بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المبدئ المعيد، الغني الحميد، ذي العفوِ الواسع والعقاب الشديد، مَن هداه فهو السعيد السديد، ومن أضله فهو الطريد البعيد، ومن أرشده إلى سبيل النجاة ووفقه فهو الرشيد، يَعلَم ما ظهر وما بطن وما خَفِيَ وما عَلَنَ وهو أقرب إلى كل مُريدٍ من حبل الوريد، فسبحان من قسم عباده قسمين وجعلهم فريقين فمنهم شقي وسعيد، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [سورة فصلت/ الآية 46]
وأصلي وأسلم على رسول الهدى محمد الداعي إلى التوحيد، الساعي بالنصح للقريب والبعيد، وعلى صاحبه أبي بكر ذي الرأي الرشيد، وعلى عمر الذي جاء وصفه في التوراة قرن حديد أميرٌ شديد، وعلى عثمان ذي النورين البطل الشهيد، وعلى علي صاحب العلم والقول السديد.
أما بعد:
فقد وصلنا في كتاب حلية البشر في شرح الأذكار التي يقولها المصلي بعد انقضاء صلاته ووصلنا إلى قوله:
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِىُّ فِى السُّنَنِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلاةِ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَالْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ».
الشرح والتعليق على هذا الحديث:
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِىُّ فِى السُّنَنِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا هُوَ الصَّائِلُ بالحَقِّ، القَائِلُ بالصِّدقِ، المُحَنَّكُ بِرِيقِ النُّبُوَّةِ، الصَّوَّامُ القَوَّامُ، ذُو السَّيفِ الصَّارِمِ، وَالرَأيِّ الحَازِمِ، مُبَارِزُ الشُّجعَانِ، وَحَافِظُ القُرآنِ، عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيْهِ الزبير وَعَنْ أُمِّهِ أسماء وَجَدِّهِ أبي بكر وَأَبِيْ جَدِّهِ أبي قحافة وَأُمِّ جَدِّهِ أُمِّ الخَيرِ وَالِدَةِ أَبِي بَكْرٍ.
وُلِدَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي شَوَّالٍ فِي السَّنَةِ الأُولَى مِنَ الهِجرَةِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَولُودٍ وُلِدَ فِي الإِسلَامِ مِنَ المُهَاجِرِينَ، فَقَد رَوَى البُخَارِيُّ عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أنَّهَا حَمَلَت بِعَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ، فقَالَت: خَرَجتُ وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيتُ المَدِينَةَ، فَنَزَلتُ بِقُبَاءَ فَوَلَدتُهُ بِقُبَاءَ.
وَفَرِحَ المُسلِمُونَ بِمَولِدِهِ فَرَحًا عَظِيمًا حَتَّى إِنَّهُم كَبَّرُوا لِمَولِدِهِ، حَيثُ إِنَّ اليَهُودَ كَانُوا قَد زَعَمُوا أَنَّهُم سَحَرُوا المُهَاجِرِينَ فَلَا يُولَدُ لَهُم مَولُودٌ، فَجَاءَ مَولِدُ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ مُكَذِّبًا لِليَهُودٍ فِيمَا زَعَمُوا.
وَكَانَ أَوَّلُ مَا دَخَلَ إِلَى جَوفِ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ رِيقَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَد رَوَى مِسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ قَالَت: أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنهَا فَوَضَعَهُ فِي حِجرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمرَةٍ فمَضَغَهَا ثُمَّ بَصَقَهَا فِي فِيهِ، فَإِنَّ أَوَّلَ شَيءٍ دَخَلَ بَطنَهُ لَرِيقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ قَد دَعَا لَهُ وَسَمَّاهُ عَبدَ اللهِ، وَكَنَّاهُ أَبَا بَكرٍ بِجَدِّهِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِيقِ وَسَمَّاهُ بِاسمِهِ.
عِندَمَا بَلَغَ عَبدُ اللهِ السَّابِعَةَ أَوِ الثَّامِنَةَ مِن عُمُرِهِ جَاءَ لِيُبَايِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَد أَمَرَهُ بِذَلِكَ أَبُوهُ الزُّبَيرُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ رَآهُ مُقبِلًا إِلَيهِ ثُمَّ بَايَعَهُ.
وَكَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مُلَازِمًا لِلوُلُوجِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِكَونِهِ مِن آلِهِ، فَكَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَى بَيتِ خَالَتِهِ عَائِشَةَ.
وَمِن أَعظَمِ المَوَاقِفِ الَّتِي حَصَلَت مَعَ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ فِي حَيَاتِهِ أَنَّهُ شَرِبَ دَمَ الرَّسُولِ ﷺ، فَقَد رَوَى الحَاكِمُ وَالدَّارَقُطنِيُّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ احتَجَمَ فَدَفَعَ دَمَهُ إِلَى عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ وَقَالَ لَهُ: «وَارِهِ»، فَذَهَبَ سَيِّدُنَا عَبدُ اللهِ فَشَرِبَهُ، فَأَتَاهُ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ فَأَخبَرَهُ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ لِعَبدِ اللهِ: «مَا صَنَعتَ؟» قَالَ: كَرِهتُ أَن أَصُبَّ دَمَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَمَسُّكَ النَّارُ»، وَمَسَحَ عَلَى رَأسِهِ وَقَالَ: «وَيلٌ لِلنَّاسِ مِنكَ، وَوَيلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ»، وَكَانَ يُرَى أَنَّ القُوَّةَ الَّتِي بِعَبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ مِن ذَلِكَ الدَّمِ، وَهَذَا مِن عَظِيمِ بَرَكَاتِ النَّبِيِّ ﷺ.
كَانَ ابنُ الزُّبَيرِ آيةً فِي الشَّجَاعَةِ، إِذ كَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُصَلِّي فِي حِجرِ إِسمَاعِيلَ وَالمِنجَنِيقُ يَضرِبُ، فَيقَعُ الحَجَرُ قُربَ رَأسِهِ وَهُو ثَابِتٌ لَا يَهتَزُّ، وَهَذَا بِبَرَكَةِ شُربِهِ لِدَمِ الرَّسُولِ ﷺ، وَلَهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَآثِرُ عَظِيمَةٌ فِي الفُتُوحَاتِ الإِسلَامِيَّةِ، فَقَد شَهِدَ مَعرَكَةَ اليَرمُوكِ وَهُوَ صَغِيرُ السِّنِّ،
وَشَهِدَ فَتحَ أَفرِيقيَا حَيثُ كَانَ هِرَقلُ مَلِكُ الرُّومِ وَلَّى عَلَيهَا مَلِكًا يُدعَى جُرجِيرَ وَسِعَ مُلكُهُ طَرَابُلُسَ الغَربِ إِلَى طَنجَةَ، فَكَانَ المُسلِمُونَ يُقَاتِلُونَهُم كُلَّ يَومٍ مِن بُكرَةٍ إِلَى الظُّهرِ، وَانقَطَعَ خَبَرُ المُسلِمِينَ عَن عُثمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَمَدَّهُم بِابنِ الزُّبَيرِ مَعَ جَمَاعَةٍ يَنظُرُونَ خَبَرَهُم، فَلَمَا وَصَلَ ابنُ الزُّبَيرِ كَبَّرَ المُسلِمُونَ وَفَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا. ثُمَّ إِنَّ جُرجِيرَ أَعلَنَ فِي النَّاسِ أَنَّ مَن يَقتُلُ أَمِيرَ جَيشِ المُسلِمِينَ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ اليَومِ عَبدُ اللهِ بنُ سَعدِ بنِ أَبِي السَّرْحِ، فَلَهُ مِائَةُ أَلفِ دِينَارٍ وَيُزَوِّجُهُ ابنَتَهُ، فَقَالَ ابنُ الزُّبَيرِ لابنِ سَعدٍ: نَادِ فِي النَّاسِ “مَن أَتَانِي بِرَأسِ جُرجِيرَ نَفَّلتُهُ مِائَةَ أَلفٍ وَمَلَّكتُهُ ابنَتَهُ وَاستَعمَلتُهُ عَلَى بِلَادِهِ” فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَسَكَنَ الذُّعرُ والهَلَعُ قَلبَ جُرجِيرَ. ثُمَّ إِنَّ عَبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ قَالَ لِعَبدِ اللهِ بنِ سَعدٍ: إِنَّ أَمرَنَا يَطُولُ مَعَ هَؤُلَاءِ، وَهُم فِي أَمدَادٍ مُتَّصِلَةٍ وَبِلَادٍ هِيَ لَهُم، وَنَحنُ مُنقَطِعُونَ عَنِ المُسلِمِينَ وَبِلَادِهِم، وَقَد رَأَيتُ أَن نَترُكَ غَدًا جَمَاعَةً صَالِحَةً مِن أَبطَالِ المُسلِمِينَ فِي خِيَامِهِم مُتَأَهِّبِينَ، وَنُقَاتِلُ نَحنُ الرُّومَ فِي بَاقِي العَسكَرِ إِلَى أَن يَضجَرُوا وَيَمَلُّوا، فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى خِيَامِهِم وَرَجَعَ المُسلِمُونَ رَكِبَ مَن كَانَ فِي الخِيَامِ مِنَ المُسلِمِينَ وَلَم يَشهَدُوا القِتَالَ وَهُم مُستَرِيحُونَ، وَنَقصِدُهُم عَلَى غِرَّةٍ، فَلَعَلَّ اللهَ يَنصُرُنَا عَلَيهِم، فَأَحضَرَ جَمَاعَةً مِن أَعيَانِ الصَّحَابَةِ وَاستَشَارَهُم فَوَافَقُوهُ عَلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا كَانَ الغَدُ فَعَلَ عَبدُ اللهِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيهِ، وَأَقَامَ جَمِيعُ شُجعَانِ المُسلِمِينَ فِي خِيَامِهِم، وَخُيُولُهُم عِندَهُم مُسرَجَةٌ، وَمَضَى البَاقُونَ فَقَاتَلُوا الرُّومَ إِلَى الظُّهرِ قِتَالًا شَدِيدًا، فَلَمَّا أُذِّنَ بِالظُّهرِ هَمَّ الرُّومُ بِالِانصِرَافِ عَلَى العَادَةِ، فَلَم يُمَكِّنهُمُ ابنُ الزُّبَيرِ وَأَلَحَّ عَلَيهِم بِالقِتَالِ حَتَّى أَتعَبَهُم، ثُمَّ عَادَ عَنهُم هُوَ وَالمُسلِمُونَ، فَكُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَينِ أَلقَى سِلَاحَهُ وَوَقَعَ تَعِبًا، فَعِندَ ذَلِكَ أَخَذَ عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ مَن كَانَ مُستَرِيحًا مِن شُجعَانِ المُسلِمِينَ وَقَصَدَ الرُّومَ، فَلَم يَشعُرُوا بِهِم حَتَّى خَالَطُوهُم، وَحَمَلُوا حَملَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَكَبَّرُوا، فَلَم يَتَمَكَّنِ الرُّومُ مِن لُبسِ سِلَاحِهِم، حَتَّى غَشِيَهُمُ المُسلِمُونَ، وَقَتَلَ ابنُ الزُّبَيرِ جُرجِيرَ، وَانهَزَمَ الرُّومُ وَقُتِلَ مِنهُم مَقتَلَةٌ عَظِيمَةٌ.
وأما وفاته رضي الله عنه فإنه يروى عَنْ إِسْحَاقَ بنِ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: حَضَرْتُ قَتْلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ؛ جَعَلَتِ الجُيُوْشُ تَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجدِ، فَكُلَّمَا دَخَلَ قَوْمٌ مِنْ بَابٍ، حَمَلَ عَلَيْهِم وَحْدَهُ حَتَّى يُخْرِجَهُم، فَبَيْنَا هُوَ عَلَى تِلْكَ الحَالِ، إِذْ وَقَعَتْ شُرْفَةٌ مِنْ شُرُفَاتِ المَسْجدِ عَلَى رَأْسِهِ، فَصَرَعَتْهُ، وَهُوَ يَتَمَثَّلُ:
أَسْمَاءُ يَا أَسْمَاءُ لاَ تَبْكِينِي * لَمْ يَبْقَ إِلاَّ حَسَبِي وَدِيْنِي * وَصَارِمٌ لاَثَتْ بِهِ يَمِينِي …
قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ (الخُلَفَاءِ): صَلَبُوا ابْنَ الزُّبَيْرِ مُنَكَّسًا، وَكَانَ آدَمَ، نَحِيْفًا، لَيْسَ بِالطَّوِيْلِ، بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ السُّجُودِ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَعِدَّةٌ: قُتِلَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَسَبْعِيْنَ. قَالَ جُوَيْرِيَةُ بنُ أَسْمَاءَ عَنْ جَدَّتِهِ: إِنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ غَسَّلَتِ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَعْد مَا تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ. وَقَالَ مُصْعَبُ بنُ عَبْدِ اللهِ: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ، فَدَفَنَتْهُ بِالمَدِيْنَةِ فِي دَارِ صَفِيَّةَ أُمِّ المُؤْمِنِيْنَ.
عَاشَ نَيِّفًا وَسَبْعِيْنَ سَنَةً رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَمَاتَتْ أُمُّهُ بَعْدَهُ بِشَهْرَيْنِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَلَهَا قَرِيبٌ مِنْ مائَةِ عَامٍ.
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلاةِ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ» هذه الكلمة فيها إثباتٌ لوحدانية الله عز وجل، الوَحدَانِيَّةُ مِن صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى الثَابِتَةِ لَهُ شَرعًا وَعَقلًا، وَمَعنَى كَونِ اللهِ تَعَالَى وَاحِدًا فِي ذَاتِهِ أَنَّ ذَاتَهُ تَعَالَى لَيسَ مُرَكَّبًا مِن أَجزَاءٍ، وَمَعنَى أَنَّهُ تَعَالَى وَاحِدٌ فِي الصِّفَاتِ أَنَّهُ لَيسَ لَهُ تَعَالَى قُدرَتَينِ وَعِلمَينِ وَإِرَادَتَينِ، بَل لَهُ تَعَالَى قُدرَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِرَادَةٌ وَاحِدَةٌ وَعِلمٌ وَاحِدٌ وَهَذَا يُقَالُ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ، وَمَعنَى أَنَّهُ تَعَالَى وَاحِدٌ فِي الأَفعَالِ أَنَّهُ لَيسَ أَحَدٌ مِنَ المَخلُوقَاتِ مُشَارِكًا للهِ فِي أَفعَالِهِ، وقد قال الله تَعَالَى:﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 22]، أَي لَو كَانَ لَهُمَا يَعنِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ، إِلَهٌ غَيرُ اللهِ لَفَسَدَتَا وَاختَلَّ نِظَامُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ بِمَا فِيهِمَا وَلَخَرِبَتَا وتَهَدَّمَتَا، قَالَ البَيضَاوِيُّ: “وَفِي الآيَةِ تَنبِيهٌ عَلَى شَرَفِ عِلمِ الكَلَامِ وَأَهلِهِ، وَحَثٌ عَلَى البَحثِ وَالنَّظَرِ فِيهِ”.اهـ
وَقَد أَكَّدَ اللهُ تَعَالَى الآيَةَ السَّابِقَةَ بِآيَةٍ أُخرَى وَهِيَ قَولُهُ جَلَّ شَأنُهُ حِكَايَةً عَن مَقَالَةِ يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَامُ لِأَصحَابِ السِّجنِ: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [سورة يوسف/ الآية 39]، وَهَذِهِ الأَخِيرَةُ دَلِيلٌ عَلَى شَرَفِ تَعلِيمِ عِلمِ التَّوحِيدِ وَأَنَّ ذَلِكَ دَأبُ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ لَهُ الْمُلْكُ كل شيء في هذا العالم هو ملك لله عز وجل والله تعالى يتصرف في خلقه كما يشاء سبحانه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فاللَّهُ تعالى يَخْلُقُ الِاهْتِدَاءَ فِيمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ، هُوَ هَدَاهُمْ فَضْلًا مِنْهُ وَكَرَمًا، فَلَوْ لَمْ يَخْلُقْ فِيهِمُ الِاهْتِدَاءَ لَمْ يَكُنْ هُوَ ظَالِمًا لِأَنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَىْءٌ فَلا حَاكِمَ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ ءَامِرَ وَلا نَاهي له، لَمْ يَخْلُقْ سُبْحَانَهُ فِى الْكُفَّارِ الِاهْتِدَاءَ، خَذَلَهُمْ عَدْلًا مِنْهُ؛ أَىْ لَيْسَ ظُلْمًا مِنْهُ لِأَنَّ الظُّلْمَ لا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ لِأَنَّهُ لا يَتَصَرَّفُ إِلَّا فِيمَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ حَقِيقَةً لَيْسَ مِلْكُهُ مَجَازِيًا كَمِلْكِنَا وَأَمَّا مِلْكُنَا فَهُوَ مِلْكٌ مَجَازِىٌّ عَقْلًا لِأَنَّ الْعِبَادَ وَمَا يَمْلِكُونَ كُلٌّ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَالَى لا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَا تَمْلِكُهُ بِالنَّظَرِ إِلَى كَوْنِ كُلٍّ مِلْكًا لِلَّهِ تَعَالَى، أَنْتَ خَلَقَكَ وَأَحْدَثَكَ مِنَ الْعَدَمِ وَكَذَلِكَ مَا تَمْلِكُهُ هُوَ خَلَقَهُ وَأَحْدَثَهُ مِنَ الْعَدَمِ، لَهُ سُبْحَانَهُ الْحَاكِمِيَّةُ عَلَى الْعِبَادِ فَمَا مَنَعَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَنْتَهُوا عَنْهُ فَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا تَوَجَّهَ اللَّوْمُ عَلَيْهِمْ وَاسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ وَالْعَذَابَ.
وَهَذَا مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: «لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَهُ الْحَمْدُ نحمد الله عز وجل ونُسَلِّمُ أمرنا لله سبحانه ولا نعترض عليه، وإذا رأينا من أنفسنا إقبالا على الطاعات واجتنابا للمحرمات، فهذا مؤشِّر خير وبركة وفضل عظيم، وإذا وجدنا من أنفسنا إقبالا على هذه الدنيا والانغماس بها فهذا نذير سوء والعياذ بالله، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال:«كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» متفق عليه، فهنيئا لمن يسّر الله له أسباب النجاة وأسباب العمل للآخرة والبعد عن هذه الدنيا وما فيها من الذنوب والمعاصي، ويروى أن مَعْرُوفا الْكَرْخِي كان يَقُول: “إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا فتح عَلَيْهِ بَاب الْعَمَل وأغلق عَنهُ بَاب الجدل، وَإِذا أَرَادَ الله بِعَبْد شرا أغلق عَنهُ بَاب الْعَمَل وَفتح عَلَيْهِ بَاب الجدل”.اهـ
فالواحد منا ينبغي أن يتابع نفسه ويحاسبها ويراقبها هل تمشي إلى أمر الآخرة هل هي مقبلة لأمر الآخرة مدبرة عن الدنيا أم هي مقبلة للدنيا مدبرة عن الآخرة والعياذ بالله تعالى، فإذا كانت هكذا فلينتبه، وإذا كانت مقبلة لأمر الآخرة فليحمد الله عز وجل وليثبت على الخير، عند إقامة مجالس العلم أين أكون؟ هكذا اسأل نفسك. عندما يذكرني أحدهم بمجلس العلم أين أنا؟ في الإقبال إلى الدنيا أم في الإقبال إلى الآخرة؟ وهنا يحصل التفاضل غالبا، نسأل الله أن يثبتنا على طريق الآخرة،
قال الإمام البخاري في صحيحه: بَابٌ فِي الْأَمَلِ وَطُولِهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [سورة آل عمران/ الآية 185] ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الحجر/ الآية 3]
وَقَالَ عَلِيٌّ ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً وَارْتَحَلَتِ الْآخِرَةُ مُقْبِلَةً وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ. «وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ» الله تعالى على كل شيء قدير، ومن شكَّ في قدرة الله فليس مسلما، كما قال شخص من أهل القرن الثالث، يسمى ابن قتيبة، وقدْ ردَّ ابنُ الجوزيِّ قولَ ابنِ قتيبةَ: “قدْ يغلطُ فِي بعضِ الصفاتِ قومٌ مِنَ المسلمينَ فلَا يُكفَّرُونَ بذلكَ”، فقالَ: “جَحْدُهُ صِفَةَ الْقُدْرَةِ كُفْرٌ اتِّفَاقًا” اهـ يعنِي ابنَ قتيبةَ بذلكَ قصةَ الرجلِ الذِي قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيهِ:«كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ، فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا» رواه البخاري، حيثُ ظنَّ ابنُ قتيبةَ أنَّ هذَا الرجلَ شكَّ فِي قدرةِ اللهِ عليهِ، قالَ ابنُ الجوزيِّ: “جحدُه صفةَ القدرةِ كفرٌ اتفاقًا”، وإنَّما معنَى قولِه: (لئنْ قدَرَ اللهُ عليَّ) أيْ ضَيَّقَ، فَهِيَ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [سورة الطلاق/ الآية 7] أيْ ضُيِّقَ، وأمَّا قولُهُ:(لعلِّي أضَلُّ اللهَ) كمَا فِي روايةٍ لِهَذَا الحديثِ عند أحمد فمعناهُ لَعَلِّي أَفُوتُهُ؛ ولَعَلَّ هذَا الرجلَ قالَ ذلكَ مِنْ شدَّةِ جزَعِهِ وخوفِهِ كمَا غَلِطَ ذلكَ الآخرُ فقالَ: «أنتَ عبدِي وأنَا ربُّكَ» رواه مسلم، أوْ يكونُ قولُه: (لَئِنْ قَدَّرَ عَلَيَّ) بتشديدِ الدالِ، أيْ قَدَّرَ عليَّ أنْ يعذبَنِي لَيُعَذِبَنِي. قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ: “وأظهرُ الأقوالِ أنَّه قالَ ذلكَ فِي حالِ دهشتِهِ وغلبةِ الخوفِ عليهِ حتَّى ذهبَ بعقلِه”.
وتِتِمَّةُ الحديثِ المذكورِ: «فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذلِكَ فَأَمَرَ اللهُ الأرضَ فقالَ: اجْمَعِي مَا فيكِ منهُ، فَفَعَلَتْ فإذَا هوَ قائمٌ فقالَ: مَا حَمَلَكَ علَى مَا صَنَعْتَ؟ قالَ: يَا ربِّ خشيتُك، فغفرَ لهُ» والحديثُ أخرجَه البخاريُّ، وأخرجَه ابنُ حبانَ بلفظِ: «تُوُفِّيَ رَجُلٌ كَانَ نَبَّاشًا فَقَالَ لِوَلَدِهِ: أَحْرِقُوْنِي».اهـ وقالَ النوويُّ: “اختلفَ العلماءُ فِي تأويلِ هذَا الحديثِ فقالتْ طائفةٌ: لا يصحُّ حملُ هذَا علَى أنَّه أرادَ نفيَ قدرةِ اللهِ، فإنَّ الشاكَّ فِي قدرةِ اللهِ تعالَى كافرٌ، وقدْ قالَ فِي ءاخرِ الحديثِ: «إِنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ تَعَالَى» وَالكافرُ لا يخشَى اللهَ تعالَى ولَا يُغفرُ لهُ، قالَ هؤلاءِ: فيكونُ لهُ تأويلانِ، أحدُهما: أنَّ معناهُ لئنْ قدَّرَ عليَّ العذابَ أي قضَاهُ يقالُ منهُ قَدَرَ بالتخفيف وقدَّرَ بالتشديدِ بمعنًى واحدٍ، والثانِي: أنَّ قَدَرَ هنَا بمعنَى ضيَّقَ عليَّ قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [سورة الفجر/ الآية 16] وهوَ أحدُ الأقوالِ فِي قولِه تعالَى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء/ الآية 87].
وقالتْ طائفةٌ: (اللفظُ علَى ظاهرِه ولكنْ قالَه هذَا الرجلُ وهوَ غيرُ ضابطٍ لكلامِه ولَا قاصدٍ لحقيقةِ معناهُ ومعتقدٍ لَهَا، بلْ قالَهُ فِي حالةٍ غَلَبَ عليهِ فيهَا الدهْشُ والخَوفُ وشدَّةُ الجزعِ، بحيثُ ذهبَ تيقُّظُهُ وتَدَبُّرُ مَا يقُولُهُ، فصارَ فِي معنَى الغافلِ والنَّاسِي) وهذهِ الحالةُ لا يؤاخذُ فيهَا وهوَ نحوُ قولِ القائلِ الآخَرِ الذِي غلبَ عليهِ الفرحُ حينَ وجدَ راحلتَه: (أنتَ عبدِي وأنَا ربُّكُ) فلَمْ يكفرْ بذلكَ الدهشِ والغلبةِ والسهوِ”. انتهَى كلامُ النوويِّ
لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» جَاءَ فِي حَدِيثِ البَزَّارِ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ مَسعُودٍ قَالَ: لَا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:« «أَتَعرِفُ مَعنَاهَا»، قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: «لَا حَولَ – أَي لَا ابتِعَادَ – عَن مَعصِيَةِ اللهِ إِلَّا بِعِصمَةِ اللهِ – بِحِفظِ اللهِ – وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ إِلَّا بِعَونِ اللهِ»، «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ» وهذه الألفاظ كلها فيها إثبات التوحيد ونفي عبادة غير الله عزّ وجلّ لَهُ النِّعْمَةُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ﴾ [سورة النحل/ الآية 53] أَوَّلُهُ نِعْمَةُ التَّوْفِيقِ للإيمان والطاعة وَالْفَضْلُ بِالْقَوْلِ أَوِ التَّفَضُّلِ عَلَى عِبَادِهِ «وَلَهُ الثَّنَاءُ» الْحَسَنُقال ابن علان: أي النعت المستحسن فهو يستحقه على عباده بطريق الذات لا بواسطة نعمة ولا غيرها بل وإن انتقم.اهـ
لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» أي ولو كره قولَنا الكافرون أي نقولها حال كوننا مخلصين».
الحديث الذي بعده:
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ عَنْ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مُعَقِّبَاتٌ لا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ أَوْ فَاعِلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ تَسْبِيحَةً وَثَلاثًا وَثَلاثِينَ تَحْمِيدَةً وَثَلاثًا وَثَلاثِينَ تَكْبِيرَةً»، وَفِى حَدِيثٍ ءَاخَرَ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ»
الشرح والتعليق على هذا الحديث:
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ عَنْ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ هو كَعْبُ بنُ عُجْرَةَ الأَنْصَارِيُّ السَّالِمِيُّ المَدَنِيُّ، مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ. لَهُ: عِدَّةُ أَحَادِيْثَ، حَدَّثَ بِالكُوْفَةِ وَبِالبَصْرَةِ، مَاتَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِيْنَ. قَالَ كَعْبٌ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالحُدَيْبِيَةِ وَنَحْنُ مُحْرِمُوْنَ، وَقَدْ صَدَّهُ المُشْرِكُوْنَ، فَكَانَتْ لِي وَفْرَةٌ – الوفرة: شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الاذن -، فَجَعَلَتِ الهَوَامُّ تَسَّاقَطُ عَلَى وَجْهِي. فَمَرَّ بِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:«أَتُؤْذِيْكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ. فَأَمَرَ أَنْ يُحْلَقَ، وَنَزَلَتْ فِيَّ آيَةُ الفِدْيَةِ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [سورة البقرة/ الآية 196].اهـ
وَكَانَ لَهُ في الجاهلية صَنَمٌ يُكْرِمُهُ وَيَمْسَحُهُ، فَكَانَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلَامِ، فَيَأْبَى. وَكَانَ عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ لَهُ خَلِيْلًا، فَرَصَدَهُ يَوْمًا، فَلَمَّا خَرَجَ، دَخَلَ عُبَادَةُ وَمَعَهُ قَدُوْمٌ، فَكَسَرَهُ. فَلَمَّا أَتَى كَعْبٌ، قَالَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ قَالُوا: عُبَادَةُ. فَخَرَجَ مُغْضَبًا، ثُمَّ فَكَّرَ فِي نَفْسِهِ، وَأَتَى عُبَادَةَ، فَأَسْلَمَ.
وروى الطبراني في معجمه الأوسط عنه أنه قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَرَأَيْتُهُ مُتَغَيِّرًا. قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا لِيَ أَرَاكَ مُتَغَيِّرًا؟ قَالَ:«مَا دَخَلَ جَوْفِي مَا يَدْخُلُ جَوْفَ ذَاتِ كَبِدٍ مُنْذُ ثَلَاثٍ» قَالَ: فَذَهَبْتُ فَإِذَا يَهُودِيٌّ يَسْقِي إِبِلًا لَهُ، فَسَقَيْتُ لَهُ، عَلَى كُلِّ دَلْوٍ تَمْرَةٌ، فَجَمَعْتُ تَمْرًا، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ:«مِنْ أَيْنَ لَكَ يَا كَعْبُ؟»، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتُحِبُّنِي يَا كَعْبُ؟»، قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ، نَعَمْ. قَالَ: «إِنَّ الْفَقْرَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ إِلَى مَعَادِنِهِ، وَإِنَّهُ سَيُصِيبُكَ بَلَاءٌ، فَأَعِدَّ لَهُ تَجْفَافًا».
عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مُعَقِّبَاتٌ» أَيْ: كَلِمَاتٌ يَأْتِي بَعْضُهَا عَقِبَ بَعْضٍ، وَقِيلَ: كَلِمَاتٌ يُعَقِّبْنَ الثَّوَابَ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِهَا لِأَنَّهَا عَادَتْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَقِيلَ: نَاسِخَاتٌ لِلذُّنُوبِ، وَقَدْ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [سورة الرعد/ الآية41]، أَيْ: لَا نَاسِخَ لَهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُعَقِّبَاتُ اللَّوَاتِي يَقُمْنَ عِنْدَ أَعْجَازِ الْإِبِلِ، الْمُعْتَرِكَاتُ عَلَى الْحَوْضِ، فَإِذَا انْصَرَفَتْ نَاقَةٌ دَخَلَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَهِيَ النَّاظِرَاتُ لِلْعَقِبِ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ التَّسْبِيحَاتُ كُلَّمَا مَرَّتْ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ نَابَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى «لا يَخِيبُ» أَيْ: لَا يَخْسَرُ قَائِلُهُنَّ أَوْ فَاعِلُهُنَّ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، «دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ» أَيْ: مَفْرُوضَةٍ، ثَلاثًا وَثَلاثِينَ تَسْبِيحَةً وَثَلاثًا وَثَلاثِينَ تَحْمِيدَةً وَثَلاثًا وَثَلاثِينَ تَكْبِيرَةً» أي يسبح الله ثلاثا وثلاثين مرة أي يقول: (سبحان الله) بهذا العدد، ويقول: (الحمد لله) ثلاثا وثلاثين مرة، ويقول: (الله أكبر) ثلاثا وثلاثين مرة، والتسبيح كما ذكرنا في دروسنا هو التنزيه لله عز وجل عن الجسمية وعن كل صفات الأجسام، والتكبير ليس معناه كبر الجسم في حقّ الله فالله ليس جسمًا ولا يشبه الأجسام، فنَفيُ الجِسمِيَّةِ عَنِ اللهِ مِمَّا أَجمَعَت عَلَيهِ الأُمَّةُ وَمِمَّا نَصَّ عَلَيهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ، فَقَد نَقَلَ أَبُو الفَضلِ التَّمِيمِيُّ البَغدَادِيُّ رَئِيسُ الحَنَابِلَةِ فِي بَغدَادَ فِي زَمَانِهِ وَابنُ رَئِيسِهَا أَنَّ أَحمَدَ بنَ حَنبَلٍ أَنكَرَ عَلَى مَن قَالَ بِالجِسمِ – أَي فِي حَقِّ اللهِ – وَقَالَ:
إِنَّ الأَسمَاءَ مَأخُوذَةٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ وَاللُّغَةِ، وَأَهلُ اللُّغَةِ وَضَعُوا هَذَا الِاسمَ – أَيِ الجِسمَ – لِذِي طُولٍ وَعَرضٍ وَسَمكٍ وَتَركِيبٍ وَصُورَةٍ وَتَألِيفٍ، وَاللهُ سُبحَانَهُ وَتعَالَى خَارِجٌ عَن ذَلِكَ كُلِّهِ وَلَم يَجِئ ذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ – أَي وَلَم يَرِد إِطلَاقُ الجِسمِ عَلَى اللهِ فِي الشَّرعِ – فَبَطَلَ – أَي إِطلَاقُ ذَلِكَ عَلَى اللهِ شَرعًا وَلُغَةً -“.اهـ
وَمَعنَى كَلَامِهِ إِجمَالًا أَنَّ أَسمَاءَ الأَشيَاءِ تُعرَفُ إِمَّا مِنَ اللُّغَةِ وَإِمَّا مِنَ الشَّرعِ، فَهُنَاكَ أَشيَاءُ عُرِفَت أَسمَاؤُهَا مِنَ اللُّغَةِ كَالرَّجُلِ وَالفَرَسِ وَأَشيَاءُ عُرِفَت أَسمَاؤُهَا مِن طَرِيقِ الشَّرعِ مِثلُ الصَّلَاةِ الشَّرعِيَّةِ،
وَالجِسمُ فِي اللُّغَةِ يُطلَقُ عَلَى مَا لَهُ طُولٌ وَعَرضٌ وَسَمكٌ وَتَركِيبٌ وَصُورَةٌ وَتَألِيفٌ وَاللهُ لَا يُوصَفُ بِشَيءٍ مِن ذَلِكَ وَإِلَّا لَكَان مُشَابِهًا لِخَلقِهِ وَذَلِكَ ضِدُّ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى/ الآية 11]، ثُمَّ لَو كَانَ اللهُ جِسمًا ذَا طُولٍ وَعَرضٍ وَسَمكٍ وَتَركِيبٍ وَصُورَةٍ وَتَألِيفٍ لَاحتَاجَ لِمَن خَصَّصَهُ بِذَلِكَ الطُّولِ وَذَلِكَ العَرضِ وَذَلِكَ السَّمكِ وَذَلِكَ التَّركِيبِ وَتِلكَ الصُّورَةِ، وَالمُحتَاجُ لَا يَصِحُّ فِي العَقلِ أَن يَكُونَ إِلَهًا، فَمَعنَى الجِسمِ لَا يَجُوزُ وَصفُ اللهِ بِهِ شَرعًا وَلَا عَقلًا وَلَفظُ الجِسمِ لَم يَرِد فِي الشَّرعِ إِطلَاقُهُ عَلَيهِ وَلَا يَجُوزُ فِي الشَّرعِ تَسمِيَةُ اللهِ إِلَّا بِمَا سَمَّى بِهِ نَفسَهُ أَي إِلَّا بِمَا ثَبَتَ فِي الشَّرعِ تَسمِيَتُهُ بِهِ فَبَطَلَ إِطلَاقُ ذَلِكَ عَلَى اللهِ تَعَالَى، بَل نَقَلَ صَاحِبُ الخِصَالِ مِنَ الحَنَابِلَةِ عَنِ الإِمَامِ أَحمَدَ نَفسِهِ تَكفِيرَ مَن قَالَ عَنِ اللهِ جِسمٌ لَا كَالأَجسَامِ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا جَاءَ عَن بَاقِي الأَئِمَّةِ، فَقَد ثَبَتَ عَنِ الشَّافِعِيِّ تَكفِيرُ المُجَسِّمِ كَمَا نَقَلَ عَنهُ ذَلِكَ السُّيُوطِيُّ، بَل قَالَ ابنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ: وَاعلَم أَنَّ القَرَافِيَّ وَغَيرَهُ حَكَوا عَنِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ القَولَ بِكُفرِ القَائِلِينَ بِالجِهَةِ وَالتَّجسِيمِ وَهُم حَقِيقُونَ بِذَلِكَ.اهـ أَي بِكُفرِ مَن يَنسُبُ إِلَى اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الجِسمِيَّةَ أَوِ الكَونَ فِي جِهَةٍ لِأَنَّهُ مِن مَعَانِي البَشَرِ، وَقَد ذَكَرَ الإِمَامُ أَبُو جَعفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي عَقِيدَتِهِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهَا بَيَانٌ لِعَقِيدَةِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ أَنَّ “مَن وَصَفَ اللهَ بِمَعنًى مِن مَعَانِي البَشَرِ فَقَد كَفَرَ”.اهـ وَالجِسمِيَّةُ وَالتَّركِيبُ وَالصُّورَةُ وَالهَيئَةُ كُلُّ ذَلِكَ مِن مَعَانِي البَشَرِ، وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشعَرِيُّ: “مَنِ اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ جِسمٌ فَهُوَ غَيرُ عَارِفٍ برَبِّهِ وَإِنَّهُ كَافِرٌ بِهِ”.اهـ
وَفِى حَدِيثٍ ءَاخَرَ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» وَهُوَ مَا يَعْلُو عَلَى وَجْهِهِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ وَتَمَوُّجِهِ.اهـ
والله تعالى هو الغَفُورُ»: أي هُوَ الَّذِي تَكثُرُ مِنهُ المَغفِرَةُ.اهـ قَالَ النَّسَفِيُّ: الغَفُورُ السَاتِرُ لِلعُيُوبِ العَافِي عَنِ الذُنُوبِ.اهـ« فَاللهُ تَعَالَى يَغفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِلَّا الإِشرَاكَ بِهِ سُبحَانَهُ أَي لِمَنِ استَمَرَّ عَلَيهِ إِلَى الموتِ، فَمَهَمَا بَلَغَتِ الذُّنُوبُ فِي الكَثرَةِ وَاستَغفَرَ العَبدُ ربَّه فَإِنَّهُ يَغفِرُ لَهُ وَلَا يُبَالِي، وَلِيسَ التَّوبَةُ مُجَرَّدَ الاستِغفَارِ اللِّسَانِيِّ، إِنَّمَا لَا بُدَّ مِن أَركَانٍ لِهَذِهِ التَّوبَةِ. والله تعالى أمر بالتوبة وحث عليها وهو يحب من عبده أن يتوب عن كل الذنوب صغيرِها وكبيرِها، فَفي صحيح البخاري عَن أَبِي حَمزَةَ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ الأَنصَارِيِّ خَادِمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ»، وَفِي رِوَايَةٍ في صحيح مسلم: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ». قَالَ النَّوَوِيُّ: “قَالَ العُلَمَاءُ: فَرَحُ اللهِ تَعَالَى هُوَ رِضَاهُ، وَقَالَ المازريُّ: الفَرَحُ يَنقَسِمُ إِلَى وُجُوهٍ منهَا السُّرُورُ، وَالسُّرُورُ يُقَابِلُهُ الرِّضَا بِالمَسرُورِ بِهِ، قَالَ: فَالمُرَادُ هُنَا أَنَّ الله تَعَالَى يَرضَى تَوبَةَ عَبدِهِ أَشَدَّ مِمَّا يَرضَى وَاجِدُ ضَالَّتِهِ بِالفَلَاةِ، فَعَبَّرَ عَنهُ بِالفَرَحِ تَأكِيدًا لِمَعنَى الرِّضَا فِي نَفسِ السَّامِعِ وَمُبَالَغَةً فِي تَقدِيرِهِ”اهـ.
والله تعالى أعلم وأحكم