ هِيَ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ سَخَّرَهَا اللَّهُ لِبَعْضِ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سورة سبأ/ الآية 12]، أَيْ أَنَّهَا تَقْطَعُ بِهِ أَوَّلَ النَّهَارِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَبَعْدَ الظُّهْرِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ.

تسخير الريح لسليمان عليه السلام، وقصة الرجل الذي حُمِل بالريح إلى الهند

وَيُقَالُ إِنَّهُ كَانَ لِنَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِسَاطٌ مُرَكَّبٌ مِنْ أَخْشَابٍ بِحَيْثُ أَنَّهُ يَسَعُ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الدُّورِ الْمَبْنِيَّةِ وَالْقُصُورِ وَالْخِيَامِ وَالْأَمْتِعَةِ وَالْخُيُولِ وَالْجِمَالِ وَالْأَثْقَالِ وَالرِّحَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالطُّيُورِ، فَإِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَوْ قِتَالَ أَعْدَاءٍ مِنْ أَيِّ بِلَادِ اللَّهِ شَاءَ، حَمَلَ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا عَلَى هَذَا الْبِسَاطِ وَأَمَرَ الرِّيحَ فَدَخَلَتْ تَحْتَهُ فَرَفَعَتْهُ وَسَارَتْ بِهِ مُسْرِعَةً بِإِذْنِ اللَّهِ إِلَى أَيِّ مَكَانٍ شَاءَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ.

وَقَدْ سَخَّرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الرِّيحَ فَكَانَتْ تَنْقُلُهُ إِلَى أَيِّ أَطْرَافِ الدُّنْيَا شَاءَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [سورة ص/ الآية 36]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 81]. وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَخَّرَ لِعَبْدِهِ سُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً أَيْ شَدِيدَةَ الْهُبُوبِ، تَجْرِي بِأَمْرِ سُلَيْمَانَ فَتَسِيرُ بِهِ إِلَى حَيْثُ شَاءَ ثُمَّ تَعُودُ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ بِالشَّامِ.

أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ: دَخَلَ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَى سُلَيْمَانَ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ جُلَسَائِهِ يُدِيمُ النَّظَرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ الرَّجُلُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مَلَكُ الْمَوْتِ. قَالَ: رَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيَّ كَأَنَّهُ يُرِيدُنِي. قَالَ: فَمَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تَحْمِلَنِي عَلَى الرِّيحِ حَتَّى تُلْقِيَنِي بِالْهِنْدِ. فَدَعَا الرِّيحَ فَحَمَلَهُ عَلَيْهَا، فَأَلْقَتْهُ بِالْهِنْدِ، ثُمَّ أَتَى مَلَكُ الْمَوْتِ سُلَيْمَانَ فَقَالَ: إِنَّكَ كُنْتَ تُدِيمُ النَّظَرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ جُلَسَائِي. قَالَ: كُنْتُ أَعْجَبُ مِنْهُ، أُمِرْتُ أَنْ أَقْبِضَهُ بِالْهِنْدِ وَهُوَ عِنْدَكَ.

الحَدِيثُ الَّذِي بَعدَهُ:

وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ)).

شرح دعاء النبي ﷺ إذا عصفت الريح: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها…».

وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا أَيْ: خَيْرَ ذَاتِهَا. 

وَخَيْرَ مَا فِيهَا أَيْ: مِنْ مَنَافِعِهَا كُلِّهَا. وَمِنَ الْقِصَصِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرِّيحَ مِنْهَا مَا هُوَ خَيْرٌ وَاللَّهُ تَعَالَى يُسَخِّرُهَا لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَأَنْبِيَائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا قَالَهُ أَهْلُ التَّارِيخِ وَالسِّيَرِ، أَنَّهُ لَمَّا أَعْطَاهُمْ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَمِيصَهُ لِيَذْهَبُوا بِهِ إِلَى أَبِيهِ، قَالَ لَهُ أَخُوهُ يَهُوذَا: أَنَا أَذْهَبُ بِهِ إِلَيْهِ لِأَنِّي ذَهَبْتُ إِلَيْهِ بِالْقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ وَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ يُوسُفَ أَكَلَهُ الذِّئْبُ، فَأَنَا أُخْبِرُهُ أَنَّهُ حَيٌّ فَأُفْرِحُهُ كَمَا أَحْزَنْتُهُ، وَكَانَ هُوَ الْبَشِيرَ، وَقِيلَ: خَرَجَ حَافِيًا يَعْدُو لِيُبَشِّرَ أَبَاهُ يَعْقُوبَ.

قصة يعقوب ويوسف عليهما السلام في قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾، وما ذُكر في شأن إخوة يوسف والأسباط

قِيلَ: وَلَمَّا خَرَجَتِ الْقَافِلَةُ الَّتِي فِيهَا إِخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَانْفَصَلَتْ عَنْ أَرْضِ مِصْرَ مُتَوَجِّهَةً إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ فِي فِلَسْطِينَ، وَكَانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَتَوَقَّعُ الْفَرَجَ بِلِقَاءِ ابْنِهِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ بَعْدَ طُولِ بُعَادِهِ وَطُولِ حُزْنِهِ عَلَيْهِ، وَهَبَّتْ رِيحُ الصَّبَا الَّتِي يَسْتَرِيحُ بِهَا كُلُّ مَحْزُونٍ وَمَكْرُوبٍ، فَذَهَبَتْ بِرِيحِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ إِلَى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَيْنَ يُوسُفَ وَيَعْقُوبَ مَسَافَاتٌ طَوِيلَةٌ، قَالَ يَعْقُوبُ لِأَبْنَائِهِ: إِنِّي لَأَجِدُ وَأَشُمُّ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا خَوْفِي مِنْ أَنْ تُسَفِّهُونِي وَتَنْسُبُوا إِلَيَّ ضَعْفَ الْعَقْلِ. يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [سورة يوسف/ الآية 94].

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [سورة يوسف/ الآية 95]. فَقَالُوا لَهُ: تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ، فِي اعْتِقَادِكَ أَنَّ يُوسُفَ بَاقٍ إِلَى الْيَوْمِ. كَانُوا فِي الْأَوَّلِ مُسْلِمِينَ وَلَكِنْ لَمَّا أَهَانُوا أَبَاهُمْ صَارُوا مُرْتَدِّينَ، ثُمَّ رجعوا للإسلام.

وَنَحْنُ نَقُولُ أَسْلَمُوا وَلَكِنْ مَا طَلَعَ مِنْهُمْ نَبِيٌّ إِلَّا فِي ذُرِّيَّتِهِمُ الْأَسْبَاطِ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ صَارُوا أَنْبِيَاءَ غَيْرُ صَحِيحٍ، لَكِنَّ أَخَاهُ الْأَصْغَرَ بِنْيَامِينَ الَّذِي مَا شَارَكَهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا لِذَلِكَ يُوسُفُ أَفْرَدَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ.

وَيُذْكَرُ أَنَّ الْأَسْبَاطَ تَوَالَدُوا فِي أَيَّامِ يُوسُفَ إِلَى زَمَنِ فِرْعَوْنَ فَصَارُوا نَحْوَ سِتِّمِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الرِّجَالِ، ثُمَّ خَلَّصَهُمْ مُوسَى مِنْ فِرْعَوْنَ الَّذِي كَانَ هَدَمَ مَسَاجِدَهُمْ، وَقَدْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى أَنْ يَجْعَلُوا بُيُوتَهُمْ قِبْلَةً فَصَارُوا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾[سورة يونس/ الآية 87].

وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ أَيْ: بِخُصُوصِهَا فِي وَقْتِهَا. وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ)).

البَابُ الَّذِي بَعدَهُ:

بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ

بيان معنى الرعد والبرق في الحديث، وسؤال اليهود للنبي ﷺ عن خِلالٍ لا يعلمها إلا نبي.

بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ عِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيهِ الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ وَرَوَى فِيهِ حَدِيثًا ضَعِيفًا مُرْسَلًا أَنَّ النِّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((اطْلُبُوا اسْتِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الجُيُوشِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَنُزُولِ الغَيْثِ))، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَحَفِظْتُ عَنْ غَيرِ وَاحِدٍ طَلَبَ الإِجَابَةِ عِنْدَ نُزُولِ الغَيثِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ – يَقْصِدُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – أَنَّ مُجَاهِدًا كَانَ يَقُولُ: الرَّعْدُ مَلَكٌ بِيَدِهِ سَوطٌ يَسُوقُ السَّحَابَ، وَالبَرقُ صوته.

ورَوَى البَيهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي المُعجَمِ الكَبِيرِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَضَرَتْ عِصَابَةٌ مِنَ الْيَهُودِ يَوْمًا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا أَبَا القَاسِمِ! حَدِّثْنَا عَنْ خِلَالٍ نَسْأَلُكُ عَنْهَا لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ.

قَالَ: سَلُوا عَمَّا شِئْتُمْ وَلَكِنِ اجْعَلُوا لِي ذِمَّةَ اللهِ – أَي عَهدًا مِنَ اللهِ – وَمَا أَخَذَ يَعْقُوبُ عَلَى بَنِيهِ إِنْ أَنَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ تَعْرِفُونَهُ صِدْقًا لَتُبَايِعُنِّي عَلَى الْإِسْلَامِ.

قَالُوا: لَكَ ذَلِكَ. 

قَالَ: فَسَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ.

قَالُوا: أَخْبِرْنَا عَنْ أَرْبَعِ خِلَالٍ نَسْأَلُكَ: أَخْبِرْنَا عَنِ الطَّعَامِ الَّذِي حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ – أَي نَبِيُّ اللهِ يَعقُوبُ – عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ؟

وَأَخْبِرْنَا عَنْ مَاءِ الرَّجُلِ كَيْفَ يَكُونُ الذَّكَرُ مِنْهُ حَتَّى يَكُونَ ذَكَرًا، وَكَيْفَ تَكُونُ الْأُنْثَى مِنْهُ حَتَّى تَكُونَ أُنْثَى؟

وَأَخْبِرْنَا كَيْفَ هَذَا النَّبيُّ الأميُّ فِي النَّوْمِ؟ 

وَأَخْبِرْنَا مَا هَذَا الرَّعْدُ وَمَنْ وَلِيُّكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ؟

قَالَ: فَعَلَيْكُمْ عَهْدُ اللهِ لَئِنْ أَنَا حَدَّثْتُكُمْ لَتُبَايِعُنِّي، فَأَعْطُوهُ مَا شَاءَ اللهُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ.

قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ – يَعْقُوبَ – مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا طَالَ سَقَمُهُ مِنْهُ فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا، لَئِنْ شَفَاهُ اللهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ – أي يَمنَعنَّ – أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ، وَأَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ أَلْبَانَ الْإِبِلِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحْمَانَ الْإِبِلِ؟ 

قَالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ.

قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ وَمَاءَ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ رَقِيقٌ فَأَيُّهُمَا عَلَا كَانَ لَهُ الْوَلَدُ وَالشَّبَهُ بِإِذْنِ اللهِ، وَإِنْ عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ كَانَ ذَكَرًا بِإِذْنِ اللهِ، وَإِنْ عَلَا – ارْتَفَعَ – مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ كَانَتْ أُنْثَى بِإِذْنِ اللهِ؟

قَالُوا: اللّهُمَّ نَعَمْ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِم.

ثُمَّ قَالَ: الرَّعْدُ مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ، فِي يَدِهِ مِخْرَاقٌ مِنْ نَارٍ، يَزْجُرُ بِهِ السَّحَابَ حَيْثُ أَمَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ. قَالُوا: فَمَا هٰذَا الصَّوْتُ الَّذِي يَخْرُجُ عِنْدَ رُؤْيَةِ البَرْقِ؟ قَالَ: صَوْتُهُ. قَالُوا: صَدَقْتَ.

قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ؟

قَالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ! قَالَ: اللهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ.

قَالُوا: أَنْتَ الْآنَ حَدِّثْنَا مَنْ وَلِيُّكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ؟

قَالَ: وَلِيِّي جِبْرِيلُ، وَلَمْ يَبْعَثُ اللهُ نَبِيًّا قَطُّ إِلَّا وهو وليُّه. قالوا: فَعِنْدَهَا نُفَارِقُكَ، لَوْ كَانَ وَلِيُّكَ غَيْرَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَتَابَعْنَاكَ وَصَدَّقْنَاكَ. 

قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُصَدِّقُوهُ؟

قَالُوا: إِنَّهُ عَدُوُّنَا مِنَ المَلَائِكَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ۝ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة/ الآية 97-98] وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ.

رَوَى الْبُخَارِىُّ وَأَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِىُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ صَيِّبًا هَنِيئًا)).

رَوَى الْبُخَارِىُّ وَأَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِىُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ صَيِّبًا هَنِيئًا)) أَيِ اجْعَلْ هَذَا الْمَطَرَ صَيِّبًا قَوِيًّا هَنِيئًا أَىْ كَثِيرَ النَّفْعِ.

بيان أن المطر منه ما يكون نعمة ومنه ما يكون عذابا

النَّبِيُّ ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ لِأَنَّ مِنَ الْمَطَرِ منه مَا يَكُونُ نِعْمَةً وَمِنْهُ مَا يَكُونُ عَذَابًا، فَهُوَ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَطَرُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ خَيْرًا وَنِعْمَةً لَا عَذَابًا، وَقَدْ تُطْلَقُ كَلِمَةُ الْمَطَرِ فِي الْقُرْآنِ غَالِبًا عَلَى مَا يَنْزِلُ لِلْعَذَابِ، وَتُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا النِّعْمَةُ وَالْغَيْثُ.

وَأَمَّا مَا يُرْوَى فِي البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَا سَمَّى اللَّهُ مَطَرًا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا عَذَابًا. اهـ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «وَقَدْ تُعُقِّبَ كَلَامُ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِوُرُودِ الْمَطَرِ بِمَعْنَى الْغَيْثِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّنْ مَطَرٍ﴾ [سورة النساء/ الآية 102]، فَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْغَيْثُ قَطْعًا، مَعْنَى التَّأَذِّي بِهِ: الْبَلَلُ الْحَاصِلُ مِنْهُ لِلثَّوْبِ وَالرِّجْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ». اهـ.

وَمِنْ أَسْمَاءِ الْمَطَرِ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ الْغَيْثُ، فَالْغَيْثُ هُوَ الْمَطَرُ، وَسُمِّيَ غَيْثًا لِأَنَّهُ يُغِيثُ النَّاسَ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَهَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الذي رواه أحمد: ((اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا))، أَيْ مُرْوِيًا مُشْبِعًا، فَالرَّسُولُ ﷺ سَمَّى الْمَطَرَ مُغِيثًا لِأَنَّهُ يُنْقِذُ مِنَ الشِّدَّةِ بِإِذْنِ اللَّهِ.

وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى جَاءَ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الْأُذُنِ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ ثُمَّ مُوسَى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ ﷺ)) اهـ. وَالْحَدِيثُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِحَدِيثِ الشَّفَاعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ رُوِيَ بِلَفْظِ الِاسْتِشْفَاعِ وَكِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ فِي الصَّحِيحِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِشْفَاعَ وَالِاسْتِغَاثَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَسَمَّى الرَّسُولُ ﷺ هَذَا الطَّلَبَ مِنْ آدَمَ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ إِلَى رَبِّهِمُ اسْتِغَاثَةً. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لِهَذَا الْحَدِيثِ: ((يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا))، وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ جَعَلَ التَّوَسُّلَ بِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكًا.

الِاسْتِشْفَاعُ وَالتَّوَسُّلُ وَالِاسْتِغَاثَةُ وَالتَّوَجُّهُ وَالتَّجَوُّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، التَّجَوُّهُ مِنَ الْجَاهِ وَالْوَجَاهَةِ وَمَعْنَاهُ عُلُوُّ الْقَدْرِ وَالْمَنْزِلَةِ، وَالتَّوَجُّهُ مِثْلُ قَوْلِ الْقَائِلِ: إِنِّي أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِفُلَانٍ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي شِفَاءِ السَّقَامِ: الِاسْتِشْفَاعُ وَالتَّوَسُّلُ وَالتَّوَجُّهُ وَالتَّجَوُّهُ وَالِاسْتِغَاثَةُ وَالِاسْتِعَانَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَالتَّقِيُّ السُّبْكِيُّ مُحَدِّثٌ حَافِظٌ فَقِيهٌ لُغَوِيٌّ كَمَا وَصَفَهُ بِذَلِكَ السُّيُوطِيُّ.

ذكر قصة نوح عليه السلام والطوفان ونجاة المؤمنين معه

وَمِنْ أَشْهَرِ الْقِصَصِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي أَنَّ بَعْضَ الْمَطَرِ قَدْ يَكُونُ عَذَابًا قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [سورة هود/ الآية 36]، فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ إِيمَانِهِمْ دَعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ۝ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [سورة نوح/ الآية 26-27]، فَلَمَّا شَكَا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَنْصَرَهُ عَلَيْهِمْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ:﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ [سورة هود/ الآية 37]، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ۝ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الصافات/ الآية 75-76].

فَأَقْبَلَ نُوحٌ عَلَى عَمَلِ السَّفِينَةِ وَجَعَلَ يُهَيِّئُ عَتَادَ الْفُلْكِ مِنَ الْخَشَبِ وَالْحَدِيدِ وَالْقَارِ وَغَيْرِهَا، وَجَعَلَ قَوْمُهُ يَمُرُّونَ بِهِ وَهُوَ فِي عَمَلِهِ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُ وَكَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْفُلْكَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ قَدْ صِرْتَ نَجَّارًا بَعْدَ النُّبُوَّةِ! وَأَعْقَمَ اللَّهُ أَرْحَامَ النِّسَاءِ فَلَا يُولَدُ لَهُنَّ. وَصَنَعَ الْفُلْكَ مِنْ خَشَبِ السَّاجِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَيُقَالُ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ طُولَهُ ثَمَانِينَ ذِرَاعًا وَعَرْضَهُ خَمْسِينَ ذِرَاعًا وَطُولَهُ فِي السَّمَاءِ ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُقَالُ إِنَّ نُوحًا جَعَلَ الْفُلْكَ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ: سُفْلَى وَوُسْطَى وَعُلْيَا، السُّفْلَى لِلدَّوَابِّ وَالْوُحُوشِ، وَالْوُسْطَى لِلنَّاسِ، وَالْعُلْيَا لِلطُّيُورِ.

حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُ وَقَدْ عَهِدَ اللَّهُ إِلَيْهِ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [سورة هود/ الآية 40]. وَقَدْ جَعَلَ التَّنُّورَ آيَةً، وَقِيلَ: إِنَّهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ، وَكَانَ تَنُّورًا مِنْ حِجَارَةٍ كَانَتْ لِحَوَّاءَ، وَقِيلَ: كَانَ تَنُّورًا مِنْ أَرْضِ الْهِنْدِ، وَقِيلَ: بِالْكُوفَةِ. وَأَخْبَرَتْهُ زَوْجَتُهُ بِفَوَرَانِ الْمَاءِ مِنَ التَّنُّورِ، وَلَمَّا فَارَ التَّنُّورُ حَمَلَ نُوحٌ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِحَمْلِهِ وَكَانُوا ثَمَانِينَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَكَانَ فِيهَا نُوحٌ وَثَلَاثَةٌ مِنْ بَنِيهِ سَامٌ وَحَامٌ وَيَافِثُ وَأَزْوَاجُهُمْ، وَتَخَلَّفَ عَنْهُ ابْنُهُ قِيلَ اسْمُهُ يَامٌ وَقِيلَ كَنْعَانُ وَكَانَ كَافِرًا. وَيُقَالُ إِنَّ نُوحًا حَمَلَ مَعَهُ جَسَدَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة هود/ الآية 41].

ثُمَّ إِنَّ الْمَطَرَ جَعَلَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ كَأَفْوَاهِ الْقِرَبِ، فَجَعَلَتِ الْوُحُوشُ يَطْلُبْنَ وَسَطَ الْأَرْضِ هَرَبًا مِنَ الْمَاءِ حَتَّى اجْتَمَعَتْ عِنْدَ السَّفِينَةِ فَحِينَئِذٍ حَمَلَ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ. لَمَّا اطْمَأَنَّ نُوحٌ فِي الْفُلْكِ وَأَدْخَلَ فِيهِ مَنْ أُمِرَ بِهِ جَاءَ الْمَاءُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ۝وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ۝ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾[سورة القمر/ الآية 11-13]، وَالدُّسُرُ: الْمَسَامِيرُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [سورة القمر/ الآية 14] أَيْ بِحِفْظِنَا وَحِرَاسَتِنَا. وَجَعَلَتِ الْفُلْكُ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ [سورة هود/ الآية 42]، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَطَرًا لَمْ تَعْهَدْهُ الْأَرْضُ قَبْلَهُ وَأَمَرَ الْأَرْضَ فَنَبَعَتْ مِنْ جَمِيعِ فِجَاجِهَا. وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ الَّذِي هَلَكَ لِأَنْ يُؤْمِنَ وَيَصْعَدَ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة هود/ الآية 42]، وَكَانَ كَافِرًا خَالَفَ أَبَاهُ فِي دِينِهِ، ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [سورة هود/ الآية 43]، فَقَالَ نُوحٌ: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [سورة هود/ الآية 43].

قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَرْسَلَ اللَّهُ الْمَطَرَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ رَكِبُوا فِيهَا لِعَشْرِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ رَجَبٍ وَخَرَجُوا مِنْهَا يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَكَانَ الْمَاءُ نِصْفَيْنِ نِصْفًا مِنَ السَّمَاءِ وَنِصْفًا مِنَ الْأَرْضِ، وَقَدِ ارْتَفَعَ الْمَاءُ عَلَى أَعْلَى جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ قِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا وَقِيلَ ثَمَانِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ عَمَّ جَمِيعَ الْأَرْضِ سَهْلَهَا وَحَزْنَهَا وَجِبَالَهَا وَقِفَارَهَا، فَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ مِمَّنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ [سورة الأعراف/ الآية 64]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 77].

وَطَافَتِ السَّفِينَةُ بِالْأَرْضِ كُلِّهَا لَا تَسْتَقِرُّ حَتَّى أَتَتِ الْحَرَمَ فَدَارَتْ حَوْلَهُ أُسْبُوعًا، ثُمَّ ذَهَبَتْ فِي الْأَرْضِ تَسِيرُ بِهِمْ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى جَبَلِ الْجُودِيِّ وَهُوَ بِأَرْضِ الْمَوْصِلِ فَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ. قَالَ تَعَالَى:﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة هود/ الآية 44]. ثُمَّ لَمَّا غَاضَ الْمَاءُ أَيْ نَقَصَ عَمَّا كَانَ وَأَمْكَنَ السَّعْيُ فِيهَا وَالِاسْتِقْرَارُ عَلَيْهَا هَبَطَ نُوحٌ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ السَّفِينَةِ الَّتِي اسْتَقَرَّتْ بَعْدَ سَيْرِهَا عَلَى ظَهْرِ جَبَلِ الْجُودِيِّ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة هود/ الآية 48].

والله تعالى أعلم وأحكم