بسم الله الرّحمن الرّحيم
الْحَمْدُ لِلَّهِ مُدَبِّرِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، وَمُصَرِّفِ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ، الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ السَّلَامِ، الْمُتَفَرِّدِ بِالْعَظَمَةِ وَالْبَقَاءِ وَالدَّوَامِ، الْمُنَزَّهِ عَنِ النَّقَائِصِ وَمُشَابَهَةِ الْأَنَامِ، يَرَى مَا فِي دَاخِلِ الْعُرُوقِ وَبَوَاطِنِ الْعِظَامِ، وَيَسْمَعُ خَفِيَّ الصَّوْتِ وَلَطِيفَ الْكَلَامِ، إِلَهٌ رَحِيمٌ كَثِيرُ الْإِنْعَامِ، وَرَبٌّ قَدِيرٌ شَدِيدُ الِانْتِقَامِ، قَدَّرَ الْأُمُورَ فَأَجْرَاهَا عَلَى أَحْسَنِ نِظَامٍ، وَشَرَعَ الشَّرَائِعَ فَأَحْكَمَهَا أَيَّمَا إِحْكَامٍ، بِقُدْرَتِهِ تَهُبُّ الرِّيَاحُ وَيَسِيرُ الْغَمَامُ، وَبِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ تَتَعَاقَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ، أَحْمَدُهُ عَلَى جَلِيلِ الصِّفَاتِ وَجَمِيلِ الْإِنْعَامِ، وَأَشْكُرُهُ شُكْرَ مَنْ طَلَبَ الْمَزِيدَ وَرَامَ،
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي لَا تُحِيطُ بِهِ الْعُقُولُ وَالْأَوْهَامُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَفْضَلُ الْأَنَامِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ السَّابِقِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي إِذَا رَآهُ الشَّيْطَانُ هَامَ، وَعَلَى عُثْمَانَ الَّذِي جَهَّزَ بِمَالِهِ جَيْشَ الْعُسْرَةِ وَأَقَامَ، وَعَلَى عَلِيٍّ الْبَحْرِ الْخِضَمِّ وَالْأَسَدِ الضِّرْغَامِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ عَلَى الدَّوَامِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
أَمَّا بَعْدُ:
فَقَد وَصَلنَا فِي شَرحِ الأَذكَارِ الوَارِدَةِ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن كِتَابِ حِليَةِ البَشَرِ إِلَى:
بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا أَوْ مَا أَشْبَهَه
الشَّرْحُ:
بيان أن اللباس من نعم الله تعالى، وأن شكر النعمة يكون باستعمالها فيما يرضي الله
بَابُ مَا يَقُولُ أَيَّ مَا يَقُولُ الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُؤْمِنَةُ مِنَ الْأَذْكَارِ وَالْأَوْرَادِ وَالْأَدْعِيَةِ مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ مُتَبَرِّكًا بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
إِذَا لَبِسَ لَبِسْتُ الثَّوْبَ مِنْ بَابِ تَعِبَ، لُبْسًا بِضَمِّ اللَّامِ وَاللِّبْسُ بِالْكَسْرِ وَاللِّبَاسُ مَا يُلْبَسُ، وَجَمْعُ اللِّبَاسِ لُبُسٌ مِثْلُ كِتَابٍ وَكُتُبٍ، وَاللَّبِيسُ مِثَالُ كَرِيمٍ الثَّوْبُ يُلْبَسُ كَثِيرًا.
ثَوْبًا جَدِيدًا قَالَ الْفَيُّومِيُّ: الثَّوْبُ مُذَكَّرٌ وَجَمْعُهُ أَثْوَابٌ وَثِيَابٌ وَهِيَ مَا يَلْبَسُهُ النَّاسُ مِنْ كَتَّانٍ وَحَرِيرٍ وَخَزٍّ وَصُوفٍ وَقُطْنٍ وَفَرْوٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَمَّا السُّتُورُ وَنَحْوُهَا فَلَيْسَتْ بِثِيَابٍ بَلْ أَمْتِعَةُ الْبَيْتِ. اهـ
وَلَبِسَ الثَّوْبَ بِكَسْرِ الْبَاءِ مُضَارِعُهُ يَلْبَسُ بِفَتْحِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [سورة النحل/ الآية 14] وَمَصْدَرُهُ اللُّبْسُ، وَلَبَسْتُ الْأَمْرَ بِفَتْحِ الْبَاءِ أَلْبِسُهُ بِكَسْرِهَا كَضَرَبَ يَضْرِبُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [سورة الأنعام/ الآية 9] اهـ يقال: لبست الأمر على القوم وألبسته إذا أشبهته وأشكلته عليهم.
التحذير من الاستهزاء بشيء من أحوال النبي ﷺ وسننه، كلباسه وأدبه وهديه
أَوْ مَا أَشْبَهَهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَا إِذَا لَبِسَ ثَوْبًا أَوْ قَمِيصًا وَهُوَ مَا نُسَمِّيهِ الدَشْدَاشَ، أَوْ لَبِسَ رِدَاءً وَضَعَهُ عَلَى كَتِفَيْهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَيُوجَدُ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ لِبَاسٌ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُشْتَهِرًا بِلُبْسِهِ، فَهَذَا مَعَ كَوْنِهِ سُنَّةً نَبَوِيَّةً لَا يَجُوزُ ذَمُّهُ وَالِاسْتِهْزَاءُ بِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْفُقَهَاءُ: لَا يَجُوزُ سُوءُ الْأَدَبِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ بِالِاسْتِهْزَاءِ بِحَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ أَوْ بِعَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِهِ أَوْ بِأَمْرٍ مِنْ أَوَامِرِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ خُرُوجٌ مِنَ الدِّينِ، وَذَلِكَ كَالَّذِي يَسْتَهْزِئُ بِلُبْسِ الْعِمَامَةِ وَلُبْسِ الْقَمِيصِ إلى نصف السّاق الَّذِي يُعْرَفُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ الْيَوْمَ بِالْجَلَّابِيَّةِ أَوِ الدَّشْدَاشَةِ، وَكَذَا الَّذِي يَسْتَهْزِئُ بِالْأَكْلِ بِالْأَصَابِعِ الثَّلَاثَةِ الْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ))، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الِاسْتِهْزَاءُ بِاسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ وَإِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ وَالِاسْتِحْدَادِ؛ أَيْ حَلْقِ الْعَانَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ أَوْ مَدَحَهُ.
وقفات في كمال ملك الله تعالى وسعة عطائه وأن خزائنه لا تنفد
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة النحل/ الآية 14]، هَذِهِ الْآيَةُ تُبَيِّنُ أَنَّ مَا نَلْبَسُ وَغَيْرَهُ مِمَّا هُوَ مَذْكُورٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هِيَ نِعَمٌ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَشْكُرَهُ عَلَيْهِا فَلِذَلِكَ خُتِمَتِ الْآيَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا أَنْ سَخَّرَ لَنَا حَتَّى هَذِهِ الْبِحَارَ الْعَظِيمَةَ نَسْتَخْرِجُ مِنْهَا مَا نُوَارِي بِهِ عَوْرَاتِنَا، وَاللَّهُ تَعَالَى إِذَا شَاءَ شَيْئًا هَيَّأَ أَسْبَابَهُ، فَهُوَ الَّذِي هَيَّأَ لَنَا أَسْبَابَ الْمَعَاشِ وَالْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ، وَهُوَ الَّذِي يُهَيِّئُ لِهَذَا مَنْ يُعِينُهُ وَلِهَذَا مَنْ يَكْسُوهُ وَلِهَذَا مَنْ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ، بِقُدْرَتِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَبِعِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ، فَهُوَ الْقَائِلُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ الذي رواه مسلم: ((يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ)) – المخيط: هُوَ الْإِبْرَةُ -. قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا تَقْرِيبٌ إِلَى الْأَفْهَامِ وَمَعْنَاهُ لَا يُنْقِصُ شَيْئًا أَصْلًا لِأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يَدْخُلُهُ نَقْصٌ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ النَّقْصُ الْمَحْدُودَ الْفَانِيَ وَعَطَاءُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رَحْمَتِهِ وَكَرَمِهِ وَهُمَا صِفَتَانِ قَدِيمَتَانِ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِمَا نَقْصٌ فَضَرَبَ الْمَثَلَ بِالْمِخْيَطِ فِي الْبَحْرِ لِأَنَّهُ غَايَةُ مَا يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ بِمَا شَاهَدُوهُ فَإِنَّ الْبَحْرَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَرْئِيَّاتِ عِيَانًا وَأَكْبَرِهَا وَالْإِبْرَةُ مِنْ أَصْغَرِ الْمَوْجُودَاتِ مَعَ أَنَّهَا صَقِيلَةٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مَاءٌ. وَالْمُرَادُ بِهَذَا ذِكْرُ كَمَالِ قُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ، وَكَمَالِ مُلْكِهِ، وَإِنَّ مُلْكَهُ وَخَزَائِنَهُ لَا تَنْفَدُ، وَلَا تَنْقُصُ بِالْعَطَاءِ، وَلَوْ أَعْطَى الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ جَمِيعَ مَا سَأَلُوهُ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ،
وَفِي ذَلِكَ حَثٌّ لِلْخَلْقِ عَلَى سُؤَالِهِ وَطَلَبِ حَوَائِجِهِمْ مِنْهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((يَدُ اللَّهِ مَلْأَى – كِنَايَةٌ عَنْ مَحَلِّ عَطَائِهِ أَيْ: خَزَائِنُهُ -، لَا تَغِيضُهَا – أَيْ: لَا تُنْقِصُهَا – نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ – كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الْعَطَاءِ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ؛ فَلَا يُتَوَهَّمُ انْقِطَاعُ هَذَا الْعَطَاءِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ -، أَفَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ)). أَيْ لَمْ يَنْقُصْ مِنْ عَطَائِهِ شَيْءٌ.
أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [سورة النحل/ الآية 96]، فَإِنَّ الْبَحْرَ إِذَا غُمِسَ فِيهِ إِبْرَةٌ، ثُمَّ أُخْرِجَتْ، لَمْ يَنْقُصْ مِنَ الْبَحْرِ بِذَلِكَ شَيْءٌ، وَهَكَذَا طَعَامُ الْجَنَّةِ وَمَا فِيهَا، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَدُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [سورة الواقعة/ الآية 32-33]، وَقَدْ جَاءَ في المستدرك: ((أَنَّهُ لَا يَنْزِعُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ ثَمَرِهَا شَيْئًا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِثْلَهَا)) وَرُوِيَ في مسند البزار: ((مِثْلَاهَا))، فَهِيَ لَا تَنْقُصُ أَبَدًا وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي خُطْبَةِ الْكُسُوفِ: ((وَأُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا)) خَرَّجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَخَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَلَفْظُهُ: ((وَلَوْ أَتَيْتُكُمْ بِهِ لَأَكَلَ مِنْهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لَا يَنْقُصُونَهُ شَيْئًا)). وَهَكَذَا لَحْمُ الطَّيْرِ الَّذِي يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ يُسْتَخْلَفُ وَيَعُودُ كَمَا كَانَ حَيًّا لَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وُجُوهٍ. وَقَدْ بَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ السَّبَبَ الَّذِي لِأَجْلِهِ لَا يَنْقُصُ مَا عِنْدَ اللَّهِ بِالْعَطَاءِ بِقَوْلِهِ: ((ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ، أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ)).اهـ
أَخْرَجَ التِّرْمِذِىُّ وَابْنُ مَاجَه وَأَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا فَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي وَأَتَجَمَّلُ بِهِ فِي حَيَاتِي، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى الثَّوْبِ الَّذِي أَخْلَقَ فَتَصَدَّقَ بِهِ كَانَ فِي حِفْظِ اللهِ وَفِي كَنَفِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفِي سِتْرِ اللَّهِ حَيًّا وَمَيِّتًا)).
الشَّرْحُ:
حقيقة التصوف الصحيح: إصلاح القلب، واتباع الكتاب والسنة، وترك الأوصاف المذمومة
أَخْرَجَ التِّرْمِذِىُّ وَابْنُ مَاجَه وَأَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا أَحْيَانًا يَكُونُ لُبْسُ الثَّوْبِ الْجَدِيدِ مِنَ السُّنَّةِ كَمَا هُوَ فِي الْعِيدَيْنِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ دَعَا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذَا فَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى عَلَى عُمَرَ قَمِيصًا أَبْيَضَ فَقَالَ: ((ثَوْبُكَ هَذَا غَسِيلٌ أَمْ جَدِيدٌ؟)) قَالَ: لَا، بَلْ غَسِيلٌ. قَالَ: ((الْبَسْ جَدِيدًا، وَعِشْ حَمِيدًا، وَمُتْ شَهِيدًا)). اهـ وَأُنَبِّهُ هُنَا لِأَمْرٍ وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّهُ إِذَا رَأَى شَخْصًا يَلْبَسُ ثَوْبًا جَدِيدًا يَظُنُّهُ مُتَكَبِّرًا أَوْ مُتَفَاخِرًا، لَا، وَكَذَلِكَ لَيْسَ الْعَكْسُ أَيْ إِذَا رَأَى الْوَاحِدُ مِنَّا شَخْصًا يَلْبَسُ ثَوْبًا بَالِيًا أَنَّهُ يَظُنُّهُ وَلِيًّا صَالِحًا أَوْ زَاهِدًا، فَلَيْسَ شَرْطًا مِنْ طَبِيعَةِ وَحَالِ الثَّوْبِ الَّذِي يَرْتَدِيهِ الْوَاحِدُ أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى حَالٍ حَسَنَةٍ أَوْ قَبِيحَةٍ، لَيْسَ لَهُ دَخَلٌ نَوْعُ لِبَاسِهِ،
وَقَدْ فَهِمَ بَعْضُ النَّاسِ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ وَظَنَّ أَنَّ الَّذِي يَلْبَسُ ثَوْبًا قَدِيمًا أَوْ بَالِيًا أَنَّهُ زَاهِدٌ أَوْ وَلِيٌّ صَالِحٌ بِمُجَرَّدِ لُبْسِ الْقَدِيمِ، وَبِهَذَا انْغَرَّ بَعْضُ أَدْعِيَاءِ الصُّوفِيَّةِ، فَظَنُّوا الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ، فَصَارُوا يُرَقِّعُونَ ثِيَابَهُمْ مَعَ الْجَهْلِ بِعِلْمِ الدِّينِ وَيَلْزَمُونَ حُضُورَ مَجَالِسِ الذِّكْرِ بِلَا عِلْمٍ فَطَلَعُوا بِالْعَجَائِبِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الرِّفَاعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «الصُّوفِيُّ هُوَ الْفَقِيهُ الْعَامِلُ بِعِلْمِهِ». اهـ
وَعَلَى هَذَا قَالُوا مَا اشْتَهَرَ فِي وَصْفِهِمْ:
«الصُّوفِيُّ مَنْ لَبِسَ الصُّوفَ عَلَى الصَّفَا، وَسَلَكَ طَرِيقَ الْمُصْطَفَى، وَأَذَاقَ النَّفْسَ طَعْمَ الْجَفَا، وَكَانَتِ الدُّنْيَا مِنْهُ عَلَى الْقَفَا». اهـ
فَالتَّصَوُّفُ حَاصِلُهُ اتِّصَافٌ بِالْمَحَامِدِ، وَتَرْكُ الْأَوْصَافِ الْمَذْمُومَةِ، مَعَ الزُّهْدِ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَلْبَسِ، وَقَبْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ الِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ ﷺ، بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ.
فإذًا لَيْسَ اللِّبَاسُ هُوَ الْمُقَرِّرُ لِحَالِ الشَّخْصِ، فَلَا تَتَسَرَّعُوا وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى حَالِهِ مِنْ تَطْبِيقِ أَمْرِ اللَّهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ وَمُوَافَقَتِهِ لِلشَّرِيعَةِ،
وَهَذَا الْمِيزَانُ يُعْرَفُ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ وَمُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ ﷺ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَالَفَ وَيُدَّعَى مُتَابَعَتُهُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، فَقَدِ اختَارَ اللهُ لِأُمَّةِ الإِسلَامِ مَنهَجَهَا وَبَيَّنَ لَهَا طَرِيقَهَا، وَطَرِيقُهَا هُوَ الطَّرِيقُ المُستَقِيمُ الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ، فَهِيَ أُمَّةُ الوَسَطِيَّةِ، وَدِينُهَا وَسَطٌ بَينَ الغَالِي فِيهِ وَالجَافِي عَنهُ، وَإِنَّ دِينَ الإِسلَامِ وَالمُتَمَسِّكِينَ بِهِ بِعِلمٍ بُرَءَاءُ مِنَ الِانحِرَافِ عَنِ الوَسَطِ، وَالَّذِي يَنحَرِفُ عَن هَذِهِ الوَسَطِيَّةِ بِغُلُوٍ أَو جَفَاءٍ فَهُوَ غَيرُ مُمَثِّلٍ لِلإِسلَامِ.
وَإِنَّ العُلُومَ الشَّرعِيَّةَ عَرَفنَاهَا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَهُوَ الَّذِي وَضَعَ قَوَاعِدَ الدِّينِ فِي زَمَانِهِ وَتَمَّت قَوَاعِدُ الدِّينِ فِي حَيَاتِهِ ﷺ، وَفِي آخِرِ يَومِ عَرَفَةَ مِن حَجَّةِ الوَدَاعِ قَبلَ الغُرُوبِ نَزَلَ عَلَيهِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة/ الآية 3].
فَقَوَاعِدُ الدِّينِ تَمَّت فِي هَذَا اليَومِ نُزُولًا عَلَى نَبِيِّ الرَّحمَةِ وَرَسُولِ الأُمَّةِ ﷺ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى نَشرِ هَذَا الدِّينِ فَقَالَ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ أَيضًا: ((فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ، مَعنَاهُ لِيَجتَهِد كُلُّ وَاحِدٍ مِنكُم فِي تَبلِيغِ هَذِهِ القَوَاعِدِ الَّتِي سَمِعَهَا مِنِّي وَالَّتِي عَلَّمتُهَا لَكُم، فَكَم مِن أُنَاسٍ سَيَأتُونَ بَعدَكُم سَيَسمَعُونَ مِنكُم هَذِهِ القَوَاعِدَ وَسَيَفهَمُونَهَا أَكثَرَ مِن بَعضِكُم.
وَهَذَا الَّذِي كَانَ، فَقَد بَلَّغَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ فِي شَتَّى العُلُومِ، فَجَاءَ تَابِعُونَ وَتَابِعُو تَابِعِينَ وَأَئِمَّةٌ صُلَحَاءُ، فَهِمُوا مَا نَقَلَهُ لَهُمُ الصَّحَابَةُ مِن عُلُومِ النَّبِيِّ وَقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي سَمِعُوهَا مِنَ الحَبِيبِ المُصطَفَى ﷺ، فَدَوَّنُوا العُلُومَ الَّتِي انتَشَرَت شَرقَ البِلَادِ وَغَربَهَا، دَوَّنُوا عُلُومَ العَقَائِدِ، وَدَوَّنُوا عُلُومَ الحَدِيثِ وَأُسُسَ نَقلِهِ، وَدَوَّنُوا عُلُومَ مُصطَلَحِ الحَدِيثِ، وَدَوَّنُوا عُلُومَ اللُّغَةِ كَالنَّحوِ وَالبَلَاغَةِ وَالشِّعرِ وَبُحُورِهِ وَمَعَانِيِ المُفرَدَاتِ، وَدَوَّنُوا عُلُومَ التَّفسِيرِ وَقَوَاعِدَهُ، وَدَوَّنُوا عُلُومَ الفِقهِ وَأَبوَابَهُ، وَدَوَّنُوا عُلُومَأُصُولِ الفِقهِ، وَدَوَّنُوا عُلُومَ السِّيرَةِ، وَالتَّارِيخِ، وَشُرُوحِ الحَدِيثِ وَالجَمعِ بَينَ الرِّوَايَاتِ، وَكُلُّ عِلمٍ مِن هَذِهِ العُلُومِ صَارَ لَهُ رِجَالُهُ وَأَهلُهُ، وَقَوَاعِدُهُ المُستَمَدَّةُ بِالأَصلِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجمَاعِ الأُمَّةِ، فَإِذًا الأَصلُ هُوَ كِتَابُ اللهِ المُقتَفَى، وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ المُجتَبَى.
وَإِنَّ مِمَّا كَانَ يَعتَنِي بِهِ النَّبِيُّ ﷺ اعتِنَاءً كَبِيرًا، هُوَ وَضعُ أُسُسٍ لِتَزكِيَةِ النُّفُوسِ وَتَربِيَتِهَا وَتَهذِيبِ الأَخلَاقِ وَالتَّرَقِّي بِأَصحَابِهَا، فَقَد عَلَّمَ أَصحَابَهُ ﷺ الأَخلَاقَ الفَاضِلَةَ، وَهَذَّبَهُم وَارتَقَى بِهِم إِلَى المَرَاتِبِ العَلِيَّةِ، وَابتَعَدَ بِهِم عَنِ الفَوَاحِشِ وَالرَّذَائِلِ، وَحَذَّرَهُم مِن سُوءِ الخُلُقِ وَارتِكَابِ المَنهِيَّاتِ، ثُمَّ جَاءَ مَن بَعدَهُم مِنَ التَّابِعِينَ وَأَتبَاعِ التَّابِعِينَ، الَّذِينَ فَهِمُوا هَذِهِ القَوَاعِدَ الَّتِي وَضَعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ،وَاستَمَدُّوا مِن هَذِهِ القَوَاعِدِ عِلمَ التَّصَوُّفِ وَدَوَّنُوهُ، فَأَصلُ التَّصَوُّفِ فِي الدِّينِ مُستَمَدٌّ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ وَالصَّحَابَةِ، فَكَانَ أَوَّلُ الصُّوفِيَّةِ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَبَا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، ثُمَّ أَشبَاهَهُ فِي صَفَاءِ الِاتِّبَاعِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ مَن بَعدَ الصَّحَابَةِ مِنَ التَّابِعِينَ، كَأُوَيسٍ القَرَنِيِّ الصُّوفِيِّ الزَّاهِدِ الَّذِي مَدَحَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ مَن بَعدَهُم مِن أَتبَاعِ التَّابِعِينَ وَغَيرِهِم مِنَ الأَولِيَاءِ الصَّالِحِينَ.
معنى ترك التنعم، وأن كمال العبودية ليس في التعلق بزينة الدنيا
وَالتَّصَوُّفُ هُوَ مَرتَبَةٌ عَالِيَةٌ جَلِيلَةُ القَدرِ عَظِيمَةُ النَّفعِ، تَتَمَثَّلُ بِإِصلَاحِ القَلبِ مَعَ الآدَابِ الشَّرعِيَّةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ: ((إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ، فَإِنَّ عِبَادَ اللهِ – أَيِ الكَامِلِينَ بِالطَّاعَةِ – لَيسُوا بِالمُتَنَعِّمِينَ)) رَوَاهُ أَحمَدُ.
وَقَد اشتَهَرَ حَدِيثٌ عِندَ الصُّوفِيَّةِ وَهُوَ حَدِيثُ حَارِثَةَ بنِ مَالِكٍ، إِذ لَقِيَهُ الرَّسُولُ ﷺ ذَاتَ يَومٍ فَقَالَ لَهُ: ((كَيفَ أَصبَحتَ يَا حَارِثَةُ)) قَالَ حَارِثَةُ: أَصبَحتُ مُؤمِنًا حَقًّا، قَالَ ﷺ: ((انظُر مَا تَقُولُ فَإِنَّ لِكُلِّ قَولٍ حَقِيقَةً)) فَقَالَ: عَزَفْتُ نَفسِي عَنِ الدُّنيَا، فَأَسهَرتُ لَيلِي، وَأَظمَأتُ نَهَارِي، فَكَأَنِّي بِعَرشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي بِأَهلِ الجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي بِأَهلِ النَّارِ يَتَعَاوَوْنَ فِيهَا، قَالَ ﷺ: ((عَرَفتَ فَالزَم، عَبدٌ نَوَّرَ اللهُ الإِيمَانَ فِي قَلبِهِ)) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.
وَالتَّصَوَّفُ مَبنِيٌّ عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَذَلِكَ بِاتِّبَاعِ شَرعِ اللهِ تَعَالَى وَالِاقتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الأَخلَاقِ وَالأَحوَالِ، وَالأَكلِ مِنَ الحَلَالِ، وَإِخلَاصِ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ الأَفعَالِ، وَتَسلِيمِ الأُمُورِ كُلِّهَا للهِ، مِن غَيرِ إِهمَالٍ فِي وَاجِبٍ وَلَا مُقَارَبَةِ مَحظُورٍ، وَالِاتِّصَافِ بِالمَحَامِدِ وَتَركِ الأَوصَافِ الذَّمِيمَةِ. فَهُوَ مَسلَكٌ قَائِمٌ عَلَى العِلمِ وَالعَمَلِ، أَعلَاهُ تَعَلُّمُ عِلمِ التَّوحِيدِ وَأَدَاءُ الوَاجِبَاتِ قَبلَ النَّوَافِلِ، ثُمَّ عَمَلُ البِرِّ وَالخَيرِ وَالزُّهدِ وَالتَّحَلِّي بِالأَخلَاقِ الحَسَنَةِ، قَالَ الشَّيخُ أَبُو الحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “لَيسَ هَذَاالطَّرِيقُ بِالرَّهبَانِيَّةِ وَلَا بِأَكلِ الشَّعِيرِ وَالنِّخَالَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالصَّبرِ عَلَى الأَوَامِرِ وَاليَقِينِ فِي الهِدَايَةِ”.
فَالتَّصَوُّفُ حَاصِلُهُ اتِّصَافٌ بِالمَحَامِدِ، وَتَركُ الأَوصَافِ المَذمُومَةِ، مَعَ الزُّهدِ فِي المَأكَلِ وَالمَلبَسِ، وَقَبلَ ذَلِكَ كُلِّهِ الِاقتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ ﷺ، بِأَدَاءِ الفَرَائِضِ وَاجتِنَابِ المُحَرَّمَاتِ، فَالصُّوفِيَّةُ مَوصُوفُونَ بِأَنَّهُم تَرَكُوا الدُّنيَا فَخَرَجُوا عَنِ الأَوطَانِ، وَهَجَرُوا الأَخدَانَ، وَسَاحُوا فِي البِلَادِ، وَأَجَاعُوا الأَكبَادَ، وَإِنَّمَا يَنَالُونَ مِنَ الطَّعَامِ قَدرَ مَا يُقِيمُ الصُّلبَ لِلضَّرُورَةِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((بِحَسبِ ابنِ ءَادَمَ لُقَيمَاتٌ يُقِمنَ صُلبَهُ)) رَوَاهُ ابنُ مَاجَه. وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ التَّصَوُّفَ الحَقِيقِيَّ لَيسَ فَقَط لُبسَ الصُّوفِ دُونَ اتِّبَاعِ الشَّرعِ الشَّرِيفِ، بَلِ الصُّوفِيُّ الحَقِيقِيُّ هُوَ الَّذِي يَتبَعُ الحَقَّ، وَيُؤَدِّي حُقُوقَ اللهِ عَلَيهِ. فَالصُّوفِيُّ مَن كَانَ عَامِلًا بِشَرِيعَةِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَخَالَفَ هَوَاهُ، مَن لَا يُتبِعُ نَفسَهُ الهَوَى فِي المَأكَلِ وَالمَشرَبِ وَالمَلبَسِ وَغَيرِ ذَلِكَ، بَل يَقتَصِرُ عَلَى القَدرِ الَّذِي يَحفَظُ صِحَّةَ جَسَدِهِ مِنَ المَأكَلِ وَالمَشرَبِ وَالمَلبَسِ، مَعَ بَذلِ الجُهدِ فِي عِبَادَةِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَدَاءِ الفَرَائِضِ، وَالإِكثَارِ مِنَ النَّوَافِلِ. وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ طُرُقَ الصُّوفِيَّةِ طُرُقٌ سُنِّيَّةٌ، مُوَافِقَةٌ لِلشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الإِمَامُ الشَّعرَانِيُّ فِي كِتَابِ لَوَاقِحِ الأَنوَارِ القُدُسِيَّةِ: “إِيَّاكَ أَن تَقُولَ إِنَّ طُرُقَ الصُّوفِيَّةِ لَم يَأتِ بِهَا كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ، فَإِنَّهَا أَخلَاقٌ مُحَمَّدِيَّةٌ”.
فَالصُّوفِيُّ عِندَ مَن يَعرِفُهُ، هُوَ العَامِلُ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، يُؤَدِّي الوَاجِبَاتِ وَيَجتَنِبُ المُحَرَّمَاتِ، وَيَترُكُ التَّنَعُّمَ فِي المَأكَلِ وَالمَلبَسِ وَنَحوِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ الصِّفَةُ فِي الحَقِيقَةِ صِفَةُ الأَنبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَن بَعدَهُم مِنَ الأَولِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، كَالخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَأَهلِ الصُّفَّةِ، وَأَبِي الدَّردَاءِ وَأَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ، وَمِنَ التَّابِعِينَ طَاوُسُ بنُ كَيسَانَ، وَالحَسَنُ بنُ يَسَارٍ، وَإِبرَاهِيمُ التَّيمِيُّ، وَالأَئِمَّةُ الأَربَعَةُ، وَغَيرُهُم كَالجُنَيدِ البَغدَادِيِّ، وَالسَّرِيِّ السَّقَطِيِّ، وَالحَسَنِ البِصرِيِّ، وَبِشرٍ الحَافِي، وَحَاتِمٍ الأَصَمِّ، وَأَبِي نُعَيمٍ الأَصفَهَانِيِّ، وَالرِّفَاعِيِّ، وَالجَيلَانِيِّ، وَالبَدَوِيِّ، وَالدُّسُوقِيِّ، وَابنِ المُلَقِّنِ، وَالمُنَاوِيِّ، وَالنَّوَوِيِّ، وَابنِ حَجَرٍ، وَالغَزَالِيِّ، وَالسُّيُوطِيِّ، وَلَهُ مُؤَلَّفَاتٌ فِي التَّصَوُّفِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ الصَّادِقِينَ، فَلِذَلِكَ صَنَّفَ الحَافِظُ أَبُو نُعَيمٍ كِتَابَهُ الضَّخمَ المُسَمَّى (حِليَةَ الأَولِيَاءِ) أَرَادَ بِهِ أَن يُمَيِّزَ الصُّوفِيَّةَ المُحَقِّقِينَ مِن غَيرِهِم، لِمَا كَثُرَ فِي زَمَانِهِ مِنَ الطَّعنِ مِن بَعضِ النَّاسِ فِي الصُّوفِيَّةِ، وَدَعوَى التَّصَوُّفِ مِن طَائِفَةٍ أُخرَى هُم خِلَافُ الصُّوفِيَّةِ فِي المَعنَى، فَبَدَأَ بِذِكرِ الخُلَفَاءِ الأَربَعَةِ.
وقد قيل:
| لَيسَ التَّصَوُّفُ لُبسَ الصُّوفِ تَرقَعُهُ | وَلَا بُكَـــــــــاؤُكَ إِن غَنَّى المُغَنُّونَا | |
| وَلَا صِيَـــاحٌ وَلَا رَقـصٌ وَلَا طَرَبٌ | وَلَا اختِبَاطٌ كَأَن قَد صِرتَ مَجنُونًا | |
| بَلِ التَّصَــوُّفُ أَن تَصفُــــوْ بِلَا كَدَرٍ | وَتَتبَعَ الحَـــقَّ وَالقُرءَانَ وَالدِّينَـــــا | |
| وَأَن تُـــــــرَى خَــــــاشِعًا للهِ مُكتَئِبًا | عَلَى ذُنُوبِــكَ طُولَ الدَّهرِ مَحزُونًا |
فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي نِسْبَةُ هَذَا الْفِعْلِ إِلَى اللَّهِ مِنْ بَابِ الْخَلْقِ وَأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الَّذِي يَرْزُقُكَ هَذَا الثَّوْبَ الَّذِي تَكْتَسِي بِهِ، فَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَنِسْبَةُ الْفِعْلِ إِلَى الْعَبْدِ عَلَى مَعْنَى التَّكَسُّبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [سورة الأنفال/ الآية 17]، فَنَفَى اللَّهُ الرَّمْيَ مِنْ جِهَةِ الْخَلْقِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أَيْ أَنْتَ مَا خَلَقْتَ ذَلِكَ الرَّمْيَ يَا مُحَمَّدُ، وَأَثْبَتَهُ لَهُ مِنْ جِهَةِ الِاكْتِسَابِ أَيِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ وَجَّهَ إِرَادَتَهُ نَحْوَ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَاللَّهُ أَبْرَزَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، فَقَدِ اجْتَمَعَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ فِي الْآيَةِ لَكِنْ مِنْ جِهَتَيْنِ، وَعَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ تَكُونُ الْآيَةُ جَمَعَتِ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَذَلِكَ بَاطِلٌ مُحَالٌ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: قَامَ زَيْدٌ وَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ.
يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ الَّذِي أَبْرَزَ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ فَلَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَا سِوَى اللَّهِ حَدَثَ بِخَلْقِهِ تَعَالَى وَتَكْوِينِهِ، فَاللَّهُ تَعَالَى يَفْعَلُ بِقُدْرَتِهِ الْأَزَلِيَّةِ بِلَا جَارِحَةٍ أَيْ بِلَا عُضْوٍ وَلَا حَرَكَةٍ وَلَا آلَةٍ وَلَا مُبَاشَرَةٍ وَلَا مُمَاسَّةٍ لِشَيْءٍ أَيْ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ، فَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُمَسُّ وَلَا يَمَسُّ، خَلَقَ الْعَالَمَ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لَيْسَ مِثْلَ الْعِبَادِ، الْعِبَادُ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَعْمَلُوا شَيْئًا يُمْسِكُونَ الشَّيْءَ بِأَيْدِيهِمْ يَتَحَرَّكُونَ نَحْوَهُ وَيُمْسِكُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ أَوْ يُمْسِكُونَ الْآلَةَ ثُمَّ الْآلَةُ تَتَّصِلُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي يَعْمَلُونَهُ، أَمَّا اللَّهُ تَعَالَى فَلَيْسَ هَكَذَا، فَاللَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُ بِمَعْنَى الْإِخْرَاجِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، وَلَا خَالِقَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إِلَّا اللَّهُ، خَلَقَ الْعَالَمَ وَأَحْدَثَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ احْتِيَاجٌ إِلَيْهِ وَلَا لِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ عَنْ نَفْسِهِ إِنَّمَا خَلَقَهُ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الرعد/ الآية 16]، وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات/ الآية 96]، فَالْآيَتَانِ صَرِيحَتَانِ فِي أَنَّ اللَّهَ هُوَ خَالِقُ الْأَجْسَامِ وَالْأَعْمَالِ لِأَنَّ لَفْظَ الشَّيْءِ يَشْمَلُ الْأَجْسَامَ وَالْأَعْمَالَ، فَكُلُّ مَا دَخَلَ فِي الْوُجُودِ مِنَ الْأَعْيَانِ وَهِيَ الْأَشْيَاءُ الَّتِي لَهَا حَجْمٌ إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً كَالذَّرَّةِ أَوْ مَا كَانَ أَصْغَرَ مِنْهَا كَالْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ لِكَوْنِهِ فِي مُنْتَهَى الْقِلَّةِ وَهُوَ الْجَوْهَرُ الْفَرْدُ، أَوْ كَبِيرَةً كَالْعَرْشِ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ الْمَخْلُوقَاتِ حَجْمًا وَأَوْسَعُهَا مِسَاحَةً، وَكَذَلِكَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ حَرَكَاتُهُمْ وَسَكَنَاتُهُمْ وَعُلُومُهُمْ وَنَظَرُهُمْ وَخَوَاطِرُهُمُ الَّتِي تَطْرَأُ عَلَيْهِمْ بِدُونِ إِرَادَتِهِمُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ خَلَقَهَا فِيهِمْ، أَمَّا الْعِبَادُ فَلَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ: بِأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ الِاخْتِيَارِيَّةَ أَيْ يُحْدِثُهَا مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ. وَكَلَامُهُمْ هَذَا كُفْرٌ قَطْعًا لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [سورة فاطر/ الآية 3]، أَيْ لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ.
مَا أُوَارِي بِهِ أَي أَسْتُرُ بِهِ وَأُغَطِّي بِهِ، أُخَبِّئُ أُخْفِي، وَارَاهُ أَخْفَاهُ عَوْرَتِي قَالَ الْفَيُّومِيُّ: قِيلَ لِلسَّوْأَةِ عَوْرَةٌ لِقُبْحِ النَّظَرِ إِلَيْهَا وَكُلُّ شَيْءٍ يَسْتُرُهُ الْإِنْسَانُ أَنَفَةً وَحَيَاءً فَهُوَ عَوْرَةٌ وَالنِّسَاءُ عَوْرَةٌ أَيْ غَالِبُ جِسْمِهَا عَوْرَةٌ. اهـ وَكَذَلِكَ وَرَدَ حَدِيثٌ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ حِبَّانَ: ((الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ وَأَقْرَبُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ إِذَا كَانَتْ فِي قَعْرِ بَيْتِهَا)) وَمَعْنَى وَجْهِ اللَّهِ هُنَا طَاعَةُ اللَّهِ.
وَأَتَجَمَّلُ بِهِ وَهَذَا سَبَبٌ آخَرُ ذَكَرَهُ لِلُبْسِ الثِّيَابِ وَهُوَ التَّجَمُّلُ وَهُوَ مَقْصَدٌ حَسَنٌ إِنْ خَلَا عَنِ التَّكَبُّرِ وَالْفَخْرِ، فَفِي الْحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ))، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ ﷺ: ((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ ـ أَيْ جَمِيلُ الصِّفَاتِ لَا جَمِيلُ الصُّورَةِ وَالشَّكْلِ فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الصُّورَةِ وَالشَّكْلِ ـ يُحِبُّ الْجَمَالَ – أي الاحسان –، الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)) قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَعْنَاهُ احْتِقَارُهُمْ، يُقَالُ فِي الْفِعْلِ مِنْهُ غَمَطَهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ يَغْمِطُهُ بِكَسْرِهَا وَغَمِطَهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ يَغْمَطُهُ بِفَتْحِهَا، أَمَّا ((بَطَرُ الْحَقِّ)) فَهُوَ دَفْعُهُ وَإِنْكَارُهُ تَرَفُّعًا وَتَجَبُّرًا.اهـ
وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ: ((يَبْعَثُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسًا فِي صُوَرِ الذَّرِّ يَطَؤُهُمُ النَّاسُ بِأَقْدَامِهِمْ، فَيُقَالُ: مَا هَؤُلَاءِ فِي صُوَرِ الذَّرِّ؟ فَيُقَالُ: هَؤُلَاءِ الْمُتَكَبِّرُونَ فِي الدُّنْيَا)). اهـ
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: ((إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطِّيبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ))، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُقَدَّسٌ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ كُلِّهَا. اهـ
وَقَدْ أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ أَنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَانَ يَمْشِي مُتَبَخْتِرًا يَنْظُرُ فِي جَانِبَيْهِ أَعْجَبَهُ ثَوْبُهُ وَشَعَرُهُ وَهَيْئَةُ شَعَرِهِ وَحُسْنُ شَعَرِهِ، بَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي مُتَبَخْتِرًا أَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهِ الْأَرْضَ فَبَلَعَتْهُ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ ـ يَتَحَرَّكُ فِيهَا أَيْ يَغُوصُ فِي الْأَرْضِ حِينَ يُخْسَفُ بِهِ ـ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. اهـ فَهَذِهِ الْحَادِثَةُ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهَا عِبْرَةً حَتَّى يَعْتَبِرَ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ.
بيان أهمية الصدقة والحث عليها
فِي حَيَاتِي، ثُمَّ عَمَدَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُكْسَرُ أَيْ قَصَدَ إِلَى الثَّوْبِ الَّذِي أَخْلَقَ أَىْ أَبْلَى فَتَصَدَّقَ بِهِ وَهَذَا فِيهِ حَثٌّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَلَوْ كَانَ ثَوْبًا بَالِيًا، فَغَيْرُكَ قَدْ يَعْتَبِرُهُ عَظِيمًا وَيَنْتَظِرُ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْكَ، فَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ كَانَ هَذَا ثَوْبًا بَالِيًا قَلِيلًا فِي نَظَرِكَ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: مَا أَعْرِفُ حَبَّةً تَزِنُ جِبَالَ الدُّنْيَا إِلَّا الْحَبَّةَ مِنَ الصَّدَقَةِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ: كَانَ يُقَالُ ثَلَاثَةٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ: كِتْمَانُ الْمَرَضِ وَكِتْمَانُ الصَّدَقَةِ وَكِتْمَانُ الْمَصَائِبِ.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَتَصَدَّقُ بِالسُّكَّرِ وَيَقُولُ: سَمِعْتُ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 92] وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّ السُّكَّرَ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: أَنْتَ إِلَى ثَوَابِ الصَّدَقَةِ أَحْوَجُ مِنَ الْفَقِيرِ إِلَى صَدَقَتِكَ. وَيُقَالُ إِنَّ الْحَسَنَ مَرَّ بِهِ نَخَّاسٌ – النَّخَّاسُ: بَائِعُ الدَّوَابِّ، وَقَدْ يُسَمَّى بائعُ الرَّقِيقِ نَخَّاسًا – وَمَعَهُ جَارِيَةٌ فَقَالَ لِلنَّخَّاسِ: أَتَرْضَى فِي ثَمَنِهَا الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَاذْهَبْ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رَضِيَ فِي الْحُورِ الْعِينِ بِالْفَلْسِ وَاللُّقْمَةِ.
قِصَّةٌ تُبَيِّنُ بَرَكَةَ الصَّدَقَةِ حَصَلَتْ فِي عَاشُورَاءَ
رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ بَعْضَ الْأَسْوَاقِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَسَمِعَ سَائِلًا يَقُولُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [سورة الحديد/ الآية 11] قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ التُّجَّارِ فَأَعْطَاهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ. فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْقَابِلُ إِذَا بِالرَّجُلِ السَّائِلِ قَدْ جَاءَ وَحَوْلَهُ فُقَرَاءُ يَتْبَعُونَهُ وَهُوَ يُفَرِّقُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ، فَقَالَ الرَّجُلُ الَّذِي رَآهُ حِينَ أَعْطَاهُ الرَّجُلُ الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ: يَا أَخِي أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ أَمَا أَنْتَ الَّذِي أَعْطَاكَ فُلَانٌ التَّاجِرُ الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: أَلَمْ تَكُ فَقِيرًا ذَلِكَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: قُلْتُ لَهُ: فَمَا أَغْنَاكَ؟ قَالَ: لَمَّا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ نِيَّتِي وَأَنِّي مَا أَخَذْتُ الصَّدَقَةَ إِلَّا وَأَنَا مُحْتَاجٌ وَعَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى طِيبَ نَفْسِ الْمُتَصَدِّقِ بِإِعْطَائِهَا بَارَكَ لِي فِي تِلْكَ الْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَأَنْمَاهَا لِي حَتَّى وَجَبَتْ عَلَيَّ الْيَوْمَ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ زَكَاةً فِي مَالِي.
قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ مِنْهُ ذَلِكَ مَضَيْتُ إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِالْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَقُلْتُ: صِفْ لِي قِصَّتَكَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ إِذْ جَاءَ الرَّجُلُ الَّذِي قَالَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ فَقَالَ الرَّجُلُ الْمُتَصَدِّقُ: إِنَّهُ لَمَّا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ سَيُخْلِفُ عَلَيَّ فِي الدُّنْيَا وَيُوفِيَنِي فِي الْآخِرَةِ الْأَجْرَ الْكَرِيمَ، فَبِتُّ عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ فَرَأَيْتُ فِي مَنَامِي مَلَكًا مُبَلِّغًا عَنِ اللَّهِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا عَبْدِي قَدْ أَنْجَزَ لَكَ رَبُّكَ الْأَمْرَيْنِ وَقَدْ أَوْجَبَ لَكَ الْجَنَّةَ.
كَانَ فِي حِفْظِ اللَّهِ وَكُنَّا فِي دُرُوسٍ وَشَرْحِ أَذْكَارٍ سَابِقَةٍ تَكَلَّمْنَا فِي بَيَانِ حِفْظِ اللَّهِ وَأَنَّهُ هُوَ سُبْحَانَهُ الْحَفِيظُ، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَحْفَظَنَا وَيَحْفَظَ أَوْلَادَنَا وَبِلَادَنَا وَبِلَادَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا.
وَفِي كَنَفِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَيْ سَتْرِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِحَاجَةٍ لِسَتْرِ اللَّهِ وَفِي سِتْرِ اللَّهِ تَأْكِيدٌ وَمُبَالَغَةٌ، وَفِي الصِّحَاحِ السِّتْرُ بِالْكَسْرِ وَاحِدُ السُّتُورِ وَبِالْفَتْحِ مَصْدَرُ سَتَرَ حَيًّا وَمَيِّتًا)) أَيْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَأَعْظَمُ السَّتْرِ هُوَ مَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَيْثُ يَسْتُرُ اللَّهُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ وَيَغْفِرُ لَهُمْ، وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ: بَيْنَا ابْنُ عُمَرَ يَطُوفُ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((يُدْنَى الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ يَقُولُ: رَبِّ أَعْرِفُ، مَرَّتَيْنِ، فَيَقُولُ: سَتَرْتُهَا فِي الدُّنْيَا وَأَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ))، قَالَ الْكُورَانِيُّ فِي كِتَابِهِ «الْكَوْثَرِ الْجَارِي»: “أَيْ يَقْرُبُ مِنْ لُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَالْكَنَفُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالنُّونِ: السَّتْرُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُحِيطُ عِنَايَتَهُ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ تَعَالَى”. فَكَمَا هُوَ مَعْلُومٌ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُنَزَّهٌ عَنِ الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ وَالْحَيِّزِ وَالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ، لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا بِلَا مَكَانٍ.
شرح حديث أم خالد رضي الله عنها وقوله ﷺ: «أَبْلِي وَأَخْلِقِي»
الباب الذي بعده:
بَابُ مَا يَقُولُ لِأَخِيهِ إِذَا رَأَى عَلَيْهِ ثَوْبًا جَدِيدًا
الشَّرْحُ:
بَابُ مَا يَقُولُ لِأَخِيهِ إِذَا رَأَى عَلَيْهِ ثَوْبًا جَدِيدًا هَذَا الَّذِي سَيَذْكُرُهُ هُوَ الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ الَّذِي تَقُولُهُ لِأَخِيكَ الْمُسْلِمِ إِذَا رَأَيْتَهُ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا.
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أُمِّ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَ: ((مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُوهَا هَذِهِ الْخَمِيصَةَ))؟ فَسَكَتَ الْقَوْمُ فَقَالَ: ((ائْتُونِى بِأُمِّ خَالِدٍ)) فَأُتِيَ بِىَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَلْبَسَنِيهَا بِيَدِهِ وَقَالَ: ((أَبْلِي وَأَخْلِقِي)) مَرَّتَيْنِ.
الشَّرْحُ:
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أُمِّ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هِيَ أي اسمها أَمَةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ مُخَفَّفًا، كُنِّيَتْ بِوَلَدِهَا خَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَكَانَ الزُّبَيْرُ تَزَوَّجَهَا فَكَانَ لَهَا مِنْهُ خَالِدٌ وَعَمْرٌو ابْنَا الزُّبَيْرِ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهَا وُلِدَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ وَقَدِمَتْ مَعَ أَبِيهَا بَعْدَ خَيْبَرَ وَهِيَ تَعْقِلُ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ الْمَدَنِيِّ عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ مِمَّنْ أُقْرِئُ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ النَّجَاشِيِّ السَّلَامَ. وَأَبُوهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ أَسْلَمَ قَدِيمًا ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ أَوْ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ وَاسْتُشْهِدَ بِالشَّامِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ.
قَالَتْ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثِيَابٍ قَالَ ابنُ حَجَرٍ: لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ اسْمِ الْجِهَةِ الَّتِي حَضَرَتْ مِنْهَا الثِّيَابُ الْمَذْكُورَةُ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: كِسَاءٌ أَسْوَدُ لَهُ أَعْلَامٌ يَكُونُ مِنْ صُوفٍ وَغَيْرِهِ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْخَمَائِصُ ثِيَابُ خَزٍّ أَوْ صُوفٍ مُعَلَّمَةٍ وَهِيَ سُودٌ كَانَتْ مِنْ لِبَاسِ النَّاسِ فَقَالَ: ((مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُوهَا هَذِهِ الْخَمِيصَةَ))؟فَسَكَتَ الْقَوْمُ فَقَالَ: ((ائْتُونِى بِأُمِّ خَالِدٍ)) وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: ((فَأُتِيَ بِهَا تُحْمَلُ))، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى صِغَرِ سِنِّهَا إِذْ ذَاكَ، وَلَكِنْ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ حِينَئِذٍ مُمَيِّزَةً.
فَأُتِيَ بِىَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَلْبَسَنِيهَا بِيَدِهِ وَقَالَ: ((أَبْلِي وَأَخْلِقِي)) مَرَّتَيْنِ وَقَوْلُهُ: أَبْلِي بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَمْرٌ بِالْإِبْلَاءِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: أَخْلِقِي بِالْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ أَمْرٌ بِالْإِخْلَاقِ وَهُمَا بِمَعْنًى، وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ ذَلِكَ وَتُرِيدُ الدُّعَاءَ بِطُولِ الْبَقَاءِ لِلْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ، أَيْ أَنَّهَا تَطُولُ حَيَاتُهَا حَتَّى يَبْلَى الثَّوْبُ وَيَخْلَقَ، قَالَ الْخَلِيلُ: أَبْلِ وَأَخْلِقْ مَعْنَاهُ: عِشْ وَخَرِّقْ ثِيَابَكَ وَارْقَعْهَا.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ: ((وَأَخْلِفِي)) بِالْفَاءِ، وَهِيَ أَوْجَهُ مِنَ الَّتِي بِالْقَافِ لِأَنَّ الْأُولَى تَسْتَلْزِمُ التَّأْكِيدَ إِذِ الْإِبْلَاءُ وَالْإِخْلَاقُ بِمَعْنًى، لَكِنْ جَازَ الْعَطْفُ لِتَغَايُرِ اللَّفْظَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ تُفِيدُ مَعْنًى زَائِدًا وَهُوَ أَنَّهَا إِذَا أَبْلَتْهُ أَخْلَفَتْ غَيْرَهُ، وَيُؤَيِّدُهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا لَبِسَ أَحَدُهُمْ ثَوْبًا جَدِيدًا قِيلَ لَهُ: “تُبْلِي وَيُخْلِفُ اللَّهُ”.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَلِيدِ: فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَلَمِ الْخَمِيصَةِ وَيُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَيَّ وَيَقُولُ: ((يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا، يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا)). وَالسَّنَا بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ الْحَسَنُ.
وَجَاءَ أَيْضًا فِيمَا يَدْعُو بِهِ مِنْ لُبْسِ الثَّوْبِ الْجَدِيدِ أَحَادِيثُ: مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحسّنه مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ عِمَامَةً أَوْ قَمِيصًا أَوْ رِدَاءً ثُمَّ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ)).
وَأَخْرَجَ الطبراني مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ رَفَعَهُ: ((مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) اهـ.
والله تعالى أعلم وأحكم