أوقات استجابة الدعاء وأدعية افتتاح الصلاة

حلية البشر

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلَّمه، ورفع قدر العلم وعظَّمه، ووفَّق للفقه في دينه من اختار وفهَّمه.

أحمده حمدًا يعصم من نِقَمِه، ويتكفَّل بدوام نِعَمِه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عالمُ خَفِيَّات الأسرار، وغافرُ الخطيئاتِ والأوزار.

وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، الدَّاعي إلى سبيل ربِّه بالحكمة، والكاشفُ برسالته جلابيبَ الغُمَّة، صلَّى الله عليه وعلى آله الكرام، وأصحابه الحائزين من رِضى الله أقصى المرام، وسلَّم وكرَّم، وشرَّف وعظَّم.

أما بعد:

نكمل في كتاب حلية البشر حيث قال

الحديث

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَغَيْرُهُ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثِنْتَانِ لا تُرَدَّانِ الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا». وَعِنْدَ الْبَأْسِ أَيْ شِدَّةِ الْقِتَالِ. وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فِى كِتَابِ الأُمِّ وَقَدْ حَفِظْتُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ طَلَبَ الإِجَابَةِ عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ.اهـ

الشرح والتعليق على هذا الحديث

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَغَيْرُهُ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثِنْتَانِ أَيْ: دَعْوَتَانِ لا تُرَدَّانِ أي يذكر موضعين من الدعاء يستجيب الله تعالى لهما بإذنه عز وجل، فإن كل شيء بمشيئته الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ أَيْ: حِينَ الْأَذَانِ أَوْ بَعْدَهُ وَعِنْدَ الْبَأْسِ أَيِ: الشِّدَّةِ وَالْمُحَارَبَةِ مَعَ الْكُفَّارِ حِينَ يُلْحِمُ أي يَقتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَيْ: يَخْتَلِطُ، وَسُمِّيَ اللَّحْمُ لَحْمًا لِاخْتِلَاطِ بَعْضِ أَجْزَائِهِ،

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَحَمَهُ إِذَا الْتَصَقَ بِهِ الْتِصَاقَ اللَّحْمِ بِالْعَظْمِ، أَيْ: حِينَ يَلْتَصِقُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، أَوْ يَهُمُّ بَعْضُهُمْ بِقَتْلِ بَعْضٍ».

وهذا الحديث يبين شيئا من الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء، فينبغي على المؤمن الذي يدعو ربه أن يبحث عن هذه الأوقات أن يتحينها حتى يستجاب دعاؤه بمشيئة الله عز وجل، فالأَوقَاتُ الَّتِي يُرجَى بِهَا قَبُولُ الدُّعَاءِ كَثِيرَةٌ مِنهَا:

لَيلَةُ القَدرِ وَجَوفُ اللَّيلِ وَلَا سِيَّمَا الثُّلُثُ الأَخِيرُ مِنَ اللَّيلِ لِوُرُودِ الحَدِيثِ أَنَّ مَلَكًا مِن مَلَائِكَةِ اللهِ يَنزِلُ قَبلَ الفَجرِ إِلَى الأَرضِ وَيُنَادِي هَل مِن دَاعٍ فَيُستَجَابَ لَهُ، كما ذكره السيوطي في تنوير الحوالك شرح موطأ مالك، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: (‌وَبِٱلۡأَسۡحَارِ ‌هُمۡ ‌يَسۡتَغۡفِرُونَ) [سورة الذاريات/ الآية 18]، وَدُبُرُ الصَّلَوَاتِ المَكتُوبَاتِ،  لحديث الترمذي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قِيلَ يا رسولَ اللهِ: أيُّ الدعاءِ أسمَعُ؟ قال: «جَوفَ الليلِ الآخِرِ ودُبُرَ الصلواتِ المكتوباتِ».

ويُروَى أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ جُعِلَت فِي خَيرِ السَّاعَاتِ، فَعَلَيكُم بِالدُّعَاءِ خَلفَ الصَّلَوَاتِ، وَبَينَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ لِلصَّلَاةِ، فَقَد قَالَ فيما رواه النسائي: «الدُّعَاءُ بَينَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ»،

وَمِنَ الأَوقَاتِ الَّتِي يُرجَى فِيهَا إِجَابَةُ الدُّعَاءِ سَاعَةٌ مِن كُلِّ يَومِ جُمُعَةٍ وَلَم يَرِد تَحدِيدُهَا عَلَى التَّمَامِ مِن نَهَارِ الجُمُعَةِ، لِذَلِكَ يَنبَغِي الِاجتِهَادُ وَالتَّحَرِّي لَهَا طِيلَةَ يَومِ الجُمُعَةِ، وَالأَغلَبُ أَنَّهَا بَعدَ العَصرِ وَقَبلَ المَغرِبِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ،

وَكَذِلَكَ يُستَجَابُ الدُّعَاءُ فِي السُّجُودِ أَثنَاءَ الصَّلَاةِ لِقَولِهِ ﷺ فيما رواه مسلم:«أَقرَبُ مَا يَكُونُ العَبدُ مِن رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكثِرُوا الدُّعَاءَ»،

السجود معراج العارفين..

السجدة التي يحضر فيها قلبك

لا ترفع منها رأسك

حتى تسدّ “جوع” روحك…..

تلك الأسرار التي في صدرك انثرها على سجادتك…..

في السجود…..

أنت في نظر الناس تهبط…

ولكنـك في الحقيقة تصعد….

اللهم ارزقنا سجود القلب

مع الجسد …..

فإن القلب إذا سجد .. اقترب و ارتفع

واسجد واقترب

وَفِي يَومِ عَرَفَةَ، وَبَعدَ قِرَاءَةِ القُرءَانِ وَخَتمَةِ المُصحَفِ، وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ في كتابه الأم: “وَقَد حَفِظتُ عَن غَيرِ وَاحِدٍ طَلَبَ الإِجَابَةِ عِندَ نُزُولِ الغَيثِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ”.اهـ وَقَالَ أَيضًا: “وَبَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ: إِنَّ الدُّعَاءَ يُستَجَابُ فِي خَمسِ لَيَالٍ: فِي لَيلَةِ الجُمُعَةِ، وَلَيلَةِ الأَضحَى، وَلَيلَةِ الفِطرِ، وَأَوَّلِ لَيلَةٍ مِن رَجَبٍ، وَلَيلَةِ النِّصفِ مِن شَعبَان”.اهـ

وَأَمَّا المَوَاضِعُ وَالأَمَاكِنُ الَّتِي يُرجَى فِيهَا قَبُولُ الدُّعَاءِ فَهِيَ: عِندَ رُؤيَةِ الكَعبَةِ الشَّرِيفَةِ، وَعِندَ تَقبِيلِ الحَجَرِ الأَسوَدِ وَفِي الطَّوَافِ وَالسَّعيِ، وَعِندَ المَشعَرِ الحَرَامِ، وَعَقِبَ شُربِ مَاءِ زَمزَمَ، وَعِندَ التِقَاءِ الصُّفُوفِ بِالحَربِ، وَمِمَّا يُرجَى إِجَابَتُهُ مِنَ الدُّعَاءِ دُعَاءُ المَظلُومِ وَالمُسَافِرِ وَالصَّائِمِ عِندَ فِطرِهِ وَعِندَ نُزُولِ الغَيثِ، قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “إِنَّ أَبوَابَ السَّمَاءِ تُفتَحُ عِندَ زَحفِ الصُّفُوفِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، وَعِندَ نُزُولِ الغَيثِ وَعِندَ إِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ المَكتُوبَةِ فَاغتَنِمُوا الدُّعَاءَ فِيهَا”.اهـ

وَدُعَاءُ الرَّجُلِ لِأَخِيهِ المُؤمِنِ فِي غَيبَتِهِ لِقَولِهِ فيما رواه أبو داود: «إِنَّ أَسرَعَ الدُّعَاءِ إِجَابَةً دَعوَةُ غَائِبٍ لِغَائِبٍ». وَمِنَ المَوَاضِعِ الَّتِي يُرجَى بِهَا الإِجَابَةُ الدُّعَاءُ عِندَ قَبرِ رَسُولِ اللهِ وَعِندَ قُبُورِ الأَنبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيهِم أَجمَعِينَ وَكَذَلِكَ عِندَ قُبُورِ الصَّالِحِينَ.

فينبغي على الواحد منا أن يأخذ بالأسباب من أن يتحرى أوقات وأماكن إجابة الدعاء ويدعو ربه فإنه يستجيب له بمشيئته عز وجل، وقد روى أبو نعيم أنه مَرَّ إِبرَاهِيمُ بنُ أَدهَمَ رَحِمَهُ اللهُ بِسُوقِ البَصرَةِ فَاجتَمَعَ النَّاسُ إِلَيهِ، وَقَالُوا: يَا أَبَا إِسحَاقَ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: (‌وَقَالَ ‌رَبُّكُمُ ‌ٱدۡعُونِيٓ ‌أَسۡتَجِبۡ ‌لَكُمۡۚ) [سورة غافر/ الآية 60] وَنَحنُ نَدعُو فَلَا يُستَجَابُ لَنَا؟ قَالَ: لِأَنَّ قُلُوبَكُم مَاتَت بِعَشَرَةِ أَشيَاءَ، قَالُوا: وَمَا هِيَ؟! قالَ:

الأَوَّلُ: أَنَّكُم عَرَفتُمُ اللهَ فَلَم تُؤَدُّوا حَقَّهُ. الثَّانِي: ادَّعَيتُم حُبَّ النَّبِيِّ وَلَم تَعمَلُوا بِسُنَّتِهِ. الثَّالِثُ: قَرَأتُمُ القُرءَانَ وَلَم تَعمَلُوا بِهِ. الرَّابِعُ: أَكَلتُم نِعمَةَ اللهِ، وَلَم تُؤَدُّوا شُكرَهَا. الخَامِسُ: قُلتُم إِنَّ الشَّيطَانَ عَدُوُّكُم وَوَافَقتُمُوهُ. السَّادِسُ: قُلتُم إِنَّكُم مُشتَاقُونَ لِلجَنَّةِ فَلَم تَعمَلُوا لَهَا. السَّابِعُ: قُلتُم إِنَّكُم تَخَافُونَ مِنَ النَّارِ فَلَم تَهرُبُوا مِنهَا. الثَّامِنُ: قُلتُم إِنَّ المَوتَ حَقٌّ وَلَم تَستَعِدُّوا لَهُ. التَّاسِعُ: اشتَغَلتُم بِعُيُوبِ النَّاسِ وَنَسِيتُم عُيُوبَكُم. العَاشِرُ: دَفَنتُم مَوتَاكُم وَلَم تَعتَبِرُوا بِهِم.

بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ اسْتِفْتَاحِ الصَّلاةِ

وهنا لنا إشارة ووقفة، وهي أنه ينبغي على الواحد منا عندما يقف للصلاة أن يستحضر معاني هذه العبادة التي هو مقبل عليها فهي أجل العبادات العملية وأعلاها مرتبة عند الله عز وجل، والمصلي يناجي ربه سبحانه يناجي ملك الملوك القادر على كل شيء الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، لذلك ترى السلف الصالح إذا أقبلوا إلى صلواتهم يستحضرون هذه المعاني ويستحضرون معاني ما يذكرون ويقولون في صلاتهم،

روي عن الإمام الجنيد البغدادي، وفي بعض الروايات تروى هذه القصة عن إمام العربية أبي عمرو بن العلاء رضي الله عنهما، فقد قال اليزيدي: سألت يوما أبا عمرو بن العلاء أن يصلي بنا – وكان لا يقدِّمُ نفسه للإمامة بالناس – فتقدم إلى المحراب فغشي عليه، فقيل له لما أفاق: ما بك؟ فقال: لما قلت: ‌استووا ‌رحمكم ‌الله، خُيّل إليّ واعظ من نفسي يقول: هل استويت لله طرفة عين؟

رَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَلِىِّ بنِ أَبِى طَالِبٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاةَ ‌الاستفتاح ‌هو عبارة عن الذكر المشروع بين تكبيرة الإحرام والاستعاذة للقراءة من “سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك – أي عظمتك – ولا إله غيرك. اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد”. أو”وجهت وجهي” ونحويهما، سمي بذلك؛ لأنه شُرعَ ليُستفتحَ به الصلاة قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِىَ أَيْ قَصَدْتُ بِعِبَادَتِي. فهنا ذكر الوجه لأنه أبينُ أعضاء الجسم لدى الإنسان، ولهذا سمي الوجه وجها لأنك أول ما تواجه به أخاك المسلم، والعرب أحيانا يذكرون الجزء ويريدون الكل، فقد يذكرون الوجه ويريدون كل البدن، ألا نقول في العامية: فلان يريد أن يطلب يدَ فلانة، هو لا يريد اليد فقط، بل يريدها كلَّها، فهنا ذُكرت اليد وأريد الكل، وكذلك في هذا الحديث ذكر الوجه وأراد أنا بكليتي أتوجه لعبادتك يا رب وألتجئ إليك لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَيِ ابْتَدَأَ خلقها، وهذا المعنى في أسماء الله تعالى فمن أسمائه عز وجل الفاطر: هُوَ الَّذِي فَطَرَ الخَلقَ أَيِ اختَرَعَهُم وَأَوجَدَهُم، قَالَ تَعَالَى: (‌قُلۡ ‌أَغَيۡرَ ‌ٱللَّهِ ‌أَتَّخِذُ ‌وَلِيّٗا ‌فَاطِرِ ‌ٱلسَّمَٰوَٰتِ ‌وَٱلۡأَرۡضِ وَهُوَ يُطۡعِمُ وَلَا يُطۡعَمُۗ قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَسۡلَمَۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ) [سورة الأنعام/ الآية 14] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّورَى: (‌فَاطِرُ ‌ٱلسَّمَٰوَٰتِ ‌وَٱلۡأَرۡضِۚ ‌جَعَلَ ‌لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ أَزۡوَٰجٗا يَذۡرَؤُكُمۡ فِيهِۚ لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ) [سورة الشورى/ الآية 11]، وفي هذه الآية لي وقفة وهي: أَشَارَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِدَايَةً إِلَى خَلقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلسَّمَاوَاتِ وَلِلأَرضِ وَبَعدَ ذَلِكَ إِلَى خَلقِ بَنِي آدَمَ أَزوَاجًا وَإِلَى خَلقِ الأَنعَامِ أَزوَاجًا وَأَشَارَت أَيضًا إِلَى ذِكرِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُكَثِّرُنَا وَكُلُّ هَذِهِ الإِشَارَاتُ دِلَالَةٌ عَلَى وُجُودِ اللهِ وَوَحدَانِيَّتِهِ، فَمَن نَظَرَ فِي كُلِّ هَذَا عَلِمَ أَنَّ لِهَذِهِ الأَشيَاءِ خَالِقًا خَلَقَهَا وَخَصَّهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيهِ، وَهَذَا الخَالِقُ لَا يُشبِهُهَا بأي وَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَنَاسَبَ أَن تُختَمَ الآيَةُ بِالتَّنزِيهِ للهِ عَن مُشَابَهَةِ كُلِّ مَا ذُكِرَ وَمَا لَم يُذكَر مِن مَخلُوقَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَخُتِمَت بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾.

وَمِن جُملَةِ مَا وَرَدَ عَن سَيِّدِنَا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ مِنَ الدُّعَاءِ: (إِنِّي ‌وَجَّهۡتُ ‌وَجۡهِيَ ‌لِلَّذِي ‌فَطَرَ ‌ٱلسَّمَٰوَٰتِ ‌وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ) [سورة الأنعام/ الآية 79]، وَكَانَ مِنهُ هَذَا الدُّعَاءُ بَعدَ أَن أَقَامَ الحُجَّةَ عَلَى قَومِهِ أَنَّهُ لَا مَعبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ الكَوَاكِبَ لَا تَستَحِقُّ العِبَادَةَ. لَقَد كَانَ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَغَيرِهِ مِنَ الأَنبِيَاءِ مُنذُ صِغَرِهِ وَنَشأَتِهِ مُسلِمًا مُؤمِنًا عَارِفًا بِرَبِّهِ مُعتَقِدًا عَقِيدَةَ التَّوحِيدِ مُنَزِّهًا للهِ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ، وَمُدرِكًا أَنَّ هَذِهِ الأَصنَامَ الَّتِي يَعبُدُهَا قَومُهُ لَا تُغنِي عَنهُم مِنَ اللهِ شَيئًا، وَأَنَّهَا لَا تَضُرُّ وَلَا تَنفَعُ لِأَنَّ الضَّارَّ وَالنَّافِعَ عَلَى الحَقِيقَةِ هُوَ اللهُ تَعَالَى وَحدَهُ، قَالَ تَعَالَى: (‌مَا ‌كَانَ ‌إِبۡرَٰهِيمُ ‌يَهُودِيّٗا ‌وَلَا ‌نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ) [سورة آل عمران/ الآية 67] وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَٱذۡكُرۡ ‌فِي ‌ٱلۡكِتَٰبِ ‌إِبۡرَٰهِيمَۚ ‌إِنَّهُۥ ‌كَانَ ‌صِدِّيقٗا ‌نَّبِيًّا) [سورة مريم/ الآية 41] وَقَالَ: (‌وَلَقَدۡ ‌ءَاتَيۡنَآ ‌إِبۡرَٰهِيمَ ‌رُشۡدَهُۥ ‌مِن ‌قَبۡلُ ‌وَكُنَّا ‌بِهِۦ ‌عَٰلِمِينَ) [سورة الأنبياء/ الآية 51]، فَقَولُ إِبرَاهِيمُ عَنِ الكَوكَبِ حِينَ رَءَاهُ: (‌هَٰذَا ‌رَبِّيۖ) [سورة الأنعام/ الآية 76] هُوَ عَلَى تَقدِيرِ الِاستِفهَامِ الإِنكَارِيِّ كَأَنَّهُ قَالَ: “أَهَذَا رَبِّي كَمَا تَزعُمُونَ”، ثُمَّ لَمَّا غَابَ قالَ: (‌لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ) أَي لَا يَصلُحُ أَن يَكُونَ هَذَا رَبًّا فَكَيفَ تَعتَقِدُونَ ذَلِكَ؟ وَلَمَّا لَم يَفهَمُوا مَقصُودَهُ بَل بَقُوا عَلَى مَا كَانُوا عَلَيهِ قَالَ حِينَمَا رَأَى القَمَرَ مِثلَ ذَلِكَ فَلَمَّا لَم يَجِد مِنهُم بُغيَتَهُ أَظهَرَ لَهُم أَنَّهُ بَرِيءٌ مِن عِبَادَةِ القَمَرِ وَأَنَّهُ لَا يَصلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ لَمَّا ظَهَرَتِ الشَّمسُ قَالَ مِثلَ ذَلِكَ فَلَم يَرَ مِنهُم بُغيَتَهُ فَأَيِسَ مِنهُم فَأَظهَرَ بَرَاءَتَهُ مِن ذَلِكَ، وَأَمَّا هُوَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ فَكَانَ يَعلَمُ قَبلَ ذَلِكَ أَنَّ الرُّبُوبِيَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا للهِ بِدَلِيلِ قَولِهِ تَعَالَى: (وَلَقَدۡ ‌ءَاتَيۡنَآ ‌إِبۡرَٰهِيمَ ‌رُشۡدَهُۥ ‌مِن ‌قَبۡلُ ‌وَكُنَّا ‌بِهِۦ ‌عَٰلِمِينَ) [سورة الأنبياء/ الآية 51]، قَالَ الفَخرُ الرَّازِيُّ: “وَالوَجهُ الثَّانِي فِي التَّأوِيلِ: أَن نَقُولَ قَولُهُ: «هَذَا رَبِّي» مَعنَاهُ هَذَا رَبِّي فِي زَعمِكُم وَاعتِقَادِكُم؟”.اهـ ثُمَّ قَالَ: “المُرَادُ مِنهُ الِاستِفهَامُ عَلَى سَبِيلِ الإِنكَارِ إِلَّا أَنَّهُ أَسقَطَ حَرفَ الِاستِفهَامِ استِغنَاءً عَنهُ لِدِلَالَةِ الكَلَامِ عَلَيهِ”.اهـ

وَيَكفِي فِي بَرَاءَةِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الكُفرِ وَالشِّركِ مَا قَالَهُ اللهُ تَعَالَى عَنهُ: (مَا ‌كَانَ ‌إِبۡرَٰهِيمُ ‌يَهُودِيّٗا ‌وَلَا ‌نَصۡرَانِيّٗا ‌وَلَٰكِن ‌كَانَ ‌حَنِيفٗا ‌مُّسۡلِمٗا ‌وَمَا ‌كَانَ ‌مِنَ ‌ٱلۡمُشۡرِكِينَ) [سورة آل عمران/ الآية 67] وَمَعنَى «حَنِيفًا» أَي مَائِلًا عَنِ البَاطِلِ وَعَن كُلِّ الأَديَانِ إِلَى دِينِ الحَقِّ الإِسلَامِ، وَمَعنَى «مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» أَي أَنَّهُ كَانَ مِن طُفُولَتِهِ إِلَى المَمَاتِ عَلَى دِينِ الإِسلَامِ، لَم يَعبُد شَمسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا نَجمًا وَلَا حَجَرًا وَلَا نَارًا وَلَا وَثَنًا وَلَا شَكَّ فِي قُدرَةِ اللهِ كَمَا يَفتَرِي عَلَيهِ الكُفَّارُ بِذَلِكَ، وَإِلَّا لَم يَقُلِ اللهُ عَنِ الخَلِيلِ إِبرَاهِيمَ عَلَيِهِ السَّلَامُ: «مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» فَقَد ظَهَرَ الحَقُّ وَاتَّضَحَ وَبَانَت بَرَاءَةُ إِبرَاهِيمَ وَكُلِّ الأَنبِيَاءِ مِنَ الشِّركِ وَالكُفرِ وَاتِّبَاعِ غَيرِ الإِسلَامِ، قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَهَا حَنِيفًا أي مائلا عن الكفر والضلال إلى الحق وهو الإسلام وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ليس على طريقة اليهود ولا النصارى، فإنهم عبدوا غير الله، وهذا يبين أن دين الأنبياء كلهم هو الإسلام، فلا يجوز ما يقوله البعض في هذه الأيام يقولون: أديان سماوية، هذه كلمة فاسدة، لا يوجد دين سماوي إلا الإسلام،  الدين السماوي الوحيد هو الإسلام، وهذا الذي يثبته القرآن الكريم، وهي عقيدة كل أنبياء الله هي عقيدة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال تعالى: (‌إِنَّ ‌ٱلدِّينَ ‌عِندَ ‌ٱللَّهِ ‌ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ) [سورة آل عمران/ الآية 19] وقال تعالى: (‌وَمَن ‌يَبۡتَغِ ‌غَيۡرَ ‌ٱلۡإِسۡلَٰمِ ‌دِينٗا ‌فَلَن ‌يُقۡبَلَ ‌مِنۡهُ ‌وَهُوَ ‌فِي ‌ٱلۡأٓخِرَةِ ‌مِنَ ‌ٱلۡخَٰسِرِينَ) [سورة آل عمران/ الآية 85].

ومما يدلّ من القرءان على أن الأنبياء عليهم السلام كانوا كلُّهم على الإسلام قوله تعالى: (‌وَوَصَّىٰ ‌بِهَآ ‌إِبۡرَٰهِـۧمُ ‌بَنِيهِ ‌وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ) [سورة البقرة/ الآية 132]  وقوله تعالى: (‌قُولُوٓاْ ‌ءَامَنَّا ‌بِٱللَّهِ ‌وَمَآ ‌أُنزِلَ ‌إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ) [البقرة: 136]  وقوله تعالى: (‌مَا ‌كَانَ ‌إِبۡرَٰهِيمُ ‌يَهُودِيّٗا ‌وَلَا ‌نَصۡرَانِيّٗا ‌وَلَٰكِن ‌كَانَ ‌حَنِيفٗا ‌مُّسۡلِمٗا ‌وَمَا ‌كَانَ ‌مِنَ ‌ٱلۡمُشۡرِكِينَ) [سورة آل عمران/ الآية 67] وقوله تعالى: (‌فَلَمَّآ ‌أَحَسَّ ‌عِيسَىٰ ‌مِنۡهُمُ ‌ٱلۡكُفۡرَ ‌قَالَ ‌مَنۡ ‌أَنصَارِيٓ ‌إِلَى ‌ٱللَّهِۖ ‌قَالَ ‌ٱلۡحَوَارِيُّونَ ‌نَحۡنُ ‌أَنصَارُ ‌ٱللَّهِ ‌ءَامَنَّا ‌بِٱللَّهِ ‌وَٱشۡهَدۡ ‌بِأَنَّا ‌مُسۡلِمُونَ) [سورة آل عمران/ الآية 52]، وحديث صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ»، الإخوة إذا كانوا من نفس الأم والأب اسمهم أشقاء، وإذا كانوا من نفس الأب ولكن أمهاتهم مختلفة يقال لهم إخوة لعلات، فالنبيّ ﷺ شبّه هذا بهذا بمعنى أنّ الأنبياء كلهم دينهم واحد وهو الإسلام ولكن شرائعهم مختلفة، مثلا كان في شرع ءادم يجوز للأخ أن يتزوج أخته من البطن الثاني، وأما في شرع من بعده من شيث إلى محمد فحرام، وكان بشرع أحد الأنبياء إذا وقعت نجاسة على الثوب فكان حكمه أن يقص مكان النجاسة أما في شرع محمد نزل التخفيف أي أن يطهر بإزالة النجاسة وصب الماء عليه، وكان يجوز في شرع أحد الأنبياء أن يجمع بين الأختين أمّا في شرع محمد فلا يجوز في عقدٍ واحدٍ.

وفي حديث موطأ مالك رضي الله عنه عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَرِيزٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْم عَرَفَةَ. وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَه»، فأتباع سيّدنا عيسى المسلمون قالوا: لا اله إلا الله عيسى رسول الله، وأتباع سيّدنا موسى المسلمون قالوا: لا إله إلا الله موسى رسول الله، وأتباع سيّدنا محمّد ﷺ قالوا: لا إله إلا الله محمّد رسول الله، ويقال لهم أيضا مسلمون محمديون أي أتباع محمّد ﷺ،

أمّا قول الله تعالى: (قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ *‌ لَآ ‌أَعۡبُدُ ‌مَا ‌تَعۡبُدُونَ) [سورة الكافرون/ الآية 1-2] وفي آخر السورة: (لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ) [سورة الكافرون/ الآية 6]، معناه لكم دينكم الباطل ولي ديني الحق وهو الاسلام دين التوحيد. فدين الإسلام هو الذي جعله ربنا سببا للنجاة من هول المطلع من هول يوم القيامة، هذا هو الحق الذي لا يجوز الخروج عنه إِنَّ صَلاتِى وَنُسُكِى قال النووي: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ النُّسُكُ الْعِبَادَةُ وَأَصْلُهُ مِنَ النَّسِيكَةِ وَهِيَ الْفِضَّةُ الْمُذَابَةُ الْمُصَفَّاةُ مِنْ كُلِّ خَلْطٍ، وَالنَّسِيكَةُ أَيْضًا كُلُّ مَا يُتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى. وهذه من الأفعال الاختيارية، الصلاة والنسك في الحج أو العمرة هي أفعال اختيارية، وهي بمشيئة الله وتقديره وخلقه لا بخلق العبد وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى وهي من الأفعال غير الاختيارية، وهي بمشيئة الله وبخلقه سبحانه، فإنه لا يحصل شيء في هذا العالم إلا بمشيئة الله تعالى لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا لغيره، فلا يجوز القول بأن العبد يخلق أفعاله،  فالإيمان بالقدر خيره وشره معناه الإيمان بأن كل ما دخل في الوجود من خير وشر هو بتقدير الله الأزلي، فالخير من أعمال العباد بتقدير الله ومحبته ورضاه، والشر من أعمال العباد بتقدير الله وخلقه وعِلْمِه ولكن ليس بمحبته ولا برضاه. الله خالق الخير والشرّ لكنه يرضى الخير ولا يرضى الشرّ.

الله تعالى خالق أفعال العباد ونيّاتهم ومشيئتهم شرّها وخيرها. اعلموا أنّه لا يجري شىء في هذا العالم إلا بتقدير الله سبحانه وتعالى.

والقدر هو جعل كل شىء على ما هو عليه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّه» أي أنّ المخلوقات التي قدّرها الله وفيها الخير والشر إنّما وجدت بتقدير الله الأزلي.

وأمّا صفة الله القدر لا يوصف بأنّه شرّ. والإيمان بالقدر هو من الأمور المهمة ويكون باعتقاد أن كل شىء يحصل بتقدير الله ويدخل في ذلك عمل العبد الخير والشر باختياره. إن إرادة الله نافذة في كل ما أراده على حسب علمه الأزلي فما علم الله كونه أراد كونه في الوقت الذي يكون فيه. وما علم أنه لا يكون لم يرد أن يكون فلا يحدث في العالم شىء إلا بمشيئة الله.

فالله هو خالق الخير والشر لكنه يرضى الخير ولا يرضى الشر وهو يفعل ما يريد، لا يُسأل عما يفعل. قال الله تعالى: (‌قُلۡ ‌أَعُوذُ ‌بِرَبِّ ‌ٱلۡفَلَقِ *مِن شَرِّ مَا خَلَقَ) [سورة الفلق/ الآية 1-2]، وروى مسلم في صحيحه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ ‌شَيْءٍ ‌بِقَدَرٍ، ‌حَتَّى ‌الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ» أي الغباء والذكاء، فلا يجوز أن يقال إن الله قدّر الخير ولم يقدّر الشرّ لأن هذا ضدُّ القرءان والحديث والعقل.

 وتقدير الله للشر وإرادته للشر وخلقه للشر ليس قبيحًا منه تعالى، إنما فعل العبد للقبيح قبيح وذلك لأن العبد مأمور بفعلِ الخيرِ منهيٌ عن فعل الشر، أما الله تعالى فهو الآمر الذي لا آمر له والناهي الذي لا ناهي له. والفرق بين الخير والشر أن الخير يحبه الله وأمر به والشر لا يحبه الله ونهى عنه وإلا فكلٌ بخلق الله وتقدير الله وعلم الله ومشيئته.

فإذا سأل سائل: الإنسان مُخيّر أم مُسيّر؟ فالجواب أن يقال: إن الإنسان مختارٌ تحت مشيئة الله، فالإنسان له اختيار لكنه لا يخرج عن مشيئة الله. مشيئة الإنسان يخلقها الله. قال الله تعالى: (‌وَمَا ‌تَشَآءُونَ ‌إِلَّآ ‌أَن ‌يَشَآءَ ‌ٱللَّهُ ‌رَبُّ ‌ٱلۡعَٰلَمِينَ) [سورة التكوير/ الآية 29] فلا يقال الإنسان له اختيار مستقل عن مشيئة الله ولا يقال الإنسان لا مشيئة له. الإنسان يكتسب أعماله فقط ولا يخلقها. قال الله تعالى: (لَهَا ‌مَا ‌كَسَبَتۡ ‌وَعَلَيۡهَا ‌مَا ‌ٱكۡتَسَبَتۡۗ) [سورة البقرة/ الآية 286] فالإنسان لا يكون منه إلا ما قدَّرَ الله كما قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري: «اعْمَلُوا ‌فَكُلٌّ ‌مُيَسَّرٌ ‌لِمَا ‌خُلِقَ ‌لَهُ» وحظ العبد من فعله توجيه القصد نحو العمل، والله يخلقه عند ذلك إن شاء، فالعباد مظاهرٌ لاكتساب الأعمال لا حظ لهم في الخلق قال الله تعالى: (هَلۡ ‌مِنۡ ‌خَٰلِقٍ ‌غَيۡرُ ‌ٱللَّهِ) [سورة فاطر/ الآية 3] معناه لا خالق إلا الله. وروى ابن حبان أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله صانع كلِ صانعٍ وصنعتِه» أي صانع العبدِ وفعلِه.

ومن أقوى الأدلة لأهل السنة أن الله هو خالق فعلِ العبد لا حظَّ للعبد في الخلق، قولُه تعالى: (فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ ‌وَلَٰكِنَّ ‌ٱللَّهَ ‌قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ) [سورة الأنفال/ الآية 17] معناه وما رميت يا محمدُ خلقًا، إذ رميت كسبًا، ولكن الله رمى خلقًا. وقد سئل الإمام الشافعي رضي الله عنه عن القدر فقال:

ما شئتَ() كان وإن لـم أَشَــأ *** وما شِئــتُ إن لم تَشأ لم يكــــن

خلَقتَ العبادَ على ما علمـتَ *** ففي العلم يجرى الفتى والمُسِـنّ

على ذا منَنتَ وهذا خذَلـــتَ *** وهـــذا أعَنــــتَ وذا لــم تُعــِـن

فمنهم شقـــيٌ ومنهم سعـــيدٌ *** ومنهم قبيــــحٌ ومنهم حســــــن

فسّر الشافعيُّ القدرَ بالمشيئةِ وبيّنَ أنّ ما شاءه الله لابد أن يكون وما شاءه العبد لا يكون إلا إذا شاء الله وأن كل شئ بخلقٍ الله وعلمه ومشيئته.

وقد ضلّ أناسٌ ينسبون أنفسهم زورًا وبهتانًا للإسلام فجعلوا مشيئة الله تابعة لمشيئة العبد وهذا ضدُ قوله تعالى: (‌وَمَا ‌تَشَآءُونَ ‌إِلَّآ ‌أَن ‌يَشَآءَ ‌ٱللَّهُ ‌رَبُّ ‌ٱلۡعَٰلَمِينَ) [سورة التكوير/ الآية 29] وقالتِ المُعتزلةُ والعياذ بالله: إن الله خلق أجسام العباد وأعطاهم القدرة على خلق أفعالهم ثم صار عاجزًا عن خلقها وهذا من أشنعِ الكفر. قال بعض العلماء: المعتزلة جعلوا الله كمن قيل فيه المثل: أدخلته داري فأخرجني منها، معناه جعلوا الله مغلوبًا في ملكهِ، والله تعالى يقول:  (وَٱللَّهُ ‌غَالِبٌ ‌عَلَىٰٓ ‌أَمۡرِهِۦ) [سورة يوسف/ الآية 21] أي مشيئة الله نافذة.

وقد روى ابنُ حبان أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لو عذَّب أهل أرضهِ وسمواته لعذَّبَهُم وهو غيرُ ظالمٍ لهم ولو رحِمَهُم كانت رحمتُهُ خيرًا لهم من أعمالِهم ولو أنْفَقْتَ مثلَ أُحدٍ ذهبًا في سبيل الله ما قَبِلَهُ الله منك حتى تُؤمنَ بالقدرِ وتعلمَ أنَّ ما أصابَك لم يكن ليُخطئَكَ وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مُتَّ على غيرِ هذا دَخَلْت النار». لا شَرِيكَ لَهُ لا خالق معه سبحانه وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ أمرني ربي بهذا وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وفي رواية: (وأنا أول المسلمين)، أي أول المسلمين في زماني على وجه الأرض اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ هو سبحانه مَالِكُ المُلكِ: الَّذِي يَعُودُ إِلَيهِ المُلكُ الَّذِي أَعطَاهُ لِبَعضِ عِبَادِهِ فِي الدُّنيَا، قَالَ تَعَالَى: (قُلِ ‌ٱللَّهُمَّ ‌مَٰلِكَ ‌ٱلۡمُلۡكِ ‌تُؤۡتِي ‌ٱلۡمُلۡكَ ‌مَن ‌تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ) [سورة آل عمران/ الآية 26] وَلَيسَ هَذَا المُلكُ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لَهُ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ فَصِفَاتُ اللهِ غَيرُ مَخلُوقَةٍ، بَلِ المُرَادُ المُلكُ الَّذِي يُعطِيهِ اللهُ العِبَادَ اللهُ يَملِكُهُ، قَالَ الزَّجَّاجُ: “مَالِكُ المُلكِ: اللهُ تَعَالَى يَملِكُ المُلكَ يُعطِيهِ مَن يَشَاءُ وَهُوَ مَالِكُ المُلُوكِ وَالمُلَّاكِ يَصرِفُهُم تَحتَ أَمرِهِ وَنَهيِهِ لَا مَانِعَ لِمَا أَعطَى وَلَا مُعطِيَ لِمَا مَنَعَ”.اهـ

أَمَّا مُلكُ اللهِ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ فَهُوَ أَزَلِيٌّ، قَالَ تَعَالَى: (‌كُلُّ ‌شَيۡءٍ ‌هَالِكٌ ‌إِلَّا ‌وَجۡهَهُۥۚ ‌لَهُ ‌ٱلۡحُكۡمُ ‌وَإِلَيۡهِ ‌تُرۡجَعُونَ) [سورة القصص/ الآية 88] قَالَ البُخَارِيُّ: أَي إِلَّا مُلكَهُ أَي سُلطَانَهُ.اهـ وَقَد وَرَدَ فِي الشَّرعِ تَحرِيمُ قَولِ شَاهَان شَاه لِلسُّلطَانِ وَغَيرِهِ، لِأَنَّ مَعنَاهُ مَلِكُ المُلُوكِ، وَلَا يُوصَفُ بِذَلِكَ غَيرُ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فيما رواه مسلم: «إِنَّ أَخنَعَ اسمٍ عِندَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَملَاكِ»، لِأَنَّ مَلِكَ المُلُوكِ هُوَ اللهُ تَعَالَى لَا غَيرُهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ سُفيَانُ بنُ عُيَينَةَ: “مَلِكُ الأَملَاكِ مِثلُ شَاهَان شَاه”.اهـ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِى النبي يعلمنا أن نقول هذا الدعاء فهو من باب تعليمنا، وهو عليه الصلاة والسلام لا يقع في الكفر ولا في الكبائر ولا في الذنوب الصغيرة التي فيها خسة ودناءة نفس، هذا لا يجوز عليه يستحيل عليه  فَاغْفِرْ لِى ذُنُوبِىَ جَمِيعًا هو مثل قوله عز وجل: (وَٱسۡتَغۡفِرۡ ‌لِذَنۢبِكَ) [سورة غافر/ الآية 55]، والاستغفار أحيانا يكون لرفع الدرجات، ليس شرطا في الاستغفار أن يكون عن ذنوب إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ وَاهْدِنِى لِأَحْسَنِ الأَخْلاقِ النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الناس أخلاقا قَالَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: “لَم يَكُن رَسُولُ اللهِ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا – مَا كَانَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا أَي مَا كَانَ بِطَبعِهِ يَمِيلُ إِلَى الفُحشُ وَلَا كَانَ يَحمِلُ نَفسَهُ عَلَى التَّفَحُّشِ، لَا كَانَ طَبعُهُ مَائِلًا إِلَى ذَلِكَ وَلَا كَانَ يَتَكَلَّفُهُ بَل يَبتَعِدُ عَنهُ – وَلَا سَخَّابًا – وَلَا كَثِيرَ الكَلَامِ فِي الأَسوَاقِ – فِي الأَسوَاقِ وَلَا يَجزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِن يَعفُو وَيَصفَحُ”.اهـ، وَاللهُ تَعَالَى يُحِبُّ أَن يَتَّصِفَ العَبدُ المُسلِمُ بِالعَفوِ لِقَولِهِ تَعَالَى: (ٱلَّذِينَ ‌يُنفِقُونَ ‌فِي ‌ٱلسَّرَّآءِ ‌وَٱلضَّرَّآءِ ‌وَٱلۡكَٰظِمِينَ ‌ٱلۡغَيۡظَ ‌وَٱلۡعَافِينَ ‌عَنِ ‌ٱلنَّاسِۗ ‌وَٱللَّهُ ‌يُحِبُّ ‌ٱلۡمُحۡسِنِينَ) [سورة آل عمران/ الآية 134].

وَرَوَى البَيهَقِيُّ أَنَّ عُقبَةَ بنَ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: مَا النَّجَاةُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ لَهُ: «تَصِلُ مَن قَطَعَكَ، وَتُعطِي مَن حَرَمَكَ، وَتَعفُو عَمَّن ظَلَمَكَ»، هَذِهِ الخِصَالُ الثَّلَاثُ العَظِيمَةُ كَانَت مِن أَوصَافِ الرَّسُولِ ﷺ وَأَخلَاقِهِ، فَقَولُهُ ﷺ: «تَصِلُ مَن قَطَعَكَ» مَعنَاهُ إِنَّ لِلرَّحِمِ حَقَّ الصِّلَةِ، وَالخَصلَةُ الثَّانِيَةُ فِي قَولِهِ: «وَتُعطِي مَن حَرَمَكَ» تَعنِي أَنَّهُ يَنبَغِي لِلمُؤمِنِ أَن يُعطِيَ مِمَّا رَزَقَهُ اللهُ، يُعطِي مَن كَانَ يُعطِيهِ وَمَن كَانَ يَبخَلُ عَلَيهِ، يُعطِي لِوَجهِ اللهِ وَطَلَبًا لِمَا عِندَ اللهِ، وَمَا عِندَ اللهِ خَيرٌ وَأَبقَى، وَالخَصلَةُ الثَّالِثَةُ فِي قَولِهِ: «وَتَعفُو عَمَّن ظَلَمَكَ» مَفهُومَةٌ مِن قَولِ اللهِ تَعَالَى: (‌خُذِ ‌ٱلۡعَفۡوَ ‌وَأۡمُرۡ ‌بِٱلۡعُرۡفِ ‌وَأَعۡرِضۡ ‌عَنِ ‌ٱلۡجَٰهِلِينَ) [سورة الأعراف/ الآية 199] وَهَذَا الحَدِيثُ مَعنَاهُ أَنَّ مَن أَرَادَ النَّجَاةَ مِنَ النَّارِ وَالفَوزَ بِالجَنَّةِ فَليَعمَل بِهَذِهِ الأُمُورِ، أَي لِيُعَامِلِ النَّاسَ بِمَا يُحِبُّ أَن يُعَامِلَهُ النَّاسُ بِهِ أَي بِالصِّدقِ وَالأَمَانَةِ وَالعَفوِ وَالصَّفحِ عِندَ الإِسَاءَةِ، قَالَ القُرطُبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ مِن ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ، تَضَمَّنَت قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ فِي المَأمُورَاتِ وَالمَنهِيَّاتِ، فَقَولُهُ تَعَالَى: (خُذِ ‌ٱلۡعَفۡوَ ‌وَأۡمُرۡ ‌بِٱلۡعُرۡفِ ‌وَأَعۡرِضۡ ‌عَنِ ‌ٱلۡجَٰهِلِينَ) دَخَلَ فِيهِ صِلَةُ القَاطِعِينَ، وَالعَفوُ عَنِ المُذنِبِينَ، وَالرِّفقُ بِالمُؤمِنِينَ، وَغَيرُ ذَلِكَ مِن أَخلَاقِ المُطِيعِينَ، وَدَخَلَ فِي قَولِهِ: (خُذِ ‌ٱلۡعَفۡوَ ‌وَأۡمُرۡ ‌بِٱلۡعُرۡفِ ‌وَأَعۡرِضۡ ‌عَنِ ‌ٱلۡجَٰهِلِينَ) صِلَةُ الأَرحَامِ، وَتَقوَى اللهِ فِي الحَلَالِ وَالحَرَامِ، وَغَضُّ الأَبصَارِ، وَالِاستِعدَادُ لِدَارِ القَرَارِ، وَفِي قَولِهِ: (خُذِ ‌ٱلۡعَفۡوَ ‌وَأۡمُرۡ ‌بِٱلۡعُرۡفِ ‌وَأَعۡرِضۡ ‌عَنِ ‌ٱلۡجَٰهِلِينَ) [سورة الأعراف/ الآية 199] الحَضُّ عَلَى التَّعَلُّقِ بِالحِلمِ، وَالإِعرَاضِ عَن أَهلِ الظُّلمِ، وَالتَّنَزُّهِ عَن مُنَازَعَةِ السُّفَهَاءِ، وَمُسَاوَاةِ الجَهَلَةِ الأَغبِيَاءِ، وَغَيرُ ذَلِكَ مِنَ الأَخلَاقِ الحَمِيدَةِ وَالأَفعَالِ الرَّشِيدَةِ، وَنَظَمَهُ بَعضُ الشُّعَرَاءِ فَقَالَ:

مَكَـــارِمُ الأَخلَاقِ فِي ثَلَاثَــــــةٍ *** مَـن كَمُلَت فِيهِ فَذَلِكَ الفَتَــى

إِعطَاءُ مَن يَحرِمُهُ وَوَصلُ مَـن *** يَقطَعُهُ وَالعَفوُ عَمَّنِ اعتَـدَى

وَقَالَ بَعضُ السَّلَفِ: أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ بِمَكَارِمِ الأَخلَاقِ فِي هَذِهِ الآيَةِ، وَلَيسَ فِي القُرآنِ آيَةٌ أَجمَعُ لِمَكَارِمِ الأَخلَاقِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.اهـ لا يَهْدِى لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ الله تعالى هو الذي يوفق عباده إلى هذه الأخلاق، فهو سبحانه خالق كل شيء وَاصْرِفْ عَنِّى سَيِّئَهَا لا يَصْرِفُ عَنِّى سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكِ إِقَامَةً بَعْدَ إِقَامَةٍ يُقَالُ لَبَّ بِالْمَكَانِ لَبًّا وَأَلَبَّ إِلْبَابًا أَيْ أَقَامَ بِهِ، وقَوْلُهُ وَسَعْدَيْكَ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ مُسَاعَدَةً لِأَمْرِكَ بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ وَمُتَابَعَةً لِدِينِكَ بَعْدَ مُتَابَعَةٍ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِى يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ قال النووي: قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ فِيهِ الْإِرْشَادُ إِلَى الْأَدَبِ فِي الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمَدْحِهِ بِأَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ مَحَاسِنُ الْأُمُورِ دُونَ مَسَاوِيهَا عَلَى جِهَةِ الْأَدَب. وَقَوْلُهُ: (وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ) فَمِمَّا يَجِبُ تَأْوِيلُهُ لِأَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ كُلَّ الْمُحْدَثَاتِ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَخَلْقُهُ سَوَاءٌ خَيْرُهَا وَشَرُّهَا وَحِينَئِذٍ يَجِبُ تَأْوِيلُهُ وَفِيهِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا مَعْنَاهُ لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْكَ وقالوا مَعْنَاهُ لَا يُضَافُ إِلَيْكَ عَلَى انْفِرَادِهِ لَا يُقَالُ يَا خَالِقَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ وَيَا رَبَّ الشَّرِّ وَنَحْوُ هَذَا وَإِنْ كَانَ خَالِقَ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَالثَّالِثُ مَعْنَاهُ وَالشَّرُّ لَا يَصْعَدُ إِلَيْكَ إِنَّمَا يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ وَالرَّابِعُ مَعْنَاهُ وَالشَّرُّ لَيْسَ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْكَ فَإِنَّكَ خَلَقْتَهُ بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ شَرٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ أَيِ الْتِجَائِي وَانْتِمَائِي إِلَيْكَ وَتَوْفِيقِي بِكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ اسْتَحْقَقْتَ الثناء وقيل ثبت الخير عندك أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ».

والله تعالى أعلم وأحكم